ذكرى رحيل عرفات... صاحب الكوفية التي حرست القضية

رحلة في أرشيف «الشرق الأوسط» واستعادة لـ3 حوارات أُجريت مع «الختيار»

«رحل الرمز... وبقيت القضية»، هكذا اختارت صحيفة «الشرق الأوسط» عنونة صفحتها الأولى الصادرة في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004
«رحل الرمز... وبقيت القضية»، هكذا اختارت صحيفة «الشرق الأوسط» عنونة صفحتها الأولى الصادرة في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004
TT

ذكرى رحيل عرفات... صاحب الكوفية التي حرست القضية

«رحل الرمز... وبقيت القضية»، هكذا اختارت صحيفة «الشرق الأوسط» عنونة صفحتها الأولى الصادرة في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004
«رحل الرمز... وبقيت القضية»، هكذا اختارت صحيفة «الشرق الأوسط» عنونة صفحتها الأولى الصادرة في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004

«رحل الرمز... وبقيت القضية»، هكذا اختارت صحيفة «الشرق الأوسط» عنونة صفحتها الأولى الصادرة في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004، أي بعد يوم على وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وفي الذكرى الـ15 على رحيل أبو عمار، نفتح صفحات الأرشيف لنتذكر التغطية المكثفة لموته الغامض وجنازته الحاشدة. كما نستعرض ثلاثة حوارات أجراها صحافيو الجريدة مع «الختيار».

الرقم الفلسطيني الصعب
«في الساعات الأولى من فجر اليوم الثالث عشر من وصوله إلى باريس للعلاج من مرض لم يُكشف عنه بعد، توقف نبض قلب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، كما توقفت رئتاه عن العمل، لتفارق روحه جسده معلنةً بذلك نهاية مرحلة فلسطينية وبداية مرحلة أخرى». خبر الصفحة الأولى نقل جو التوتر الذي ساد العالم حينها.
الجريدة كرّست صفحاتها الداخلية في العدد ذاته للتغطية التي شملت التساؤلات التي صاحبت أسباب الوفاة وردود فعل الجانب الإسرائيلي، منها تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، الذي قال إن «موت عرفات احتمال لانعطاف تاريخي في الشرق الأوسط». كما نقلت الصفحات تفاصيل الجنازة المقررة في القاهرة والدفن في رام الله، إلى جانب توثيق أجواء الحزن التي خيّمت على الضفة الغربية وقطاع غزة، ومسيرات الحداد التي أقامها «فلسطينيو الـ48» في الشوارع. وضمّت تقريراً يوثق أهم محطات حياة «الختيار» ونضاله السياسي.
جميع التفاصيل كانت حاضرة في العدد، حتى ابنة عرفات الوحيدة «زهوة» التي تأكد نبأ تغيبها عن جنازته في القاهرة، وتنكيس الأعلام في الدول العربية حداداً، ووابل التعازي من حول العالم.
وفي ملحق حصاد الأسبوع الصادر يومها نُشر تقرير تحت عنوان «عرفات ابتسم وسط غيبوبته عندما قال له مرافقوه: أبو عمار انظر... شيراك جاء لزيارتك».



جنازة مهيبة... وكلمات من عاهل الأردن وبيريز
«رحلة عرفات الأخيرة» تضمنت محطتين. الأولى اصطحبته لجنازته المهيبة في القاهرة من باريس، والأخرى حيث وارى جثمانه الثرى في رام الله. حرصت «الشرق الأوسط» في عددها الصادر يوم 13 نوفمبر 2004 على تغطية الرحلة. في الصفحة الأولى صورتان. الأولى للقادة العرب خلال الجنازة في القاهرة، والأخرى لقبر عرفات في رام الله وتعتليه الكوفية الفلسطينية.
وفي الصفحات الداخلية كانت التفاصيل: 9 زعماء عرب تقدموا الجنازة العسكرية التي حضرها 14 وزير خارجية أوروبياً - اختصار لمراسم الدفن في رام الله جراء تدافع عشرات الألوف - مطالبات من طبيب أبو عمار بتشريح جثته... ودعوات أميركية لإجراء انتخابات فلسطينية.
وتحت عنوان «نساء في حياة عرفات» تقرير مفصّل عن التأثير النسوي على محطات حياة الرئيس الفلسطيني الراحل. التقرير يبدأ بأبيات من قصيدة محمود درويش «إلى أمي». ويقول: «كان محمود درويش يحكي عن ياسر عرفات عندما كتب في بداية الستينات هذه القصيدة... ياسر عرفات الذي عاش منذ طفولته بلا أم وبلا حبيبة وبلا زوجة تزوج الثورة واعتبر أمه هي فلسطين». ويروي التقرير تفاصيل وفاة والدة عرفات وهو لم يكمل ربيعه الثالث، وانفصاله عن شقيقاته في طفولته، ولمّ شمل العائلة في القاهرة لتصبح شقيقته الكبرى يسرا «أمه الروحية». ثم يروي تفاصيل زواجه بسهى عرفات وولادة ابنته التي سماها على اسم والدته «زهوة».
صفحات الرأي من العدد ذاته تضمنت مقالات عن «الختيار» بقلم كلٍّ من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز، والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. أكد العاهل الأردني في مقاله أن «الفرصة موجودة للتعبير عن الاحترام لما ظل يحمله عرفات، في التوجه مجدداً صوب إحراز تقدم في عملية السلام». أما بيريز فقال: «قال لي (عرفات) بمرارة بعد توقيعنا اتفاق أوسلو: انظر ما فعلت بي... حوّلتني من رمز وشخصية محبوبة في نظر شعبي إلى شخصية مثيرة للجدل في نظر الفلسطينيين والعالم العربي كله».

3 حوارات: المقتضب والطائر... والأخير
أجرت «الشرق الأوسط» عدة حوارات مع «الختيار» على مر السنوات. وتعود للأذهان ثلاثة.
حديث مقتضب مع ياسر عرفات، الذي كان رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك أجراه قاسم السماوي من بغداد ونُشر في الصفحة الأولى من عدد الجريدة الصادر في 12 أبريل (نيسان) عام 1986. «الشرق الأوسط» سألت أبو عمار عن حقيقة ما ذُكر عن قيام أبو الزعيم (العميد عطا الله عطا الله) ومجموعة من الضباط بمحاولة انشقاق، فأجاب بعد فترة صمت تلقّى خلالها نص تصريحات أدلى بها أبو الزعيم في عمان رداً على تصريحات أبو إياد، الرجل الثاني في حركة «فتح»: «ما كان ينبغي للأخ أبو إياد أن يكلّف نفسه عناء الرد على ما صدر عن أبو الزعيم... وكان من صلاحيته أن يفصل أبو الزعيم بصفته القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية لكنه آثر أن يترك هذا الأمر للمجلس العسكري الأعلى».
نشرت الصحيفة في عددها الصادر يوم 28 مارس (آذار) من عام 1990 حواراً مطوّلاً «طائراً» أجراه غسان شربل مع عرفات، تم على دفعتين في طائرة الرئيس الفلسطيني بين الدار البيضاء والعاصمة الجزائرية، وبين الجزائر وتونس. وعن ذلك كتب شربل: «برغم السفر الطويل المنهك لم يتعب (الختيار) الذي إن سألته إن كان سيتولى الرئاسة بعد قيام الدولة، يسارع إلى الإجابة: إذا انتخبني رفاقي».
«إذا سألت الرئيس ياسر عرفات عن المدى الذي بلغته المسيرة الفلسطينية وإلى أين تتجه الآن؟ يسارع إلى إعادتك إلى الذاكرة. هل نسيت ما قلته لكم عشية الخروج من بيروت في صيف 1982؟ قلت إنني ذاهب إلى فلسطين. وقلت يومها إن البركان انفجر ولن يتوقف»، هكذا بدأت مقدمة الحوار الشامل الذي طُرحت الملفات الملحّة خلاله، من احتمال الحوار الفلسطيني - الإسرائيلي بعد الأزمة الحكومية التي عانت منها الأخيرة، وخروج المنظمة من بيروت، والانتفاضة التي مكّنت من إعلان الدولة وإطلاق مبادرة السلام، وملف هجرة اليهود السوفيات، وغيرها. وعن سؤال: «أيهما كان أصعب، قرار إطلاق الرصاصة الأولى على إسرائيل أم قرار التحاور معها؟»، أجاب أبو عمار: «طبعا الثاني».
«اتصال هاتفي في العاشرة والنصف ليلاً من مكتب ياسر عرفات جاء ليضع حداً للقلق الذي ظل يلازمنا طيلة 5 أيام في انتظار مقابلة الرئيس»، هكذا كانت مقدمة الحوار الأخير مع الصحف العربية الذي أجراه ياسر عرفات، وكان من نصيب صحافيَّي «الشرق الأوسط» علي الصالح ونظير مجلي. المقابلة أُجريت بعد منتصف الليل واستمرت قرابة الساعة، ونُشرت في عدد الصحيفة الصادر يوم 5 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2004، أي قبل نحو شهر على رحيل أبو عمار، وضع خلالها الرئيس الراحل النقاط على الحروف بما يتعلق بملفات عالقة، كل ذلك من مقره المحاصر في رام الله الذي كان قد أمضى فيه نحو ألف يوم.
وخلال المقابلة، قال عرفات إنه مستعد للتنحي عن قيادة الشعب الفلسطيني ليصبح «نيلسون مانديلا فلسطين، بشرط أن تقام الدولة الفلسطينية». ووصف ما يجري في منطقة الشرق الأوسط بـ«اتفاق سايكس بيكو جديد، يرمي إلى منع قيام دولة فلسطينية مستقلة ويحرم المنطقة من السلام والاستقرار». وصاحب المقابلة كادر بقلم الصحافيين اللذين أجريا المقابلة تحت عنوان: «حصار عرفات بعد ألف يوم وليلة: غرفة الرئيس برلمان لهجاء السلطة والمسؤولين». وقالا: «يستقبلك (عرفات) بتواضع، يودِّعك بحرارة، ويتركك دائماً حائراً في السؤال: كيف يمكن شحذ كل هذه القوى؟ أيُّ نوع من البشر هو ذلك الرجل؟».




السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في اتخاذ أي إجراءات قد تطلبها السعودية، مشدداً على أن مصر «ستنفذ أي إجراء للدفاع عن الأشقاء في الخليج».

وقرر مجلس النواب المصري عقد جلسة عامة الأحد، وذلك «في ضوء طلب الرئيس».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، لكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها الرئيس المصري تفويض البرلمان، ما عده مراقبون تأكيداً على استعداد القاهرة لدعم أشقائها في الخليج وأن جهودها تندرج في سياق الدفاع وليس الهجوم.

وأكد الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة، أن بلاده تقف بقوة لدعم حماية أراضي الأشقاء في الخليج، وقال: «نحن لا نبحث عن دور، لكن لا يمكن السماح بالمساس بأمن واستقرار الأراضي السعودية».

ودعا الرئيس المصري إلى وقف الحرب والتصعيد في المنطقة، مشيراً إلى أن «القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وفقاً لتوجيهات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان»، مشدداً على أن أمن المملكة واستقرارها لا يمكن أن يكونا موضع تساهل.

وأضاف أن «هذا الموضوع يتطلب تصديقاً من البرلمان» موجهاً «الدعوة للبرلمان لعقد جلسة طارئة للتفويض إذا طلب منا ذلك». وتابع: «هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط».

وشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة عدم نسيان ما قدمته دول الخليج لمصر من دعم منذ عام 2013، موجهاً الشكر إلى دول الخليج على الدعم».

وسبق أن أكد الرئيس المصري، مراراً، أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي إن تصريحات السيسي بشأن الاستعداد لاتخاذ إجراءات لحماية الأشقاء في دول الخليج، إذا طُلب ذلك، «تحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة، مفادها أن مصر تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري والعربي، وأن التضامن العربي لا يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، وإنما يمتد إلى الاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تتعرض الدول العربية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها».

وأوضح حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «حديث الرئيس ينطوي على دلالة تتمثل في تأكيده أن أي تحرك مصري محتمل سيكون في إطار الدفاع والحماية، وبناءً على طلب من الأشقاء، وليس بهدف الاعتداء على أي طرف أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة».

وعدَّ ذلك «يعكس الفارق بين امتلاك القدرة على حماية المصالح العربية، والرغبة في التصعيد»، وقال: «حديث الرئيس يؤكد أن القوة هنا أداة للردع والحماية، وليست هدفاً للحرب والتصعيد، وفي إطار التزام مصر العروبي الأصيل مع الحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات دول المنطقة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الشرطة الخميس (الرئاسة المصرية)

وشهدت الشهور الماضية اتصالات وجهوداً مصرية لوقف التصعيد في المنطقة، وإدانة للاعتداءات على دول الخليج.

وقال عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، مصطفى بكري، إن حديث الرئيس السيسي عن استعداد مصر لدعم السعودية، حال طلبها ذلك، هو تطبيق لمبدأ «مسافة السكة» الذي سبق أن طرحه الرئيس وتأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري».

وأوضح بكري لـ«الشرق الأوسط» أن دعوة البرلمان للانعقاد «تأتي احتراماً للدستور، الذي يشترط موافقة البرلمان على إرسال قوات خارج الحدود».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء»، وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إشارة الرئيس إلى ضرورة انعقاد البرلمان المصري ومنح التفويض اللازم تكشف عن «أهمية الالتزام بالأطر الدستورية والمؤسسية في القرارات المرتبطة بالأمن القومي واستخدام القوة العسكرية»، موضحاً أن «المسألة ليست مجرد إعلان موقف سياسي، وإنما تتعلق بإجراءات ذات طبيعة سيادية مهمة واستراتيجية تستلزم استيفاء المتطلبات الدستورية والقانونية ذات الصلة».

وعلى المستوى الاستراتيجي أكد حجازي أن «مصر تدرك أن أي تهديد لأمن دول الخليج لا تنعكس تداعياته على الدول المعنية وحدها، بل تمتد آثاره إلى أمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الأمن القومي العربي، ومن ثم، فإن حفظ أمن الخليج تمثل مسؤولية جماعية وواجب ومصلحة عربية مشتركة وليست مسؤولية دولة بعينها».


هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)

لم يعد استهداف الحوثيين لمطار عدن الدولي مجرد اعتداء على منشأة حيوية، بل بات يثير مخاوف أوسع بشأن سلامة الطيران المدني في اليمن، مع تكرار الهجمات على المطار الذي يمثل أحد المنافذ الرئيسية المتاحة أمام اليمنيين للسفر إلى الخارج، في وقت تزداد فيه المخاطر المحيطة بالبنية التحتية المدنية في البلاد.

ويضع استهداف المطار بصاروخين باليستيين، للمرة الثانية خلال أيام، حركة الطيران أمام تهديد مباشر، خصوصاً أن الهجوم الأخير تزامن مع استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى العاصمة المصرية القاهرة، ووجود طائرة أخرى تابعة لشركة «فلاي عدن» في الأجواء قادمة من المدينة نفسها، في واقعة كشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الرحلات التجارية في أثناء استخدام المجال الجوي والمرافق المدنية.

وقالت وزارة النقل اليمنية إن الصاروخين سقطا في محيط المطار، أحدهما عند البوابة الغربية باتجاه المدرج، والآخر شمال غربي المطار. وأُخليت الطائرة اليمنية التي كانت تستعد لتشغيل رحلة إلى القاهرة، فيما كانت الرحلة التابعة لـ«فلاي عدن» في طريقها من العاصمة المصرية.

إحدى طائرات الخطوط الجوية اليمنية في مطار عدن (إعلام حكومي)

وتتجاوز خطورة هذه الهجمات الأضرار المادية المباشرة، إذ إن تكرار استهداف المطارات يضع سلامة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين أمام مخاطر متجددة، كما يهدد انتظام الرحلات التي يعتمد عليها اليمنيون في السفر للعلاج والعمل والتنقل بين البلاد والخارج.

تهديد يتجاوز محيط المطار

تقول وزارة النقل إن استهداف مطار عدن يمثل انتهاكاً للحماية المقررة للمنشآت المدنية والطيران التجاري بموجب القوانين والمواثيق الدولية، محذرةً من أن استمرار الاعتداءات قد ينعكس على حركة النقل الجوي والاقتصاد الوطني، ويضاعف معاناة المواطنين الذين يعتمدون على المطارات في تنقلاتهم، بما في ذلك الحالات المرضية والإنسانية.

ودعت الوزارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالطيران المدني، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، إلى إدانة الهجمات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكدةً أن المطار منشأة مدنية مخصصة لخدمة المواطنين ولا يجوز تعريضها لأعمال عسكرية تهدد سلامة مرتاديها.

الحوثيون استهدفوا مطار عدن الدولي للمرة الثانية خلال أسبوع (إعلام حكومي)

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية منافذ السفر المتاحة أمام اليمنيين، إذ إن تعطيل مطار رئيسي أو تعريض الرحلات العاملة فيه للخطر لا يقتصر أثره على شركة طيران أو وجهة بعينها، وإنما يمتد إلى قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الطبية والفرص الاقتصادية والروابط الأسرية خارج البلاد.

اختبار لصمود عدن

في مواجهة تداعيات الهجوم الحوثي، تفقَّد وزير النقل محسن العُمري، ووزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، السبت، المطار، واطلعا على الأضرار واطمأنّا على سلامة المسافرين وأطقم الطائرات. كما وجّها الجهات المختصة بتوفير أماكن إقامة مناسبة لركاب الرحلة المتجهة إلى القاهرة، وتقديم التسهيلات اللازمة ومتابعة أوضاعهم.

وأكد المحافظ أن الاعتداءات لن تثني السلطة المحلية ومؤسسات الدولة عن مواصلة عملها، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية في عدن مستقرة، وأن المحافظة قادرة على تجاوز التحديات ومحاولات استهداف أمنها واستقرارها.

ودعا شيخ إلى تعزيز اليقظة والتكاتف لحماية المنشآت الحيوية والحفاظ على السكينة العامة ومصالح المواطنين.

ويعيد تكرار الهجمات على مطار عدن طرح مسألة حماية البنية التحتية المدنية في اليمن، ومدى قدرة الجهات الدولية المعنية على التعامل مع المخاطر التي تهدد الطيران التجاري.

وبينما تؤكد السلطات اليمنية استمرار المطار في أداء مهماته، تبقى سلامة الرحلات والمسافرين التحدي الأبرز أمام منشأة يعتمد عليها ملايين اليمنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تأمين احتياجاتهم من السفر والتنقل.


القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
TT

القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)

تجدّد النزوح في محافظة لحج، جنوب اليمن، مع استهداف الحوثيين قرى سكنية في منطقة الصبيحة بقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، في تصعيد يطال مناطق يساند فيها مسلحون قبليون القوات الحكومية، وبالتزامن مع استمرار عزل محافظة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية والطبية فيها.

وأطلقت السلطة المحلية في لحج نداءً عاجلاً لتوفير المأوى للأسر الفارة من القصف في منطقة الصبيحة، وسط محدودية الإمكانات المتاحة لاستقبال النازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من صعوبة إيصال المساعدات إلى السكان المتضررين من التصعيد، والقيود المفروضة على التنقل.

ودعا مكتب الإعلام في المحافظة أبناء المديريات إلى مساندة الأسر النازحة، خصوصاً كبار السن، والأمهات، والأطفال، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان، مشيراً إلى ما يواجهونه من ظروف إنسانية صعبة بعد فقدان المأوى، والاستقرار.

أوضاع إنسانية صعبة يعيشها الفارون من القصف الحوثي في لحج (إعلام محلي)

وناشد المكتب ملاك المنازل والشقق والعقارات فتح أبوابهم أمام الأسر الفارة، وتأجير المساكن بأسعار رمزية، وميسرة، تراعي أوضاعها الاستثنائية، مؤكداً أن مساعدة النازحين تتطلب تكاتف الجهود المجتمعية للتخفيف من معاناتهم.

وأفادت مصادر حكومية يمنية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحوثيين استهدفوا تجمعات سكنية في أطراف مديريتي رأس العارة، والمضاربة، في غرب لحج، بهدف الضغط على المسلحين القبليين الذين يساندون القوات الحكومية في التصدي لمحاولات التقدم نحو عمق المديرية.

وبحسب المصادر، تسعى الجماعة، من خلال هذه التحركات، إلى تنفيذ التفاف على القوات الحكومية المتمركزة في مرتفعات كهبوب، وتلك الموجودة في منطقة باب المندب، ومديرية ذباب، فيما أدى قصف القرى بقذائف الهاون والطائرات المسيّرة إلى موجة نزوح جديدة بين السكان.

آلاف النازحين في تعز يواجهون نقص الماء والغذاء والوقود (رويترز)

وتواجه السلطات المحلية صعوبات في استيعاب الأعداد المتزايدة من الفارين، في ظل محدودية قدراتها، وضعف الاستجابة الإنسانية المتاحة لتوفير المأوى، والغذاء، والرعاية الصحية، وفق المصادر ذاتها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات أممية إلى ارتفاع عدد النازحين جراء التصعيد إلى 233 ألفاً و77 شخصاً، بينهم 121 ألفاً و530 شخصاً في محافظة تعز وحدها، وسط مخاطر متزايدة تهدد النساء، والأطفال، والفئات الأكثر ضعفاً، الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان.

تعز تحت الحصار

في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين تتفاقم المخاوف الإنسانية مع استمرار إغلاق الطرق الرئيسة التي تربط المحافظة بالمناطق الأخرى، بما فيها عدن، الأمر الذي يعرقل وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى السكان، ويزيد الضغوط على المؤسسات الصحية في المدينة.

وقال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إن المنظمة تواجه تحديات في الوصول إلى الأطفال المحتاجين في المحافظة بسبب استمرار التصعيد، والقيود المفروضة على الحركة.

وأوضح أن نحو 110 آلاف طفل هم من بين النازحين الجدد منذ بداية سبتمبر (أيلول)، مشيراً إلى أن المنظمة تحققت من مقتل 30 طفلاً، وإصابة 28 آخرين جراء التصعيد الأخير.

وأضاف أن موجة العنف تقوّض ما تبقى لدى الأطفال من مظاهر الاستقرار، بعد سنوات من المعاناة المرتبطة بالجوع، والنزوح، وتعطل التعليم.

استمرار عزل الحوثيين مدينة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (رويترز)

من جهته، حذّر طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، من تدهور الوضع الصحي في تعز، مشيراً إلى أن المدينة أصبحت معزولة، وأن المستشفيات تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، مع امتداد القتال إلى مناطقها الحضرية.

وذكر أن 12 مستشفى في المدينة لا تملك سوى مخزون من الوقود يكفي لأربعة أيام، بالتزامن مع نقص الأكسجين، والأدوية، ونفاد المستلزمات الجراحية، وهي احتياجات تمثل تهديداً مباشراً لاستمرار تقديم الخدمات الطبية.

ولفت إلى الحاجة الملحة لتوفير الوقود، والأكسجين، خصوصاً للمرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى، والمرضى في أقسام العناية المركزة، معرباً عن قلقه من تزايد حالات الإصابة بالكوليرا.

وشددت الأمم المتحدة على ضرورة ضمان وصول آمن ومستدام للمساعدات الإنسانية إلى تعز، وسائر المناطق اليمنية المتضررة، في ظل اتساع الاحتياجات، وتراجع قدرة الخدمات الأساسية على الاستجابة.

الكوليرا خارج الحدود

على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، تواجه جيبوتي بدورها تحدياً صحياً مع تفشي الكوليرا في مخيم اللاجئين المركزي، حيث سُجلت نحو 31 إصابة بين آلاف الفارين اليمنيين من الهجمات الحوثية، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم المفوضية، إن 20 مصاباً تعافوا، بينما لا يزال عشرة أشخاص يتلقون الرعاية الطبية، مع تسجيل وفاة واحدة.

دعوات أممية من أجل تمكين الوكالات الإنسانية من تقديم المساعدات لسكان تعز المحاصرة (رويترز)

وأضاف أن أكثر من أربعة آلاف شخص وصلوا من اليمن إلى شرق أفريقيا، بينهم نحو 3800 لاجئ وصلوا إلى جيبوتي، ونحو 200 آخرين إلى الصومال.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالأزمة اليمنية، من موجات النزوح في لحج، وتعز، إلى تحديات الرعاية الصحية، ومخاطر الأمراض في مناطق اللجوء، في وقت تؤكد فيه المنظمات الأممية ضرورة تأمين الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية للمتضررين.