ذكرى رحيل عرفات... صاحب الكوفية التي حرست القضية

رحلة في أرشيف «الشرق الأوسط» واستعادة لـ3 حوارات أُجريت مع «الختيار»

«رحل الرمز... وبقيت القضية»، هكذا اختارت صحيفة «الشرق الأوسط» عنونة صفحتها الأولى الصادرة في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004
«رحل الرمز... وبقيت القضية»، هكذا اختارت صحيفة «الشرق الأوسط» عنونة صفحتها الأولى الصادرة في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004
TT

ذكرى رحيل عرفات... صاحب الكوفية التي حرست القضية

«رحل الرمز... وبقيت القضية»، هكذا اختارت صحيفة «الشرق الأوسط» عنونة صفحتها الأولى الصادرة في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004
«رحل الرمز... وبقيت القضية»، هكذا اختارت صحيفة «الشرق الأوسط» عنونة صفحتها الأولى الصادرة في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004

«رحل الرمز... وبقيت القضية»، هكذا اختارت صحيفة «الشرق الأوسط» عنونة صفحتها الأولى الصادرة في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2004، أي بعد يوم على وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وفي الذكرى الـ15 على رحيل أبو عمار، نفتح صفحات الأرشيف لنتذكر التغطية المكثفة لموته الغامض وجنازته الحاشدة. كما نستعرض ثلاثة حوارات أجراها صحافيو الجريدة مع «الختيار».

الرقم الفلسطيني الصعب
«في الساعات الأولى من فجر اليوم الثالث عشر من وصوله إلى باريس للعلاج من مرض لم يُكشف عنه بعد، توقف نبض قلب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، كما توقفت رئتاه عن العمل، لتفارق روحه جسده معلنةً بذلك نهاية مرحلة فلسطينية وبداية مرحلة أخرى». خبر الصفحة الأولى نقل جو التوتر الذي ساد العالم حينها.
الجريدة كرّست صفحاتها الداخلية في العدد ذاته للتغطية التي شملت التساؤلات التي صاحبت أسباب الوفاة وردود فعل الجانب الإسرائيلي، منها تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، الذي قال إن «موت عرفات احتمال لانعطاف تاريخي في الشرق الأوسط». كما نقلت الصفحات تفاصيل الجنازة المقررة في القاهرة والدفن في رام الله، إلى جانب توثيق أجواء الحزن التي خيّمت على الضفة الغربية وقطاع غزة، ومسيرات الحداد التي أقامها «فلسطينيو الـ48» في الشوارع. وضمّت تقريراً يوثق أهم محطات حياة «الختيار» ونضاله السياسي.
جميع التفاصيل كانت حاضرة في العدد، حتى ابنة عرفات الوحيدة «زهوة» التي تأكد نبأ تغيبها عن جنازته في القاهرة، وتنكيس الأعلام في الدول العربية حداداً، ووابل التعازي من حول العالم.
وفي ملحق حصاد الأسبوع الصادر يومها نُشر تقرير تحت عنوان «عرفات ابتسم وسط غيبوبته عندما قال له مرافقوه: أبو عمار انظر... شيراك جاء لزيارتك».



جنازة مهيبة... وكلمات من عاهل الأردن وبيريز
«رحلة عرفات الأخيرة» تضمنت محطتين. الأولى اصطحبته لجنازته المهيبة في القاهرة من باريس، والأخرى حيث وارى جثمانه الثرى في رام الله. حرصت «الشرق الأوسط» في عددها الصادر يوم 13 نوفمبر 2004 على تغطية الرحلة. في الصفحة الأولى صورتان. الأولى للقادة العرب خلال الجنازة في القاهرة، والأخرى لقبر عرفات في رام الله وتعتليه الكوفية الفلسطينية.
وفي الصفحات الداخلية كانت التفاصيل: 9 زعماء عرب تقدموا الجنازة العسكرية التي حضرها 14 وزير خارجية أوروبياً - اختصار لمراسم الدفن في رام الله جراء تدافع عشرات الألوف - مطالبات من طبيب أبو عمار بتشريح جثته... ودعوات أميركية لإجراء انتخابات فلسطينية.
وتحت عنوان «نساء في حياة عرفات» تقرير مفصّل عن التأثير النسوي على محطات حياة الرئيس الفلسطيني الراحل. التقرير يبدأ بأبيات من قصيدة محمود درويش «إلى أمي». ويقول: «كان محمود درويش يحكي عن ياسر عرفات عندما كتب في بداية الستينات هذه القصيدة... ياسر عرفات الذي عاش منذ طفولته بلا أم وبلا حبيبة وبلا زوجة تزوج الثورة واعتبر أمه هي فلسطين». ويروي التقرير تفاصيل وفاة والدة عرفات وهو لم يكمل ربيعه الثالث، وانفصاله عن شقيقاته في طفولته، ولمّ شمل العائلة في القاهرة لتصبح شقيقته الكبرى يسرا «أمه الروحية». ثم يروي تفاصيل زواجه بسهى عرفات وولادة ابنته التي سماها على اسم والدته «زهوة».
صفحات الرأي من العدد ذاته تضمنت مقالات عن «الختيار» بقلم كلٍّ من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز، والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. أكد العاهل الأردني في مقاله أن «الفرصة موجودة للتعبير عن الاحترام لما ظل يحمله عرفات، في التوجه مجدداً صوب إحراز تقدم في عملية السلام». أما بيريز فقال: «قال لي (عرفات) بمرارة بعد توقيعنا اتفاق أوسلو: انظر ما فعلت بي... حوّلتني من رمز وشخصية محبوبة في نظر شعبي إلى شخصية مثيرة للجدل في نظر الفلسطينيين والعالم العربي كله».

3 حوارات: المقتضب والطائر... والأخير
أجرت «الشرق الأوسط» عدة حوارات مع «الختيار» على مر السنوات. وتعود للأذهان ثلاثة.
حديث مقتضب مع ياسر عرفات، الذي كان رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك أجراه قاسم السماوي من بغداد ونُشر في الصفحة الأولى من عدد الجريدة الصادر في 12 أبريل (نيسان) عام 1986. «الشرق الأوسط» سألت أبو عمار عن حقيقة ما ذُكر عن قيام أبو الزعيم (العميد عطا الله عطا الله) ومجموعة من الضباط بمحاولة انشقاق، فأجاب بعد فترة صمت تلقّى خلالها نص تصريحات أدلى بها أبو الزعيم في عمان رداً على تصريحات أبو إياد، الرجل الثاني في حركة «فتح»: «ما كان ينبغي للأخ أبو إياد أن يكلّف نفسه عناء الرد على ما صدر عن أبو الزعيم... وكان من صلاحيته أن يفصل أبو الزعيم بصفته القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية لكنه آثر أن يترك هذا الأمر للمجلس العسكري الأعلى».
نشرت الصحيفة في عددها الصادر يوم 28 مارس (آذار) من عام 1990 حواراً مطوّلاً «طائراً» أجراه غسان شربل مع عرفات، تم على دفعتين في طائرة الرئيس الفلسطيني بين الدار البيضاء والعاصمة الجزائرية، وبين الجزائر وتونس. وعن ذلك كتب شربل: «برغم السفر الطويل المنهك لم يتعب (الختيار) الذي إن سألته إن كان سيتولى الرئاسة بعد قيام الدولة، يسارع إلى الإجابة: إذا انتخبني رفاقي».
«إذا سألت الرئيس ياسر عرفات عن المدى الذي بلغته المسيرة الفلسطينية وإلى أين تتجه الآن؟ يسارع إلى إعادتك إلى الذاكرة. هل نسيت ما قلته لكم عشية الخروج من بيروت في صيف 1982؟ قلت إنني ذاهب إلى فلسطين. وقلت يومها إن البركان انفجر ولن يتوقف»، هكذا بدأت مقدمة الحوار الشامل الذي طُرحت الملفات الملحّة خلاله، من احتمال الحوار الفلسطيني - الإسرائيلي بعد الأزمة الحكومية التي عانت منها الأخيرة، وخروج المنظمة من بيروت، والانتفاضة التي مكّنت من إعلان الدولة وإطلاق مبادرة السلام، وملف هجرة اليهود السوفيات، وغيرها. وعن سؤال: «أيهما كان أصعب، قرار إطلاق الرصاصة الأولى على إسرائيل أم قرار التحاور معها؟»، أجاب أبو عمار: «طبعا الثاني».
«اتصال هاتفي في العاشرة والنصف ليلاً من مكتب ياسر عرفات جاء ليضع حداً للقلق الذي ظل يلازمنا طيلة 5 أيام في انتظار مقابلة الرئيس»، هكذا كانت مقدمة الحوار الأخير مع الصحف العربية الذي أجراه ياسر عرفات، وكان من نصيب صحافيَّي «الشرق الأوسط» علي الصالح ونظير مجلي. المقابلة أُجريت بعد منتصف الليل واستمرت قرابة الساعة، ونُشرت في عدد الصحيفة الصادر يوم 5 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2004، أي قبل نحو شهر على رحيل أبو عمار، وضع خلالها الرئيس الراحل النقاط على الحروف بما يتعلق بملفات عالقة، كل ذلك من مقره المحاصر في رام الله الذي كان قد أمضى فيه نحو ألف يوم.
وخلال المقابلة، قال عرفات إنه مستعد للتنحي عن قيادة الشعب الفلسطيني ليصبح «نيلسون مانديلا فلسطين، بشرط أن تقام الدولة الفلسطينية». ووصف ما يجري في منطقة الشرق الأوسط بـ«اتفاق سايكس بيكو جديد، يرمي إلى منع قيام دولة فلسطينية مستقلة ويحرم المنطقة من السلام والاستقرار». وصاحب المقابلة كادر بقلم الصحافيين اللذين أجريا المقابلة تحت عنوان: «حصار عرفات بعد ألف يوم وليلة: غرفة الرئيس برلمان لهجاء السلطة والمسؤولين». وقالا: «يستقبلك (عرفات) بتواضع، يودِّعك بحرارة، ويتركك دائماً حائراً في السؤال: كيف يمكن شحذ كل هذه القوى؟ أيُّ نوع من البشر هو ذلك الرجل؟».




العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.