الصحافة الورقية والانتفاضات العربية... محاولات للتغطية رغم المعوّقات

صحف لبنان تغطي الحدث الآني من الاحتجاجات و«النهار» تنفرد وحدها بتكريس عدد خاص للأحداث
صحف لبنان تغطي الحدث الآني من الاحتجاجات و«النهار» تنفرد وحدها بتكريس عدد خاص للأحداث
TT

الصحافة الورقية والانتفاضات العربية... محاولات للتغطية رغم المعوّقات

صحف لبنان تغطي الحدث الآني من الاحتجاجات و«النهار» تنفرد وحدها بتكريس عدد خاص للأحداث
صحف لبنان تغطي الحدث الآني من الاحتجاجات و«النهار» تنفرد وحدها بتكريس عدد خاص للأحداث

تعاني الصحف الورقية المحلية في كل من العراق ولبنان والجزائر منذ سنوات من شح في الموارد وغياب الإعلانات إلى جانب معوّقات أخرى في كل بلد. إذ اضطرت مطبوعات يومية لبنانية إلى التوقف عن الصدور لغياب التمويل، وأدى التوتر الأمني في العراق إلى تعذر صدور المطبوعات، والأمر لم يكن مختلفاً في الجزائر. وفي ظل الاحتجاجات التي تشهدها تلك الدول الثلاث، حاولت الصحف الورقية إنصاف الحدث والتغطية رغم المعوقات... كل على طريقته الخاصة.

صحف العراق... بالكاد تواصل صدورها
رغم الضعف العام الذي تعاني منه الصحف الورقية الصادرة في العراق، سواء قبل انطلاق موجة المظاهرات مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أو بعدها، لأسباب كثيرة لا يتسع المجال هنا لذكرها، فإن التغطيات الخبرية لاحتجاجات العراق، سواء على مستوى الصحافة المكتوبة، أو على مستوى القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، أصيبت بنكسة حقيقية منذ انطلاق المظاهرات بسبب الإجراءات التعسفية وغير المسبوقة التي مارستها السلطات العراقية ضد حرية التعبير ونقل المعلومات بشكل عام وعبر مختلف الوسائل. إذ عمدت السلطات إلى القطع شبه المنظم لشبكة الإنترنت ومنع غالبية الفضائيات من تغطية الاحتجاجات والاعتداء على بعضها، إلى جانب صعوبة الحركة والتنقل التي تعاني منها الصحافة الورقية في ظل الظروف المتوترة السائدة وصعوبة وصول الصحافيين إلى مكاتبهم نتيجة قطع كثير من الطرق في العاصمة بغداد.
غير أن التحديات والظروف والمصاعب الآنفة لم تمنع الصحف البغدادية إجمالاً من الصدور والقيام بالتغطيات الخبرية الممكنة حول المظاهرات في مختلف المناطق العراقية. وقامت بعض المؤسسات والشخصيات الإعلامية والصحافية بجهود استثنائية لتغطية أخبار المظاهرات. وفي هذا السياق أصدرت مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون جريدة يومية توزع مجاناً باسم «الاحتجاج» تتناول قصص المحتجين وتسلط الضوء على الفعاليات التي يقومون بها والأحداث التي يتعرضون لها.
يقول الصحافي في جريدة (المدى) علي حسين، إن «الصحيفة صدرت بعد 3 أيام من انطلاق الاحتجاجات في 25 أكتوبر الماضي، ووزع ملحقها (الاحتجاج) في بغداد ومعظم المحافظات العراقية».
ويضيف حسين في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «(المدى) تسعى للوصول إلى ساحات الاحتجاج كما افتتحت مكتبة باسم (مكتبة شهداء التحرير) داخل المطعم التركي، أو ما بات يعرف بـ(جبل أحد)».
ويشير إلى أن «المكتبة هي مساهمة بسيطة تقدمها المؤسسة والقائمون عليها إلى المتظاهرين الذين يضحون بأرواحهم من أجل الإصلاح والتغيير وأبوابها مفتوحة لكل المحتجين، وتقوم المكتبة بتقديم الكتب المجانية، إلى جانب توزيع جريدة المدى وملحق الاحتجاج». كذلك أصدر جريدة «الصباح الجديد» ملحقاً، تضمن صور الاحتجاجات مع بعض التعليقات عليها.
إلى جانب الجهود التي قامت بها مؤسسة المدى، أصدرت مجموعة من الصحافيين في ساحة التحرير صحيفة «تُكْتك» تيمناً بسواق عربة «التوك توك» من الشباب الذين كان لهم الدور الأبرز في نقل الجرحى والمصابين إلى المستشفيات القريبة من ساحة التحرير.
وقال الصحافي أحمد الشيخ ماجد أحد المساهمين في إصدار وتحرير الصحيفة في وقت سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن «الصحيفة تهدف إلى تغطية وتوثيق كل الفعاليات الاحتجاجية في ساحة التحرير، وفي مقدمتها نشاطات وبطولات شباب التوك توك».
وأضاف أنها «انطلقت من ساحة التحرير وتنتهي بها، بمعنى أنها ستستمر في الصدور لحين انتهاء الاعتصامات والاحتجاجات المحقة وتحقيق أهدافها».
وأصدر الصحافي عبد الرزاق الساعدي مطبوعة أو صحيفة ورقية اسمها «25 أكتوبر» صدرت بمجموعة أعداد بهدف تغطية أخبار الاحتجاجات الشعبية. كذلك صدر مؤخراً مطبوع يحمل عنوان «الانتفاضة» للهدف ذاته المتمثل في تغطية الاحتجاجات وأخبارها.
ونظراً لضعف الإمكانات خصوصاً المادية منها لدى الصحافيين والكتاب الذين أصدروا تلك المطبوعات، بدا واضحاً ومن خلال عمليات الطباعة والتحرير أن بعضها لم يتوفر على القدر الكافي من الرصانة والعمل الاحترافي. كما أسهم الانقطاع شبه التام لشبكة الإنترنت في تراجع مستوى الصحف العراقية بشكل عام لصعوبة أو انعدام الحصول على المعلومات والبيانات الرسمية وشبه الرسمية.
مدير تحرير جريدة «العالم» مصطفى عبادة يقر بصعوبة الظروف التي تواجهها المؤسسات الصحافية والإعلامية بشكل عام، نتيجة أوضاع البلاد المعقدة المرتبطة بالحراك الاحتجاجي وقطع الإنترنت والطرق في أغلب الأحيان.
ويقول عبادة لـ«الشرق الأوسط»: «نواجه ظروفاً صعبة جداً وبالكاد نستطيع أن ننجز متطلبات صدور الصحيفة، ورغم ذلك واصلنا العمل وإصدار الصحيفة بشكل منتظم».
ويشير إلى أن صحيفته «لم تتمكن من إصدار ملاحق خاصة بالاحتجاجات واكتفت بالتغطية الخبرية عبر مطبوع الصحيفة اليومي».

الصحف الورقية اللبنانية تواكب... كل على طريقتها
خلال الاحتجاجات الشعبية القائمة في لبنان منذ أكثر من 20 يوماً، حصدت وسائل الإعلام المرئية الحصة الكبرى من نسب التغطية لها. فلقد تابع اللبنانيون عبر شاشاتهم الصغيرة جميع مراحلها منذ انطلاقتها ولغاية اليوم لحظة بلحظة. ولعب مراسلو محطات التلفزة الموزعون على مختلف المناطق التي احتضنت «لبنان ينتفض» دوراً أساسياً في عملية تغطيتها. وانشغل متتبعو أخبار هذه الانتفاضة من ناحية ثانية بقراءة أخبار المواقع الإلكترونية والتعليقات والتغريدات الواردة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فشكلت مشهدية تكتمل معها صورة الثورة إلكترونياً وتلفزيونياً.
وفي مقابل كل الضجيج الذي أثارته الوسائل المذكورة في تغطيتها للمظاهرات في البلاد، غطت الصحافة الورقية، كل على طريقتها. ففي حين اكتفى البعض بتغطية أخبار المظاهرات ضمن إطار تركيبة صفحاتها العامة لتتوزع بين مقالات وتحليلات وأخبار وصور، أخذت صحف أخرى على عاتقها تخصيص غالبية صفحاتها للتحدث عنها. وفي المقابل صحيفة واحدة لبنانية شذّت عن القاعدة وأصدرت ملحقاً خاصاً بالثورة، بعد أن توجّهت به إلى النساء، وذلك للإضاءة على الدور الاستثنائي الذي تلعبه فيها.
وفي خضم أخبار الصحافة الورقية وكيفية تعاطيها مع الحراك المدني الذي تشهده معظم المناطق اللبنانية، فإن انتفاضات داخلية من نوع آخر عمّت جريدة «الأخبار» مثلاً التي شهدت استقالات محررين «نتيجة تراكم أسباب آخرها أداء الجريدة في تغطية انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول)»، كما أوضحت محررة في تغريدات وتعليقات لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
فثورة «لبنان ينتفض» لم تترك أثرها فقط على المواطن اللبناني، بل طالت أيضاً أبناء البيت الواحد في مؤسسات إعلامية ورقية ومرئية خرج بعض منها إلى العلن وانتشرت بين اللبنانيين.
وإذا استعرضنا كيفية تعاطي الصحف اللبنانية مع حركة الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، فنلاحظ أن جريدة «النهار» كانت الوحيدة التي أصدرت في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عدداً خاصاً بالثورة تضمن ملحقاً خاصاً عنونته «نهارك»، توجهت به إلى العنصر النسائي المشارك في «لبنان ينتفض» بعد أن لعب دوراً بارزاً فيها. وتصدرت صور نساء ثائرات من مختلف الأعمار يحملن العلم اللبناني الصفحات الـ8 التي يتألف منها هذا الملحق. وكتبت على الصفحة الأولى منه تحت عنوان «نهارك» مقطعاً من النشيد الوطني اللبناني. وتميز بإدخال تعديل بسيط على النسخة الأصلية منه التي تتضمن مقطع «سهلنا والجبل منبت للرجال» ولتصبح «سهلنا والجبل منبت للنساء والرجال»، في إشارة من الصحيفة إلى أهمية دور المرأة في بناء الوطن، ولونتها بالأحمر في نص كتب بالأسود على خلفية بيضاء، ليأخذ حيزاً كبيراً عبر تعليقات الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن أثنوا عليها.
أما جريدة «نداء الوطن» فقد خصصت لأخبار الثورة في مختلف المناطق اللبنانية أعداداً كاملة منذ انطلاقة الشرارة الأولى لثورة «لبنان ينتفض» وعلى مدى 15 يوماً متتالياً منها. ويؤكد رئيس تحريرها بشارة شربل في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الصحيفة وضعت جميع كادراتها في سبيل تغطية الثورة على المستوى المطلوب. وغابت الملاحق الخاصة بالثورة عن الصحف الأخرى نظراً لتردي أحوالها الاقتصادية، كما ذكر بعضها لـ«الشرق الأوسط» من ناحية، أو لموقف سياسي مضاد من الثورة يضعها في المقلب الآخر منها.
«الفكرة لم ترد من أساسها في صحيفة (الجمهورية)، لأننا كنا نغطي أخبار الثورة يومياً بشكل شامل لتحتل نحو 12 صفحة من أصل 32 تتألف منها صحيفتنا المعروفة صفحاتها بحجم (تابلويد)، أي أصغر من تلك السائدة في صحف محلية أخرى»، يقول طارق ترشيشي مدير تحرير صحيفة «الجمهورية».
وكما «اللواء» و«الشرق» وغيرهما، كذلك جريدة «الديار» غاب عنها تخصيص ملحق يحكي فقط عن الثورة اللبنانية طيلة أيامها منذ انطلاقها وحتى الساعة.

الإعلام والحراك في الجزائر من التمجيد إلى التجاهل
في بداية الحراك الشعبي في الجزائر، 22 فبراير (شباط) 2019، صوبت وسائل الإعلام الحكومية والخاصة كامل مادتها لـ«الحدث التاريخي»، فكان النقل المباشر للمظاهرات بالفضائيات والمواقع الإلكترونية الإخبارية، وخصصت الجرائد غالبية صفحاتها له. وانخرط الإعلام بشكل كامل في الاحتجاجات، بل أصبح جزءاً منها حينما نظم صحافيو التلفزيون العمومي مظاهرة بمقره للاحتجاج على التكميم والغلق الذي طاله خلال 20 سنة من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
وشعر الصحافيون بنشور الحرية لأول مرة منذ الانفتاح السياسي والإعلامي، الذي أتاحه «دستور التعددية» الذي أصدره الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد عام 1989. وأصيبت حرية الإعلام في مقتل مع بداية الإرهاب الذي اغتال أكثر من 100 صحافي وعامل في المؤسسات الإعلامية. واستمر القهر مع وصول بوتفليقة إلى الحكم عام 1999 وإعلانه صراحة أن الصحافيين هم أحد خصومه. وتم تشغيل الأجهزة الأمنية بكل طاقتها لتطويع الإعلام لسياسات الرئيس، وبالخصوص مشاريع السلم والوئام التي اعتمدها، لإسكات لغة السلاح.
وعرفت وسائل الإعلام في بداية الحراك، تنافساً على نقل جوانبه الاستثنائية، وسارعت القنوات الإذاعية والتلفزيونية الحكومية، لاستضافة معارضين كانوا ممنوعين من الظهور بسبب معارضتهم بوتفيلقة، وأشهرهم وزير الإعلام سابقاً عبد العزيز رحابي، ورئيس حزب «جيل جديد» سفيان جيلالي، والباحث الكبير في الاجتماع ناصر جابي. وتم إطلاق برامج حوارية في الفضائيات الخاصة، وكانت تدار بنبرة حرية غير عادية. واعتقد الكثيرون أن التضييق على الإعلام ولّى إلى غير رجعة.
وواكب الإعلام بشكل لافت المتابعات القضائية التي طالت وجهاء النظام في عهد بوتفليقة، بما فيها شقيقه وكبير مستشاريه. فبعضهم سجن بتهم الفساد، والبعض الآخر بتهم التآمر على الجيش. واللافت أن غالبية وسائل الإعلام لم تبدِ اهتماماً بالبحث عن الأدلة التي بنى عليها القضاة التهم الموجهة لهؤلاء، ولا بالوقائع التي على أساسها قامت التهم، وذلك لعلمهم أن ملفات المتابعة يقف وراءها الجيش، وبالتالي يصبح الخوض فيها مجازفة قد تجر الصحافي إلى التعرض لتهمة «إفشاء أسرار التحقيق».
وظن الجيش أن الحراك الشعبي سيتوقف بعد سجن رموز بوتفليقة، فما وقع بعد مرور الأشهر الأولى من الأحداث، أن المتظاهرين تطورت مطالبهم إلى إحداث تغيير شامل للنظام برحيل قائد الجيش قايد صالح والرئيس الانتقالي عبد القادر بن صالح ورئيس الوزراء نور الدين بدوي. وتغير تعامل قائد الجيش مع المتظاهرين، فاتهمهم بـ«التنكر له»، بحجة أنهم «ما كانوا يحلمون برحيل العصابة عن الحكم»، التي يعود له الفضل، حسبه، في إبعادها عن السلطة.
وأمام استمرار الهجومات المتتالية الحادة لقايد صالح ضد الحراك، بدأ اهتمام الإعلام بالمظاهرات يتراجع وغاب النقل المباشر للموجات البشرية وهي تجوب شوارع العاصمة والمدن الكبيرة، يوم الجمعة بالنسبة للحراك، ويوم الثلاثاء الذي تجري فيه مظاهرات طلاب الجامعات، إلى أن اختفت التغطية نهائياً.
وتلقت كبرى الصحف والفضائيات ضغوطاً شديدة من السلطة لدفعها إلى «العدول عن تمجيد الحراك»، وقد أذعنت لها بسبب ظروفها المالية الصعبة، في حين يقول مراقبون إن غالبية الصحافيين اليوم لم يسبق لهم النضال من أجل حرية الصحافة، ولذلك استسلموا للخوف بسهولة، حسبهم.
وبسبب نقص اهتمام الإعلام بالحراك، أصبح الصحافيون هدفاً للمتظاهرين الذين منعوا بعضهم من تغطية الاحتجاجات الأسبوعية، ووصفوهم بأنهم «جزء من العصابة».



الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات


هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
TT

هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)

أثار تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 تساؤلات بشأن إمكانية تغيير طريقة عمل المؤسسات الإعلامية استجابةً لتغير نمط استهلاك الجمهور للأخبار. وفي حين رأى خبراء أن «الفترة المقبلة ستشهد نمواً في الاعتماد على الفيديو في تقديم الأخبار»، فإنهم شددوا على أن «ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام المكتوب».

حسب التقرير الذي أصدره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، الأسبوع الماضي، فإنه «للمرة الأولى على مدار 15 سنة من إعداد التقرير، يظهر اعتماد غالبية الجمهور على مشاهدة مقاطع الفيديو الإخبارية عبر الإنترنت في جميع الدول التي رصدها التقرير وعددها 48 دولة».

وأوضح أن «77 في المائة من الجمهور عالمياً يستهلكون الفيديوهات الإخبارية على الإنترنت أسبوعياً، ليتجاوز عدد من يشاهدون نشرات الأخبار التلفزيونية في نحو 45 دولة»، في حين تظل «ألمانيا والدنمارك وهولندا هي الدول الثلاث الوحيدة التي تتقدم فيها الأخبار التلفزيونية أو تتساوى مع مقاطع الفيديو على الإنترنت».

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، صرح لـ«الشرق الأوسط» بأن «تبنّي إنتاج الفيديوهات أثَّر بشكل عميق ومتسارع في طريقة عمل الإعلام»، مشيراً في هذا الصدد إلى «صعود المنصات الإخبارية الجديدة في العالم العربي، حيث باتت الفيديوهات تشكِّل العصب الأساس للعمل الإعلامي، بينما النصوص المكتوبة لا يعوَّل على انتشارها بشكل واسع بين المستخدمين على منصات التواصل».

وأردف غزيل أن «نسبة الـ77 في المائة في تقرير معهد رويترز ليست مجرد إحصائية عابرة، بل دلالة على استهلاك الفيديوهات والمقاطع المصورة، تبين أن التحقيقات المطولة المكتوبة لم تعد تحظى بنفس التأثير على المستخدمين»، قبل ان يضيف: «ولمن ما زالت التحقيقات مهمة، إلا أن تأثيرها أقل بكثير من الفيديوهات».

غزيل تابع أيضاً أن «التأثير الأكبر لمثل هذا التغير في نمط الاستهلاك سيكون في عملية اكتشاف المواد وتوزيعها، بحيث أن الدخول إلى المواقع الإلكترونية المباشرة للمؤسسات لن يكون بنفس أهمية طريقة عرض وتقديم الفيديوهات على منصات التواصل، سواء كان ذلك عبر (تيك توك) أو الريلز أو (يوتيوب)». وفي رأيه «يتوجب على المؤسسات الإعلامية أن تتأقلم مع متطلبات المنصات والتحديثات المستمرة في خوارزمية الانتشار، مما يعني التركيز على إنتاج المحتوى الأصلي حسب كل منصة، وليس مجرد إعادة نشر نفس المادة المصورة لكل المنصات... وأن هذا يعني على سبيل المثال، التركيز على المادة الجاذبة والترجمة والنص على الشاشة للفيديوهات القصيرة، في حين يتم التركيز على المحتوى الطويل والمسهب بالشرح لمنصة (يوتيوب)».

وأكد الخبير اللبناني أنه «ينبغي على وسائل الإعلام الحديثة أن تتقرب من المقابلات الشخصية الأكثر دفئاً والتركيز على محتوى وراء الكواليس أو محتوى البث المباشر».

في المقابل، قال غزيل إن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني بالضرورة التخلي عن الطرق التقليدية في معالجة المحتوى؛ بل تطويرها وتأقلمها وتكاملها مع المتطلبات الحديثة... وبالتالي، فالنصوص والمواد المكتوبة تبقى أساسية، للعمق أو التوثيق وأرشفة المواد أو التحقيقات المعقدة؛ ولكنها لن تكون الطريقة الرئيسية للوصول إلى القراء والمتابعين». ولفت في هذا الصدد إلى «تجارب لمؤسسات عربية تكتب تقارير طويلة غنية بالمعلومات، ولكن تدعمها بفيديوهات قصيرة ممتعة تُنشر على المنصات». واختتم كلامه بتأكيد أنه «حال أصرت الوسيلة على الطريقة التقليدية فقط، من نص طويل أو تقرير إخباري مثل التلفزيون، ستواجه الوسيلة الإعلامية تآكلاً مستمراً في شريحة الجمهور المستهدف، أما من يستثمر في فيديو مع الحفاظ على الجودة الصحافية، فسيجد فرصاً جديدة للوصول والتأثير، خصوصاً بين الشباب».

من جهة ثانية، أشار تقرير «معهد رويترز» إلى أن «المؤسسات الإخبارية التقليدية تشهد تراجعاً في مشاهدة الفيديو على مواقعها وتطبيقاتها». وفي رأي الصحافي المصري معتز نادي، المتخصص في الإعلام الرقمي، فإن «تصاعد استهلاك الأخبار عبر الفيديو سيؤثر في طريقة عمل الإعلام تأثيراً عميقاً، لأن الفيديو أصبح بوابة رئيسة يصل منها الجمهور إلى الخبر، خصوصاً عبر المنصات الاجتماعية التي أصبحت المصدر الأكثر استخداماً للأخبار عالمياً بنسبة 54 في المائة».

وقال نادي لـ«الشرق الأوسط» إن «غرف الأخبار ستتوجه بكل جدية إلى التفكير بالصورة والصوت والإيقاع منذ بداية التغطية التي تقدمها لمتابعيها... وأن نشر خبر مكتوب فقط لم يعد كافياً، فالفيديو سيصبح هو بطل الحكاية لغرف الأخبار، والتحدي في طريقة تقديمه لجمهور المتابعين بشكل واضح وسريع يناسب إيقاع الخوارزميات وعالم الريلز».

أيضاً ذكر نادي أن الفترة المقبلة «ستشهد زيادة في أهمية الفيديو التفسيري القصير، والمراسل القادر على الشرح أمام الكاميرا، والبث المباشر، والرسوم البصرية التي تبسّط الملفات المعقدة، وأن ثمة تجارب لمنصات حديثة تدخل المشهد حالياً يُترك تقييمها للزمن والجمهور لقياس مدى نجاحها».

في الوقت نفسه أكد الصحافي المصري أن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني التخلي عن الأشكال التقليدية». وأضاف: «المقال والتحقيق والتقرير التلفزيوني الطويل وغيرها ستظل ضرورية لتقديم السياق، والكشف عن التفاصيل، وتوثيق المعلومات... وبينما سيصبح الفيديو مدخل القصة، تبقى المادة الأصلية مرجعاً للفهم الأعمق، فالتوثيق المكتوب لا غنى عنه وسط فوران المحتوى الرقمي في (زحام) المنصات بما لها أو عليها». واختتم مشدداً على ضرورة «ألا تعمد المؤسسة الإعلامية إلى مطاردة الفيديو من أجل المشاهدات فقط، دون اهتمام بجودة المحتوى... إذ لا بد من تقديم محتوى مهني دون التذرع بحجة الجمهور ونوعياته الجديدة من (زد) و(ألفا). فالنجاح المهني هو تقديم فيديو سريع وجذاب، من دون اختزال الوقائع أو خلط الخبر بالرأي أو التضحية بالدقة من أجل الانتشار ودغدغة مشاعر المتابعين».


مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد