مصدر رسمي تركي لـ {الشرق الأوسط}: تصريحات واشنطن متخبطة.. ولن نتصرف إلا وفق رؤيتنا ومصالحنا

أنقرة لن تتحرك لنجدة «كوباني» منفردة.. ومظاهرات الأكراد مستمرة

أكراد يفرون من شرطة مكافحة الشغب التركية التي حاولت تفريقهم بخراطيم المياه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
أكراد يفرون من شرطة مكافحة الشغب التركية التي حاولت تفريقهم بخراطيم المياه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

مصدر رسمي تركي لـ {الشرق الأوسط}: تصريحات واشنطن متخبطة.. ولن نتصرف إلا وفق رؤيتنا ومصالحنا

أكراد يفرون من شرطة مكافحة الشغب التركية التي حاولت تفريقهم بخراطيم المياه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
أكراد يفرون من شرطة مكافحة الشغب التركية التي حاولت تفريقهم بخراطيم المياه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

لم تفلح أنقرة في إقناع واشنطن بتبني وجهة نظرها حيال ضرورة إقامة «منطقة آمنة» في المناطق الحدودية السورية المجاورة لأراضيها.. وفي حين لم تتوقف حركة الأكراد الذين يتظاهرون في الكثير من المدن التركية، محدثين أعمال شغب أدت إلى مقتل 25 شخصا على الأقل، قالت السلطات التركية إن بعضهم قضى نتيجة «إعدامات» قام بها تنظيم «حزب العمال الكردستاني» المحظور، في حين اتهم الأكراد السلطات بتسليح «حزب الله» التركي واستعماله لقمع المتظاهرين.
واستغربت تركيا التصريحات الأميركية التي تعبر عن «خيبة أمل» حيال موقف تركيا من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم «داعش». وقال مصدر تركي مسؤول لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه التصريحات «جزء من عملية التخبط التي تسود أداء المسؤولين الأميركيين حيال الأزمة»، مؤكدا أن بلاده «تعمل وفق تقييمها لحقيقة الواقع على الأرض وتتعامل معه»، مشيرا إلى أنها «تنطلق في أي تصرف تقوم به من خلال حرصها على أمنها القومي، واهتمامها بمصير ملايين الأشقاء السوريين الذين يعانون منذ سنوات من قمع وحشي دموي»، عادا أن تركيا كانت سباقة في إدانة تنظيم «داعش» ووضعه على لوائح الإرهاب، لكن «هذا لا يعني أن نظام دمشق يقل عنه إرهابا وخطرا».
وزار الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ينس شتولتنبرج، تركيا أمس وبحث مع عدد من المسؤولين التطورات على الحدود الجنوبية، غير أنه أكد أن الحلف لم يناقش إقامة منطقة حظر طيران أو منطقة آمنة داخل سوريا. وقال شتولتنبرج في مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية التركي مولود جاويش: «أعتقد أنه لا توجد أي وسيلة بسيطة ومباشرة للخروج من المشكلات التي نشهدها.. لم يكن ذلك (إقامة منطقة آمنة) على طاولة أي مناقشات للحلف».
وبدوره، قال وزير الخارجية التركي إنه ليس واقعيا الانتظار من تركيا القيام بعملية برية بمفردها، داعيا إلى ضرورة إقامة منطقة حظر للطيران قبل كل شيء، لأهميتها القصوى من الناحية الإنسانية، ولنجاح العملية العسكرية. وأضاف جاويش، أن تركيا ستواصل دائما تقديم دعمها القوي وعلى جميع المستويات، للمساهمة في الأمن والاستقرار الدوليين. وأوضح جاويش أنه تباحث مع أمين عام الناتو، حول التطورات في سوريا والعراق وفي مقدمتها تهديدات «داعش»، والمشكلات الأمنية، وأهمية حلف الناتو في المنطقة، مؤكدا أنهم تداولوا مسألة الإرهاب على الحدود بشكل مفصل، إضافة إلى الوضع الإنساني.
ولفت جاويش إلى أن هذا وضع الحالي سيستمر مع بقاء نظام الأسد في سدة الحكم في سوريا، موضحا أن النظام هو سبب عدم استقرار سوريا، وهو الذي هيأ الأجواء لظهور الجماعات المتطرفة واكتسابها القوة. وأكد أنهم يواصلون مشاوراتهم مع الحلفاء، وأن بلاده لن تتردد بالقيام بما هو ضروري بعد التوصل إلى قرار مشترك.
ميدانيا، استمرت المظاهرات المناوئة للحكومة التركية لليوم الثالث على التوالي، وإن بوتيرة أخف سمحت بتخفيف حظر التجول المفروض في 3 ولايات جنوبية، حيث الغالبية الكردية، حيث أزيل الحظر نهارا وأبقي عليه ليلا لضبط الأوضاع المتوترة على خلفية اتهامات أكراد تركيا أنقرة بـ«التواطؤ» مع تنظيم «داعش» في حملته على مدينة كوباني ذات الغالبية الكردية في شمال سوريا.
وقال إيرتورول كوركجو، عضو البرلمان عن حزب ديمقراطية الشعوب، لـ«الشرق الأوسط» إن السبب في وصول الحريق الذي يأكل الأخضر واليابس في عين العرب إلى تركيا هو موقف حكومة العدالة التنمية الداعم لـ«داعش». وأشار إلى أن مطالب المتظاهرين واضحة لجهة إعلان الحكومة موقفها الصريح من «داعش» والسماح لمن يريد الدخول إلى الأراضي السورية للقتال ضد «داعش» وإيقاف الدعم الذي يصل من تركيا إلى «داعش»، كما يطالبون بفتح الحدود في منطقة الجزيرة أمام المساعدات الإنسانية وغيرها لدعم صمود المقاومين في شمال سوريا وعين العرب. وقال كوركجو إن الغريب في الأمر أنه كان إلى جانب قوات الأمن التي تتصدى للمتضامنين مع عين العرب وشمال سوريا قوات من «حزب الله» التركي والجميع يعرف ماضي هذا الحزب الذي قام في التسعينات بجرائم ضد السياسيين الوطنيين من الأكراد وأيضا ممن كانوا يؤيدون حزب العمال الكردستاني وقاموا أمس بقتل 12 متظاهرا.
ورأى أن هذه التصرفات غير المسؤولة من الحكومة وقوات الأمن التي سمحت لهؤلاء القتلة بحمل السلاح في الشوارع وقتل الشباب يؤثر تأثيرا سلبيا على عملية السلام التي بدأت قبل عامين. وقال: «نحن نؤمن بأن أمن الأكراد في تركيا هو من أمن أهل عين العرب، ولهذا نرى أن ردود فعل الشباب الكردي في تركيا محقة نؤيدها وندعمها بكل ما نملك من قوة». وأشار كوركجو إلى أن الأكراد لا يريدون أن تستمر المفاوضات مع الحكومة فقط من أجل التقاط الصور أو لكي تستخدمها الحكومة كحقن تخدير للأكراد.
وفي المقابل، نفت مصادر تركية اتهامات الأحزاب الكردية، محذرة من تحول الأمر إلى «نزاع أهلي»، كما حصل في السبعينات، مشيرة إلى أن ما يحصل هو أن المواطنين الأتراك يتصدون لمثيري الشغب كل في منطقته لحماية ممتلكاتهم وأرواحهم. وأوضح المصدر أن ما يحصل هو نزاع بين «الكردستاني» ومنظمة حزب الدعوة الحرة، التي أعلن عن وقوع 6 قتلى من بينهم، وهي أحد تنظيمات «حزب الله» التركي، وهو منظمة إسلامية كردية تأسست لمواجهة «الكردستاني» وحصلت بينهما في السابق مواجهات دامية.
وأوردت وكالة أنباء الأناضول شبه الرسمية أمس، أن السلطات التركية لم تتمكن حتى الآن من التعرف على شخصية اثنين من الأشخاص الـ10 الذين فقدوا حياتهم في ولاية ديار بكر، في حين أظهرت التحقيقات أن 4 من القتلى، هم من أعضاء جمعية «كوي - در»، المقربة من «حزب القضية الحرة»، الذي يعرف بدوره على أنه الجناح السياسي لـ«حزب الله» التركي (أو «حزب الله» الكردي) في تركيا.
وأكد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أن بلاده لن تسمح لأحد باستهداف أمنها واستقرارها، وأجواء الأُخوَّة التي تنعم بها. وقال في تصريح نشره المركز الإعلامي لرئاسة الجمهورية، إن «أعمال العنف التي شهدتها تركيا بذريعة الهجمات الإرهابية على عين العرب (كوباني)، أظهرت أن النية والهدف الأصلي يختلفان عمّا هو معلن». ولفت إردوغان إلى أن «تركيا دفعت أثمانًا باهظة بسبب الإرهاب، لذا فهي تقف ضد جميع التنظيمات الإرهابية على وجه الأرض». أما وزير الخارجية التركي مولود جاويش فقد أكد أن «الذين يتهمون تركيا بعدم التدخل في موضوع كوباني، قدموا - خلف الأبواب المغلقة - مطالب مغايرة لتلك التي يصرحون بها، وقد عكست ذلك عملية التصويت في البرلمان التركي؛ حول مذكرة تفويض الجيش بالقيام بعمليات عسكرية خلف الحدود». وأضاف: «نحن كحكومة جرى تفويضنا من قبل البرلمان، وإن الذين صوتوا ضد التفويض؛ هم من يحرضون الناس من أجل النزول إلى الشارع»، في إشارة إلى التصريحات التي صدرت عن مسؤولي حزب الشعب الديمقراطي التركي. لكن الرئيس المشارك لحزب الشعب الديمقراطي التركي (ذي الأغلبية الكردية)، صلاح الدين دميرطاش أكد أنه «يجب الاستمرار في تنظيم المظاهرات الداعمة لكوباني في تركيا، مشددا على ضرورة «توقف أعمال العنف من الجانبين». وأضاف في تصريحات صحافية أدلى بها في مدينة دياربكر، جنوب شرقي تركيا، أن حزبه لم يدعُ أحدًا لاستخدام العنف، مضيفًا: «قلنا لنساند كوباني من خلال تنظيم المسيرات والمظاهرات، ولكن دون حرق أو تدمير أو سلاح أو قتل.. لم ندع للوسائل العنيفة، ونأمل من الجميع أن يلتزم بمناشدتنا».
وكشف دميرطاش عن أنه اتصل أول من أمس بزعيم تنظيم «الكردستاني» عبد الله أوجلان المسجون في تركيا، موضحًا أن الأخير «أوصى واقترح على جميع الأطراف تسريع الحوار المتبادل والمفاوضات من أجل مواجهة خطر وقوع مجازر واستفزازات كبيرة».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.