تركيا... شخصنة السلطة ومنحنيات الانحراف نحو الحكم الاستبدادي

كتاب فرنسي عن تحول نظامها السياسي

مظاهرة ضد إردوغان (أ.ف.ب)
مظاهرة ضد إردوغان (أ.ف.ب)
TT

تركيا... شخصنة السلطة ومنحنيات الانحراف نحو الحكم الاستبدادي

مظاهرة ضد إردوغان (أ.ف.ب)
مظاهرة ضد إردوغان (أ.ف.ب)

دفعت وتيرة الاستبداد التركي المتصاعدة على النطاقين المحلي والإقليمي مجلة «ملتقيات متوسطية» الفرنسية الفصلية إلى أن تصدر مؤخراً كتاباً تحت إشرافها وإدارتها بعنوان «تركيا: عودة الاستبداد» عن دار النشر الفرنسية «هرماتون».
يقع الكتاب في مائتي صفحة من القطع المتوسط، ولا تنحصر أهميته فقط في كونه يصدر تحت رعاية واحدة من أهم المجلات الفرنسية الفصلية المتخصصة التي تهتم بالقضايا الثقافية والسياسية المتعلقة بمجتمعات منطقة البحر المتوسط، وإنما أيضاً لأنه نتاج فكري وتحليلي استراتيجي لمجموعة من أهم خبراء الملف التركي.
يرى معدّو هذا الكتاب أن تركيا تشهد منذ بداية عام 2010 سرعة ملحوظة في وتيرة ديناميكيات مركزية استبدادية للنظام السياسي الحاكم، إضافة إلى «شخصنة» متصاعدة للسلطة في شخص رجب طيب إردوغان. وقد شهد هذا النمط الاستبدادي صعوداً واضحاً، خصوصاً بعد محاولة «الانقلاب» التي استهدفت النظام في 15 من يوليو (تموز) 2016، وهو التاريخ الذي يؤرخ بداية فترة جديدة من الرئاسة الاستبدادية مع غياب الحياة الدستورية مصحوبة بانعدام تام للمعارضة.

شخصنة السلطة
يوضح الكتاب أن محاولة الانقلاب التي استهدفت النظام التركي في 15 من يوليو 2016 تمثل نقطة تحول جوهرية في تاريخ تركيا، حيث تشهد البلاد منذ ذلك الحين سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية مع تزايد نفوذ وقدرة الحزب الحاكم ليس فقط على كبح جماح حشود المعارضة، لكن أيضاً على مجابهة أزمات مؤسسية خطيرة، حيث نجح الحزب في فرض نفسه باستغلال الأزمات التي تعاني منها البلاد، كما أن المجابهة بين الحزب الحاكم «العدالة والتنمية» وأنصار المعارض عبد الله غول تمثل أيضاً مرحلة جديدة في مركزية استبدادية للنظام السياسي الحاكم في تركيا. يؤكد ذلك التحول السياسي الخطير الذي تشهده البلاد الآن والمتمثل في التحول للنظام الرئاسي الذي جعل من إردوغان رئيساً بمقومات وصلاحيات نصف إله. ويشير الكتاب إلى أن إردوغان غذّى هذا التوجه ليحقق أهدافه بالانتقال إلى النظام الرئاسي بموجب استفتاء أبريل (نيسان) 2017 الذي أُجري في مناخ سياسي مشحون قوامه حالة الطوارئ التي أقرها إردوغان في البلاد على خلفية محاولة الانقلاب التي استهدفت نظامه في 2016. ولذلك؛ فقد أضحت البلاد منذ ذلك الحين رهينة لمركزية استبدادية واضحة ليس فقط على المستوى التنفيذي فحسب، لكن أيضاً على مستوى النظام الرئاسي وانعكس ذلك جلياً على أسلوب اتخاذ القرار، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو الدولي.
ويوضح الكتاب، أنه ترتب على هذه السياسة تعميق وزيادة نفوذ العناصر قريبة الصلة ليس فقط من الحزب الحاكم، لكن أيضاً عودة وجوه قديمة وشبكات مصالح خاصة لصدارة المشهد كانت في منطقة المعارضة من قبل، كما أن شخصنة نظام الرئاسة أدى كذلك إلى عودة قوية لديناميكية المركزية الاستبدادية أكثر من أي وقت مضى معتمدة على تحالفات وشراكات هشة إلى حد كبير على المسارين المؤسسي والخاص، أي أننا أمام تحول النظام السياسي في تركيا إلى نظام سياسي مركزي استبدادي حول شخص واحد، وهو رجب طيب إردوغان الذي تُرسم من حوله جميع العلاقات المؤسسية والعسكرية والقضائية في البلاد؛ الأمر الذي دفع خبراء عدة في الشأن التركي إلى أن يؤكدوا على أن لعبة التحالفات في الانتخابات التشريعية الأخيرة 2018 شهدت ليس فقط انتصاراً لحزب الدولة «الحرية والعدالة»، لكن أيضاً مركزية التحالف مع ميليشيا حركة باريتس (MHP)الحزب القومي ذي التوجهات اليمينية المتطرفة الذي تتغذى وتتأسس توجهاته على عسكرة المجتمع وشخصنة السلطة. ونتيجة لهذه التحالفات الهشة أو المزورة، يشهد حزب إردوغان حالة من الضعف البالغ، وتتُرجم هذه التحولات السياسية التي يشهدها المجتمع التركي في جميع قطاعات المجتمع في تعيين أقارب من السلطة في قطاعات كثيرة متميزة بين قضاء وشرطة ووزراء وجامعات... إلخ.

فساد البلديات
ويشرح الكتاب أنه بعد تنظيم البلاد في شكل بلديات في سبعينات القرن الماضي واختصار طبيعة عمل هذه البلديات في تقديم الخدمات للمواطنين، إلا أن دورها قد شهد هو الآخر تحولاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة على خلفية اهتمام العمد بالولاء للرئيس على حساب خدمات الموطنين تنفيذاً لسياسة إردوغان الرامية إلى شخصنة جميع السلطات في البلاد بين يديه؛ الأمر الذي انعكس سلباً على المواطن بشكل مباشر بسبب تغير طبيعة وأولويات اهتمام البلديات من خدمة المواطن لخدمة النظام في شخص الرئيس. إضافة إلى ذلك، فإن البلديات ذات الأغلبية الكردية كانت في صدارة البلديات التي عانت بشكل واضح وتضررت كثيراً، ولا سيما مع انطلاق الحرب السورية في 2011. ويلفت الكتاب إلى أعباء جديدة وقعت على هذه البلديات، فعلاوة على ما عانته من ويلات الصراعات المجاورة، وعمليات النزوح الكبيرة.

تحالفات هشة
ثم يتحدث الكتاب عن حالة الغباء السياسي التي يتسم بها رجب طيب إردوغان بسبب إصراره على تنفيذ أهدافه وبلوغ غاياته دون أدنى تفكير، مشيراً إلى أنه لجأ إلى تحالفات هشة وضعيفة للغاية ومحدودة الفاعلية والتأثير إلى حد كبير، وتجلى ذلك بوضوح في انتخابات 2014، حيث تحالف حزب اليمين المتطرف مع الحزب الكمالي، وهو ما يؤكد غياب اتساق هذا الحزب واستعداده لإبرام تحالفات مع قوى سياسية مختلفة ومتنوعة فيما بينها، أي أننا أمام نظام تحالفات سمح بعودة بعض وجوه ورموز اليمين المتطرف، وهو ما يؤكد حالة من عدم الاتساق أو التناغم في قلب البرلمان الحالي الذي يسمع هو الآخر أصواتاً لم يعتد على سماعها منذ أمد بعيد؛ الأمر الذي يكشف عن حالة من التراجع والانحدار الشديد في قلب الحياة السياسية، تنعكس بدورها سلباً وبشكل واضح في الخطاب السياسي، وكذلك على الصورة الذهنية لرئيس الدولة.
على ضوء ذلك، يرسم الكتاب خريطة تحليلية للمشهد التركي، توضح منحنيات الانحراف نحو الحكم الاستبدادي في خمس مراحل: الأولى من 2003 إلى 2007، ويشير الخبراء إلى أن هذه المرحلة، ومنذ وصول إردوغان لرئاسة الحكومة التركية في 2003، فقد شرع في تنفيذ إصلاحات اقتصادية كثيرة انعكست إيجاباً على تقدم البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وقضائياً؛ الأمر الذي شجع أنقرة على المضي قدماً نحو تحقيق الحلم الكبير بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لكن بداية عام 2007، بدأت تتلاشى الروح الحماسية للإصلاح الأمر الذي انعكس سلباً على ملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. هذا بالإضافة إلى الملف الكردي الذي يطل برأسه من آن إلى آخر على النظام التركي، مع حالة من السخط داخل الجيش وصلت إلى التهديد بالانقلاب على إردوغان.
وتبدأ المرحلة الثانية مع بداية عام 2010 في التحول من الديمقراطية الإسلامية إلى الاستبداد، حيث بدأت تنهار صورة إردوغان كديمقراطي إسلامي على خلفية مراجعته للدستور والقوانين بهدف إحكام سيطرته على أجهزة الدولة الرئيسية، من قضاء وشرطة وجيش وجامعات مع سياسة ومع استفتاء 2010، بدأت السلطة لا تحتمل أي انتقاد والنيل من وسائل الإعلام؛ إذ وصل عدد الصحافيين المحبوسين عام 2012 فقط 76 صحافياً، وهو رقم قياسي إلى حد كبير.
وتكشف المرحلة الثالثة المعنونة بـ«أزمات الشرق الأوسط» عن الوجه الحقيقي لإردوغان. ويشير الكتاب إلى أنه مع تصاعد وتيرة أزمات الشرق الأوسط بدأ إردوغان في التراجع عن الانضمام للاتحاد الأوروبي لصعوبة تحقيق ذلك على أرض الواقع، ووجد ضالته في أزمات الشرق الأوسط للعب دور أوسع من خلالها يلبي طموحاته القديمة عن طريق مساندة ودعم جماعات التمرد والمعارضة بين ليبيا وسوريا واليمن والسودان.
وتركز المرحلة الرابعة على موجة الاعتراضات الشعبية في متنزه جيزي، ويذكر الكتاب أنه منذ يونيو (حزيران) 2013 بدأت تركيا تشهد موجة من الاعتراضات الشعبية تجاه إردوغان قادها في البداية أنصار البيئة على خلفية تدمير متنزه «جيزي» بميدان تقسيم بإسطنبول لصالح مشروع معماري كبير، وهي حركة اعتراض شعبية هزت صورة ومكانة إردوغان، ولا سيما فيما يتعلق بأسلوب تعامله معها.
ويخلص الكتاب إلى المرحلة الخامسة بعد محاولة «انقلاب 15 يوليو 2016»، مؤكداً أنه يمثل تأصيلاً للنظام الاستبدادي التركي، حيث استغل إردوغان ما حدث وألقى القبض على أكثر من 6 آلاف عسكري و104 من قيادات الجيش، وعزل 2745 قاضياً، إضافة إلى أساتذة الجامعات؛ الأمر الذي عزز من شأن قبضته الحديدية على البلاد، وبدأ في إحاطة نفسه بطبقة الموالين له وأصحاب المصالح.



زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».