جازان السعودية... طبيعة جاذبة للسياح

من جزر فَرَسان إلى جبال فيفا وعذوبة وادي لجب ومهرجانات السواحل

مدرجات جبال فيفا تصنع لوحة جمالية
مدرجات جبال فيفا تصنع لوحة جمالية
TT

جازان السعودية... طبيعة جاذبة للسياح

مدرجات جبال فيفا تصنع لوحة جمالية
مدرجات جبال فيفا تصنع لوحة جمالية

من مرتفعات جازان إلى سواحلها، الجمال ليس فقط الظاهر، بل يكمن في التفاصيل الصغيرة والبسيطة، حيث يتنوع هذا الإقليم الذي يقع في جنوب غربي السعودية بمناخه وطبيعته، من جزر فرسان التي يتجاوز عددها 200 جزيرة إلى جبال فيفا التي تتميز بزراعة وتجارة البن والعسل وأنواع الورود، مروراً بوادي لجب بشلالاته وطبيعته التي تتميز بنحت المياه لصخوره.
وتعد جازان، علاوة على تميزها السياحي، مركزاً تجارياً مهماً. فمن سواحلها، تُصدر مختلف أنواع الأسماك إلى الأسواق الخارجية والمحلية على حد سواء، مثل سمك الهامور أو الحريد أو غيرهما. ومن مرتفعات جبالها، على أريج الورود والريحان والفل والكادي، ينتج البن ليصدر إلى محامص القهوة، والعسل، وغيرهما، من دون أن نتجاهل العسل الصادر من وادي لجب الذي يصعب الوصول إليه.
جزر فرسان... جنة البحر الأحمر
تمتزج الغيوم مع نقاء البحر، وتتنوع ألوان الشواطئ لتتماهى مع جمال الطبيعة، لتكون النتيجة لوحة فنية تتمثل في أرخبيل جزر ذات شواطئ رملية جميلة، يتجاوز عددها 200 جزيرة، كانت محطة لالتقاء واستراحة الرحلات البحرية للسفن التجارية والعسكرية.
هذه هي «جزر فرسان» الواقعة جنوب البحر الأحمر بالقرب من جازان. وتتميز بـأسلوب حياة بحرية فريدة، تتجلى في موائد طعامهم ونكهاتها، ووسائل نقلهم، وغيرها من أساليب الحياة.
وأهم هذه الجزر المتعددة جزيرة فرسان الكبرى، حيث يعيش معظم سكان الجزيرة، وجزيرة زفاف التي تتميز بشاطئ السلاحف، وجزر السقيد ودوشوك وكيرة وجزيرة سلوبة. وكل جزيرة من هذه الجزر تحتوي على بصمات تاريخ وتراث يعود لفترات قديمة وضعتها سفن الرحلات البحرية لدول وإمبراطوريات، مثل القلعة البرتغالية والقلعة العثمانية، وبيت الرفاعي، ومسجد النجدي الذي شيده تاجر لؤلؤ من منطقة نجد وسط السعودية، إضافة إلى تاريخ صناعي يتمثل في مستودع الفحم الألماني خلال الحرب العالمية الثانية. كل هذا يُضفي على هذه الجزر، التي يقدر إجمالي مساحتها بنحو 1050 كيلومتراً مربعاً، أهمية تاريخية. هذا عدا عن موقعها بالقرب من مضيق باب المندب.
رحلة من جازان إلى جزر الفرسان
وفي رحلة بحرية لـ«الشرق الأوسط» في هذه الجزر، كانت البداية من جازان، وتحديداً من ميناء جازان، للوصول إلى جزر فرسان عبر سفن كبرى يطلق عليها اسم «عبّارة»، تنقل الركاب ومركباتهم وغيرها من البضائع، في رحلة بحرية على بعد نحو 40 كيلومتراً تصل إلى رصيف عبارة جزيرة فرسان، وهي الجزيرة الأكبر بين أكثر من 200 جزيرة.
وفي فرسان، يعتمد أسلوب الحياة والأنشطة، بشكل رئيسي، على الحياة البحرية، بدءاً من شواطئها التي يصل طولها إلى 300 كم، ومياهها الملونة المترقرقة على ضفافها تحبس أنفاس الناظرين، إلى جمال الغوص بها، حيث يتجلى جمال الشعب المرجانية والتكوينات الصخرية في أسفل البحر، إلى جانب كم هائل من أنواع السمك، مثل الحيتان والدلافين وأسماك القرش والسلاحف والحريد والهامور والناجل وغيرها.
وكأن كل هذا الثراء الطبيعي لا يكفي لشد الأنفاس، فهناك غابة لا يعلم عنها كثيرون، وهي «غابة القندل» الواقعة شمال جزيرة فرسان، التي تتميز بأشجار المانجروف.
ومن بحار الجزر إلى موائد سكانها يبرز فن الأكل البحري. فبحكم أن مصدر غذائهم الرئيسي هو صيدهم من مياه البحر الأحمر، مثل الحريد أو الهامور أو الناجل أو الشعور أو غيرها، فإنهم يتفننون في طبخها عادة عبر «التنور» (إناء للطبخ عبر الحطب).
«الحريد» مهرجان فريد
وفي البحر الأحمر، ومع حلول فصل الربيع، وحين يكتمل القمر تحديداً في شهر أبريل (نيسان) من كل عام، يقام مهرجان موسمي في جزر فرسان، بطله سمك «الحريد» ذو الألوان المختلطة بين أزرق وأخضر وأحمر وأبيض. مهرجان يمتد لستة أيام، ويعود تاريخه إلى مئات السنين، حيث يتوافد عليه سكان الجزيرة وزوار من خارجها لاصطياده. ففي هذا الشهر، تظهر الأسماك على الشاطئ بكثرة في «ساحل الحريد».
فيفا... جارة القمر
وعند الحديث عن جازان، لا بد من الوقوف عند مرتفعات جبال فيفا بين الورود والرياحين، وتأمل هذه الجبال الشامخة التي تعانق السحاب، والتي يمكن لمن يقف في قمة أي جبل منها أن يرى السحاب أسفله. وتسمى جبال فيفا بـ«جارة القمر»، نظراً لارتفاعها البالغ نحو 1800 متر فوق سطح البحر. وتبعد محافظة جبال فيفا نحو 100 كيلومتر من مدينة جيزان.
وتجدر الإشارة إلى أنه لجبال فيفا أهمية اقتصادية كبيرة. فالمحافظة تشتهر بإنتاج البن والعسل والفواكه والورود بمختلف أنواعها. ويعتمد أهالي فيفا على الزراعة وتربية الماشية كمصدرين للدخل، حيث تتنوع جبال فيفا في زراعتها، مثل زراعة البن والرمان والعنب والورد والفل والريحان والكادي، إضافة إلى غيرها من الفواكه والخضراوات، فضلاً عن تربية النحل. وليس غريباً أن تشتهر جبال فيفا بجودة منتجاتها من العسل بأنواعه «السدرة والقتاد والسمرة وغيرها». وكأن هذا لا يكفي، تشتهر هذه الجبال أيضاً بمتنزهاتها وقممها العالية التي من أشهرها «العبسية واللغثة والكدرة وبقعة الوشل والسرة وقرضة والسماع» التي تكشف للناظر من أعالي تلك القمم جمالها وجمال المحافظات الأخرى المجاورة لها، مثل محافظة الدائر بني مالك ومحافظة العيدابي ومحافظة العارضة، في منظر مهيب يزينه منظر الأودية التي تحيط بالمحافظة من جميع الجوانب في لوحة جمالية.
ولمدرجات جبال فيفا الزراعية، من الوادي إلى القمة، جمالها الخاص، ووظيفتها المهمة أيضاً في حفظ التربة من الانجراف بسبب مياه الأمطار والسيول. فالمياه هنا يتم تصريفها بطرق هندسية، توصلها من قمم الجبال وأسطح المنازل إلى خزانات أُنشئت خصيصاً لحفظ المياه، والاستفادة منها في السقي وري المزارع، خصوصاً في فصول الجفاف.
وادي «لجب»
ومن الجبال إلى الأودية، حيث «وادي لجب» الذي يعد شقاً صخرياً تخترقه مياه السيول، بحيث نحت تدفق المياه طريقه، وصنع تجاويف جميلة فيه. ويقع هذا الوادي في محافظة الريث، بمنطقة جازان، ويُعد شديد الخطورة في حال السيول.
ويبدأ «وادي لجب» بالتقاء واديين، أحدهما يسمى «معرى» الذي ما إن تدخله حتى تشعر بالخوف المشوب بالحذر لارتفاع جانبيه وضيق مجراه الذي تسلكه، بعرض يتراوح في منعطفاته من 4 - 6 أمتار، وارتفاعاته الحادة من 300 إلى 800 متر، وعندها لا تشاهد إلا ما يقابلك من السماء، ثم جريان ينابيعه الباردة العذبة المذاق. أما طوله فيصل إلى 15 كيلومتراً، قبل أن يصب في وادي بيش العملاق. والجميل واللافت هنا جوانبه الخضراء التي تنبت على شكل أشجار وعُشب في الصخر.
وفي وسط هذا الارتفاع، تشاهد الحديقة المعلقة على ارتفاع يزيد على 200 متر من الوادي، ثم يعلوها ارتفاع آخر يصل إلى 400 متر، مشكلاً بالفعل حديقة معلقة يصل ارتفاع أشجارها إلى أكثر من 10 أمتار. وتشاهد في أثناء السير في وسطه المخيف عدة طبقات صخرية، منها الجرانيت والرخام والبازلت والصخور المتحولة والصخور النارية، وتتخذ النحل من بعض الصخور خلايا تسكنها، وتملأها مما تفرزه بطونها من العسل.
تصدير للأسماك واللؤلؤ
وتعرف جازان وجزر فرسان، إلى جانب تجارة الأسماك التي يتم تصديرها لعدد من الدول، بصيد اللؤلؤ، حيث تمتلئ الرمال البيضاء لشواطئ جزر فرسان بالقواقع والصدف، وتصدر لكثير من الدول. وقد برز منذ القدم عدد كبير من تجار اللؤلؤ في جزر فرسان قبل فترة من الزمن، أبرزهم إبراهيم النجدي الذي بنى مسجداً شهيراً له في الجزيرة، يعرف باسم مسجد النجدي، أصبح معلماً في قصته وتاريخه وتصميمه ذي الطابع النجدي الإسلامي.
بصمات لتراث وتاريخ
وفي تراث جزر فرسان عدد من المعالم التاريخية التي مرت بها حضارات مختلفة للتجارة، أو لبناء قلاع عسكرية، كونها تقع في موقع استراتيجي بالقرب من باب المندب ودول القرن الأفريقي، حيث تمثل هذه المعالم مركز جذب سياحي مهم. ويبرز في التراث القديم للجزيرة «منزل الرفاعي» الذي تم بناؤه على يد أحد تجار اللؤلؤ في الجزيرة، ويدعى أحمد الرفاعي. ويتميز المنزل بجمال تصميمه ونقوشه، إلى حد أنه أصبح يُعد تحفة تمثل تاريخ جزيرة فرسان. وهناك أيضاً القلعة العثمانية الأثرية التي تقع في شمال الجزيرة، وهي بيت محصن يحتضن حصوناً وآباراً تعود إلى العهد العثماني الذي استخدمت خلاله كقاعدة عسكرية.
وحتى الألمان تركوا آثارهم في هذه الجزر، وليس أدل على هذا من «بيت الجرمل» الذي يقع على ساحل جزيرة قماح. ووفقاً لما يقوله بحار من أبناء جزيرة فرسان، فإن الهدف من بنائه كان جعله مستودعاً للذخيرة والفحم في أثناء الحرب العالمية الأولى، إلا أنه بقي شاهداً على ما هو أكثر من ذلك.



من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
TT

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة مسيّرة قرب مدرج، يمكن أن يحوّل مشكلة محلية إلى أزمة تمتد آثارها إلى عشرات الدول.

وهذا ما حصل في بريطانيا أخيراً، بعدما أدى خلل تقني في نظام معالجة بيانات الرحلات التابع لخدمات الملاحة الجوية الوطنية البريطانية «ناتس» إلى شلل واسع في حركة الطيران. وامتدت التداعيات إلى مطارات رئيسية بينها هيثرو وغاتويك ومانشستر وستانستد، مع إلغاء أكثر من ألفي رحلة وتأثر نحو 330 ألف مسافر، فيما استمرت آثار الأزمة حتى اليوم التالي بسبب تراكم الرحلات والركاب والأمتعة.

واللافت أن الأزمة لم تكن نتيجة إغلاق مدرج بسبب طقس سيئ أو حادث طائرة، بل نتيجة خلل في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها صناعة الطيران الحديثة. وقد أكدت السلطات البريطانية أن الحادث لم يكن هجوماً إلكترونياً، فيما طلبت الحكومة من رئيس «ناتس» تقديم تقرير عن أسباب الخلل، وأعلنت هيئة الطيران المدني البريطانية إجراء مراجعة مستقلة.

مسافرون عند مكاتب تسجيل الوصول التابعة للخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن (رويترز - أرشيفية)

أزمة هيثرو الحالية ليست الأولى التي تثبت مدى هشاشة شبكة الطيران أمام الأعطال الاستثنائية. ففي مارس (آذار) 2025، أدى حريق في محطة كهرباء قريبة إلى انقطاع الكهرباء عن مطار هيثرو وإغلاقه ليوم كامل تقريباً. وتسببت الواقعة في إلغاء أكثر من ألف و300 رحلة وتأثر نحو 200 ألف مسافر، إضافة إلى تحويل رحلات إلى مطارات أخرى في بريطانيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أدى ظهور طائرات مسيّرة قرب مدرج مطار غاتويك إلى إغلاق المطار بصورة متكررة خلال موسم عيد الميلاد، ما أثر في نحو 140 ألف مسافر وأدى إلى تحويل أو إلغاء نحو ألف رحلة.

أما في الولايات المتحدة، فقد تسبب انقطاع كهربائي ضخم في مطار أتلانتا هارتسفيلد جاكسون عام 2017 في إلغاء أكثر من ألف رحلة، بعدما توقفت أنظمة المطار، بما فيها الإضاءة والسلالم المتحركة وقطارات نقل الركاب والجسور المؤدية إلى الطائرات.

وتكشف هذه الحوادث حقيقة واحدة وهي أن المطار لا يعمل بمعزل عن بقية شبكة الطيران. فإذا تعطل مطار محوري مثل هيثرو، لا تتأثر الرحلات التي تصل إليه أو تغادر منه فقط، وإنما تتأثر الطائرات والأطقم ومواعيد الرحلات المتصلة في مدن ودول أخرى.

هل يحصل المسافر على تعويض؟

هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للمسافرين. في بريطانيا، تحكم حقوق المسافرين قواعد UK261. وهي الإطار البريطاني الذي ينظم حقوق الركاب في حالات التأخير والإلغاء ورفض الصعود إلى الطائرة.

لكن وجود تأخير طويل لا يعني تلقائياً أن شركة الطيران مطالبة بدفع تعويض مالي. العامل الحاسم هو سبب التأخير.

فإذا كان التأخير أو الإلغاء نتيجة أمر يقع ضمن مسؤولية شركة الطيران، فقد يكون المسافر مؤهلاً لتعويض مالي. أما إذا كان السبب من قبيل «الظروف الاستثنائية» الخارجة عن سيطرة شركة الطيران، فقد لا يكون التعويض المالي مستحقاً. وتوضح هيئة الطيران المدني البريطانية أن التأخير الناتج عن ظرف استثنائي لا يوجب التعويض.

فالخلل في نظام مراقبة الحركة الجوية قد يصنف، بحسب ظروف القضية وتقييم المسؤولية، ضمن الظروف الاستثنائية التي تعفي شركة الطيران من دفع التعويض المالي. ولذلك فإن مجرد وصول المسافر متأخراً ثلاث ساعات أو أكثر لا يعني بالضرورة حصوله على مبلغ تعويض في هذه الحالة.

لكن «لا تعويض» لا تعني «لا حقوق» هذه نقطة يقع فيها كثير من المسافرين. حتى عندما لا يكون التعويض المالي مستحقاً تبقى على شركة الطيران التزامات تجاه المسافر.

فعند التأخير، قد يكون للمسافر حق في الرعاية والمساعدة، بما في ذلك الطعام والشراب ووسائل الاتصال، والإقامة الفندقية عند الضرورة، بحسب مدة التأخير والمسافة وظروف الرحلة.

ولهذا ينصح المسافر بالاحتفاظ بالفواتير والإيصالات الخاصة بالمصروفات الضرورية والمعقولة التي تحملها بسبب التعطل، لأن شركة الطيران قد تكون مطالبة بردها وفقاً للظروف والقواعد المطبقة.

وفي حالة إلغاء الرحلة، يكون للمسافر عموماً خيار بين استرداد قيمة التذكرة أو إعادة توجيهه إلى وجهته وفق الحقوق التي تنطبق على رحلته.

متى يكون التعويض المالي مستحقاً؟

بصورة مبسطة، يمكن للمسافر في الرحلات المشمولة بـUK261 أن يطالب بالتعويض عندما:

*يصل إلى وجهته النهائية متأخراً أكثر من ثلاث ساعات.

*أو تُلغى رحلته في ظروف تجعل التعويض مستحقاً.

*أو يُرفض صعوده إلى الطائرة في حالات معينة.

*ويكون سبب المشكلة من مسؤولية شركة الطيران وليس نتيجة ظرف استثنائي خارج سيطرتها.

وقد يصل التعويض في الحالات المؤهلة إلى 520 جنيهاً إسترلينياً للمسافر، بحسب مسافة الرحلة وظروفها.

لكن هناك فارقاً جوهرياً بين التعويض والرعاية.

فحتى إذا لم يكن المسافر مستحقاً للتعويض المالي بسبب ظرف استثنائي، قد تبقى حقوقه في الطعام أو الفندق أو إعادة التوجيه أو استرداد قيمة التذكرة قائمة.

هل للوجهة علاقة بقيمة التعويض؟

الوجهة لا تحدد وحدها ما إذا كان المسافر يستحق التعويض، سبب المشكلة ونقطة انطلاق الرحلة والقواعد القانونية التي تنطبق عليها عوامل أساسية.

لكن المسافة بين نقطة الانطلاق والوجهة تدخل في تحديد قيمة التعويض عندما يكون التعويض مستحقاً أصلاً. ولهذا تختلف قيمة التعويض بين الرحلات القصيرة والمتوسطة والطويلة.


جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
TT

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

تُظهر بيانات شركة «هيلوتيكتس» أن البحث عن عطلات قصيرة في وجهات تتمتع بهوية طهي قوية قد ارتفع بنسبة تتجاوز 30 في المائة. ويعكس هذا التحول أسلوباً جديداً في السفر: أكثر عفوية، وأكثر إثارة للحواس، وأكثر انغماسا في المذاقات حيث أصبحت الأسواق، والمخابز، وقاعات الطعام، والطاولات، والمأكولات المحلية الشهيرة لا تقل أهمية عن المعالم السياحية الكلاسيكية.

باليرمو من المدن التي يقصدها السياح لتذوق أطباقها (بيكسلز)

واليوم، لم تعد العطلات القصيرة في المدن تُبنى فقط على ما ينبغي لك رؤيته، بل أيضاً على ما تتوق لتذوقه؛ فمكان لاحتساء القهوة حُفظت تفاصيله مسبقاً، أو أكلة محلية تُتناول في أثناء السير، أو سوقاً تضج بالحياة، أو عنواناً في أحد الأحياء أوصى به السكان المحليون باتت هي اللحظات التي تحدد معالم الرحلة بصورة متزايدة.

ويقول خورخي دياز لارغو، الرئيس التنفيذي لشركة «هيلوتيكتس»: «نشهد عدداً متزايداً من المسافرين يختارون المدينة بناءً على التجارب اليومية التي يمكنهم خوضها هناك: فنجان قهوة، أو قطعة معجنات، أو سوق محلية، أو أكلة شعبية خاصة. إنها طريقة أكثر حرية وحيوية ومباشرة لاكتشاف الوجهة السياحية».

كوبنهاغن من المدن المميزة بمطبخها (بيكسلز)

تلك المدن التي ربما لم تكن لترتب سفرك إليها لمجرد رؤية معالمها السياحية فحسب، لكنها تغدو عصية على النسيان في اللحظة التي تبدأ فيها باستكشاف معالمها أكلة بعد أكلة.

تبليسي: المدينة التي تحجز رحلتك إليها بدافع الفضول، وتغادرها وأنت لا تفكر إلا بوجباتها.

من خشب «الخاتشابوري» المتبخر بالحرارة، والخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن، إلى الزلابية العملاقة، والمطاعم الصغيرة المريحة، والموائد الطويلة السخية: تمتلك تبليسي تلك القدرة النادرة على تحويل كل وجبة إلى جزء أصيل من تجربة السفر. إنها مدينة دافئة، وتفيض بالحيوية، ومناسبة للميزانية على نحو معقول، مدينة يشعر فيها المرء بأن الطعام جزء متغلغل في عمق الحياة اليومية.

تبليسي معروفة بمأكولاتها اللذيذة (بيكسلز)

باليرمو: الفوضى المثالية لعطلة نهاية أسبوع مخصصة للتذوق والتنقل بين مختلف المعالم.

من كرات «الأرانشيني» المقرمشة، وأقراص «البانيلي» المصنوعة من دقيق الحمص، وبيتزا «الشفينشوني» الحافلة بالنكهات، إلى الأسواق المكشوفة المفعمة بالحيوية الصاخبة، والمناضد البسيطة التي تتسم بتواضع ظاهر، لكنها لا تخيب أملك أبداً: باليرمو لا تتصنع لتسحرك، وهذا هو السبب تحديداً في أنها تعيش في ذاكرتك ولا تفارقها. إنها مدينة يُفهم جوهرها على النحو الأفضل وأنت واقف على قدميك تتناول شيئاً ساخناً، بدلاً من اتباع جدول سياحي مُعد بعناية فائقة، وتصنّع مفرط.

بورتو: المدينة التي تجعلك ترغب في التوقف باستمرار.

بورتو في البرتغال (بيكسلز)

شطائر رائعة، ومعجنات طازجة، وأطعمة معلبة فاخرة، ومقاهٍ وأماكن بسيطة دون أي استعراض بلا داعٍ: تُعد بورتو وجهة مثالية للمسافرين الذين يفضلون المدن القريبة من النفس والإنسان، والتي تتمتع بالجمال دون تباهٍ، وبالمتعة دون تصنع أو استعراض. إنها نوعية الأماكن التي يشعر فيها المرء بأن تناول الطعام الجيد فيها أمر يسير، ولا يتطلب أي عناء.

ليون: المدينة الفرنسية التي تظن أنك تعرفها بالفعل... حتى تزورها لمجرد الأكل فقط.

غالباً ما ترتبط ليون بعالم الطهي الرفيع والفخم، غير أن المدينة تبدو مختلفة تماماً عندما تقصدها بحثاً عن الوجبات الخفيفة، والتجول، والأكل في أثناء السير عبر أرجائها. إن المخابز، ومتاجر المعجنات، وطاولات الطعام، والمأكولات المحلية الجاهزة تجعل منها واحدة من أوضح الأمثلة على هذا النمط الجديد من العطلات القصيرة في المدن.

كوبنهاغن: حيث تشعر بأن الوجبة الخفيفة قد أُعدت ببراعة وذوق رفيع.

ثقافة المخابز، والمقاهي المصممة بجمال وإتقان، والأطباق الصغيرة المبتكرة والراقية، والأسواق المحلية، واستراحات التذوق للأطباق اللذيذة، والهوس الهادئ بالتفاصيل: تحول كوبنهاغن كل وقفة فيها إلى شيء مشتهى ومحط إعجاب. إنها مدينة الرغبات الأنيقة، والاستراحات الموزونة بدقة، والملذات البسيطة التي صيغت لتغدو جذابة ومثالية بصورة مذهلة.

الرفاهية الحقيقية الآن هي في المدينة التي تثير شهيتك وتجعلك جائعاً.

وراء صعود اتجاه «العطلات القصيرة القائمة على الطعام أولاً» يكمن أيضاً شعور واضح بالإرهاق والملل من الرحلات التي تبدو مفرطة في التخطيط، والتدقيق، والتكرار المألوف.

وبالطبع، لا يزال المسافرون يرغبون في الشعور بالتنقل والارتحال إلى عالم آخر؛ غير أنهم باتوا يفتشون أيضاً عن مدن تتمتع بطابع وشخصية أكثر أصالة، وأقل تصنعاً وصقلاً، مدن لديها ما تقوله، وتفصح عنه منذ الساعة الأولى. أماكن يمكنك أن تخرج فيها، وتمشي لمدة 20 دقيقة، لتدخل بقعة ما بناءً على نزوة نابعة من لحظتها — وتتعثر صدفة بأجمل لحظات عطلة نهاية الأسبوع.

وقد يكون هذا هو ما يكشفه بحق هذا النمط الجديد من السفر: لم نعد نبحث عن مجرد وجهة جميلة فحسب.

وإنما نقتفي أثر مدينة تتمتع بالذوق الرفيع، وبكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.


3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.