موسكو تصعّد ضد الوجود الأميركي شرق الفرات

أعلنت إطلاق المرحلة الثانية من تسيير الدوريات المشتركة مع تركيا

جنود روس وأتراك خلال مشاركتهم في دورية مشتركة قرب عين العرب (كوباني) أمس (إ.ب.أ)
جنود روس وأتراك خلال مشاركتهم في دورية مشتركة قرب عين العرب (كوباني) أمس (إ.ب.أ)
TT

موسكو تصعّد ضد الوجود الأميركي شرق الفرات

جنود روس وأتراك خلال مشاركتهم في دورية مشتركة قرب عين العرب (كوباني) أمس (إ.ب.أ)
جنود روس وأتراك خلال مشاركتهم في دورية مشتركة قرب عين العرب (كوباني) أمس (إ.ب.أ)

تزامن إعلان وزارة الدفاع الروسية، أمس (الثلاثاء)، عن البدء بالمرحلة الثانية من تسيير الدوريات المشتركة مع تركيا في شمال سوريا وفقاً لاتفاق سوتشي، مع تصعيد اللهجة الروسية ضد التحركات الأميركية في منطقة شرق الفرات بعد الإعلان عن عزم واشنطن إقامة قاعدتين عسكريتين جديدتين هناك. وفي إشارة لافتة، أعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن تشاؤم حيال إمكانية التوصل إلى تفاهمات مع واشنطن لتسوية هذا الملف.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن موسكو وأنقرة أطلقتا ظهر أمس مساراً جديداً للدوريات المشتركة على امتداد 160 كيلومتراً قرب بلدة عين العرب (كوباني) في شمال شرقي سوريا. وأفاد بيان عسكري بأن وحدات الشرطة العسكرية والقوات التركية وضعتا مساراً للدوريات على بعد كيلومترات قليلة إلى الشمال من كوباني، ويمر ببلدتي بندر خان وشيوخ فوقاني.
وتعد دورية أمس والتي سيكون مسارها منتظماً لقوات الطرفين، الثانية بعد أن سيّرت موسكو وأنقرة، مطلع الشهر الجاري، دورية مشتركة عند الشريط الحدودي مع تركيا في ريفي عامودا والدرباسية.
وكان الطرفان توصلا خلال محادثات عقدها الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في سوتشي، الشهر الماضي، إلى اتفاق ينص على تسيير دوريات مشتركة على طول الحدود السورية - التركية باستثناء القامشلي ومنطقة العمليات العسكرية التركية التي تمتد بين رأس العين وتل أبيض.
ونص الاتفاق على إخلاء الشريط الحدودي بعمق يصل إلى 30 كيلومتراً من المسلحين الأكراد وسحب الأسلحة الثقيلة والآليات منها. واللافت أنه خلافاً لتأكيدات تركية برزت خلال اليومين الماضيين حول {استمرار وجود أعداد من المقاتلين الأكراد في المنطقة}، أكدت موسكو انه تم تنفيذ الشق الأول من الاتفاق {كاملاً} قبل الموعد المحدد، وان المنطقة باتت خالية من الوجود المسلح للأكراد.
وكرر لافروف، أمس، الاعراب عن الارتياح لسير تنفيذ الاتفاق الروسي - التركي، وقال إن {بنود الاتفاق يجري تطبيقها بشكل جيد}.
في المقابل، واصلت موسكو التركيز على التحركات الأميركية في منطقة شرق الفرات، وأعلن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، أن بلاده تعتبر محاولات واشنطن التمركز في شمال شرقي سوريا بمنطقة حقول النفط {أمراً لا يمكن القبول به}.
وكانت موسكو شنّت حملة قوية على واشنطن بعد إعلان الأخيرة إعادة وحدات عسكرية إلى المنطقة بذريعة حماية النفط السوري ومنع سيطرة تنظيم {داعش} أو الروس عليه. واتهمت وزارة الدفاع الروسية الأميركيين بالقيام بعملية {سرقة} للنفط السوري بذرائع مختلفة. وصعّدت موسكو لهجتها أكثر أمس بعد إعلان واشنطن عزمها اقامة قاعدتين عسكريتين جديدتين في المنطقة، إذ شدد فيرشينين على أن {أي تصرفات من مثل محاولة الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري غير الشرعي (في سوريا) هي من وجهة نظرنا مخالفة للقانون الدولي ولا يمكن القبول بها}.
وكانت وكالة أنباء {الأناضول} التركية قد أفادت سابقاً بأن العسكريين الأميركيين يقومون ببناء قاعدتين جديدتين في محافظة دير الزور شرق سوريا. وأوضحت مصادر الوكالة أن القاعدة الأولى تجري إقامتها في بلدة الصور بريف المحافظة الشمالي، وتبنى القاعدة الثانية في مقر اللواء 113 الذي كان يتبع للجيش السوري بريف دير الزور الشمالي الغربي. وأشارت الوكالة إلى أن الجيش الأميركي أرسل، بعد إطلاق عملية {نبع السلام} التركية ضد {وحدات حماية الشعب} الكردية تعزيزات إلى دير الزور بلغ قوامها نحو 250 جندياً، بالإضافة إلى آليات ومصفحات وراجمات صواريخ.
ورداً على ذلك، شكك وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في إمكانية التوصل إلى اتفاقات مع الولايات المتحدة بخصوص الوضع في شمال شرقي سوريا. وقال خلال مؤتمر صحافي أمس: {ليس لدي شعور بأنه يمكن الاتفاق مع الولايات المتحدة على شيء ما اليوم}. وكان الوزير الروسي قد قال في وقت سابق إن بلاده {ستواصل الدفاع عن موقفها حيال هذه المسألة}، في إشارة إلى عزم موسكو تصعيد تحركاتها ضد تعزيز الوجود الأميركي في شرق سوريا من خلال مجلس الأمن والهيئات الدولية الأخرى.
تجدر الاشارة إلى أن موسكو أعلنت في وقت سابق أن قنوات الاتصالات السياسية مع الولايات المتحدة {لم تعد تعمل}، وأشارت إلى أن القناة الوحيدة التي ما زالت تمارس نشاطها من دون انقطاع هي القناة العسكرية التي يسعى الطرفان من خلالها إلى تجنّب وقوع احتكاكات أو صدامات غير مقصودة بين قوات البلدين في سوريا.



السوداني يؤكد لروبيو ضرورة عدم استخدام العراق للهجوم على دول المنطقة

محمد شياع السوداني (أ.ب)
محمد شياع السوداني (أ.ب)
TT

السوداني يؤكد لروبيو ضرورة عدم استخدام العراق للهجوم على دول المنطقة

محمد شياع السوداني (أ.ب)
محمد شياع السوداني (أ.ب)

أكّد رئيس الوزراء العراقي محمّد شياع السوداني، في اتصال مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اليوم (الثلاثاء)، ضرورة ضمان عدم استخدام أجواء العراق وأراضيه ومياهه في الهجوم على دول مجاورة، بحسب ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن بيان رسمي.

وبعيد بدء الهجوم المشترك على طهران صباح 28 فبراير (شباط)، أضحت الأجواء العراقية مسرحاً لأشكال مختلفة من الحرب: غارات جوية على مقار لمجموعات مسلحة موالية لإيران، وهجمات تستهدف المصالح الأميركية، وضربات تشنّها طهران عبر الحدود تستهدف مجموعات كردية معارضة في شمال العراق.

وشكّل العراق على مدى أعوام ساحة لصراع النفوذ بين واشنطن وطهران، وجهدت حكوماته المتعاقبة منذ الغزو الأميركي الذي أطاح نظام صدام حسين في 2003، لتحقيق توازن دقيق في علاقاتها مع القوتين النافذتين والعدوتين.

ولم تؤكد الولايات المتحدة أو إسرائيل شنّ ضربات على العراق منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، رغم اتهامهما بذلك. في المقابل، تبنّت فصائل عراقية تنفيذ عشرات الهجمات على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، دون تحديد أهدافها.

وشدّد السوداني فجر الثلاثاء، في اتصال مع روبيو، على «أهمية ضمان عدم استخدام الأجواء والأراضي والمياه العراقية في أيّ عمل عسكري يستهدف دول الجوار أو المنطقة».

وأكّد «موقف العراق المبدئي بعدم الدخول في الأعمال العسكرية، مثلما يرفض الزج به في الصراعات الدائرة، ويرفض خرق أجوائه من أيّ جهة كانت».

كذلك أكّد «التزام العراق بحماية البعثات والسفارات والقنصليات الممثلة على أراضيه».

من جهته، قال تومي بيغوت المتحدث باسم وزير الخارجية الأميركي في بيان، إن روبيو «دان بشدة الهجمات الإرهابية التي شنتها إيران والجماعات المسلحة الموالية لها في العراق، بما في ذلك إقليم كردستان العراق».

ولفت إلى أن المسؤولَين العراقي والأميركي «أكّدا أهمية اتخاذ الحكومة العراقية كل التدابير الممكنة لحماية الدبلوماسيين والمنشآت الأميركية».

ومنذ بدء الحرب، استُهدف مطار بغداد الدولي الذي يضمّ قاعدة عسكرية تستضيف فريقاً للدعم اللوجيستي يتبع لسفارة واشنطن، مراراً بهجمات بالمسيّرات والصواريخ. كذلك تصدّت الدفاعات الجوية للسفارة الأميركية في بغداد مساء السبت، لهجوم بالصواريخ.

وتعرّضت حقول نفطية تديرها شركات أجنبية بينها أميركية، للقصف في البصرة بجنوب العراق، وفي إقليم كردستان بشماله.

وشهد هذا الإقليم المتمتع بحكم ذاتي كثيراً من الهجمات. ويستضيف مطار عاصمته أربيل قوات التحالف الدولي لمحاربة المتطرفين الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014. كما تقيم الولايات المتحدة قنصلية ضخمة في الإقليم.


«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
TT

«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)

تزامن التحذير الرئاسي المصري من محاولات لـ«إشعال الفتن والصراعات العبثية» في حوض النيل والقرن الأفريقي، مع تصاعد التوترات في المنطقة، وسط خلافات مصرية مع إثيوبيا بشأن ملف «سد النهضة» والاتفاقية الإطارية لدول الحوض، وإدانات من القاهرة للوجود الإسرائيلي والاعتراف بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال».

ويعتقد خبراء في الشأن الأفريقي، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التحذير المهم يأتي في ظل توترات وصراعات بالمنطقة، ومن أجل تجنب التداعيات الخطيرة على دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، من المطامع بالبحر الأحمر أو المنطقة.

تحذير مصري

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين: «نحذر من محاولات إشعال الفتن في حوض النيل والقرن الأفريقي، فهذه مغامرات بالغة الخطورة، ستترتب عليها تداعيات لا قدرة لأحد على احتوائها، ولن يكون أي طرف بمنأى عن آثارها».

وأضاف: «مصر التي تنادي دائماً بالتعاون والتكامل مع الدول الشقيقة في حوض النيل، لن تسمح بجر المنطقة إلى صراعات عبثية، تهدد حاضرها ومستقبلها».

رفع مستوى التحذير

عن رفع مصر مستوى التحذير، قالت مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق السفيرة منى عمر، إن الرئيس السيسي قدم نظرة شمولية للأوضاع، حيث كان يتحدث عن الإطار الإقليمي بصفة عامة، سواء في جانبه العربي أو الأفريقي. ومصر «لم ترفع سقف التحذير فجأة، بل إن الرئيس كان دائماً، وفي كافة المناسبات يتحدث عن أهمية تجنب الخلافات القائمة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على منطقة القرن الأفريقي، وعلى مصر بالتبعية».

بالنظر إلى الخريطة الأفريقية، هناك جملة من الأزمات، بدءاً من الوضع في السودان، واستمرار الحرب منذ 2023، وما حدث في الصومال، بخاصة في منطقة «أرض الصومال» الانفصالية والتدخلات الإسرائيلية في تلك المنطقة، وتأثير ذلك على الممرات الاستراتيجية في باب المندب، حسب منى عمر.

وفيما يتعلق بالداخل الإثيوبي، تقول إن «هناك الكثير من القلاقل والقوميات المتناحرة، وهو ما قد يؤدي في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه إلى انهيار دولة بحجم إثيوبيا، الأمر الذي سيؤثر بدوره على كل دول الجوار، نظراً لأن كل هذه القوميات لها انتماءات وتداخلات مع دول الجوار»، في إشارة لخلافات أخيرة بين أديس أبابا وإقليم تيغراي.

تضاف إلى ذلك الخلافات القائمة بالفعل ما بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وأخرى مكتومة بين إثيوبيا والصومال، حسب عمر.

وقبل أيام، وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وأكدت السفيرة منى عمر أن كل هذه الأمور من شأنها إحداث وقيعة بين الدول بصفة عامة، سواء الدول العربية أو الأفريقية، وقد تتطور إلى مواجهات عسكرية أو غيرها مما لا تحمد عقباه، مضيفة: «وهذا هو الدافع الذي جعل الرئيس السيسي يتناول هذا الموضوع للتنبيه من خطورة الأوضاع td المنطقة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية، دول حوض نهر النيل الموقّعة على «عنتيبي»، بمراجعة مواقفها من الاتفاقية، والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها، بعد أن تسبب ملف «سد النهضة» الإثيوبي بخلافات بين القاهرة وأديس أبابا.

وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، من أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أن الأمر لا يستلزم توقيع اتفاق، وتجمدت المفاوضات منذ 2024.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، أن التحذير الرئاسي «يأتي في ضوء تنامي التوترات بالمنطقة، التي تزيد التحديات بالقرن الأفريقي في ظل مخاطر تهدد الملاحة في باب المندب ومساع إثيوبية بصورة أحادية للوجود في البحر الأحمر، وتصعيد اللهجة مع إريتريا، بخلاف الوجود الإسرائيلي عبر الاعتراف بالإقليم الانفصالي، وهذه كلها أمور قد تشعل المنطقة».

ويعتقد حليمة أنه «سيكون هناك تحرك مصري نشط لضمان الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، سواء ما يتعلق بالأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر، أو ملف سد النهضة الإثيوبي، أو محاولات التوسع الإثيوبي بالقوة في البحر الأحمر، وذلك لضمان أمن المنطقة واستقرارها وحماية الأمن القومي المصري».


أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
TT

أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)

وضعت الحكومة اليمنية حزمة من الأولويات الاقتصادية والخدمية على طاولة المشاورات مع «البنك الدولي»؛ في محاولة لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية بالبلاد، في وقت تزداد فيه التحديات الإقليمية والاقتصادية بفعل التصعيد العسكري بالمنطقة، وما قد يخلّفه من آثار على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة.

وجاءت هذه المشاورات ضمن مناقشة إعداد «إطار الشراكة القُطرية الجديد» بين اليمن و«البنك الدولي» للفترة من 2026 إلى 2030، حيث عرضت الحكومة جملة من البرامج والمشروعات التي تتطلع إلى تمويلها خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ووفق مصادر رسمية، فقد ركزت جلسة المشاورات الموسعة بين الجانبين على تحديد أولويات التمويل التنموي، وبحث آليات دعم البرامج التي تسهم في تحسين الخدمات العامة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها الاقتصاد اليمني نتيجة سنوات الصراع.

معظم اليمنيين فقدوا قدرتهم الشرائية مع اتساع رقعة الفقر وانعدام فرص العيش (إ.ب.أ)

وحضر جلسات النقاش عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، من بينهم وزراء: الكهرباء والطاقة، والمياه والبيئة، والزراعة والثروة السمكية، والتربية والتعليم، والأشغال العامة، والصناعة والتجارة، والشؤون الاجتماعية، والصحة والسكان، إضافة إلى قيادة «البنك المركزي اليمني».

وتناولت المناقشات احتياجات الحكومة خلال المرحلة المقبلة، وسبل مواءمة البرامج التنموية مع الاستراتيجيات الوطنية وخطط التعافي الاقتصادي، بما يضمن توجيه التمويل الدولي نحو القطاعات الأكبر تأثيراً في حياة المواطنين.

الأولويات الحكومية

ركزت الحكومة اليمنية في نقاشاتها مع «البنك الدولي» على معالجة الاختلالات الحادة في قطاع الكهرباء والطاقة، بوصفه أحد أكبر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد الوطني والخدمات العامة.

ويعدّ العجز في إنتاج الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات اليمنية، حيث يعاني معظم المدن من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي؛ نتيجة ضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الوقود، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنشآت خلال سنوات الصراع.

العجز في الطاقة يحتل أولوية لدى الحكومة اليمنية الجديدة (إعلام محلي)

وترى الحكومة اليمنية أن تحسين قطاع الكهرباء يمثل خطوة أساسية لدعم النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات، فضلاً عن دوره المباشر في تحسين الخدمات العامة مثل المياه والصحة والتعليم.

وفي هذا السياق، بحثت المشاورات مع «البنك الدولي» إمكانية تمويل مشروعات لتوسيع إنتاج الطاقة وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب دعم التوجه نحو الطاقة المتجددة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض التكاليف التشغيلية.

كما تطرقت النقاشات إلى أهمية تطوير خدمات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الحضرية، بوصفها من المتطلبات الأساسية لتحسين مستوى المعيشة في المدن والمناطق الريفية.

الزراعة والأمن الغذائي

إلى جانب قطاع الطاقة، حظي القطاع الزراعي باهتمام خاص خلال المشاورات بين الحكومة اليمنية و«البنك الدولي»، نظراً إلى أهميته في دعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

وأكد وزير الزراعة والثروة السمكية في الحكومة اليمنية، سالم السقطري، أن إطلاق مشاورات إعداد «إطار الشراكة القُطرية» يمثل خطوة مهمة نحو صياغة تدخلات تنموية أعلى استجابة للتحديات التي تواجه اليمن، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية.

نحو 70 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة التي تضررت جراء التغيرات المناخية (الأمم المتحدة)

وأوضح أن قطاع الزراعة والري والثروة السمكية يعدّ من أهم القطاعات القادرة على الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الأنشطة الزراعية والسمكية مصدراً رئيسياً للدخل.

ووفق التقديرات، فإن نحو 70 في المائة من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة، في حين يسهم القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبرز أهمية هذا القطاع في ظل تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 17 مليون شخص يعانون من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي ضوء ذلك، شدد المسؤولون اليمنيون على ضرورة توجيه الاستثمارات الدولية نحو دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتعزيز قدرة القطاعين الزراعي والسمكي على الإسهام في تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

إعادة تأهيل البنية التحتية

كما ركزت النقاشات على أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاعين الزراعي والسمكي، خصوصاً ما يتعلق بمنشآت وشبكات الري والأراضي الزراعية المتضررة والبنية التحتية لمصايد الأسماك.

وتعرضت هذه المنشآت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع، إضافة إلى التأثيرات المتصاعدة للتغيرات المناخية التي أسهمت في تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق.

الحكومة اليمنية تراهن على دعم القطاع السمكي لمواجهة انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وأشار وزير الزراعة اليمني إلى أن «إطار الشراكة» المقترح مع «البنك الدولي» يتضمن توجهاً لدعم تنمية الأعمال الزراعية وسلاسل القيمة الغذائية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير قطاع مصايد الأسماك والاستزراع السمكي.

كما يشمل التوجه توسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالقطاع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل جديدة في الريف.

وأكد السقطري استعداد وزارته للتعاون الكامل مع مجموعة «البنك الدولي»، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبقية الجهات الحكومية وشركاء التنمية؛ لتحديد أولويات واضحة للتدخلات المستقبلية.

وشدد على أهمية أن يركز إطار الشراكة الجديد على الانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى دعم الإنتاج والتنمية الاقتصادية المستدامة، بما يساعد المجتمعات المحلية على تعزيز قدرتها في الاعتماد على الذات وتحقيق تعافٍ اقتصادي تدريجي.

ويأمل المسؤولون اليمنيون أن يسهم التعاون مع «البنك الدولي» في توفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه البرامج والمشروعات، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.