«مياه» الاحتجاجات تكذّب «غطّاس» الديمقراطية العراقية

هجمات مسلحة ضد قنوات وإغلاق 17 وسيلة إعلامية واعتداءات تطال 88 صحافياً

لم يسبق أن قامت الحكومات العراقية بعد 2003 بحملة ممنهجة ضد وسائل الإعلام مثلما فعلت الحكومة الحالية رغم خروج كثير من المظاهرات (أ.ب)
لم يسبق أن قامت الحكومات العراقية بعد 2003 بحملة ممنهجة ضد وسائل الإعلام مثلما فعلت الحكومة الحالية رغم خروج كثير من المظاهرات (أ.ب)
TT

«مياه» الاحتجاجات تكذّب «غطّاس» الديمقراطية العراقية

لم يسبق أن قامت الحكومات العراقية بعد 2003 بحملة ممنهجة ضد وسائل الإعلام مثلما فعلت الحكومة الحالية رغم خروج كثير من المظاهرات (أ.ب)
لم يسبق أن قامت الحكومات العراقية بعد 2003 بحملة ممنهجة ضد وسائل الإعلام مثلما فعلت الحكومة الحالية رغم خروج كثير من المظاهرات (أ.ب)

ينظر إلى الإجراءات التي قامت بها السلطات العراقية والفصائل الموالية، وما زالت تقوم بها، ضد وسائل الإعلام المختلفة بهدف ترهيبها وإيقافها عن تغطية المظاهرات التي انطلقت في 1 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وما زالت متواصلة، بوصفها إجراءات خطيرة وتعسفية.
ولم يسبق أن قامت الحكومات العراقية بعد 2003، بحملة ممنهجة ضد وسائل الإعلام مثلما فعلت الحكومة الحالية التي يقودها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، رغم خروج كثير من المظاهرات الاحتجاجية في السنوات الماضية.
وبنظر شريحة واسعة من الإعلاميين، فإن «مياه» الاحتجاجات الأخيرة، وما جرى فيها من تضييق واسع النطاق على حرية الصحافة والإعلام، كذبت، وبما لا يدع مجالاً للشك، «غطاس» الديمقراطية العراقية المزعومة.
المفارقة أن التضييق والمنع لم يشملا المؤسسات الإعلامية الخاصة فحسب، بل امتدا ليطالا المؤسسات الحكومية، حيث صدرت أوامر مشددة لوزارة الصحة بعدم الإدلاء بأي معلومات حول أعداد الجرحى والقتلى من المتظاهرين والقوات الأمنية.
«جمعية الدفاع عن حقوق الصحافة في العراق»، التي رصدت عشرات الاعتداءات التي طالت وسائل الإعلام والصحافيين، عدّت أن «أكتوبر سجل أسوأ أشهر حرية الصحافة في العراق منذ 2003».
وذكرت الجمعية في تقرير مطول أن «المظاهرات شهدت انتهاكات غير مسبوقة طالت الصحافيين والصحافيات في مجموعة من المحافظات العراقية» وسجلت الجمعية، عبر راصديها الموجودين في مجموعة من المحافظات، 89 حالة انتهاك لوسائل الإعلام والصحافيين.
وتوزعت تلك الانتهاكات على شكل «هجمات مسلحة واقتحام وإغلاق مقار ومكاتب 17 وسيلة إعلامية، وحالات تهديد بالتصفية طالت 33 صحافياً، واعتقال 8 صحافيين دون مذكرات قبض، وإصابة 14 صحافياً بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع، و28 اعتداء بالضرب ومنع التغطية». ولفت تقرير «جمعية الدفاع عن الحقوق الصحافية» إلى أن تلك الاعتداءات لم تصدر عن الحكومة أو الفصائل الموالية لها فحسب، بل صدر جزء منها من قبل بعض المتظاهرين.
وبحسب تقرير الجمعية، فإن أول تلك الانتهاكات والاعتداءات، وقع في 4 أكتوبر الماضي، حين قام محتجون بحرق مقر قناة «الأهوار» في محافظة ذي قار الجنوبية.
في اليوم التالي الموافق 5 أكتوبر، تعرض مقر قناة «دجلة» الفضائية ببغداد إلى الاقتحام من قبل جهة مسلحة، قامت بإضرام النار في أجزاء منه، بعد أن اعتدت بالضرب على العاملين، ومصادرة هواتفهم الجوالة. وبقت «دجلة» مغلقة حتى عاودت البث من العاصمة الأردنية عمّان بعد نحو أسبوعين من الحادثة.
كذلك، قام في اليوم نفسه المسلحون ذاتهم باقتحام مقر قناة (NRT) عربية وحطموا معدات التصوير وأجهزة الكومبيوتر ومركز البث، ما أدى إلى إيقاف إشارة الفضائية بالكامل، ثم اعتدوا على العاملين بالضرب والشتم، وحذروا العاملين من إعادة افتتاح القناة. ولم تعاود الفضائية بثها المنتظم حتى اللحظة.
وفي اليوم ذاته أيضاً، هاجمت القوة المسلحة ذاتها شركة إعلامية تضم مكاتب فضائيات «العربية» و«العربية الحدث»، و«الغد»، TRTالتركية).
المفارقة أن السلطات لم تتمكن إلا من اعتقال 5 أشخاص متورطين في تلك الحوادث، أفرج عنهم بكفالة قضائية في اليوم نفسه، بحسب تقرير الحكومة المتعلق بتقصي الحقائق عن تلك الاعتداءات، الذي صدر الأسبوع الماضي.
في يوم 6 أكتوبر، تعرض مقر قناة «الفرات» التابعة لـ«تيار الحكمة الوطني» المعارض، لهجوم من قبل طائرة مسيرة «درون»، استهدف أحد مباني الفضائية، وأدى إلى إصابة أحد العاملين فيها بجروح، كما خلف القصف أضراراً مادية ومالية جسيمة. وفي اليوم ذاته، أوقفت فضائية «الرشيد» إشارتها بأمر من مديرها، بعد تعرضها لتهديدات وضغوط سياسية.
كان المعول عليه أن تتوقف حملة التضييق على الفضائيات مع انطلاق الموجة الثانية من المظاهرات في 25 أكتوبر الماضي، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وتعرضت مرة أخرى قنوات ووسائل إعلام إلى الحرق والترويع والإيقاف؛ حيث قامت مجموعة مجهولة بحرق مقر إذاعة «الفرات» ومكتب إذاعة «الأمل» في محافظة الديوانية، كما أحرق مجهولون مكتب إذاعة «الأمر» في محافظة ميسان، وتعرض غير هذه المحطات والاذاعات إلى التضييق والإيقاف.
وأوقفت «هيئة الإعلام والاتصالات» شبه الحكومية بثّ قناتي «العربية» و«العربية الحدث» في بغداد، لادعائها مخالفة ضوابط ولائحة البث، كما قامت رسمياً بغلق مكتب قناة «الحرة» الأميركية في بغداد تنفيذاً لقرار سابق بغلقه.
وتقول «جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق» إنها سجلت حالة إصابة طالت الصحافيين والصحافيات بواسطة الإطلاقات النارية والمطاطية والقنابل المسيلة للدموع التي توجهها القوات الأمنية على جموع المتظاهرين.
على سبيل المثال لا الحصر، أصيب في 1 أكتوبر كادر قناة (NRTعربية) المكون من مصورين اثنين بقنابل الغاز المسيل للدموع أثناء تغطيتهم المظاهرات في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، كما تعرض عمر فالح مصور قناة «هنا بغداد» إلى إصابة خطيرة بقنابل الغاز المسيل للدموع نقل على أثرها إلى المستشفى.
وفي يوم 2 أكتوبر، أصيب مراسل قناة «أهل البيت» محمد الغزالي بطلق ناري أثناء تغطيته مظاهرات محافظة بابل.
ومع تجدد المظاهرات في 25 أكتوبر، أصيب مراسل قناة «السومرية» في بغداد هشام وسيم إصابة مباشرة وخطيرة في وجهة بقنبلة غاز مسيل للدموع أثناء تغطيته مظاهرات ساحة التحرير في بغداد، أدت إلى تشوهات خطيرة في أنفه ووجهه. كما أصيب مراسل وكالة (AP) خالد محمد باختناق وإصابات طفيفة أثناء تغطيته مظاهرات وسط العاصمة بغداد.
وفي 28 أكتوبر الماضي، تعرض 4 من الإعلاميين في محافظة كربلاء لإصابات نتيجة إطلاق القوات الأمنية قنابل غاز مسيل للدموع بكثافة عالية في ساحات التظاهر.
وحيال ما جرى من انتهاكات صارخة لطيف واسع من الصحافيين ووسائل الإعلام، لفت انتباه قطاع واسع من الصحافيين الصمت الذي مارسته «نقابة الصحافيين العراقيين» ورئيسها مؤيد اللامي، التي لم تصدر أي بيان حول الأحداث أو يعترض على طريقة تعاطي القوات الأمنية مع وسائل الإعلام. لكن «النقابة الوطنية للصحافيين العراقيين» أدانت ما تعرضت له المؤسسات الإعلامية والصحافيين خلال تغطية الاحتجاجات السلمية في بغداد والمحافظات الجنوبية.
وقال «المرصد العراقي للحريات الصحافية» في بيان إنه سجل «واقعاً مؤلماً لحرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومة والحصول عليها بسبب الضغط الشديد من السلطات وجهات أخرى مارست دوراً تعسفياً في التعامل مع الصحافيين ووسائل الإعلام خلال المظاهرات».
بدوره، يرى رئيس تحرير «جريدة العالم الإلكترونية» منتظر ناصر، أن «ما جرى بعد 1 أكتوبر الماضي، أمر غير مسبوق في التعدي على الحريات العامة وحرية الصحافة والإعلام».
ويقول ناصر لـ«الشرق الأوسط»: «قامت جهة مجهولة ظلامية بغارات على عدد من الفضائيات المحلية والعربية ومكاتبها بالعاصمة بغداد، وتهشيم ونهب محتوياتها، وضرب موظفيها وغلق أبوابها». ويؤكد أن الهدف كان «تكميم الأفواه وترهيب الصحافيين والإعلاميين وإخفاء الحقيقة عن متناول الناس».
ويضيف ناصر أن «ما جرى من تجاوز على وسائل الإعلام، إضافة إلى القطع الكامل أو الجزئي لخدمة الإنترنت، يشكل عودة قسرية إلى عهود الديكتاتورية السحيقة، وتراجعاً مخيفاً في سقف الحريات لولا شجاعة بعض الصحافيين والمدونين وصمودهم في وجه تلك الهجمة وفضحها دولياً».
وبرأي عميد كلية الإعلام في جامعة بغداد هاشم حسن، فإن «ما حدث من تضييق على وسائل الإعلام خلال المظاهرات يبرز الحاجة لمنظمات ونقابات مهنية مؤثرة وليست واجهات للسلطة، كما تأكدت الحاجة الماسة لإعلام وطني مستقل ينقل بأمانة وجرأة ما يجري في ساحات الاحتجاج».
ويضيف أن «مهاجمة المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية من عناصر مسلحة مع بدء الحراك الشعبي، وضعف دور الحكومة في توفير الحماية، قمعا حرية التعبير، واستكمل ذلك بحجب الإنترنت ومحاولة إجهاض الثورة. للأسف لم يكن لنقابة الصحافيين موقف صريح وفعال لتأمين حرية التغطيات الإخبارية الميدانية وأمن المؤسسات الإعلامية وحماية العاملين فيها».
ويرى الصحافي ورئيس التحرير السابق لجريدة «الصباح» شبه الرسمية فلاح المشعل، أن «سلوك السلطات العراقية امتاز بتوجهات وممارسات غير مسبوقة مع وسائل الإعلام تجاوزت ما يحدث في الأنظمة الديكتاتورية والدول الشمولية».
ويقول المشعل لـ«الشرق الأوسط» إن «الاعتداء بالضرب المبرح على العاملين في القنوات وتكسير الكاميرات والمعدات وسرقة بعضها وتهديد العاملين فيها، يعني رسالة تهديد لبقية القنوات ونوافذ الإعلام من إذاعات وصحف ومواقع وصفحات الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي».



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».