الأيام الأخيرة من أسبوع باريس جمعت الماضي بالمستقبل

لويس فويتون.. هيرميس.. فالنتينو.. ألكسندر ماكوين فن الرحلات ينصهر مع الأناقة الهادئة

سان لوران  -  فالنتينو  -  لويس فويتون  -  هيرميس  -  ألكسندر ماكوين
سان لوران - فالنتينو - لويس فويتون - هيرميس - ألكسندر ماكوين
TT

الأيام الأخيرة من أسبوع باريس جمعت الماضي بالمستقبل

سان لوران  -  فالنتينو  -  لويس فويتون  -  هيرميس  -  ألكسندر ماكوين
سان لوران - فالنتينو - لويس فويتون - هيرميس - ألكسندر ماكوين

بانتهاء أسبوع باريس الأخير، انتهت دورة موضة ربيع وصيف 2015 التي استغرقت شهرا كاملا، تمخض عن الكثير من الاتجاهات، وشهد الكثير من التغيرات. من تقديم جون بول غوتييه آخر عرض أزياء جاهزة له، إلى انتقال بيتر كوبينغ لدار أوسكار دي لارونتا، ممهدا الطريق لكي يأخذ مصمم دار كارفن، هنري غيوم، مكانه في دار نينا ريتشي. وطبعا أهم خبر تهامسته أوساط الموضة هو عودة جون غاليانو إلى عالم التصميم بعد غياب ثلاث سنوات. الفضل يعود إلى ميزون مارتن مارجيلا التي فتحت له بابها وسيقدم لها أول تشكيلة في موسم الهوت كوتير القادم، في شهر يناير (كانون الثاني). أما من حيث العروض فقد انتهى أسبوع باريس على نغمة عالية ومثيرة أسهمت فيها بيوت مثل لويس فويتون، هيرميس، فالنتنيو، سان لوران، وألكسندر ماكوين.
في دار لويسس فويتون مثلا كان العرض أقرب إلى رحلة استكشافية، فمنذ الوهلة الأولى أعطت الانطباع بأن مصممها، نيكولا غيسكيير سيأخذنا إلى المستقبل على متن مركبة فضائية، ليتبين سريعا أن هدفه كان مزاوجة الماضي والمستقبل في آن واحد. كان عرضا يخاطب شابة عصرية، بكل المقاييس، من دون أن ينسى إرث الدار وماضيها المبني على الجلود والإكسسوارات، والأهم من هذا على فن السفر، الذي يدخل في صميم جيناتها. لكن نيكولا غيسكيير لم يأخذنا إلى أماكن مختلفة أو بعيدة، بل تعامل مع فن السفر والرحلات كمحفز لأفكار جديدة، يستطيع من خلالها إبراز أسلوب جديد يميزه عن غيره.
إنه ثاني عرض له للويس فيتون، ورغم أنه امتداد لما قدمه في الموسم الماضي، إلا أنك تشعر كما لو كان الأول. السبب يعود إلى أن المكان الذي كانت تقيم فيه الدار عروضها في عهد مصممها السابق مارك جايكوبس تغير من «كور دي كاريه» باللوفر، إلى مؤسسة لويس فويتون الجديدة الواقعة في ضواحي باريس «بوا دو بولون». المبنى، الذي يقال إنه كلف الملايين، صممه المعماري فرانك غيري، وهو أصلا متحف من المقرر أن يحتضن معارض ولوحات من الفن المعاصر لبرنار أرنو، رئيس مجلس إدارة المجموعة الفرنسية «إل في آم آش» ولفنانين معاصرين آخرين.
أول ما يشدك في المبنى خرير الماء الذي ينساب من الجانب، وكثرة المرايا المتراصة على طول المدخل، ما لمس وترا حساسا بداخل الكثير من النرجسيين الذين يحبون التطلع لأنفسهم في كل ثانية أو التقاط صور «سيلفي» يرسلونها عبر الإنستغرام.
تتغير الصورة عند دخول قاعة العرض، حيث اختفى شلال الضوء الخارجي الذي كانت تعكسه المرايا والماء المتدفق، ليحل محله ظلام دامس لا تخترقه سوى انعكاسات أضواء من السقف تشعرك بأن من أمامك انعكاس لمرآة، قبل أن تتعود عيناك على الظلمة وتتعرف على الوجوه.
المكان، أو بالأحرى تصميم المبنى، أوحى لغيسكيير بفكرة رحلة فضائية لأنه، وحسب قوله، شعر بأنه فعلا في مركبة فضائية عندما زار المبنى لأول مرة. القاعة التي اختارها لعرضه توجد وسط المبنى، وأرادها أن تكون بمثابة بطن السفينة، حين كان زبائن لويسس فويتون من الطبقات الأرستقراطية يستعملون السفن لأسفارهم ولا يستغنون عن حقائب الدار.
بدأ العرض بمقطع فيديو قوي، ظهر فيه شاب وشابة على شاشات رقمية، تكلما بصوت مبرمج تقنيا أقرب إلى الآلي، عن البداية وعلاقتها بالزمن. لا تعرف ما إذا كانت هذه البداية ترمز إلى المؤسسة التي ستفتح أبوابها في الـ17 من الشهر الحالي أو إلى بداية نيكولا غيسكيير في الدار. ثم طلبا من الحضور الجلوس في السفينة، أو المبنى، الذي يتكون من 3660 صفيحة زجاجية و1500 طن من الفولاذ، والاستعداد للإقلاع لأن«لويس فويتون أرادت اليوم أن تكتشف إمكانية السفر إلى أي مكان من الكون من دون أن تتحرك من مكانها».
وهكذا بدأت الرحلة وتهادت العارضات على نغمات أغنية الثنائي سايمون وغارفانكل الشهيرة «ساوند أو سايلانس» (صوت الصمت)، برموش كثيفة وفساتين محددة على الجسم وقمصان بياقات عالية، وتنورات مستقيمة، وسترات بجيوب بألوان مختلفة، كما ظهرن بقطع أخرى من قماش المخمل، وكأن المصمم يريد أن يعيد لنا موجة الهيبيز بلمساته العصرية. سرعان ما تغيرت الفكرة المستقبلية وحلت محلها صورة مغايرة تماما، وما كان يوحي برحلة إلى المستقبل كان رحلة إلى الماضي، وتحديدا حقبة الستينات. ومع ذلك فإن كل ما في التشكيلة سيجعل المرأة تريدها في الصيف المقبل، لأنها بشخصية قوية تمزج الجرأة بالثقة وتزاوج الماضي بالمستقبل بأسلوب شهي. تشعر بأن هذه التشكيلة امتداد لأول تشكيلة قدمها في الموسم الماضي وعاد فيها إلى السبعينات، ربما لأن فكرته أن يستكمل ما بدأه، بجرعة أكبر من الثقة. ظهرت هذه الثقة في تنسيقه كنزة باللون الأخضر مع تنورة مستقيمة سوداء بفتحات عالية من الأمام والخلف، مثلا، وفي جاكيت «بلايزر» أزرق غامق مع بنطلون جينز قصير وقميص بياقة عالية، وفي بنطلونات واسعة وقصيرة في الوقت ذاته. هكذا تخرج من العرض وأنت مسحور بالمكان وعبقرية فرانك غيري في تصميم معلمة فنية جديدة، وأيضا مشدوه بذكاء المصمم في تقديم خزانة متكاملة بكل ما تحتاج إليه امرأة شابة من قطع منفصلة يسهل استعمالها ولفت الأنظار إليها في الوقت ذاته. طبعا لم ينسَ استعمال الجلود في بعض القطع وفي كل الإكسسوارات التي استعرضها، من الأحذية ذات الكعوب الملونة إلى حقائب اليد التي ستشعل نارا متأججة للحصول عليها.
إذا كان نيكولا غيسكيير ودار لويس فويتون يسجلان لبداية جديدة فإن دار هيرميس قدمت مساء نفس اليوم عرضا كان نقطة النهاية بالنسبة للمصمم كريستوف لومير. فهذا الأخير أعلن منذ فترة أنه سيتركها ليركز على خطه الخاص، الذي ينمو بسرعة وبات يحتاج منه إلى التفرغ التام. كان واضحا أنه أراد أن يترك طعما لذيذا في ذاكرة المسؤولين في هيرميس كما في قلب امرأة هيرميس، لأنه قدم واحدة من أجمل التشكيلات التي رأيناها في الأسبوع بهدوئها الراقي الذي لا يعلى عليه. سيقول البعض إن هذا ليس جديدا، وهو ما عودتنا عليه الدار الفرنسية العريقة، لكن كان هناك شيء مختلف في هذه التشكيلة، فقد صب فيها المصمم كل ما يتمتع به من فنية واستعمل فيها أترف أنواع الأقمشة ليقدم سيمفونية كلاسيكية لا تعترف بزمن ولا تشي بجاه صاحبتها بأحجام محسوبة خفف من غلوائها بشكل واضح. كانت الخطوط بسيطة دون تعقيدات تخايلت فيها العارضات على أرضية مغطاة بالرمل وكأنهن يؤدين رقصة البجع بثقة وخيلاء رغم الصنادل ذات الكعوب العالية. من أجمل ما بقي مرسوما في الذاكرة، فساتين على شكل قمصان طويلة باللون الأبيض مخرمة باللايزر، وجاكيتات قصيرة من الشامواه، وتنورات وفساتين طويلة تصل إلى الكاحل، من حرير الكريب، فضلا عن معاطف خفيفة تلف الجسم ولا تحدده. مثل دار لويس فويتون، يرتبط تاريخ هيرميس بالسفر والجلود، لهذا لم يكن بإمكان لومير أن يغض النظر عن هذه الخامة، حيث ظهرت عدة مرات، حتى في شورتات قصيرة. أما في ما يتعلق بالسفر، فهو لم يتوجه إلى الشرق الأقصى كما العادة، بل عرج إلى أفريقيا، حيث لمسنا ألوان الرمل والزعفران مثلا مع لمسات إثنية خفيفة جدا. ما يحسب لكريستوف لومير أنه، مثل مارتن مارجيلا، الذي عمل في الدار ويعود له الفضل في إرساء قواعد الترف الهادئ فيها، قادر على إبداع قطع كلاسيكية يمكن توريثها بسهولة، أما المأخذ عليه أنه لا يصرخ بأعلى صوته لكي يثير الأنظار إلى قدراته. والمقصود هنا ليس من خلال الأزياء، بل العروض التي تفتقد إلى الإثارة التي يتقنها غيره، ويشدون بها الاهتمام إلى عروضهم. هذا الهدوء يتناسب مع شخصيته وأيضا مع ما تريده هيرميس، لكن قد تحتاج خليفته، ناديج فانهي شيبولسكي، إلى تغييره بالتدريج لتحقق الموازنة بين الأزياء كمنتج واقعي وعملي يجب أن يدخل خزانة أية امرأة لها الإمكانيات لاقتنائها، وبين العرض كوسيلة لجذب الانتباه والحصول على تغطيات أكبر.
سارة بيرتون، مصممة دار ألكسندر ماكوين، من جهتها قدمت تشكيلة بنكهة يابانية قوية، تبدو امتدادا لما قدمته للرجل في الموسم الماضي، فقد ظهرت فيها إيحاءات مأخوذة من الساموراي وفتيات الغيشا والكيمونو، تارة في فساتين تشدها أحزمة قوية، وتارة في نقشات الورود التي تزين الكيمونو التقليدي. تجدر الإشارة إلى أن سارة بيرتون وقعت في سحر اليابان إثر زيارة قامت بها في العام الماضي، اكتشفت فيها كيف تكتسب الأزياء صبغة شخصية ذات قيمة عالية. هذه القيمة جعلتها تفكر في أن تقدم بدورها قطعا ذات قيمة تحرص المرأة على الحفاظ عليها مدى الحياة. لهذه الغاية، ركزت على التطريزات الدقيقة التي ارتقت بها أحيانا إلى مستوى الـ«هوت كوتير». فحتى إذا لم تأخذنا المصممة إلى رحلة مثيرة فإنها سجلت في هذه التشكيلة ذكرياتها في بلد بعيد سحرها بتاريخه وحرفيته وحرصه على تقاليده، الأمر الذي زاوجته بأسلوب دار ماكوين الذي يتقن مزج الجمال المتوحش بالأنوثة القوية.
ولأن الجمال نسبة فإنه بالنسبة للثنائي شيوري وبيير باولو بيكيولي مصمما دار فالنتينو يعني الحرفية والرجوع إلى التقاليد الإيطالية العريقة، ورغم أن غيرهما يمكن أن يقع بسهولة في مطب التقليدي والقديم، إلا أنهما ينجحان دائما في أن يُخرجا أنفسهما من هذا المطب ليبدو كل ما يخرج من أناملهما عصريا. وقد يعود نجاحهما إلى أنهما يسبحان ضد التيار، بمعنى أنه في الوقت الذي يستعمل فيه باقي المصممين تقنيات الديجتال للرسم والتطريز، يركزان هما على كل ما صنع باليد، ما يضفي على تصاميمهما قيمة أكبر. هذه المرة زينا الكثير من الفساتين بطبعات ورود ونقشات أرابيسك فضلا عن ما يشبه الباتشوورك، ومع ذلك اكتسبت كل قطعة جمالية فنية، بفضل الانتباه إلى التفاصيل الدقيقة من جهة، وإلى التصاميم التي جعلت الجسم يبدو منحوتا رغم أنها لم تكن تشده، من جهة ثانية. في المقابل، لم يتخلَّ هادي سليمان، مصمم سان لوران باريس عن أسلوب الروك أند رول، الذي ابتدعه منذ أكثر من عقد من الزمن، وأعاده منذ سنوات بأسلوب أكثر شبابية، أثار عليه غضب البعض. لكن يبدو أنه لم يرتدع ولا يريد أن يغير ما يؤمن به لإرضاء هذه الشريحة، لأنه عاد إلى نفس الأسلوب في تشكيلته الأخيرة، التي تضج بالحيوية وتصرخ بلغة شبابية، مع اختلاف واضح في الألوان. فهي هذه المرة أكثر توهجا كما أنها مطبوعة بنقشات متضاربة أحيانا. تصاميم الفساتين جاءت كالعادة قصيرة، كما ظهرت قطع مفصلة على الجسم، تستوحي خطوطها من التوكسيدو. ويبقى أهم ما في التشكيلة الإكسسوارات، بدءا من الصنادل العالية جدا والتي تستحضر سنوات الديسكو في السبعينات، إلى القبعات والعمامات المصنوعة بخامات وألوان متنوعة.



«بين جدران النوبة»... قصة إرث ومكان

علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)
علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)
TT

«بين جدران النوبة»... قصة إرث ومكان

علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)
علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)

وُلدت علامة «نونيز» في القاهرة، وتحديداً في المعادي، لكنها في مجموعتها الصيفية الأخيرة تبدو وكأن روحها مُعلَقة بأسوان. المجموعة وعنوانها «داخل الجدران النوبية» تحوَّلت فيها الألوان الزاهية للمباني المحلية ذات الهندسة البسيطة التي تتماهى مع الطبيعة المحيطة بها، إلى حقائب يد تتنفس أجواء المكان.

أما قوّتها حسب مصممتها ناديا زركاني، فتكمن في ابتعادها عن الاستعراض، وهي سمة مرتبطة بـ«نونيز» منذ تأسيسها في عام 2009. منذ البداية حرصت ناديا على أن تُقدِم تصاميم بعيدة عن المبالغة، معتمدة بدلاً من ذلك على الخطوط البسيطة والتفاصيل التي تُعبِر عن حضور طبيعي يجمع الأناقة بالوظيفية. والأهم من هذا على الحرفة المصرية بوصفها لغة معاصرة وعالمية لا مجرد صناعة تقليدية محلية.

حقيبة فضيلة تأتي من الجلد أو الخوص (نونيز)

الرحلة إلى أسوان

تعكس هذه المجموعة تطوراً طبيعياً وعفوياً لعلامة بدأت من ورشة صغيرة في المعادي بالقاهرة، على يد شابة تدفعها الرغبة في استغلال الخامات المحلية مثل الجلود والمنسوجات، ومنح الحرفيين المصريين مساحة حقيقية للإبداع، في وقت كانت فيه المنتجات المستوردة تستحوذ على السوق. كانت الأهداف مثالية إلى حد أن اسم «نونيز» نفسه لم يكن اسماً تجارياً مخططاً له، بقدر ما كان لقباً شخصياً ارتبط بناديا بين المقربين قبل أن يتحوَل إلى علامة.

المجموعة عبارة عن رحلة على ضفاف النيل تعتمد على الذاكرة والإرث (نونيز)

لاحقاً انضمت كارول ناثان إلى المشروع، لتتشكل بينهما شراكة أعادت صياغة ملامح العلامة كما نعرفها اليوم. تتولى فيها ناديا جانب التصميم والرؤية الجمالية، بينما تساهم كارول في توسيع حضور «نونيز» وتطويرها لتصبح أكثر من مجرد خط حقائب نسائية. ثمرة هذه الاستراتيجية كانت ولادة خطوط أخرى من بينها Made by Nuniz للتصنيع والتعاونات، و«باهاوات» كخط رجالي، و«بيت نونيز» لقطع الديكورات الجلدية.

علاقة الإرث والمكان

ضمن هذا السياق تأتي مجموعة ربيع وصيف 2026، التي تقوم فكرتها بالكامل على الإرث وعلى المكان، وتلك العلاقة العميقة بينهما. فعلى ضفاف النيل في أسوان يتشكَل الجلد الطبيعي والخوص المنسوج يدوياً في حقائب متميزة، من ناحية أن كل واحدة تحمل حكايتها الخاصة بداخلها. لتصوير هذه المجموعة ومنحها بُعدها السردي، بدأت الرحلة جنوباً، متتبعة مجرى النيل نحو القرية النوبية، حيث الدفء وإيقاع الحياة الهادئ والبيوت المختلفة عما يمكن رؤيته في أي مكان آخر من العالم. لكن أكثر ما يترك أثره في المكان ليس العمارة وحدها، ولا أشعة الشمس الساطعة، بل دفء ناسها وبساطتهم. فلون بيوتهم هنا مثلاً ليس عنصراً جمالياً فحسب، بل تعبير عن الهوية نفسها. كل جدار يحمل أثر ذاكرة وتوقيع عائلة مرَت من هنا وتركت بصمتها عليه.

حقيبة فضيلة من الجلد المحبب تزينها تعليقة من التراث النوبي (نونيز)

خمس حقائب... خمس حكايات

وسط هذا الدفء والإرث، تتجلَى الحقائب بألوان وتفاصيل تربطها بالمكان واليد العاملة المحلية التي حاكتها أو نسجتها. خمس حقائب لكل واحدة اسم وشخصية، مثل «فضيلة»، وهي حقيبة تُحمل على الكتف، من الجلد المحبب مبطنة بالشامواه ومزينة بتعليقة مستوحاة من التراث النوبي. تأتي بدرجتي القرميدي والهافان.

أما «ثمرة» فتظهر في نُسختين. الأولى بجسم من الخوص المنسوج يدوياً مع أطراف جلدية بدرجتي البيج والهافان، والثانية من الجلد المحبب بدرجتي البرتقالي المحروق والهافان.

عارضة تحمل «شمندورة» (نونيز)

وربما تكون حقيبة «شمندورة» أكثر قطع المجموعة حضوراً من الناحية المعمارية. يمكن حملها بعدة طرق، بينما يرتفع قفلها فوق الغطاء على شكل تفصيل نحتي صغير. تتوفر بنسخ جلدية كاملة، إلى جانب توليفات تجمع الخوص الطبيعي والتفاصيل الجلدية البنية والبرتقالية المحروقة.

أما «سمرة» فتأخذ شكل دلو مصنوعة من الخوص المنسوج يدوياً. داخلها لا يقل جمالاً عن خارجها، إذ تتميز ببطانة برباط باللون الفيروزي يبدو وكأنه يربط علاقة خفية بين الحقيبة ومن تفتحها.

حقيبة حنة بنسختها الجلدية (نونيز)

وأخيراً تأتي «حنة»، حقيبة كتف صغيرة من الجلد المحبب ببطانية من الشامواه بلون زاهٍ. قطعة بسيطة لكن فيها كل شيء، بحيث لا تحتاج إلى ما يلفت الانتباه إليها. مثلها مثل سابقاتها، تتحرك بخفة بين البحر والمدينة، بين الحياة اليومية والسفر والترحال تتبع النيل أكثر من تتبعها تغير الفصول والمواسم.


كيف خطف منتخب الكونغو ذهبية الأناقة قبل انطلاق «المونديال»؟

تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)
تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)
TT

كيف خطف منتخب الكونغو ذهبية الأناقة قبل انطلاق «المونديال»؟

تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)
تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)

سجل منتخب الكونغو أول هدف وأول نقطة في تاريخ مشاركاته في «كأس العالم»، يوم الأربعاء الماضي، بعد تحقيقه تعادلاً إيجابياً على المنتخب البرتغالي.

لكن في عيون الموضة، فإنه حسم الأمر وحصل على الذهبية منذ لحظة وصوله إلى مطار هيوستن، وحتى قبل انطلاق البطولة، بجرأة إطلالاته ورمزيتها الثقافية. وظهر اللاعبون والجهاز التقني ببدلات سوداء مفصَّلة بعناية تُزيِّنها لمسات جريئة من نقشة جِلد النمر ويحملون بأياديهم حقائب ضخمة كلها بالنقشات نفسها. كانت الصورة تحتفل بالهوية الأفريقية بشكل معاصر يتضمن نوعاً من التحدي والرغبة في التميز.

المنتخب الكونغولي لدى وصوله إلى مطار هيوستن (رويترز)

جُرأة الإطلالات صُمّمت بعناية لتعكس تاريخ الكونغو بوصفها عاصمة الأناقة في أفريقيا منذ بداية القرن الماضي، إلى حد أن عشاق الموضة فيها أصبح لهم اسم خاص هو «السابور»، وهو أسلوب فيه كثير من التأنق استمدّه السكان المحليون من أزياء المستعمر الأوروبي، وأعادوا توظيفه بلغتهم الخاصة. لغة تغلب عليها جرعات سخية من الألوان الصارخة والنقشات المستوحاة من الطبيعة وكائناتها الحية، ولا سيما النمر الذي أصبح رمزاً لها. تجدر الإشارة إلى أن ثقافة «لاساب» الكونغولية هي اختصار لـ«جمعية صناعي الأجواء وأصحاب الأناقة»، وهو تقليد متجذر في بلد يعشق رجاله الأزياء الجريئة والغنية بالألوان والنقوش، ويستعملونه كرسائل تتعدى المظهر الحسن.

من الصور التي خطفت أنظار العالم لدى وصول المنتخب إلى المطار (رويترز)

فما تجدر الإشارة إليه أن الأناقة بالنسبة لـ«سابور» ليست مجرد ملابس وإكسسوارات. فعلى مدى أجيال حملوا رسالة سياسية قائمة على الاعتزاز بالنفس والاعتداد بقوتهم في مواجهة الشدائد. وهذا ما وضعه مصمم هذه الإطلالات ألفين جونيور ماك الكونغولي المقيم بباريس نصب عينيه عندما أرسل قبيل «كأس العالم» رسالة إلكترونية إلى وزارة الرياضة الكونغولية عارضاً رؤيته للمشروع وواعداً بتنفيذ جميع القِطع داخل الكونغو.

رمزية النمر في الثقافة الكونغولية

لم تكن العملية بسيطة، إذ شملت تصنيع 55 بدلة وحقيبة للاعبين والجهاز الفني، لكنها كانت تستحق كل الجهد؛ لأنه يقطف ثمارها حالياً. كان المصمم يعرف أن مشاركة منتخب بلاده الأصلي يأتي بعد غياب عقود. يتوقع أيضاً أنهم سيقاتلون من أجل تحقيق الأهداف، لهذا حرص على أن يتضمن كل تفصيل معنى يعرفه أبناء بلده جيداً ويعتزون به، مثل صورة النمر بالكونغو التي ترمز للقوة، حيث اشتهر الرئيس موبوتو سيسي سيكو بقبعته المصنوعة من جلد النمر، إلى جانب أن المنتخب الوطني لكرة القدم يُعرَف داخل البلاد باسم «الفهود»، لهذا لم يتخيل أن يظهر المنتخب دون رمز النمر. وبالفعل، لم يظهر في النقشات التي زيَّنت صدر السترات أو غطّت حقائب اليد فحسب، بل أيضاً في دبوس على شكل نمر مُثبت على كل بدلة.

من هذا المنظور كان توظيف المصمم لهذه النقشات طبيعياً لتعريف العالم بهوية بلده.

استلهم المصمم الإطلالة من ثقافة السابور الكونغولية المتأثرة بالمدرسة «الداندية» (إنستغرام)

من مصمم مغمور للعالمية

في لقاء صحافي أُجري معه قبل المباراة، قال ماك إنه تلقَّى مكالمات من كل أنحاء العالم بعد انتشار صور لاعبي المنتخب، يتساءلون فيها عن الحقائب ومن أين يمكنهم اقتناؤها. واعترف المصمم بأنه لا يزال يحاول استيعاب حجم الاهتمام الذي حظيت به تصميماته، إلى حد أغناه عن تنظيم عرض أزياء ضخم. وأضاف، في اللقاء، أنه شعر بفخر كبير «ليس من أجلي، بل من أجل ثقافتي أكثر». ويضيف: «في الكونغو لدينا ثلاث أشياء أساسية: الموسيقى والموضة والرياضة». وأضاف أنه عاد إلى التاريخ مستلهماً بعض العناصر من البدلات الزرقاء التقليدية التي ارتداها المنتخب في آخِر مشاركة له في «كأس العالم» عام 1974 عندما كانت بلاده تُعرَف باسم زائير.

كل التفاصيل كانت جريئة بنقشاتها وأحجامها (إنستغرام)

تجدر الإشارة إلى أن المصمم ألفين جونيور ماك وُلد في الكونغو قبل أن ينتقل إلى باريس وهو في سن الحادية عشرة. وعمل في مجال البيع بالتجزئة قبل أن يخوض مجال تصميم الأزياء في عمر العشرين من عمره متسلحاً بالجرأة واندفاع الشباب. فهو لم يدرس الموضة بشكل أكاديمي. واعترف بأنه تعلّم جانباً من أصول التصميم، من خلال الأفلام الوثائقية التي تتناول حياة ومسيرة المديرين الإبداعيين في دور الأزياء للمُخرج الفرنسي لويك بريجان. كان يتابعها بشغف واهتمام. بداية جد متواضعة إلا أنه عوَّض عنها بجرأته وثقته بنفسه. صفتان أوصلتاه إلى ما هو عليه، اليوم، من نشاط وانتشار عالمي.


«ألكسندر ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة

بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)
بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)
TT

«ألكسندر ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة

بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)
بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)

أخيراً تلقى مجلس الموضة البريطانية خبراً يُثلج الصدر؛ فبعد غياب استمر نحو 4 سنوات منذ آخر عرض قدمته دار «ألكسندر ماكوين» في العاصمة البريطانية، وكان لموسم ربيع وصيف 2023، أعلنت الدار عودتها إلى مسقط ولادتها للمشاركة ضمن عروض موسم ربيع وصيف 2027.

بالإضافة إلى أهمية الخبر بالنسبة لأسبوع فقد الكثير من بريقه بعد هجرة أسماء مهمة للعرض في نيويورك أو باريس، وإلى ما يحمله اسم «ماكوين» من ثقل إبداعي وارتباط تاريخي بلندن، فإن العرض المرتقب سيكون أيضاً أول عرض يقدمه مديرها الإبداعي شون ماكغير في العاصمة البريطانية منذ توليه منصبه في عام 2024.

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

وفي إعلانها عن الخبر عبر حسابها على «إنستغرام»، نقلت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء عن ماكغير قوله: «كثيراً ما كانت لندن جزءاً لا يتجزأ من هوية (ماكوين)؛ فهي تنبض بطاقة فريدة وحيوية تتجلى بوضوح في مختلف محطات تاريخ الدار، ولا تزال مصدر إلهام لكل ما نقدمه اليوم». وأضاف أن «هذه العودة تتيح التفاعل بعمق مع روح العاصمة والمجتمع الإبداعي الذي تتميز به».

اشتهرت الدار بدقة التفصيل ولا تزال تفخر بقوتها في هذا المجال (ألكسندر ماكوين)

من جهته، علَق جيانفرانكو داتيس، الرئيس التنفيذي للدار، والذي تولّى منصبه في 3 يونيو (حزيران) الحالي على هذه العودة قائلاً: «إنها تمثل لحظة ذات دلالة خاصة للدار. فلندن هي المكان الذي بدأت فيه قصتنا، وما زالت تشكل ركناً أساسياً من هويتنا. ونحن فخورون بتجديد التزامنا تجاه المجلس البريطاني للأزياء والمنظومة الإبداعية الاستثنائية التي تحتضنها المدينة، بينما نواصل البناء على إرث (ماكوين) وصياغة مستقبلها».

إطلالة أنيقة من مجموعة الدار لخريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

كان آخر عرض قدمته الدار في لندن من خلال مجموعة ربيع/صيف 2023 بعنوان «فيرست سايت» (First Sight) أي النظرة الأولى، تم عرضها في الكلية البحرية الملكية القديمة بمنطقة غرينيتش، وكانت من تصميم المصممة سارة بيرتون قبل انتقالها إلى دار «جيفنشي» بعد مسيرة استمرت 26 عاماً داخل الدار.

وتحتل لندن مكانة محورية في تاريخ العلامة؛ فمنذ تأسيسها على يد المصمم الراحل لي ألكسندر ماكوين عام 1993، احتضنت عدداً من أكثر عروضه شهرة وتأثيراً، وظلت اسماً أساسياً في أسبوع لندن حتى عام 2001، بعد استحواذ مجموعة «كيرينغ» عليها، نقلت عروضها إلى باريس.