الأيام الأخيرة من أسبوع باريس جمعت الماضي بالمستقبل

لويس فويتون.. هيرميس.. فالنتينو.. ألكسندر ماكوين فن الرحلات ينصهر مع الأناقة الهادئة

سان لوران  -  فالنتينو  -  لويس فويتون  -  هيرميس  -  ألكسندر ماكوين
سان لوران - فالنتينو - لويس فويتون - هيرميس - ألكسندر ماكوين
TT

الأيام الأخيرة من أسبوع باريس جمعت الماضي بالمستقبل

سان لوران  -  فالنتينو  -  لويس فويتون  -  هيرميس  -  ألكسندر ماكوين
سان لوران - فالنتينو - لويس فويتون - هيرميس - ألكسندر ماكوين

بانتهاء أسبوع باريس الأخير، انتهت دورة موضة ربيع وصيف 2015 التي استغرقت شهرا كاملا، تمخض عن الكثير من الاتجاهات، وشهد الكثير من التغيرات. من تقديم جون بول غوتييه آخر عرض أزياء جاهزة له، إلى انتقال بيتر كوبينغ لدار أوسكار دي لارونتا، ممهدا الطريق لكي يأخذ مصمم دار كارفن، هنري غيوم، مكانه في دار نينا ريتشي. وطبعا أهم خبر تهامسته أوساط الموضة هو عودة جون غاليانو إلى عالم التصميم بعد غياب ثلاث سنوات. الفضل يعود إلى ميزون مارتن مارجيلا التي فتحت له بابها وسيقدم لها أول تشكيلة في موسم الهوت كوتير القادم، في شهر يناير (كانون الثاني). أما من حيث العروض فقد انتهى أسبوع باريس على نغمة عالية ومثيرة أسهمت فيها بيوت مثل لويس فويتون، هيرميس، فالنتنيو، سان لوران، وألكسندر ماكوين.
في دار لويسس فويتون مثلا كان العرض أقرب إلى رحلة استكشافية، فمنذ الوهلة الأولى أعطت الانطباع بأن مصممها، نيكولا غيسكيير سيأخذنا إلى المستقبل على متن مركبة فضائية، ليتبين سريعا أن هدفه كان مزاوجة الماضي والمستقبل في آن واحد. كان عرضا يخاطب شابة عصرية، بكل المقاييس، من دون أن ينسى إرث الدار وماضيها المبني على الجلود والإكسسوارات، والأهم من هذا على فن السفر، الذي يدخل في صميم جيناتها. لكن نيكولا غيسكيير لم يأخذنا إلى أماكن مختلفة أو بعيدة، بل تعامل مع فن السفر والرحلات كمحفز لأفكار جديدة، يستطيع من خلالها إبراز أسلوب جديد يميزه عن غيره.
إنه ثاني عرض له للويس فيتون، ورغم أنه امتداد لما قدمه في الموسم الماضي، إلا أنك تشعر كما لو كان الأول. السبب يعود إلى أن المكان الذي كانت تقيم فيه الدار عروضها في عهد مصممها السابق مارك جايكوبس تغير من «كور دي كاريه» باللوفر، إلى مؤسسة لويس فويتون الجديدة الواقعة في ضواحي باريس «بوا دو بولون». المبنى، الذي يقال إنه كلف الملايين، صممه المعماري فرانك غيري، وهو أصلا متحف من المقرر أن يحتضن معارض ولوحات من الفن المعاصر لبرنار أرنو، رئيس مجلس إدارة المجموعة الفرنسية «إل في آم آش» ولفنانين معاصرين آخرين.
أول ما يشدك في المبنى خرير الماء الذي ينساب من الجانب، وكثرة المرايا المتراصة على طول المدخل، ما لمس وترا حساسا بداخل الكثير من النرجسيين الذين يحبون التطلع لأنفسهم في كل ثانية أو التقاط صور «سيلفي» يرسلونها عبر الإنستغرام.
تتغير الصورة عند دخول قاعة العرض، حيث اختفى شلال الضوء الخارجي الذي كانت تعكسه المرايا والماء المتدفق، ليحل محله ظلام دامس لا تخترقه سوى انعكاسات أضواء من السقف تشعرك بأن من أمامك انعكاس لمرآة، قبل أن تتعود عيناك على الظلمة وتتعرف على الوجوه.
المكان، أو بالأحرى تصميم المبنى، أوحى لغيسكيير بفكرة رحلة فضائية لأنه، وحسب قوله، شعر بأنه فعلا في مركبة فضائية عندما زار المبنى لأول مرة. القاعة التي اختارها لعرضه توجد وسط المبنى، وأرادها أن تكون بمثابة بطن السفينة، حين كان زبائن لويسس فويتون من الطبقات الأرستقراطية يستعملون السفن لأسفارهم ولا يستغنون عن حقائب الدار.
بدأ العرض بمقطع فيديو قوي، ظهر فيه شاب وشابة على شاشات رقمية، تكلما بصوت مبرمج تقنيا أقرب إلى الآلي، عن البداية وعلاقتها بالزمن. لا تعرف ما إذا كانت هذه البداية ترمز إلى المؤسسة التي ستفتح أبوابها في الـ17 من الشهر الحالي أو إلى بداية نيكولا غيسكيير في الدار. ثم طلبا من الحضور الجلوس في السفينة، أو المبنى، الذي يتكون من 3660 صفيحة زجاجية و1500 طن من الفولاذ، والاستعداد للإقلاع لأن«لويس فويتون أرادت اليوم أن تكتشف إمكانية السفر إلى أي مكان من الكون من دون أن تتحرك من مكانها».
وهكذا بدأت الرحلة وتهادت العارضات على نغمات أغنية الثنائي سايمون وغارفانكل الشهيرة «ساوند أو سايلانس» (صوت الصمت)، برموش كثيفة وفساتين محددة على الجسم وقمصان بياقات عالية، وتنورات مستقيمة، وسترات بجيوب بألوان مختلفة، كما ظهرن بقطع أخرى من قماش المخمل، وكأن المصمم يريد أن يعيد لنا موجة الهيبيز بلمساته العصرية. سرعان ما تغيرت الفكرة المستقبلية وحلت محلها صورة مغايرة تماما، وما كان يوحي برحلة إلى المستقبل كان رحلة إلى الماضي، وتحديدا حقبة الستينات. ومع ذلك فإن كل ما في التشكيلة سيجعل المرأة تريدها في الصيف المقبل، لأنها بشخصية قوية تمزج الجرأة بالثقة وتزاوج الماضي بالمستقبل بأسلوب شهي. تشعر بأن هذه التشكيلة امتداد لأول تشكيلة قدمها في الموسم الماضي وعاد فيها إلى السبعينات، ربما لأن فكرته أن يستكمل ما بدأه، بجرعة أكبر من الثقة. ظهرت هذه الثقة في تنسيقه كنزة باللون الأخضر مع تنورة مستقيمة سوداء بفتحات عالية من الأمام والخلف، مثلا، وفي جاكيت «بلايزر» أزرق غامق مع بنطلون جينز قصير وقميص بياقة عالية، وفي بنطلونات واسعة وقصيرة في الوقت ذاته. هكذا تخرج من العرض وأنت مسحور بالمكان وعبقرية فرانك غيري في تصميم معلمة فنية جديدة، وأيضا مشدوه بذكاء المصمم في تقديم خزانة متكاملة بكل ما تحتاج إليه امرأة شابة من قطع منفصلة يسهل استعمالها ولفت الأنظار إليها في الوقت ذاته. طبعا لم ينسَ استعمال الجلود في بعض القطع وفي كل الإكسسوارات التي استعرضها، من الأحذية ذات الكعوب الملونة إلى حقائب اليد التي ستشعل نارا متأججة للحصول عليها.
إذا كان نيكولا غيسكيير ودار لويس فويتون يسجلان لبداية جديدة فإن دار هيرميس قدمت مساء نفس اليوم عرضا كان نقطة النهاية بالنسبة للمصمم كريستوف لومير. فهذا الأخير أعلن منذ فترة أنه سيتركها ليركز على خطه الخاص، الذي ينمو بسرعة وبات يحتاج منه إلى التفرغ التام. كان واضحا أنه أراد أن يترك طعما لذيذا في ذاكرة المسؤولين في هيرميس كما في قلب امرأة هيرميس، لأنه قدم واحدة من أجمل التشكيلات التي رأيناها في الأسبوع بهدوئها الراقي الذي لا يعلى عليه. سيقول البعض إن هذا ليس جديدا، وهو ما عودتنا عليه الدار الفرنسية العريقة، لكن كان هناك شيء مختلف في هذه التشكيلة، فقد صب فيها المصمم كل ما يتمتع به من فنية واستعمل فيها أترف أنواع الأقمشة ليقدم سيمفونية كلاسيكية لا تعترف بزمن ولا تشي بجاه صاحبتها بأحجام محسوبة خفف من غلوائها بشكل واضح. كانت الخطوط بسيطة دون تعقيدات تخايلت فيها العارضات على أرضية مغطاة بالرمل وكأنهن يؤدين رقصة البجع بثقة وخيلاء رغم الصنادل ذات الكعوب العالية. من أجمل ما بقي مرسوما في الذاكرة، فساتين على شكل قمصان طويلة باللون الأبيض مخرمة باللايزر، وجاكيتات قصيرة من الشامواه، وتنورات وفساتين طويلة تصل إلى الكاحل، من حرير الكريب، فضلا عن معاطف خفيفة تلف الجسم ولا تحدده. مثل دار لويس فويتون، يرتبط تاريخ هيرميس بالسفر والجلود، لهذا لم يكن بإمكان لومير أن يغض النظر عن هذه الخامة، حيث ظهرت عدة مرات، حتى في شورتات قصيرة. أما في ما يتعلق بالسفر، فهو لم يتوجه إلى الشرق الأقصى كما العادة، بل عرج إلى أفريقيا، حيث لمسنا ألوان الرمل والزعفران مثلا مع لمسات إثنية خفيفة جدا. ما يحسب لكريستوف لومير أنه، مثل مارتن مارجيلا، الذي عمل في الدار ويعود له الفضل في إرساء قواعد الترف الهادئ فيها، قادر على إبداع قطع كلاسيكية يمكن توريثها بسهولة، أما المأخذ عليه أنه لا يصرخ بأعلى صوته لكي يثير الأنظار إلى قدراته. والمقصود هنا ليس من خلال الأزياء، بل العروض التي تفتقد إلى الإثارة التي يتقنها غيره، ويشدون بها الاهتمام إلى عروضهم. هذا الهدوء يتناسب مع شخصيته وأيضا مع ما تريده هيرميس، لكن قد تحتاج خليفته، ناديج فانهي شيبولسكي، إلى تغييره بالتدريج لتحقق الموازنة بين الأزياء كمنتج واقعي وعملي يجب أن يدخل خزانة أية امرأة لها الإمكانيات لاقتنائها، وبين العرض كوسيلة لجذب الانتباه والحصول على تغطيات أكبر.
سارة بيرتون، مصممة دار ألكسندر ماكوين، من جهتها قدمت تشكيلة بنكهة يابانية قوية، تبدو امتدادا لما قدمته للرجل في الموسم الماضي، فقد ظهرت فيها إيحاءات مأخوذة من الساموراي وفتيات الغيشا والكيمونو، تارة في فساتين تشدها أحزمة قوية، وتارة في نقشات الورود التي تزين الكيمونو التقليدي. تجدر الإشارة إلى أن سارة بيرتون وقعت في سحر اليابان إثر زيارة قامت بها في العام الماضي، اكتشفت فيها كيف تكتسب الأزياء صبغة شخصية ذات قيمة عالية. هذه القيمة جعلتها تفكر في أن تقدم بدورها قطعا ذات قيمة تحرص المرأة على الحفاظ عليها مدى الحياة. لهذه الغاية، ركزت على التطريزات الدقيقة التي ارتقت بها أحيانا إلى مستوى الـ«هوت كوتير». فحتى إذا لم تأخذنا المصممة إلى رحلة مثيرة فإنها سجلت في هذه التشكيلة ذكرياتها في بلد بعيد سحرها بتاريخه وحرفيته وحرصه على تقاليده، الأمر الذي زاوجته بأسلوب دار ماكوين الذي يتقن مزج الجمال المتوحش بالأنوثة القوية.
ولأن الجمال نسبة فإنه بالنسبة للثنائي شيوري وبيير باولو بيكيولي مصمما دار فالنتينو يعني الحرفية والرجوع إلى التقاليد الإيطالية العريقة، ورغم أن غيرهما يمكن أن يقع بسهولة في مطب التقليدي والقديم، إلا أنهما ينجحان دائما في أن يُخرجا أنفسهما من هذا المطب ليبدو كل ما يخرج من أناملهما عصريا. وقد يعود نجاحهما إلى أنهما يسبحان ضد التيار، بمعنى أنه في الوقت الذي يستعمل فيه باقي المصممين تقنيات الديجتال للرسم والتطريز، يركزان هما على كل ما صنع باليد، ما يضفي على تصاميمهما قيمة أكبر. هذه المرة زينا الكثير من الفساتين بطبعات ورود ونقشات أرابيسك فضلا عن ما يشبه الباتشوورك، ومع ذلك اكتسبت كل قطعة جمالية فنية، بفضل الانتباه إلى التفاصيل الدقيقة من جهة، وإلى التصاميم التي جعلت الجسم يبدو منحوتا رغم أنها لم تكن تشده، من جهة ثانية. في المقابل، لم يتخلَّ هادي سليمان، مصمم سان لوران باريس عن أسلوب الروك أند رول، الذي ابتدعه منذ أكثر من عقد من الزمن، وأعاده منذ سنوات بأسلوب أكثر شبابية، أثار عليه غضب البعض. لكن يبدو أنه لم يرتدع ولا يريد أن يغير ما يؤمن به لإرضاء هذه الشريحة، لأنه عاد إلى نفس الأسلوب في تشكيلته الأخيرة، التي تضج بالحيوية وتصرخ بلغة شبابية، مع اختلاف واضح في الألوان. فهي هذه المرة أكثر توهجا كما أنها مطبوعة بنقشات متضاربة أحيانا. تصاميم الفساتين جاءت كالعادة قصيرة، كما ظهرت قطع مفصلة على الجسم، تستوحي خطوطها من التوكسيدو. ويبقى أهم ما في التشكيلة الإكسسوارات، بدءا من الصنادل العالية جدا والتي تستحضر سنوات الديسكو في السبعينات، إلى القبعات والعمامات المصنوعة بخامات وألوان متنوعة.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.