يوميات بائع كتب

يوميات بائع كتب
TT

يوميات بائع كتب

يوميات بائع كتب

فبراير (شباط) 2014
أتود أن تكون مهنتك بائعاً للكتب؟ على الإجمال، ورغم لطف رب العمل معي، وبعض أيام سعيدة قضيتها في المحل: لا.
جورج أورويل، «مذكرات مكتبة»، لندن، نوفمبر (تشرين الثاني) 1936
عزوف أورويل عن ارتكاب فعل بيع الكتب قابل للفهم. فثمة صورة نمطية عن بائع الكتب: لا اجتماعي، غير متسامح، نافد الصبر. وهذه الصورة جسدها على نحو مثالي ديلَن موران في «بلاك بوكس». ويبدو هذا (على الإجمال) صحيحاً. هناك استثناءات بالطبع، فكثير من بائعي الكتب لا تنطبق عليهم هذه الصورة. أنا، للأسف، تنطبق عليّ هذه الصورة، لكني لم أكن على هذا النحو دائماً. بالنسبة لي، كنت، قبل شراء المحل، ودوداً سهل التعامل للغاية. وكوني الآن ذلك المتذمر سببه الوابل الدائم من الأسئلة البلهاء من الزبائن، والوضع المالي الحرج لأعمالي، والجدال الذي لا يكف مع موظفي المحل، وكل أولئك اللجوجين المتعبين الذين هم بحاجة دائماً إلى المساومة على بضعة بنسات. لكن هل كنت أتمنى شيئاً آخر؟ لا.
حين رأيت أول مرة محل بيع كتب في ويغتاون، كنت في الثامنة عشرة من العمر، بعد عودتي إلى البلدة من المدرسة الداخلية، وعلى وشك الذهاب إلى الجامعة. أتذكر أني كنت مع صديق نمر بجانب المحل، فتراهنت معه أنه خلال عام واحد سيُقفَل. وبعد اثني عشر عاماً، في أثناء زيارة لوالدَي في الكريسماس، دخلت إلى هناك لأعرف إن كان عندهم نسخة من «ثلاثة حُمَيات» لليو والمزلي. وخلال تبادلي الحديث مع صاحب المحل، اعترفت له بأنّي أجاهد للحصول على وظيفة استمتع بها. اقترح عليّ أن أشتري محله، لأنه على شفا التقاعد. وعندما قلت إنّي لا أملك نقوداً، أجاب: «لستَ بحاجة للنقود. لأي شيء تظنها قد وجدت البنوك؟». بعد ذلك، وخلال أقلّ من عام، في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2001، إثر شهر بالضبط من يوم مولدي الحادي والثلاثين، كنت مالك «ذا بوك شوب». ربما كان من الأفضل لي قبل ذلك قراءة مقال جورج أورويل. ما كتبه في «مذكرات مكتبة» عام 1936 يثبت كونه حقيقة اليوم، ويبدو نذيراً نافعاً لكل ساذج مثلي بأن عالم بيع الكتب المستعملة ليس تماماً قصيدة عن جلوسك على كرسي وثير قرب المستوقد، وفي قدميك خفان، تدخن غليوناً، وتقرأ «انحطاط وسقوط الإمبراطورية الرومانية» لغيبون، بينما ينهمك زبائن لطاف معك في حديث ذكي، قبل أن يدفعوا حفنة من نقود. في الواقع، يمكن للحقيقة أن تكون أكثر اختلافاً. ومن بين كل ملحوظاته في المقال، هناك ملحوظة يعلق فيها أورويل بقوله إن «كثيراً من الناس الذين يأتون إلينا كانوا من النوع الذي هو مصدر إزعاج في أي مكان، لكنهم حين يكونون في مكتبة تتضاعف فرصهم»؛ إنها ربما الأكثر أثراً.
وبين عامي 1934 و1936، حين كان أورويل يعمل على روايته «دعْ الدُّرَيْقة تطير»، كنت أشتغل بدوام جزئي في مكتبة بوكلوفرز كورنر في هامستَد. نعَتَه صديقه جون كيمش بالشخص الذي بدا واثقاً بأن الزبائن ليسوا جديرين بكتبه؛ موقف هو بلا شك مألوف لكثير من بائعي الكتب. ولتقديم صورة عن التماثلات - وغالباً عن الاختلافات أيضاً - بين حياة بائعي الكتب اليوم وحياتهم زمن أورويل، لديّ في بداية كل شهر من يومياتي استشهاد من «مذكرات مكتبة». كل مَن عمل في محلي لفترة، طالت أم قصرت، قال إن التفاعلات مع الزبائن تمد بمادة أكثر من كافية لكتابة كتاب؛ كتاب جَن كامبل «أشياء غريبة يقولها الزبائن في المكتبات» هو دليل كافٍ على هذا. لذلك، وأنا مبتلى بذاكرة مروعة، شرعت بتسجيل حوادث صغيرة في المحل بوصفها «ذاكرة مساعدة» لكتاب محتمل. وإن كان تاريخ البداية يبدو اعتباطياً، فلأنه كذلك. حدث فحسب أن أبدأ بكتابة هذا يوم 5 فبراير (شباط)، وأمست «الذاكرة المساعدة» يوميات.
الأربعاء، 5 فبراير (شباط)
الكتب المطلوبة أونلاين: 5
الكتب الموجودة: 5
اتصال تلفوني في الساعة 9:25 صباحاً من رجل من جنوب إنجلترا يفكر في شراء مكتبة في اسكوتلندا، ولديه فضول في معرفة كيف يُقيَّم مخزون مكتبة من 20 ألف كتاب. بدلاً من الجواب المنطقي: «لا تتورط في هذا، يا رجل»، سألته ماذا قال المالك الحالي. فقال إن صاحبة المحل أخبرته أن معدل سعر الكتاب في مكتبتها هو 6 باوند، واقترحَتْ أن يتم تقسيم المجموع الكلي من 120 ألف باوند على ثلاثة. قلت له إنه يستطيع أن يقسّمه على عشرة على الأقل، وربما حتى على ثلاثين. البيع بالجملة في الوقت الحاضر هو أقرب إلى المستحيل، حيث ما من تاجر مستعد أن يقبل كميات كبيرة، والقليل الذين يقبلون ذلك يدفعون مبالغ زهيدة. المكتبات الآن قليلة، والمخزون وافر، فهو إذن سوق الشاري. حتى عندما كانت الأمور تسير جيداً في 2001 - السنة التي اشتريت فيها المحل - قيَّمَ المالك السابق مخزوناً من 100 ألف كتاب بثلاثين ألف باوند.
ربما كان ينبغي نصح الرجل على الهاتف بقراءة كتاب ويليام دارلنغ «بائع الكتب المفلس يتحدث ثانية» (إلى جانب مقال أورويل «مذكرات مكتبة»)، قبل أن يبادر بشراء المكتبة. كلا العملين يجب أن يُنصَح بهما لبائع كتب طموح. دارلنغ، بالمناسبة، لم يكن «بائع الكتب المفلس» في العنوان؛ كان مستثمراً في صناعة الأقمشة في أدنبورغ، لكن عرف بشكل مقنع كثيراً أن يثير انطباعاً بأنه كتب عن شخص موجود. التفاصيل دقيقة على نحو مستغرب؛ بائع كتب دارلنغ الخيالي «غير منظّم، غير صحي، من أول نظرة يبدو باهتاً، غير مشوّق. لكن مع ذلك، حين يُثار يمكن أن يتفوه بأشياء بليغة عن الكتب، مثل أي بليغ آخر».
جاءت نيكي اليوم للعمل. لم أعد قادراً على دفع رواتب موظفين بدوام كامل، خصوصاً في الشتاءات الباردة الطويلة، وأنا مُتكل على نيكي (التي هي كفء مثلما هي غريبة الأطوار) في الإنابة عني في إدارة المحل يومين في الأسبوع، ليمكنني الخروج للشراء أو لعمل آخر. هي في نهاية الأربعينات من عمرها، ولها ولدان كبيران. تسكن في بيت يطل على لوس بَي، نحو 23 كيلومتراً عن ويغتاون، وهي من شهود يهوه. وذلك، بالإضافة إلى أشغالها اليدوية التي بلا نفع، يعطي قليلاً فكرة عمن تكون هي. إنها تخيط ملابسها بنفسها، وهي مقتصدة مثل شحيح، رغم كرمها الفائق الحدود بالقليل الذي تملكه. كل جمعة تجلب لي معها شيئاً كانت قد وجدته في الليلة السابقة، بعد الاجتماع في الكينغدوم هول، في صهريج خلف أسواق موريسونز في ستْرَينْرار - تدعوه «فودي فْرايدَي» (طعام الجمعة). يصفها أبناؤها بـ«الغجرية الفوضوية»، لكنها تشكل جزءاً من نسيج المحل، شأنها في ذلك شأن الكتب، وسيفقد المكان كثيراً من رونقه من دونها.
الزبون الأول (في الساعة 10:30 صباحاً) كان واحداً من زبائننا المنتظمين القلة: مستر ديكَن. رجل حلو الحديث، في منتصف أعوامه الخمسين، بخط الخصر المعتاد الذي يميز الرجال في منتصف العمر غير النشيطين، شعره الأسود الخفيف ممشط على قمة رأسه بالطريقة التي يحاول بها الرجال إقناع الآخرين بأنهم ما زالوا يملكون عرفاً غزيراً. ملابسه كما هو واضح مفصَّلة جيداً، لكنه لم يرتدها كما يجب: ثمّة انتباه صغير لتفاصيل مثل طرف القميص، أزراره، أو أزرار البنطلون الأمامية. ويبدو كما لو أن أحداً حشا ملابسه في مدفع، وأطلقها عليه. ومهما تكن الطريقة التي نزلت بها عليه، فإنها بَقَتْ عالقة. من نواح كثيرة، هو زبون مثالي؛ لا يتصفح الكتب أبداً، ولا يدخل أبداً إلا إذا كان يعرف ما يريد. طلبه يكون عادة مرفقاً بقصاصة من صحيفة «التايمز» فيها نقد للكتاب، يقدمها لمن يكون من بيننا على الكاونتر. لغته مصقولة منتقاة، ولا يخوض في حديث عادة، لكنه ليس بالفظ أبداً، ويدفع ثمن كتبه دائماً دون مساومة. وعدا هذا، لا أعرف أي شيء عنه، ولا حتى اسمه الأول. في الواقع، غالباً ما تساءلت: لماذا يطلب الكتب من محلي، بينما يستطيع أن يطلبها عبر «أمازون»؟ ربما لا يملك كومبيوتراً، ربما لا يريد واحداً، أو ربما هو من سلالة منقرضة تفهم أن عليها إذا ما أرادت للمكتبات ألا تفنى، أن تدعمها.
عند الظهيرة، جاءت امرأة في بنطلون عسكري وبيريه إلى الكاونتر مع ستة كتب، من ضمنها كتابان عن الفن لا عيب فيهما، تقريباً جديدان، وفي الأصل غاليان جداً. مجموع الكتب بلغ 38 باونداً؛ طلبت خصما، وعندما قلت لها يمكن أن تأخذها بـ35 باونداً، أجابت: «ألا تستطيع أن تجعلها بـ30؟». كل مرّة، أشعر بإهانة لإيماني بالاحترام الإنساني، حين يشعر الزبائن - المعروض لهم خصماً على سعر هو سلفاً مخفض عن السعر الأصلي للكتاب - بأن لهم الحق في طلب 30 في المائة تقريباً إضافية، لذلك كنت أرفض إعطاءهم خصماً أكثر من ذلك؛ دفعت المرأة 35 باونداً. مقولة جانيت ستريت - بورتر إن أي شخص يرتدي بنطلوناً عسكرياً ينبغي أن يُجبر على الهبوط بمظلة في منطقة منزوعة السلاح، هي الآن تحظى بتأييدي المطلق.
إجمالي الإيراد 247.09 باوند
27 زبوناً
- فصل من كتاب بهذا العنوان ترجمه عباس المفرجي


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً