تدابير تركية لوقف تجارة النفط على الحدود مع «داعش»

المحللون يقدرون حصول التنظيم على إيرادات قيمتها 3 ملايين دولار يوميا من حقول النفط في العراق وسوريا

تدابير تركية لوقف تجارة النفط على الحدود مع «داعش»
TT

تدابير تركية لوقف تجارة النفط على الحدود مع «داعش»

تدابير تركية لوقف تجارة النفط على الحدود مع «داعش»

تروي سيفدا (22 عاما)، التي تعمل نادلة، كيف استطاعت تكوين ثروة صغيرة جراء عمليات تهريب الديزل من قرية تقع على الحدود الهائجة والخطيرة مع سوريا. ولكن انتهى الأمر بسيفدا، في الوقت الذي كانت تحقق فيه مكاسب تصل إلى 20 ضعف راتبها وهي تنتظر إقبال الناس على الطاولات، بنهاية غير متوقعة منذ عدة أشهر مضت، عندما ألقت الشرطة القبض عليها وفرضت على من يتعاملون معها غرامة كبيرة.
كان الوقود المهرب يأتي من آبار للنفط في العراق أو سوريا سيطر عليها المسلحون، بمن فيهم تنظيم داعش، حيث يُباع إلى وسطاء قاموا بتهريبه عبر الحدود التركية - السورية. وادعى مسؤولو الاستخبارات الغربيون أن تركيا تغض الطرف عن تجارة مزدهرة من شأنها أن تعزز من قوة «داعش». ودعا وزير الخارجية الأميركي جون كيري تركيا لاتخاذ المزيد من التدابير لوقف هذه التجارة. فيما يقدر المحللون أن «داعش» يحصل على إيرادات قيمتها 3 ملايين دولار يوميا من حقول النفط التي سيطر عليها في العراق وسوريا.
ولكن ترسم نحو عشرين مقابلة أجرتها وكالة «أسوشييتد برس» مع السلطات التركية والمهربين والباعة على الحدود التركية - السورية، التي يبلغ طولها 900 كيلومتر، صورة مماثلة بشكل واضح: فقد كان تهريب النفط تجارة مزدهرة حتى قرابة ستة أشهر مضت، عندما اتخذت السلطات التركية تدابير صارمة متعددة الجوانب قيدت تلك التجارة غير القانونية بنحو كبير. وقدم العديد ممن جرت مقابلتهم - منهم سيفدا - الاسم الأول فقط أو طلبوا عدم الكشف عن هويتهم خوفا من انتقام السلطات أو المهربين، الذين يعتقدون أن التقارير التي تقدمها وسائل الإعلام التركية أسفرت عن اتخاذ تدابير صارمة بحقهم.
ومن جانبها، تقول السلطات التركية إنها كثفت إجراءات الرقابة على الحدود، واعتقلت العشرات من المهربين ولاحقت المستهلكين، جنبا إلى جنب مع إجراء عمليات وقف وتفتيش مكثفة على الطرق السريعة التركية؛ حيث يجري فحص خزانات الوقود للكشف عن الوقود المهرب. ورافقت وكالة الـ«أسوشييتد برس» الشرطة في جولة حول التدابير المتخذة لمكافحة لعمليات التهريب في محافظة هاتاي، التي كانت بمثابة ممر التهريب الرئيس، من خلال مراقبة نقاط التفتيش الجديدة ودوريات الحدود.
وأفادت تركيا بأنها صادرت ما يقرب من 20 مليون لتر من النفط على الحدود في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، أي نحو أربعة أضعاف الكمية التي جرت مصادرتها في الفترة ذاتها من العام الماضي، بينما انخفضت كمية الوقود التي حصل عليها المستهلكون بطريقة غير قانونية إلى حد كبير.
في ذروة ازدهار عمليات تهريب النفط في تركيا، كانت نقطة العبور الرئيسة متمثلة في قرية صغيرة قديمة تُدعى هاسيباسا تقع على نهر العاصي، والتي تعد معلما رئيسيا لتحديد الحدود مع سوريا. وأوضح السلطات والمقيمين هناك أن هاسيباسا كانت بمثابة الملاذ لعمليات التهريب لعدة عقود. وكما هو الحال في المدن الحدودية الأخرى، توجد الكثير من الأسر على الحدود لبيع سلع مثل السكر والسجائر، التي تنتقل ذهابا وإيابا دون فرض ضوابط جمركية.
لكن الحرب الأهلية السورية واستيلاء مسلحي «داعش» على آبار النفط أتاحا المجال أمام سوق عملاقة جعلت من بعض السكان المحليين شخصيات رائدة في هذا المجال. ويقول أحد السكان المحليين، وهو صاحب محطة غاز، مشترطا عدم ذكر اسمه «بعض الناس أصبح لديهم ألف ضعف ثروتهم في غضون أشهر قليلة». وأثناء تناول الشاي في مكتبه، لفت الرجل - الذي يُدخن بغزارة، وأمضى حياته على طول الحدود - إلى أن تجارة التهريب كانت تشهد طفرات يليها تدهور. وبينما ازدهرت أعمال التهريب العام الماضي وأصبحت رخيصة وتتم بسهولة عبر الحدود، توقف 80 في المائة من تجارة الديزل القانونية الخاصة به من السوق. ومنذ أن بدأت تركيا اتخاذ تدابير صارمة، عادت تجارة الديزل القانونية مجددا، وتوقف فقط 20 في المائة مما كانت عليه من قبل.
وأشار المهربون والتجار إلى أنه كان يجري تهريب الديزل على نطاق ضيق عبر الكثير من النقاط الحدودية على طول الحدود السورية. لكن أدرك البعض في هاسيباسا كيف يمكن تهريب الديزل على نطاق أوسع، وذلك من خلال استخدام العشرات من خطوط الأنابيب بطريقة غير قانونية توجد تحت نهر العاصي. ويصل طول خطوط الأنابيب إلى ثلاثة كيلومترات، ويتسع عمقها إلى 15 مترا، وجرى حفرها باستخدام مركبات متطورة مستوردة، بالإضافة إلى معدات مصممة لتنصيب كابلات الليف البصري، حيث تصل تكلفة الكابل الواحد إلى مئات الآلاف من الدولارات، وذلك وفقا لما أفادت به السلطات وبعض المتورطين في الأمر. لقد استخرج الديزل - المكرر في سوريا بطريق بدائية - من صنابير في حقول القطن في قرية هاسيباسا والمدن المجاورة لها، حيث يوجد المشترون الحريصون على الشراء. فيما بدأت السلطات المحلية منذ عدة أشهر أعمال الحفر للوصول إلى تلك الأنابيب، بما يسهم في وقف ربما ما يعد أكبر مصدر للنفط المهرب في السوق.
ومن جانبها، كانت سيفدا مصدرا المعلومات التي حصل عليها أحد الصحافيين، بوكالة الـ«أسوشييتد برس»، وكان مقيما في تركيا لعدة سنوات؛ حيث وافقت على إجراء مقابلة معها مشترطة الإشارة إلى اسمها الأول فقط المكتوب على مريلة النادلة التي ترتديها. وفي هذا السياق، قالت سيفدا إنها كانت تخوض في عملية للنفط المهرب مرة واحدة في الأسبوع؛ حيث تجلس بجانب السائق في شاحنة مدة رحلتها 10 ساعات، تتحرك من هاسيباسا محملة بآلاف اللترات من الديزل بطريقها إلى شركة يقع مقرها بمقاطعة دنيزلي في الأناضول، ويصل حجم المكسب إلى 6.500 دولار في الرحلة الواحدة. وقد تحصل على مكسب أقل في الرحلات المحلية السريعة في سيارة «مرسيدس» بها مكان سري لتخزين الغاز. ويتفق وصف سيفدا لتجارة الديزل التي تحدث بالقرب من هاسيباسا مع المعلومات التي حصلت عليها وكالة الـ«أسوشييتد برس» من الحدود من خلال وجودها مع الشرطة التركية والأشخاص المتورطين في تهريب النفط. وتقول وهي تقهقه «الجميع كان يفعل ذلك»، مضيفة «كانت هذه التجارة تُدر علينا أموالا كثيرة».
وأوضحت في سياق متصل أنه منذ نحو ستة أشهر كانت عمليات التهريب ظاهرة متفشية للغاية، وعادة ما تلتقي الشاحنات وسيارات المشترين على طريق قديم تعصف به الرياح باتجاه هاسيباسا. ومع إلقاء القبض عليها توقف امتهانها لمهنة التهريب. وتقول إنه جرى إطلاق سراحها بينما جرى تخفيض قيمة الغرامة (30 ألف دولار) التي فرضت على الشركة التي كانت تشتري الديزل إلى النصف، وقامت الشركة بدفع المبلغ المطلوب.
ومن جانبها، تقول السلطات التركية، بما في ذلك كبار المسؤولين من الشرطة وحرس الحدود وعناصر من الجندرمة (شرطة شبه عسكرية)، إنها بدأت في فرض تدابير صارمة العام الماضي، لكنها كثفت من تلك التدابير خلال الأشهر الستة الأخيرة - الفترة التي تعرضت فيها تركيا لضغوط متزايدة من الحلفاء، بمن فيهم الولايات المتحدة الأميركية، الذين كان يساورهم القلق بشأن التمويل الكبير الذي يحصل عليه «داعش» جراء تجارة النفط غير القانونية.
ولفت محللون إلى أن مقاتلي «داعش» سيطروا على مساحات كبيرة من الأراضي السورية والعراقية، كما سيطروا أخيرا على ما لا يقل عن 11 حقلا للنفط في البلدين. وفي العراق وسوريا، يبيع «داعش» النفط إلى وسطاء بخصم كبير على الأسعار. وجرى تهريب جزء منه إلى تركيا، بينما تباع كميات كبيرة منه محليا. وفي الآونة الأخيرة، استهدف التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة ضد «داعش» مصافي التكرير في كلا البلدين. فيما تقول السلطات التركية إنها كثفت من التدابير المتخذة من جانبها حرصا على الأمن الداخلي ونظرا لضياع عائدات الضرائب. وبينما تقر السلطات التركية بأن عمليات التهريب كانت متفشية، رفضت الاتهامات بأنها سمحت ضمنيا للمتطرفين بجلب إيرادات، كشكل من أشكال التعاطف مع أي معارضة ضد الحكومة السورية.
وبدوره، يقول سيماليتين هاسيمي، أحد مستشاري رئيس الوزراء التركي «إذا نظرتم إلى التدابير التي اتخذت على مدار العامين الماضيين، وتحديدا العام الماضي، فسوف تجدون أن تركيا لم تسمح بمثل هذا الممارسات البتة»، موضحا أن الولايات المتحدة أيضا تناضل من أجل إقامة دوريات فعالة على حدودها. وأضاف «إذا تمكنت الولايات المتحدة من حل مشكلة التهريب التي تواجهها على الحدود المكسيكية، فربما تتمكن تركيا من القيام بالشيء ذاته.. إنه من أصعب الأمور التي يمكن الاضطلاع بها».
لكن يقول الصحافي التركي فهيم تيستكين - الذي قدم تقارير حول عمليات التهريب في هاسيباسا قبل فرض التدابير الصارمة من جانب تركيا - إن الجنود الأتراك كانوا يشاهدون عمليات التهريب دون تدخل من جانبهم، وجرى فرض تدابير صارمة فقط عقب الانتقادات الدولية.
وحسب تقديره، فإن الإجراءات الصارمة المتخذة أسفرت عن الحد من عمليات التهريب بما نسبته 70 إلى 80 في المائة، لكنه يعتقد أن عمليات التهريب ما زالت جارية في هاسيباسا على نطاق أصغر، ويرى أنه كان من الممكن أن تكون السلطات أكثر صرامة. فيما يقول المسؤولون في محافظة هاتاي إنهم بدأوا تكييف جهودهم عقب وقوع حادث عنيف في مايو (أيار) 2013، عندما اشتبكت قوات الشرطة مع مجموعة من مهربي الديزل في مدينة تقع بالقرب من هاسيباسا، مما أسفر عن مقتل عشرة أشخاص في انفجار اندلع عندما أشعل أحد المهربين إحدى حاويات وقود الديزل. وبعد تلك الواقعة، طورت السلطات من البنية التحتية، وأقامت المزيد من نقاط التفتيش، وحفرت خنادق على طول الحدود، وزادت سيارات الدوريات إلى ثلاثة أضعاف عددها، كما استخدمت أنظمة رادار متقدمة.



الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
TT

الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)

اتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، دولة الإمارات العربية المتحدة باستغلال مشاركتها ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن لتحقيق أجنداتها الخاصة، مؤكداً أن ممارساتها في المحافظة شكلت صدمة للسلطات المحلية ولأبناء حضرموت.

وقال الخنبشي، خلال مؤتمر صحافي عقده في مدينة المكلا، الاثنين، إن السلطات المحلية كانت تعوّل على أن تكون الإمارات «سنداً وعوناً» لليمنيين في إطار التحالف، إلا أن تصرفاتها على الأرض جاءت «مخالفة للتوقعات»، مشيراً إلى أن حضرموت عانت من هيمنة مجموعات مسلحة تابعة لعيدروس الزبيدي، وبدعم مباشر من أبوظبي.

وأوضح الخنبشي أن المحافظة تحررت من تسلط عيدروس الزبيدي والهيمنة الإماراتية»، متهماً المجموعات المسلحة التابعة له بنهب مقرات الدولة، وترويع الأهالي، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالأمن والاستقرار في حضرموت خلال المرحلة الماضية.

وأكد الخنبشي أن السلطات ستتخذ «الإجراءات القانونية كافة» تجاه الإمارات والمجموعات المسلحة التابعة للزبيدي، مشدداً على أن العدالة ستُطبَّق، وأن القانون «سيأخذ مجراه دون استثناء»، مع التعهد بدعم ضحايا الانتهاكات ومحاسبة جميع المتورطين.

وكشف عضو مجلس القيادة الرئاسي عن اكتشاف «عدد كبير من السجون السرية» قال إنها كانت تدار بدعم إماراتي داخل حضرموت، إضافةً إلى العثور على متفجرات جرى تخزينها في معسكر مطار الريان، وُصفت بأنها كانت معدة لاستهداف أبناء المحافظة وتنفيذ عمليات اغتيال.

وأشار الخنبشي إلى أن حضرموت طوت «صفحة مريرة وخطيرة» من تاريخها، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن هذا الدعم أسهم في استعادة الاستقرار، وتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء مرحلة من الفوضى والانتهاكات.

يأتي المؤتمر الصحافي للخنبشي في ظل جهود حثيثة لإعادة تطبيع الأوضاع الأمنية في حضرموت، وسط مطالب محلية متزايدة بتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء أي وجود مسلح خارج الأطر الرسمية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الماضية.


دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
TT

دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)

في خطوة تؤكد استعادة ملف الجنوب اليمني بوصفه قضية مركزية في مسار السلام في اليمن، احتضنت الرياض «اللقاء التشاوري الجنوبي» تمهيداً لمؤتمر حوار جنوبي شامل، حيث جمع اللقاء قيادات ومكونات جنوبية، بمن فيهم المطالبون باستعادة الدولة التي كانت قائمة في الجنوب والشرق اليمني قبل الوحدة الاندماجية مع الشمال في 1990.

ويأتي اللقاء التشاوري، الذي حضره نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي وقرأ بيانه الختامي، في إطار مسار سياسي تسعى السعودية لرعايته، بعيداً عن الاستقطابات الداخلية، والتدخلات الخارجية المثيرة للجدل، سعياً لحلول «عادلة، وآمنة، ومستدامة» وفق البيان الختامي للقاء.

وتظهر السعودية، من خلال رعايتها لهذا اللقاء، تحولاً في أدائها الإقليمي من طرف داعم عسكرياً يقود التحالف الداعم للشرعية إلى راعٍ سياسي رئيس للحل الشامل. وقد عبّر البيان عن هذا الدور بوضوح، مشيراً إلى أن المملكة «لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار» جنوبي، شرط أن يكون نتاج حوار جنوبي-جنوبي شامل، وغير مُحتكر.

جانب من الحضور في المؤتمر التشاوري الجنوبي المنعقد في الرياض (أ.ب)

وإضافة إلى الطبيعة المباشرة والشاملة للرعاية السعودية، تجاوز ذلك الدعم السياسي إلى معالجات اقتصادية عاجلة، ومنها تخصيص 1.9 مليار ريال سعودي لدعم الاقتصاد، وضمان صرف مرتبات الموظفين والعسكريين.

ويؤكد مراقبون أن هذه الخطوات تُعطي الرعاية السعودية مصداقية عملية، وتُقيم ارتباطاً مباشراً بين الاستقرار المعيشي ونجاح المسار السياسي.

رفض التدخل الفوضوي

في المقابل، حمل البيان الختامي للقاء التشاور الجنوبي، والمواقف المصاحبة له نقداً لاذعاً، وإن كان غير مباشر، للدور الإماراتي، الذي يتهمه مراقبون بتعزيز الانقسامات الجنوبية عبر دعم أطراف محددة، هي التي كانت مستفيدة من كل ما حولها بقيادة عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل الذي هرب إلى أبوظبي بعد رفضه الانخراط في الحوار الذي ترعاه الرياض.

ويشير التحليل الضمني إلى أن الرياض تُقدم نفسها بوصف أنها نموذج مضاد للتدخلات الإماراتية «الفوضوية»، عبر التركيز على الحوار الجامع للجنوبيين، ودعم مؤسسات الدولة ضمن مسار يقود لاحقاً إلى ترتيب كامل الجغرافيا اليمنية، وصولاً إلى سلام شامل في الشمال والجنوب على حد سواء.

وفيما يتطلع فريق من القيادات الجنوبية إلى الانفصال عن الشمال، واستعادة الدولة التي كانت قائمة قبل الوحدة الاندماجية، يتطلع فرقاء آخرون إلى صيغ أخرى، حيث يفضلون البقاء ضمن يمن اتحادي يحظى بأقاليم تحكم نفسها ذاتياً، فيما يتطلع فرقاء آخرون إلى حلول أخرى يرون أنها ستكون أكثر إنصافاً وبعداً عن الهيمنة، والتبعية المركزية المجحفة.

اللقاء التشاوري الجنوبي أكد على رفض استغلال المظاهرات لإحداث الفوضى (أ.ف.ب)

كل هذه الرؤى والتطلعات –بحسب المراقبين- تضع السعودية في موقع الوسيط الحريص على توحيد الجنوبيين، فيما قد يُنظر إلى أبوظبي على أنها طرف يغذي التفتيت، ويهدف إلى زعزعة الاستقرار، وتنفيذ أجندات مشبوهة.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي طلب من الإمارات مغادرة اليمن عسكرياً، ووقف التدخل في شؤونه الداخلية بعد أن قامت بدعم ورعاية التحركات الأحادية التي قادها الزبيدي عسكرياً لإخضاع حضرموت والمهرة بالقوة.

تحديات داخلية

ويكشف اللقاء الجنوبي التشاوري والبيان الختامي عن إدراك عميق للتحديات الداخلية التي أنهكت القضية الجنوبية، فقد شدد المشاركون على رفض «احتكار التمثيل»، أو «اختزال القضية» في مكون أو شخص، في إشارة واضحة إلى ممارسات سابقة لبعض القيادات، يتصدرهم عيدروس الزبيدي.

كما ميّز البيان بوضوح بين «عدالة القضية» بوصف أنها مطلب سياسي وحقوقي مشروع، وبين «الممارسات الفردية» لبعض القيادات التي ألحقت ضرراً بالقضية عبر «توظيفها في صراعات إقليمية»، أو «قضايا فساد وسوء إدارة». وسط الكشف عن قضايا فساد كبيرة مرتبطة بالزبيدي، والمقربين منه.

ويبدو أن هذا النقد الذاتي، لا سيما في أوساط من كانوا منتمين للمجلس الانتقالي الجنوبي قبل حلّه بقيادة الزبيدي، يعد تطوراً ملحوظاً، حيث يُظهر رغبة في تصحيح المسار، واستعادة المصداقية المفقودة أمام الشارع الجنوبي، والمجتمع الدولي.

اللقاء التشاوري الجنوبي انعقد بحضور عبد الرحمن المحرّمي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني (رويترز)

كما أن الدعوة الموجهة لجماهير الجنوب لدعم المسار الراهن «بوعي، ومسؤولية» تأتي في سياق محاولة استعادة الشرعية الشعبية للعملية السياسية، بعيداً عن توظيف الاحتجاجات الشعبية في عدن لأغراض ضيقة، كما يريد لها المراهنون على الفوضى التي تريد الإمارات تغذيتها عبر أدواتها، والرافضون لمنطق الحوار.

كل ذلك يشير إلى أن «القضية الجنوبية» باتت الآن في طريقها للبحث عن هيكلة جديدة، يكون الحوار والتمثيل الجامع أساسها، بدلاً من الزعامات الفردية، والخضوع للرغبات الأحادية المعتمدة على قوة السلاح.

فرصة تاريخية

ويصف البيان الختامي للقاء التشاوري مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل المرتقب انعقاده بأنه «فرصة تاريخية نادرة»، وهي فرصة تكمن في توفر رعاية سعودية تدفع للحوار من ناحية، ومن ناحية ثانية في وجود إجماع جنوبي مبدئي على الاحتكام لطاولة المفاوضات باعتبار أنه مسار وحيد، وآمن.

الأهم من كل ذلك، هو أن الحل السياسي للقضية الجنوبية أصبح يُنظر إليه، إقليمياً ودولياً، على أنه «مدخل أساسي» لأي تسوية شاملة في اليمن، مما يرفع سقف الأهمية والتركيز عليه.

شخصيات جنوبية تاريخية حضرت اللقاء التشاوري في الرياض يتصدرهم حيدر أبوبكر العطاس (رويترز)

لكن هذه الأرضية واعدة ومحفوفة بالمخاطر في الوقت ذاته، حيث إن الخطر الأكبر يتمثل في «محاولات العبث» بهذه الفرصة، سواء عبر «خلق استقطابات داخلية» مدعومة إقليمياً، أو «الزج بالجنوب في صراعات جانبية»، فضلاً عن تراكم المظالم والانقسامات الجنوبية-الجنوبية العميق، وهو ما سيجعل مهمة الحوار بحاجة إلى أكبر قدر من المسؤولية السياسية والتاريخية.

إلى ذلك، يظهر اللقاء التشاوري الجنوبي على أنه محاولة لإعادة تدوير القضية الجنوبية من مسار الصراع والانقسام إلى مسار الحوار والتسوية، لكن النجاح سيبقى مرهوناً بقدرة القيادات الجنوبية على تجاوز إرث الاحتكار والصراع وتوحيد كلمتهم، إلى جانب الجهد السعودي الذي سيتواصل لتحييد التدخلات المعيقة، وإقناع المجتمع الدولي بدعم هذا المسار باعتبار أنه جزء من حل يمني شامل.


حضرموت تؤكد أولوية الأمن والخدمات والشراكة مع القبائل

الخنبشي يقود جهوداً حثيثة لتطبيع الأوضاع الأمنية والخدمية في حضرموت (سبأ)
الخنبشي يقود جهوداً حثيثة لتطبيع الأوضاع الأمنية والخدمية في حضرموت (سبأ)
TT

حضرموت تؤكد أولوية الأمن والخدمات والشراكة مع القبائل

الخنبشي يقود جهوداً حثيثة لتطبيع الأوضاع الأمنية والخدمية في حضرموت (سبأ)
الخنبشي يقود جهوداً حثيثة لتطبيع الأوضاع الأمنية والخدمية في حضرموت (سبأ)

شهدت مدينة المكلا سلسلة لقاءات موسعة عقدها عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، ووكيل أول المحافظة، عمرو بن حبريش، خُصصت لمناقشة مجمل الأوضاع الخدمية والأمنية والتنموية في المديريات الصحراوية والساحلية، والتأكيد على أهمية توحيد الجهود الرسمية والقبلية والمؤسسية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وترسيخ مسار التنمية المستدامة في المحافظة.

ووفق الإعلام الرسمي، فقد ناقش الخنبشي في مكتبه بمدينة المكلا، مع مشايخ قبائل المناهيل، أوضاع المديريات الصحراوية والتحديات الخدمية والأمنية التي تواجهها، وسبل معالجتها بما يحقق الاستقرار ويلبي احتياجات المواطنين.

وأكد الخنبشي، بحضور مديرَي مديريتَيْ رماه وثمود، أن قيادة السلطة المحلية تولي المديريات الصحراوية أولوية خاصة، وبدعم من السعودية، مشدداً على الاستعداد لتعزيز خدمات الكهرباء والتعليم والمياه، إلى جانب تطوير البنية التحتية، وتقوية الجوانب العسكرية والأمنية، بما يسهم في حماية المصالح العامة وترسيخ الأمن والاستقرار.

ونقلت المصادر الرسمية أن مشايخ قبائل المناهيل عبروا عن تقديرهم اهتمام محافظ حضرموت وحرصه على الاستماع لمطالب أبناء المديريات الصحراوية، مؤكدين وقوفهم إلى جانب السلطة المحلية ودعمهم كل الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار وخدمة أبناء المحافظة.

تكثيف الجهود

وفي سياق متصل، اطّلع الخنبشي على أوضاع عدد من المديريات والمكاتب التنفيذية بساحل حضرموت، شملت مديريتَيْ مدينة المكلا والعبر، ومكتبَيْ الأشغال العامة والطرق، والخدمة المدنية والتأمينات، حيث استمع من القيادات المحلية والتنفيذية إلى شرح مفصل بشأن مستوى الخدمات الأساسية، والمشروعات المنفذة وتلك المخطط لتنفيذها خلال الفترة المقبلة، إضافة إلى أبرز التحديات التي تواجه سير العمل.

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي بتكثيف الجهود وتعزيز التنسيق بين المكاتب التنفيذية، وتحديد الأولويات الخدمية وفق الإمكانات المتاحة، مع الإسراع في استكمال المشروعات الحيوية، والالتزام بمعايير الجودة والشفافية، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المديريات.

جانب من اللقاءات التي يعقدها عضو مجلس القيادة اليمني سالم الخنبشي في المكلا (سبأ)

كما ناقش محافظ حضرموت مع المدير التنفيذي لـ«مؤسسة صلة للتنمية»، علي باشماخ، مجمل مشروعات وبرامج المؤسسة المنفذة وتلك المزمع تنفيذها في عدد من القطاعات التنموية والخدمية بالمحافظة، مؤكداً أهمية تكامل الجهود بين السلطة المحلية والمؤسسات التنموية لتحقيق أثر تنموي مستدام، وتوجيه المشروعات وفق أولويات واحتياجات المديريات. وفي ختام اللقاء، تسلّم المحافظ درعاً تقديريةً من «مؤسسة صلة للتنمية»؛ لجهوده ودعمه المتواصل أنشطة وبرامج المؤسسة.

الأداء الأمني

واطّلع وكيل أول محافظة حضرموت، عمرو بن حبريش، على مستوى الأوضاع الأمنية بساحل حضرموت، مستمعاً من المدير العام لأمن الساحل، العميد عبد العزيز الجابري، إلى تقرير عن مستوى الأداء الأمني والمهام الميدانية المنفذة لتعزيز الأمن والاستقرار.

وأورد الإعلام الرسمي أن بن حبريش أكد على «أهمية إيلاء الملف الأمني اهتماماً مضاعفاً، بصفته الركيزة الأساسية للاستقرار والتنمية»، مشيداً بدور القبائل في تعزيز النسيج الاجتماعي ووحدة الصف.

بن حبريش شدد على إيلاء الملف الأمني أهمية مضاعفة (إكس)

وأكد بن حبريش، خلال لقائه عدداً من مشايخ ووجهاء قبائل العوابثة والمناهيل، «أهمية المرحلة الراهنة وما تتطلبه من توحيد الجهود القبلية والشعبية، وتغليب لغة الحوار، بما يخدم حضرموت ويحافظ على أمنها واستقرارها»، وهو ما أكده المشايخ والوجهاء بتجديد دعمهم قيادة السلطة المحلية وحرصهم على تحقيق المصلحة العامة.

Your Premium trial has ended