عندما أحرق مستوطنون متطرفون في 2 يوليو (تموز) الماضي، الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير (16 عاما) وهو حي يرزق في إحدى غابات مدينة القدس، لم يترددوا لاحقا في الاعتراف أمام المحققين الإسرائيليين بأنهم كانوا يبحثون عن «ضحية عربيا» ليقتلوه، وكان هذا الاعتراف يختصر إلى حد كاف آيديولوجية المستوطنين في الضفة الغربية.
يعيش بين الفلسطينيين اليوم أكثر من 650 ألف مستوطن؛ 300 ألف منهم على الأقل في القدس الشرقية التي ينشدها الفلسطينيون عاصمة لدولتهم العتيدة، وهذه الإحصاءات الأخيرة تشير إلى ارتفاع كبير في أعداد المستوطنين الذين تضاعفوا مرتين على الأقل خلال 10 سنوات فقط. ويعد الدفع بمزيد من المستوطنين إلى الضفة والقدس جزءا من العقيدة الإسرائيلية القائمة على تهويد الأرض منذ الاحتلال عام 1967، ووفق معتقدات توراتية بأن هذه الأرض «أورشليم القدس» و«يهودا والسامرة» هي أرض «الآباء والأجداد».
لكن وجود المستوطنين لم يعد منذ سنوات قصيرة يقتصر على الاحتلال فقط، والاستيلاء على مزيد من الأرض والتوسع، بل تعداه إلى لعب دور مباشر في محاربة الفلسطينيين، واتخاذ العنف وسيلة لتهجير مزيد من أصحاب الأرض، فأصبحوا رأس حربة الإرهاب الذي يطال يوميا الفلسطينيين؛ مسلمين ومسيحيين.
يتجلى إرهاب المستوطنين اليومي في أبشع صوره في هجمات متكررة تشنها عصابات معروفة ضد الفلسطينيين في القدس وقرى عربية شمال الضفة الغربية، وفي البلدة القديمة في الخليل جنوب الضفة، التي يفرض فيها 450 مستوطنا فقط وجودهم بالقوة على أكثر من 120 ألف فلسطيني.
وزارت «الشرق الأوسط» البلدة الوحيدة في الضفة، باستثناء القدس، التي يجاور فيها المستوطنون الفلسطينيون منزلا بمنزل ويمشون بينهم في شوارع ضيقة، ولكن ليس وفق المفهوم المعروف والمحبب للجيرة، بل وفق منطق العربدة والقوة وإلحاق الأذى بالجار واستهدافه وطرده.
الطريق إلى البلدة القديمة لا يحتاج إلى جهد كبير، يناديك عبق التاريخ إلى المكان، وكثير من مشاهد البؤس؛ أبراج حراسة إسرائيلية عالية فوق منازل فلسطينية، وأعلام إسرائيلية ترفرف فوق منازل أخرى، وحواجز متعددة وجنود متأهبون، وسط الزحام الفلسطيني، وبعض بقايا الخراب والدمار، الذي لا يزال حاضرا في جنبات البلدة.
سألنا عن أصحاب منازل بدت محصنة، فقال لنا الفلسطينيون إن مستوطنين يسيطرون عليها، وسألنا عن جيرانهم فاكتشفنا أنهم فلسطينيون صمدوا من بين كثيرين هجروا منازلهم بسبب مضايقة المستوطنين الذين يوصفون بالأعنف في معاداة العرب. وحاولنا فهم كيف يعيش الأعداء جيرانا.
وفي ما يبدو العداء كبيرا وعميقا، يظهر التداخل السكاني في حي «قصبة السوق» وسط البلدة القديمة مذهلا ومربكا. يقول رائد أبو رميلة، وهو ناشط حقوقي ويعمل مع منظمة «بيتسيلم» الإسرائيلية، ويملك محلا تجاريا في البلدة القديمة، لـ«الشرق الأوسط»: «هنا يمكن اختصار الصراع القديم المتجدد».
وأضاف وهو يشير إلى منزل جاره اليهودي «أبراهام أفينو»، وهو مستوطن استولى على المكان بالقوة: «معركتنا معهم مفتوحة وطويلة وصعبة ومعقدة».
ويعتلي اليهود محلات العرب ويقابلون منازل لفلسطينيين يتحصنون خلف نوافذ حديدية ومغلقة، بينما يغطي أصحاب المحلات مساحة طويلة من الشارع بشبكة من الأسلاك الشائكة حتى تحميهم من هجمات المستوطنين.
وقال أبو رميلة إنهم يهاجموننا بالقاذورات والحجارة ويسبون العرب. وتابع: «الاحتكاك يومي وعادة ما يتحول إلى عراك». أشار إلى أحد أبنائه، وقال إن مستوطنين اعتدوا عليه قبل أيام وضربوه بقوة وبشكل متعمد. ويريد المستوطنون السيطرة على المنطقة القريبة من الحرم الإبراهيمي الذي كان قسمه الإسرائيليون سابقا إلى نصفين؛ نصف للمسلمين ونصف للمستوطنين. ويتركز المستوطنون في البلدة القديمة بمنطقة باب الزاوية في شارع يعرف باسم «شارع الشهداء» الذي سمي بهذا الاسم تكريما لفلسطينيين قضوا فيه إبان الانتفاضة الأولى.
على مدخل الشارع الطويل يعسكر جنود إسرائيليون في غرف خشبية كبيرة تسد مدخل المنطقة، ويدققون في هويات العابرين المضطرين للمرور من هذا الشارع إلى حارات أخرى كبيرة يعيشون فيها مثل «وادي الهرية» و«حارة أبو سنينة». عبرنا بوابة فحص إلكترونية، ومشينا في شارع كان خاليا تماما إلا من الأعلام الإسرائيلية، ولكن بعد مسافة لا تزيد على 100 متر، أوقفنا جندي إسرائيلي وأخبرنا بأننا ممنوعون من استكمال الطريق، وأن علينا الصعود إلى جبال قريبة ومتشعبة للانتقال إلى المناطق العربية.
في هذه الأثناء مر مستوطنون حدقوا بنا طويلا وبازدراء، ومر أجانب كذلك، وبعد جدل قصير مع حراس المكان، قال لنا فلسطينيون إن سلامتنا غير مضمونة حتى إذا سمح لنا بالمرور إلى قلب التجمعات اليهودية. شرحت لنا امرأة اسمها «حياة»، وهي فلسطينية وتعيش في مكان قريب، كيف يبصق عليها المستوطنون ذهابا وإيابا، وأخبرنا شاب صغير يدعى أحمد هديب، كيف اشتبك مع شبان من المستوطنين مرارا في هذه الطريق.
وقال هديب: «يهاجموننا بشكل مفاجئ، ويحاولون دهسنا أحيانا، لكننا أيضا نهاجمهم». وأضاف: «هم اللي لازم يخافوا مش احنا». يحفظ أهالي المنطقة أسماء المستوطنين المتطرفين واحدا واحدا.. «عنات كوهين، وإيلي جربوع، وسارة، ونوعام فريدمان.. وآخرون كثيرون»، كما يبدو أن المستوطنين يحفظون أسماء جيرانهم العرب الأكثر إزعاجا لهم. ولا يسلم المستوطنون في هذا المنطقة بأي وجود عربي.. إنهم يؤمنون أكثر بالانتقام. وشرح أبو رميلة، كيف يهاجم المستوطنون العرب دون سابق إنذار ودون أسباب، وكيف يتعرضون للأطفال بعنف شديد، ويساعدهم على ذلك الجيش الإسرائيلي المسؤول عن أمن المستوطنين في المكان.
«لا يعترف هؤلاء بالعربي أبدا»؛ قال أبو رميلة وأيده آخرون. وقبل أشهر قليلة بث التلفزيون الإسرائيلي تقريرا مصورا لأحد الأعراس اليهودية في الخليل.
جاء شبان مستوطنون من كل مكان في الضفة، ويعرفون باسم «شباب التلال»، رقصوا قليلا مع العريس الشاب الذي ينتمي إليهم وراحوا يلوحون بالسكاكين ويهتفون «الموت للعرب» و«كهانا حي» و«كهانا سيعود»، في إشارة إلى مائير كهانا الحاخام الأكثر عنصرية ضد الفلسطينيين والعرب ومؤسس حركة «كاخ» الذي قتل في نيويورك في 1990.
سأل المذيع أحد الشبان المتحمسين: لماذا تحملون السكاكين في عرس، فرد مسرعا: «هذا يعني أننا يجب أن نحارب أعداءنا». وسأل آخر عما إذا كان أي عربي مدعوا إلى العرس، فرد ساخرا: «عربي؟ لو كان هنا عربي واحد، لوكان كان مجرد نادل، فلن تراه هنا أبدا، لكان وجدته في المستشفى، كنا سنكسر عظامه». وبعد وصلات رقص ظهر فيها ملثمون متعصبون، تدخل المستوطن الأكثر تطرفا باروخ مارزيل، وقال إن هؤلاء الشبان سيأخذون تلالا أخرى لبناء مزيد من المستوطنات عليها.
ومنذ سنوات يشن هؤلاء، أي «شباب التلال» هجمات مختلفة على الفلسطينيين، ليس في الخليل فقط؛ بل في كل الضفة الغربية. ويعيش أغلبية المستوطنين في نحو 130 مستوطنة «رسمية» في الضفة، ونحو «100» أخرى «غير شرعية» وفق التصنيفات الإسرائيلية، وجميع هذه المستوطنات مقامة على أراضي الفلسطينيين وبقربهم، ومحروسة بشكل جيد واستثنائي من قبل الجيش الإسرائيلي. وتخصص إسرائيل للمستوطنين شوارع محددة وحراسات ومسافات ارتدادية يحظر على الفلسطينيين الاقتراب منها.
وينطلق «مستوطنو التلال» أو «تدفيع الثمن»، مستغلين هذه الإجراءات الأمنية، لمهاجمة العرب أينما وجدوا. وكانت جماعة «تدفيع الثمن» خرجت من مستوطنات الضفة الغربية، تحديدا في شمال الضفة، قبل نحو 7 سنوات، وراحت تستهدف الأماكن الدينية للعرب، وهاجمت من قبل منازل وأراضي وسيارات في قرى الضفة. وظل التعامل الرسمي الإسرائيلي مع هذه الجماعات غير واضح وغير محدد. ويستلهم المستوطنون المشاركون في جماعات «تدفيع الثمن» أفكار الحاخام يتسحاق غينزبورغ، رئيس المدرسة الدينية «قبر يوسف» في مستوطنة يتسهار القريبة من نابلس، والحاخام ديفيد دودكفيتس، حاخام يتسهار، والحاخام يتسحاق شفيرا من يتسهار أيضا.
وينسب لغينزبورغ فكرة «الانتقام من الفلسطينيين» بوصف ذلك هو «التجسيد العميق للفعل اليهودي الخالص». وقال شبان يتبعون نهجه لوسائل إعلام إسرائيلية: «حان الوقت ليكون لدينا (مجانين). أن يكون في جانبنا أيضا أشخاص لا يمكن ضبطهم. أشخاص ردودهم غير متّزنة، وغير طبيعية، يقول عنهم العرب أو الجيش الإسرائيلي إنه يجدر عدم التعامل معهم». ولا يوجد عدد دقيق لجماعات «تدفيع الثمن» ويعتقد أنهم بالمئات.
وكتبت صحيفة «هآرتس» عن طريقة عملهم، قائلة إنهم ليسوا بحاجة إلى إرشادات.. «فالعمل يجري بشكل شبه آلي. بعد تلقي الإشعار عبر الأجهزة الجوالة، يخرجون إلى العمل. معظم النشاطات هي بأسلوب اضرب واهرب». وقالت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية - على مدار سنوات - إنها تتعامل مع أفراد غير معروفين، ثم قالت: إنهم «منظمون» و«سرّيون»، من دون أن تعتقل أيّا منهم، ولكن في السنة الأخيرة تغيرت طريقة تعاطي المؤسسة الأمنية في إسرائيل مع هذه الجماعات، بعدما بدأت في شن هجمات داخل إسرائيل ضد أهداف إسلامية ومسيحية من بينها مساجد وكنائس.
وقالت إسرائيل إنها اعتقلت البعض فعلا، لكن لم تصدر أي أحكام رادعة. وثمة جدل في إسرائيل نفسها حول نية الحكومة مواجهة إرهاب المستوطنين فعلا من عدمها.
وكتب المفكر عوزي بنزيمان في صحيفة «هآرتس»، بأن جماعات «تدفيع الثمن» باتوا يمثلون تيارا متناميا من المستوطنين ويقف وراءهم كثير من أهم المرجعيات الدينية في إسرائيل. وأضاف بنزيمان في مقال حمل عنوان: «في ضوء الإرهاب اليهودي»، أنه «لم يعد يدور الحديث عن مجموعات هامشية، ومتطرفين خرجوا عن السيطرة (..) إنه إرهاب يهودي متعاظم». وقال كارمي غيلون، رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (شاباك) أخيرا إن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ليس لديها رغبة كافية في ملاحقة جماعات «تدفيع الثمن» الإرهابية، مضيفا أن «مواجهة هذه الظاهرة لم تثمر حتى الآن بسبب عدم وجود نية حقيقية لذلك».
ويختار شبان «تدفيع الثمن» شن هجماتهم في وقت مبكر من الفجر، ويتركون عادة آثارا مدمرة وراءهم، مثل إحراق منازل وسيارات ومساحات واسعة من المزروعات وإحراق مساجد وكنائس، وإطلاق رصاص. وتشير الإحصاءات الرسمية الفلسطينية إلى تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية إلى 41 في المائة في النصف الأول من عام 2014. وكان هذا سببا مباشرا كي يطلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أكثر من مرة خلال الشهرين الحالي والماضي، من المجتمع الدولي توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكتبت الخارجية الفلسطينية مرارا إلى روسيا والولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي عن المستوطنين المتطرفين المعروفين باسم «شباب التلال»، الذين يرتكبون جرائم «دفع الثمن» وكيف «يقومون بممارسة الإرهاب باستمرار ضد الشعب الفلسطيني، وأرضه وأماكنه المقدسة وممتلكاته، ويعلبون دورا في القتل والتحريض والعنف ونشر حضارة العنصرية والكراهية».
وطلبت السلطة تصنيف هذه الجماعات بأنها جماعات إرهابية.
وانتقدت وزارة الخارجية الأميركية الأعمال الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وقال تقرير للخارجية إن الهجمات التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم وأماكن العبادة في الضفة الغربية تستمر في معظمها دون أي ملاحقات قضائية. وتتهم السلطة الحكومة الإسرائيلية برعاية إرهاب المستوطنين. والأسبوع الماضي شبه كبير المفاوضين الدكتور صائب عريقات، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزعيم تنظيم «داعش» أبو عمر البغدادي.
وقال عريقات إن «نتنياهو يصر على تسمية دولة إسرائيل (دولة يهودية)، ويؤيد ويدعم مجموعات المستوطنين الإرهابيين الذين يقتلون ويدمرون ويحرقون المساجد والكنائس، وهم من أحرق الفتى محمد أبو خضير، مثلما تقوم مجموعات البغدادي بالقتل والإرهاب». ويشن المستوطنون هذه الأيام هجمات على المسجد الأقصى، وطالب «اتحاد منظمات الهيكل» أمس الثلاثاء، وزير الأمن العام، وزير الجيش، وزير الأركان، ومفوض عام الشرطة، ومفتش منطقة القدس، بتوفير قوات من الجيش لتأمين الاقتحامات للمسجد الأقصى خلال فترة عيد العرش «المظلة» التلمودي الذي يبدأ مساء اليوم، ويستمر حتى 16 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في حال عدم مقدرة الشرطة على ذلك.
وطالب الاتحاد، بمنع جميع المسلمين من دخول الأقصى خلال الأوقات المحددة لليهود، طوال أيام العيد اليهودي، وتأمين صلوات اليهود وإدخال ثمار العرش «سعف النخيل» إلى الأقصى خلال العيد، وبمضاعفة أعداد الشرطة، وتوفير أعداد كبيرة من قوات الأمن داخل الأقصى، وعند الأبواب.
وتسمح إسرائيل لعشرات اليهود المتشددين بدخول الأقصى على فترات محددة، وتمنع المسلمين في فترات أخرى، وأدى ذلك إلى اشتباكات ومواجهات وتوترات في القدس. ويحذر الفلسطينيون من أن أي مساس بالأقصى سيشعل حربا دينية وشاملة في المنطقة. والأسبوع الأخير صعدت الجماعات اليهودية من الاقتحامات للمسجد الأقصى بمناسبة الأعياد اليهودية التي تنتهي منتصف شهر أكتوبر الحالي، حيث سيحتفل اليهود الأربعاء بـ«عيد المظلة»، بعدما احتفلوا بعيد رأس السنة العبرية و«أيام التوبة» و«عيد الغفران». وتدعو جماعات يهودية إلى بناء الهيكل مكان الأقصى.
ولا ينعم المستوطنون في الضفة بحماية الجيش فقط، لكنهم يسيطرون على المناطق الأعلى الأجمل والأغلى والأغنى بالمصادر الطبيعية.
ويعيش في منطقة الأغوار الحدودية مع الأردن 7000 مستوطن يسيطرون على أغلبية الأراضي والخيرات هناك. وتبلغ مساحة الأغوار 2070 كيلومترا، بواقع 1.6 مليون دونم، وتمتد المنطقة على مسافة 120 كيلومترا، بعرض يتراوح بين 3 كيلومترات و15 كيلومترا، من شمال البحر الميت جنوب فلسطين إلى بردلة عند مدخل بيسان شمالا. ويعيش فيها نحو 50 ألف فلسطيني.
ومنذ سنوات طويلة اتخذت إسرائيل عدة إجراءات لتهويد الأرض، وقال شداد العتيلي رئيس سلطة المياه لـ«الشرق الأوسط»: «كل الإمكانات تذهب إلى مستوطني الأغوار. إن 7000 مستوطن في الأغوار يستهلكون وحدهم ما يستهلكه مليونان ونصف المليون فسلطيني في الضفة الغربية من المياه مثلا». وتحولت المنطقة إلى عقدة في المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وبحجة حماية المستوطنين والإسرائيليين كذلك، ترفض إسرائيل الانسحاب من الأغوار لدواع أمنية. لكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس رفض التصديق بحاجة إسرائيل الأمنية في الأغوار. وقال غير مرة، إن إسرائيل تجني 620 مليون دولار سنويا من استثمارها للأغوار الفلسطينية، وإن ادعاءاتها بالسيطرة على الأغوار لدوافع أمنية كاذبة، مضيفا: «إنه استثمار استيطاني».
وتدعم الأرقام وجهة نظر الرئيس عباس.
وتقيم إسرائيل في المنطقة أكبر مزارع نخيل في البلاد، ومشاتل ورود وخضراوات وفواكه، إضافة لمزارع ضخمة للدواجن والأبقار والديك الرومي، و5 برك اصطناعية لتربية التماسيح من أجل استخدام جلودها في الأحذية والحقائب.
وعلى سبيل المثال، احتفل الإسرائيليون عام 2010 بزراعة النخلة رقم مليون في الأغوار. وحسب تقرير مجلس المستوطنات لعام 2012، فإن المستوطنات تربح من الأغوار نحو 650 مليون دولار سنويا. إذن إنه إرهاب فكري ديني عقائدي.. واقتصادي كذلك. عندما أحرق أبو خضير حيا قبل 4 أشهر، قال والده حسين لـ«الشرق الأوسط» إنه لن ينسى ويسامح الذين مثلوا بجثة ابنه، مؤكدا أنه سيذهب إلى كل مكان وكل محكمة في إسرائيل والخارج من أجل ينال المتورطون العقاب. وأضاف منفعلا: «إنهم نازيون جدد». وأظهرت جثة أبو خضير أنه تعرض للتعذيب، ومن ثم جرى إحراق جسده. وقال النائب العام الفلسطيني محمد عبد الغني العويوي، إن تشريح جثمان أبو خضير أظهر أنه أحرق حيا. وجاء في بيان للنائب العام: «السبب المباشر للوفاة هو الحروق النارية ومضاعفاتها».
وأضاف العويوي: «تبين من خلال التشريح وجود مادة (شحبار) بمنطقة الرغامة (المجاري التنفسية) بالقصبات والقصيبات الهوائية في كلتا الرئتين، مما يدل على استنشاق هذه المادة أثناء الحرق وهو على قيد الحياة». كما أظهر التشريح أن الحروق تغطي 90 في المائة من سطح الجسم وأن منطقة الرأس تعرضت لإصابة «بجرح رَضِّي». وتساءل أبو خضير: «ماذا لو كان العكس هو الذي حدث.. كيف ستتصرف إسرائيل؟». وأضاف: «أنا أنتظر أي يهدم نتنياهو منازل قتلة ابني ويطرد عائلاتهم ويزج بهم مدى الحياة في السجن مثلما يحدث مع الفلسطينيين»، لكن أيًّا من أمنيات أبو خضير لم تتحقق.


