تحيط بالسيد ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة الجديد لسوريا، ظروف كثيرة تجعل من مهمته لحل الأزمة السورية مهمة أقرب إلى المهمة المستحيلة. فها هي الحرب، وضربات جوية تقودها الولايات المتحدة وقوات التحالف تقصف مواقع داخل الأراضي السورية لتجمعات مسلحي تنظيم «داعش». وفي ظلال هذه الحرب وتلك الضربات الجوية تخبو وتتلاشى أي فرص لعقد محادثات حول تحقيق السلام.
وبغض النظر عن تلك الحرب، فقد كان الفشل يحدق بكل المحاولات الحثيثة التي تمت خلال السنوات الثلاث ونصف السنة الماضية من أجل الدفع نحو الحل السياسي والتفاوض بين ممثلي النظام السوري وممثلي المعارضة من أجل تشكيل هيئة انتقالية تتولى الحكم في سوريا حتى إجراء الانتخابات. وهناك هوة كبيرة بين موقف النظام السوري مما يحدث في بلاده وموقف المعارضة السورية ومطالبها بما يجعل جلوس الطرفين على مائدة حوار واحدة ضربا من الخيال.
ليس ثمة دليل واضح على صعوبة المهمة أكثر من فشل اثنين من كبار الدبلوماسيين السياسيين في تلك المهمة، فقد تمكن الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان الذي تولى منصب المبعوث الأممي إلى سوريا في فبراير (شباط) 2012 من عقد اتفاق «جنيف1» وفرض خطة توافقية مرنة من 6 نقاط ترتكز على إيقاف أعمال القتل وإطلاق النار، وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية، وتفعيل مسار سياسي تفاوضي يقوم على حوار بين ممثلين من النظام السوري وممثلين من المعارضة، بما يؤدي في النهاية إلى تسوية سياسية تكفل الوصول إلى نظام ديمقراطي تعددي، إضافة إلى نقاط تتعلق بإطلاق سراح جميع المعتقلين واحترام وضمان حق التظاهر السلمي والسماح لوسائل الإعلام بدخول سوريا وضمان حرية عملها.
لكن أنان بكل خبرته ومهاراته الدبلوماسية، كان يتعامل مع نظام سياسي يجيد التحايل وخلط الأوراق والمراوغة، فقد مارس نظام بشار الأسد سياسة الإنكار مع مبادرة كوفي أنان وحاول أن يطبق منها ما يخدم أهدافه، فلم يقر بوقف إطلاق النار بهدف تحقيق هدنة بين طرفين متنازعين، وإنما كان يستهدف منها نزع أسلحة الجماعات المسلحة.
تلاعب الأسد بالبنود الأخرى بما يتيح له كسب المزيد من الوقت لقمع المعارضة ضده، بل وجد في تلك المبادرة طوق نجاة للظهور بمظهر الراغب في التفاوض والمستجيب للإرادة الدولية، وفي الوقت نفسه يمضي في تنفيذ سياساته القمعية وتفويت فرض الحل السياسي.
ولم يكن النظام السوري وحده اللاعب الماهر في فن المراوغة والتحايل، فقد برع حلفاء النظام السوري مثل روسيا والصين وإيران في التلاعب والمراوغة على خطوط المفاوضات، ونجحوا في منع فرض أي عقوبات على النظام السوري أو توجيه ضربات جوية ضده. وكان واضحا أن خطة أنان ولدت من رحم حالة الانقسام الدولي تجاه الأزمة السورية، ولم تكن نتيجة إرادة دولية حقيقية ترغب في التوصل إلى حل سياسي لإنهاء الأزمة بشكل حاسم. وأدرك كوفي أنان ذلك الانقسام والتباين الدولي، وبنى خطته مستندا على مساحات التوافق الضيقة بين القوى المسيطرة على خيوط الملف السوري، لكن الخطة انهارت نتيجة تعقيدات الصراع الإقليمي حول سوريا والمصالح الاستراتيجية والتوجهات الدينية.
وأعاقت كل من روسيا والصين 3 قرارات لمجلس الأمن لفرض عقوبات ضد النظام السوري، في حين اتسم الموقف الأميركي بالميوعة السياسية واكتفت الإدارة بانتقاد النظام السوري ومطالبته بالتنحي وانتقاد انتهاكات حقوق الإنسان مع استبعاد الخيار العسكري فيما بدا وكأنه ضوء أخضر للنظام السوري للاستمرار في فرض قبضته.
وبعد استخدام الأسد للسلاح الكيماوي وجهت الإدارة الأميركية تهديدات بتوجيه ضربات عسكرية ضد دمشق، لكنها انتهت بالتوصل إلى اتفاق يكتفي بنزع الترسانة الكيماوية لدى الأسد.
وبعد استقالة أنان في نهاية يوليو (تموز) 2012 تفاءلت الأوساط السياسية بتكليف الأخضر الإبراهيمي، منصب المبعوث الأممي إلى سوريا، في العاشر من أغسطس (آب) 2012 بما يملكه من خبرات في الشرق الأوسط وتاريخه الحافل في السلك الدبلوماسي. وتفاؤل المجتمع الدولي بما حققه الإبراهيمي من نجاحات حين كان مبعوثا للجامعة العربية في لبنان عام 1989 وتمكن من إنهاء الحرب الأهلية ونجاحاته في جنوب أفريقيا وهاييتي وأفغانستان والعراق.
وقد وصف الإبراهيمي مهمته في سوريا بالمهمة شبه المستحيلة بعد استقالة سلفه كوفي أنان، لكنه جاهد في فرض مقترحات بإنشاء حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات في سوريا تقود إلى إحلال الديمقراطية، مستندا على ما توصل إليه سلفه أنان في بيان «جنيف1». وعانى الإبراهيمي خلال الفترة التي تولى فيها مهمته كمبعوث لسوريا، فقد وجد نظاما في سوريا يعد ما يحدث مجرد مؤامرة خارجية من واجبه أن يحاربها، ووجد معارضة مصممة على إسقاط النظام أولا قبل إجراء محادثات معه.
ورغم المصاعب نجح الإبراهيمي في عقد جلستي حوار بين النظام والمعارضة، لكن جهوده ومحاولاته الحثيثة وصلت إلى طريق مسدود في فبراير 2014 وبدا محبطا ومتشائما من إمكانية حدوث انفراجة في الوضع السوري المتأزم. وعلق الإبراهيمي أمله في نجاح مهمته على توافق دولي وإقليمي وعربي، وبالأخص توافق أميركي - روسي حول سوريا. وبينما وافقت موسكو على بيان «جنيف1» عمدت إلى تفريغه من محتواه بدعم ثابت وصارم للنظام السوري وتشجيع انتخابات رئاسية يفوز بها الأسد. واستقال الإبراهيمي معلنا صراحة عدم جدية المجتمع الدولي في حل النزاع في سوريا.
البعض حمل الإبراهيمي والمنظمة الدولية مسؤولية الفشل والاكتفاء بإبداء القلق من سياسات النظام لحصار وتجويع المدن السورية والاكتفاء باستجداء النظام للسماح بقوافل الإغاثة بالدخول للبلاد. وفي ظل تلك الظروف استقال الموفدان الدوليان اللذان يتمتع كل منهما بالخبرة والصبر والحنكة، لا يوجد تغييرات على المسرح السوري، بل اشتدت الأزمة وأصبحت أكثر تفاقما مما كانت عليه في عهد أنان والإبراهيمي، ولا جديد في حسابات النظام ولا في حسابات المعارضة السورية، وإنما العنصر الجديد فقط هو ظهور «داعش» وسيطرته على أجزاء كبيرة من كل من العراق وسوريا.
وفي المقابل، قوى الأسد من موقفه بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مدعيا أنه رئيس منتخب بأغلبية كبيرة، كما أن مساندة إيران وروسيا له لم تنقطع، فكيف يمكن أن يحقق دي ميستورا اختراقا لهذا المشهد المتأزم.
الرهان الوحيد للنظر بتفاؤل في إمكانية نجاح مهمة دي ميستورا للدفع باتجاه عملية سياسية لإنهاء الأزمة هي أن يطرأ تغيير جديد في الخريطة السياسية على أرض الواقع، إما بنجاح التحالف الدولي في القضاء على تنظيم «داعش»، وإما بإصرار وضغوط المجتمع الدولي والأمم المتحدة لفرض الحل السياسي أو تقويض المساندة الروسية والإيرانية لنظام الأسد. وحتى هذا الرهان بجد شكوكا عالية، فتحقيق هدف القضاء على «داعش» مهمة قد تستغرق سنوات في نظر المسؤولين والخبراء العسكريين، مما يسمح بمزيد من الوقت للنظام السوري، وبافتراض نهاية «داعش» على المدى القصير أو المتوسط فإن النظام السوري قد يجدها فرصة لحصر الخيارات لصالحه، وتوصيل رسالة للعالم بأن بقاءه يضمن عدم ظهور تلك التنظيمات الإرهابية. ومع استمرار المساندة الروسية الإيرانية - الصينية لنظامه قد يجد الأسد فرصة مرة أخرى للمراوغة. ولا توجد مستجدات يمكن أن تخلخل المساندة الروسية أو الإيرانية لنظام الأسد.
والسؤال هو ما الذي قدمه دي ميستورا (67 عاما) من أفكار لحل الأزمة السورية منذ توليه المنصب في يوليو الماضي؟
وحتى الآن، كان التحرك الوحيد الذي قام به المبعوث الجديد هو زيارته لسوريا في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وإجراءه محادثات مع الرئيس السوري بشار الأسد ووزير الخارجية وليد المعلم. وأوضح دي ميستورا للصحافة في دمشق أن لقاءه مع الأسد كان لقاء طويلا ومفيدا، كما أبدى «صدمته» من الأرقام المفزعة لأعداد القتلى (أكثر من 190 ألف قتيل) واللاجئين (3 ملايين لاجئ) والنازحين (9 ملايين)، وأبرز ما قاله بعد اللقاء مع النظام السوري أن أولويات اهتماماته هي مواجهة الإرهاب، وهو ما رآه المحللون انعكاسا لفكر النظام السوري. وبعد زيارته لدمشق، أعلن المبعوث الأممي أنه سيسافر إلى جميع أنحاء المنطقة، ويقدم تقريرا للأمين العام للأمم المتحدة حول الاقتراحات التي يراها لحل الأزمة السورية والحد من العنف ووضع حد لمعاناة الشعب السوري.
وخلال اجتماع تشاوري لوزراء خارجية الجامعة العربية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي قدم دي ميستورا عرضا لرؤيته للوضع السوري بعد زيارته لدمشق. واعترف دي ميستورا بأنه ليس لديه مشاريع كبرى في الوقت الراهن فيما يتعلق بالأزمة السورية، موضحا أن أولوياته تتركز في 3 نقاط هي الحد من مستوى العنف، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية وتعزيز العملية السياسية. وقال ميستورا: «سأكون واقعيا في طموحاتي. سأركز على تقليل العنف وتعزيز المساعدات الإنسانية ودفع عملية سياسية شاملة لكل السوريين داخل وخارج سوريا». وأضاف: «لقد عانى السوريون كثيرا خلال السنوات الثلاث الماضية، وعلينا التفكير في أفكار مبتكرة عبر عملية سياسية شاملة».
وحول اتفاقات جنيف قال دي ميستورا: «اتفاقات جنيف هي الإطار العام لعملي، لكن التغيرات على أرض الواقع يحب ألا نغفلها». وأشار إلى تردي الأوضاع الإنسانية محذرا من ضعف توافر الأموال لعمليات الأمم المتحدة للمساعدات الإنسانية.
وأكد المبعوث الأممي لسوريا، أن استخدام القوة العسكرية ضد تنظيم (داعش) لا يكفي، وأن هناك حاجة لعملية سياسية، مشيرا أن الجميع يدرك ذلك بمن فيهم الرئيس السوري بشار الأسد.
وقال دي ميستورا: «ما يحدث في سوريا له تداعيات على المنطقة ودول المنطقة يمكن أن تسهم في حل أو المساعدة في حل المشكلة في سوريا رغم أن الحل النهائي يعتمد على السوريين وحدهم».
وفي أسئلة للصحافيين حول الدور الذي يمكن أن تقوم به إيران قال دي ميستورا: «إيران لاعب مهم وأتمنى أن تكون شريكا فيما ينبغي القيام به في العملية السياسية».
المعروف عن دي ميستورا أنه دبلوماسي سويدي يحمل لقب ماركيز، عمل في الخارجية الإيطالية وانطلق منها للعمل مع منظمة الأمم المتحدة وشغل منصب المبعوث الخاص للأمين العام في لبنان من 2001 إلى 2004 وفي العراق من 2007 إلى 2009 وفي أفغانستان من 2010 إلى 2011، كما شغل عدة مناصب في برنامج الغذاء العالمي وعمل لمدة 40 عاما في الوكالات المختلفة لمنظمة الأمم المتحدة، كما شغل منصب وكيل وزارة الخارجية الإيطالية في حكومة رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي.
بدأ دي ميستورا مسيرته مع منظمة الأمم المتحدة في منصب مدير مشروع لبرنامج الأغذية في السودان، وفي عام 1973 تولى مهمة الإغاثة الطارئة في تشاد وقاد أول عميلة إنزال جوي للأمم المتحدة، وبحلول عام 1976 تولى دي ميستورا منصب مدير عمليات منظمة الأغذية والزراعة، وهو المنصب الذي استمر فيه حتى عام 1985 وتولى خلاله عدة مهام إنسانة خاصة في سراييفو والسودان وإثيوبيا وفيتنام.
وكانت مهمة دي ميستورا في العراق هي متابعة عمل منظمة الأمم المتحدة في المناطق المتنازع عليها في العراق، وبينها كركوك، تفاديا لوقع حرب أهلية بين العشائر العراقية. وتسلم دي ميستورا 15 منطقة منها 7 مناطق في مدينة نينوى، و3 في كركوك، و3 في محافظة ديالي، وواحدة في محافظة صلاح الدن، وأخرى في محافظة السليمانية، وكانت مهمة دي ميستورا هي معالجة بقايا النزاع العراقي مع الكويت حول المناطق الحدودية.
وساعد دي ميستورا في الدفع بقانون لتمثيل الأقليات في العراق في البرلمان عام 2008، ومن أبرز الصور المنتشرة له في العراق صورته وهو يودع ضريح على بن أبي طالب في النجف بعد انتهاء مهمته، وبدا فيها خاشعا مغمض العينين داخل الضريح الشيعي. ويقول دبلوماسي غربي: «لقد كان دي ميستورا حريصا على تسليط الضوء على فرص العراق في تحقيق تقدم للأمام وتوفير مستوى معيشة أفضل للعراقيين، وكان له علاقات جيدة مع مختلف الطوائف العراقية».
ونجح أيضا دي ميستورا خلال منصبه كمبعوث لرئيس الوزراء الإيطالي في حل مشكلة توتر العلاقات بين إيطاليا والهند بعد قيام مشاة البحرية الإيطالية بقتل اثنين من الصيادين الهنود عام 2013. ويرى المحللون أن تلك النجاحات ضيقة النطاق في إطار مشكلات صغيرة يمكن لأي موظف إداري التصدي لها وعلاجها وليست بحجم تعقيدات الأزمة السورية.
ويجيد دي ميستورا اللغة الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والسويدية والألمانية. وخلال عمله في المنطقة العربية استطاع أن يحفظ بعض الكلمات العربية التي يضمنها في عباراته مع المتحدثين باللغة العربية.
يقول دبلوماسي غربي عمل لأكثر من 10 سنوات مع دي ميستورا: «إنه شخص مجتهد في عمله ويحاول جاهدا تنفيذ المهام المطلوبة منه». لكن الدبلوماسيين الإيطاليين لا يجدون في دي ميستورا تجديدا أو إبداعا في أفكاره لحل المشكلات السياسية، فما حققه دي ميستورا في العراق انهار بسيطرة تنظيم «داعش» وانسحاب الجيش العراقي.
طبيعة المهمة المكلف بها دي ميستورا في سوريا تتضح فيما قاله بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، عند تكليف الماركيز الإيطالي بهمته، إنه «سيستخدم (نواياه الحسنة) للتوصل إلى نهاية للعنف وانتهاكات حقوق الإنسان والدفع باتجاه حل سياسي للصراع في سوريا».
ويبدو أن الدول الغربية أشاحت وجهها عن الاستمرار في الدفع بالأنشطة التفاوضية في الملف السوري، حتى تنتهي من مشكلة «داعش» وما تشكله من مخاطر أكبر من مخاطر استمرار الأسد في منصبه واستمرار معاناة الشعب السوري.
ويقول مسؤول بالجامعة العربية، إن نجاح مهمة دي ميستورا في التوصل لحل للأزمة السورية يتوقف على قدرته في إحداث توافق عربي وإقليمي والعمل على توافقات تفتح الباب أمام الحل السياسي داخل سوريا. ونصح المسؤول بالجماعة العربية بأن يقوم دي ميستورا باستغلال النفوذ المصري والتحركات التي تقودها مصر في المنطقة، واستغلال التقارب الإيراني الخليجي خلال الشهور الماضية والضغط على إيران للتخلي عن الأسد مقابل المكاسب التي حصلت عليها في المفاوضات النووية، إضافة إلى التطورات التي تحدث في العراق على الصعيد السياسي والعسكري، والخطوات الدولية التي تهدف لتهدئة الأزمة الأوكرانية بما يقود إلى إنهاء الخلافات مع روسيا ودفعها لإجبار الأسد على قبول الحلول السياسية.
وفي النهاية، ليس أمام دي ميستورا سوى اللعب في الوقت الضائع حتى تنتهي المباراة بين التحالف الدولي والتنظيم الإرهابي في سوريا والعراق وتتبلور ملامح الصورة الجديدة في المشهد السوري.


