مختارات الأجيال بين الإقصاء والتبشير

بعضها يمثل وجهة نظر فنية وآخر يخضع لاعتبارات آيديولوجية

حاتم الصكر - حسام السراي  - سهيل نجم
حاتم الصكر - حسام السراي - سهيل نجم
TT

مختارات الأجيال بين الإقصاء والتبشير

حاتم الصكر - حسام السراي  - سهيل نجم
حاتم الصكر - حسام السراي - سهيل نجم

حملت المختارات الشعرية روحاً تبشيرية، في معظمها وبالتحديد المختارات التي تخصُّ الحركات الشعرية، أو التي تُعنى بجيلٍ محددٍ دون غيره، وقد عُرفت في العراق العديد من المختارات، بعضها يخص الشعر العراقي بشكل عام مثل «مختارات الشعر العراقي الحديث» للدكتور محمد صابر عبيد عام 2002 التي انتصر فيها لمشروع الحداثة، ذلك أنَّه أخذ النصف الثاني من القرن العشرين ابتداءً بالسياب حتى آخر شاعر من الجيل التسعيني (الذين كانوا شباباً في ذلك الوقت)، فقد استبعد محمد صابر عبيد كل تجارب القصيدة العمودية ممثلةً في الجواهري، ومصطفى جمال الدين، وعبد الأمير الحصيري، ومحمد حسين آل ياسين وعشرات آخرين، إذ اكتفى بنصوص التفعيلة والنثر، وهذه المختارات تمثل وجهة نظر فنية، بخلاف المختارات التي تمثل وجهة نظر آيديولوجية، كما في مختارات «شعراء الطليعة العربية» التي تمثل الخط المؤدلج والثوري بعيداً عن فنية النصوص وجودتهن.
كذلك اجتهد المترجم والشاعر سهيل نجم في عمل مختارات شعرية سماها «القيثارة والقربان» 2017، ووضع عنواناً فرعياً لها، وهو الشعر العراقي منذ السبعينات حتى اليوم، وهذا العنوان الفرعي يحتم على صاحب المختارات بعضاً من الموضوعية التي افتقرت إليها تلك المختارات، حيث خضعت لمزاج صاحبها، وأنا شخصياً لا أميل كثيراً لشاعر يضع مختاراته، لأنّه سيضع تلك المختارات بمقاس مزاجه الشعري، ومن يخالفه سيُرمى خارج نافذة تلك المختارات، وهذا ما حصل مع «القيثارة والقربان»، التي حصرها بقصيدة النثر فقط، وبفهم صاحب الاختيارات للشعر، حيث يقول: «على وفق هذا الفهم للإنجاز الشعري الفني والتناول الثيماتي ومن خلال قراءات مطولة للعشرات من المجاميع الشعرية والنصوص المتناثرة وعلى مدى سنوات تم اختيارنا لهذه النصوص من دون أنْ تكون بأيدينا مسطرة هندسية نعتمد عليها بل اعتمدنا على قدرة النص في الجذب واكتنازه بالشعر». وهي جملة غائمة، إذ لا حدود واضحة لتلك المسطرة الشعرية التي حددها بالجذب والاكتناز الشعري، فما حدود ذلك الجذب؟ وما حجم الاكتناز الشعري ومقاسه؟ وحين نقلب صفحات المختارات البالغة 550 صفحة لا نجد إلا ستة شعراء اختار لهم نصوصاً من التفعيلة وهم (خليل الأسدي، وريم قيس كبة، وكاظم الحجاج، وعدنان الصائغ، وكزار حنتوش، ونبيل ياسين). وبهذا لا نستطيع أنْ نخرج بمشهد عريض وواضح عن الشعر العراقي منذ السبعينات حتى الآن، لانتهاجه وجهة واحدة وهي قصيدة النثر، لذلك كان على صاحب المختارات أنْ يكتب عنواناً فرعياً بدلاً من هذا العنوان، وهو (القيثارة والقربان -قصيدة النثر في العراق منذ السبعينات وحتى اليوم)، أولى وأجدى من وضع لافتة باسم الشعر العراقي كله، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه المختارات كوثيقة عن الشعر العراقي، إنَّما هي تمثل وجهة نظر صاحب المختارات ومزاجه الشعري، الذي يتقاطع مع كل شيء فيه إيقاع، سواء أكان عمودياً أو تفعيلة.
لكنَّ هناك مختارات أكثر دقة من هذه المختارات العامَّة، إذ شكَّل البعض منها إطلالة إمَّا على جيلٍ محددٍ، وإما على حركة فنية، وإما على مدرسة أدبية، وهذا ما حصل مع «مواجهات الصوت القادم» لحاتم الصكر، حيث كانت عبارة عن دراسة نقدية ومختارات من شعر الجيل السبعيني، فيما شكَّلت مختارات «الشعر العراقي الآن» من إعداد وتقديم فرج الحطاب وعباس اليوسفي، إطلالة على شعراء قصيدة النثر من الجيل التسعيني، بينما أخذت «تلويحة لأحلام ناجية» من إعداد وتقديم حسام السراي، منحى آخر، وهي مختارات لمجموعة شعرية لشعراء ما بعد 2003، وهي مقتصرة على تسعة شعراء فقط، وسأقف عند تلك المختارات للنظر بجديتها، وقراءة عناوينها العريضة ذات الروح التبشيرية.
إن «مواجهات الصوت القادم» 1986 كانت أشبه بالتبشير بشعراء الجيل السبعيني، حيث اشتمل ذلك الكتاب على مقدمة طويلة لحاتم الصكر، يتحدَّث فيها عن أهمية هذا الجيل ودخوله في صراع مع الجيل الستيني، وذلك من خلال العنوان الذي وضعه للكتاب، وهو «مواجهات»، بمعنى أن هذا الجيل سيواجه الأجيال التي سبقته، علماً بأنَّ الجيل السبعيني لم يُعرفْ عنه تمايزه عن تلك الأجيال، بل كان في معظمه صوتاً مشابهاً لأصوات الرواد، ولذلك يقول الصكر عنهم: «سجَّلنا لشعراء السبعينات زهدهم بالبحث عن أساليب جديدة، فهم غير منساقين وراء الهم الشكلي المحض، ولا يريدون ابتداع أشكال مغايرة كما أنَّهم ملتزمون بإيقاع الرواد... إن قصيدتهم لا تزال محافظة على الشكل الموروث... ولا يصنع أكثر الشباب جرأة في مجال الحداثة سوى أن يُسقط القافية من قصيدته برمتها، لكنَّه لا يخرج عن الإيقاع السائد، فهو يخضع لبناء البيت الشعري وينساق وراء وظيفة البيت التقليدية في القصيدة العربية». وقد شكّلت الدراسة النقدية في هذا الكتاب أكثر من ثلثيه، وما تبقى وهو أقل من ثلث الكتاب، جعله حاتم الصكر للمختارات الشعرية التي اختار من ذلك الجيل كلاً من الشعراء (خزعل الماجدي، وزاهر الجيزاني، وعدنان الصائغ، وسلام كاظم، ورعد عبد القادر، وهادي ياسين علي، وعلي الطائي، وصاحب الشاهر، وخليل الأسدي، وفيصل جاسم، وكمال سبتي، وجواد الحطاب، وعبد المطلب محمود). وقد خلا هذا الكتاب كعادة المختارات من الكثير من شعراء تلك المرحلة، أمثال (حميد قاسم، ومعد الجبوري، وساجدة الموسوي، ومرشد الزبيدي، وعبد الزهرة زكي، وعبد العظيم فنجان، وموفق محمد، وكاظم الحجاج، وشوقي عبد الأمير، وعيسى حسن الياسري) وعشرات آخرين أغفلتهم الدراسة والمختارات، دون أنْ يكون هناك مبرر لاستبعادهم، وبهذا فقد اعتمد الناقد حاتم الصكر على هؤلاء الشعراء فقط بوصفهم عينة للجيل السبعيني أو الوجه القادم لهذا الجيل.
فيما أخذت المختارات التي أعدها عباس اليوسفي وفرج الحطاب «الشعر العراقي الآن» 1998، مساراً مختلفاً، حيث اكتفى المعدَّان بالعنوان التبشيري العريض، ولكنهما لم يكتبا مقدمة تنظيرية بحجم العنوان الواسع، فهما يقولان إنَّ الشعر لا يحتاج إلى مقدمات، إذ إن الشعر مكتفٍ بنفسه كما يقولان، ومن ثم ذكرا بعض التفاصيل الفنية البسيطة من قبيل إنّ «هذه المجموعة من شعراء التسعينات يحمل كل واحد منهم تجربته ويمتلك بدوره بصمته الخاصة... إنَّ قِصر جملهم الشعرية وتكثيفها واعتماد الإدهاش والمفارقة وعنصر السخرية وكتابة المهمل من اليومي والمرئي.... يشكّل بمجمله سمات الكتابة الجديدة»، ومن ثمّ يذكران أنَّ هذا النموذج في هذه المختارات «هو نموذج خاص ومبتكر يختلف عن أي نموذج وعن أي تجربة شعرية سابقة، إنَّه نموذج لم يرثْه الشعراء، ولم يستورده أحد، بل صنعوه بكل تفاصيله وتشظياته». والحقيقة، حين نعاين هذه الجمل لا نستطيع أنّ نخرج برؤية نقدية عن تلك المرحلة، ولا يمكن الإمساك بهذه الجمل، وذلك لحجم الطاقة الإنشائية التي تحملها، إذ إنَّها خالية من التحديد، فما معنى أنَّ هذا النموذج خاص ومبتكر؟ أين وجه الخصوصية؟ وأين وجه الابتكار؟ وكيف يختلف عن كل التجارب السابقة؟ لم يحدد المعدِّان والمقدِّمان أي بوصلة نقدية لهذه النصوص، سوى جملٍ حماسية تبشِّر بمجموعة شعراء كانوا يعانون من ضيق النظام، ووطأة الحصار الشديدة، وقد أشارا بالفعل إلى هذه المسألة في نهاية المقدمة، حيث يقولان: «لقد كانت محاولة لممارسة الحرية، غير أنَّها كانت أشبه بعملية التنفس الاصطناعي».
بينما جاءت مختارات «تلويحة لأحلام ناجية» 2018 التي أعدها وقدَّمها الشاعر حسام السراي وقد وضع عنواناً فرعياً تحت العنوان العام سماه «شعرية عراقية جديدة» وهي تُعد -كما أظن- من أنضج المختارات التي قرأناها في العراق، وذلك لمستوى النضج النقدي والرؤيوي الذي اكتنفها، فلأول مرَّة في المختارات تكون هناك شهادات لكل شاعر وضع اسمه فيها، شهادة يتحدث فيها عن تجربته الشعرية، وعن الظروف المحيطة به، وعن مشكلات البلد، كما أنَّها اشتملت على مقدمة نقدية، تحدَّث صاحب المختارات فيها عن هذا الجيل الخارج بعد 2003، ذلك التاريخ المفصلي في حياة العراقيين، وقد حملت المقدمة حمولة ثقافية هي أقرب إلى السياسة وتحولاتها، من الثقافة وأثرها، إذ اكتنزت بالآراء السياسية والاجتماعية، فقد أدانت تلك المقدمة التجارب الشعرية التي سبقت هذه المختارات، إذ يقول حسام السراي: «الشيء الجوهري هنا أن هؤلاء الشعراء لم يضعوا مكياج الخديعة على الصورة البشعة للحرب». وقد أطلق حسام السراي النيران الصديقة على مجمل الأجيال التي سبقتهم، بحيث اتَّهم تلك الأجيال بأنَّها مرتهنة للسلطات، ومؤدلجة، ومتحزبة، وبأنَّ ذممهم تُباع «في مواسم شراء الذمم وتهييج الجمهور بقصائد يرتاح لها المصفقون لأنَّها ترفدهم بسموم الانقسام بحجة الدفاع عن المكونات أو المظلومين في الأمس أو المهمَّشين اليوم». وهنا إشارة واضحة إلى المظلومين بالأمس للشعراء الشيعة، والمهمشين اليوم للشعراء السنة، وربما لأول مرة تحدث مثل هذه الإشارات في الشعر العراقي لهكذا تقسيمات، ولكنْ لا يمكن تعميم هذه الوجهة على مجمل الأجيال التي سبقت أصحاب هذه المختارات.
إنَّ وجود شاعرٍ أو شاعرين ينتهجان الفكرة التي أثارها حسام السراي لا يعني أنَّ تلك الأجيال مرتهنة لهذا النمط من الفهم، الذي استثنى من هذه التفصيلة شعراء المختارات فقط، حيث يقول: «هذه المجموعة لم تفعل هذا كله بل فعله شعراء من أجيال أخرى»، ولكن المُلاحظ على هذه المختارات هو غياب الحديث عن التحولات الشعرية التي بشَّرت بها المختارات، واللَّافتة الفرعية التي أعلنتها «شعرية عراقية جديدة»، إذ هيمن حديث التحول السياسي والاجتماعي الذي عصف بالبلاد على كل التحولات الشعرية، التي هي جوهر هذه المختارات، فلم تؤشِّر المقدمة ولا الشعراء الذي كتبوا شهاداتهم الشعرية على أي تحولٍ في الشعرية العراقية الجديدة، ما عدا إشارات إنشائية لا يمكن الركون إليها نقدياً، حيث تقول المقدمة: «ربما هذه الفعالية هي الأولى في إطار تقديم هذه النخبة والإعلان عن ظهورها جماعة شعرية لا رابط بينها إلَّا في رغبة الاقتران بنمط جديد من الكتابة»، ولكن لم نعرف ما هذا النمط الجديد في الكتابة؟ هل هو نمط فني مغاير لم تعرفه الأجيال السابقة؟ أم هو نمط فكري جديد؟ لذلك فهذه الجملة عائمة وغير محددة وفيها روح تبشيرية عالية، أو طموح شعري أكثر مما هو فعل شعري، كما آمنت هذه المختارات بخيار «قصيدة النثر» دون غيرها من بقية الخيارات، ولكنهم لم يحددوا ما الجديد الذي أضافوه إلى قصيدة النثر؟ التي سبقتهم بخمسة عقود، إذ اكتفوا بالرؤية السسيوثقافية دون الغوص بالتحول الجمالي على مستوى الشكل والأداء، كما أن شهادات الشعراء، أو كما سماها حسام السراي «بياناتهم الشعرية»، في هذه المختارات، لم تحتوِ على خزينهم الثقافي ومنطلقاتهم الشعرية ومرجعياتهم الثقافية، ومع كل ملاحظاتنا على التلويحة، إلا أنها -كما أظن- واحدة من أهم المختارات الشعرية في العراق على ضوء المقدمة السسيوثقافية التي حملتها وعلى ضوء شهادات الشعراء الخاصة بهم وخيارهم الفني في الكتابة.



فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.


محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
TT

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)

قال الفنان محمد عبد الرحمن إن مشاركته في مسلسل «المتر سمير» تُمثل بالنسبة له محطة مختلفة في مشواره، لكونها تعتمد على بناء علاقة إنسانية واضحة تكون هي العمود الفقري للأحداث، مشيراً إلى أن اللحظة التي عُرضت عليه فيها الفكرة حملت عنصر جذب أساسياً تَمثّل في طبيعة الشخصية وصلتها المباشرة ببطل العمل، الذي يجسده كريم محمود عبد العزيز، إذ يؤدي دور خاله، وهي علاقة درامية تمنح مساحة واسعة للتفاصيل والمواقف المركبة.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفكرة أعجبته قبل أن يقرأ السيناريو؛ لأن وجود الخال شريكاً أساسياً في مسار الحكاية منحته إحساساً بأن الدور له حضوره وتأثيره في مسار الأحداث، فالعلاقة بين الخال وابن أخته بطبيعتها تحمل مزيجاً من الحنان والندية، والقرب والاختلاف، وهو ما يفتح الباب أمام لحظات إنسانية صادقة يمكن أن تتحول في لحظة إلى مواقف كوميدية خفيفة، وفي لحظة أخرى إلى لحظات مواجهة أو مراجعة.

ويجسد محمد عبد الرحمن في «المتر سمير» شخصية «أنور عدلان»، وهو خريج كلية حقوق، جاء من مدينة بنها إلى العاصمة حاملاً معه تصورات بسيطة ومباشرة عن الحياة، فيما يُشارك ببطولة العمل كل من ناهد السباعي وسلوى خطاب.

عبد الرحمن في مشهد من مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)

دور «أنور»، كما يصفه، ليس شخصية تقليدية للقادم من الإقليم، بل إنسان طبيعي يعيش في زمنه، يتحدث بطلاقة، ويدرك تفاصيل الواقع، لكنه يحتفظ بقدر كبير من الصفاء الداخلي الذي يجعله يصطدم أحياناً ببعض قسوة المدينة وتعقيداتها، مؤكداً أن التحدي الحقيقي في تقديم هذه الشخصية كان الابتعاد تماماً عن أي مبالغة في الأداء، سواء على مستوى اللهجة أو الحركة أو حتى ردود الفعل.

وأشار إلى أن الفكرة لم تكن تقديم نموذج نمطي، بل رسم شخصية قريبة من الناس، يمكن أن تراها في حياتك اليومية دون الشعور بأنها مصطنعة من أجل الكوميديا، لذلك اعتمد في تحضيراته على قراءة متأنية للنص، ومحاولة فهم الخلفية النفسية للشخصية قبل الاهتمام بالشكل الخارجي.

وعن التحضير للشخصية، قال محمد عبد الرحمن إنه يبدأ دائماً بمحاولة تصور شكل الشخصية في الحياة اليومية، كيف تمشي وتجلس، وتنفعل، وتصمت، فهذه التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الفارق، لكونها تمنح الشخصية صدقاً بعيداً عن المبالغة، مشيراً إلى أن أقرب ما يجمعه بـ«أنور» هو حالة الدهشة التي قد تُصيب الإنسان أحياناً حين يواجه مواقف غير متوقعة، وهو شعور يعتبره إنسانياً بالدرجة الأولى.

وأكد أن «أنور» يتمتع بطيبة فطرية تجعله يميل إلى تصديق الآخرين وإعطائهم فرصة، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من لحظات ضعف أو غضب حين يشعر بأنه يتعرض للاستغلال، وهذه المساحة بين الطيبة والرغبة في الدفاع عن النفس هي ما يعدّه جوهر الشخصية، لكونها تخلق حالة من التوازن تجعل المشاهد يتعاطف معه، حتى في لحظات خطئه أو اندفاعه.

وعن علاقته داخل الأحداث بشخصية «المتر سمير» التي يقدمها كريم محمود عبد العزيز، أشار إلى أن الرابط العائلي يضع الطرفين في حالة دائمة من التداخل، فلا يمكن لأي منهما أن يكون محايداً تجاه الآخر، فهناك مشاعر حماية متبادلة، واختلاف في الرؤى، وطريقة التعامل مع الحياة، وهو ما ينتج عنه احتكاك دائم يغذي الدراما، مؤكداً أن «هذه الثنائية هي أحد أهم أعمدة العمل، لأنها قائمة على صراع لطيف بين جيلين، أو بين تجربتين مختلفتين في مواجهة الواقع».

الفنان المصري محمد عبد الرحمن - حسابه على فيسبوك.

وتحدّث عبد الرحمن عن كواليس التعاون مع كريم محمود عبد العزيز، مشيراً إلى أن بينهما حالة انسجام واضحة ساعدت كثيراً في خروج المشاهد بصورة طبيعية، لافتاً إلى أن العمل المشترك يتطلب قدراً من التفاهم والثقة، خصوصاً حين تكون هناك مساحة كبيرة من المشاهد الثنائية، وهو ما تحقق بالفعل من خلال جلسات التحضير والمناقشات المستمرة حول تفاصيل الأداء.

كما عبّر عن سعادته بالعمل تحت إدارة المخرج خالد مرعي، مؤكداً أن «مرعي يتميز بدقة شديدة في ضبط الإيقاع العام للمشاهد، ولا يترك مساحة كبيرة للارتجال غير المحسوب، وهذه المدرسة تناسبني إلى حد كبير، لأنني أفضل الالتزام بالنص المكتوب والعمل على تطويره من الداخل بدلاً من الاعتماد على المفاجأة اللحظية».

وأكد عبد الرحمن أن «المسلسل يراهن على تقديم كوميديا نابعة من الموقف، بحيث يشعر المشاهد بأن الضحك يأتي طبيعياً من تطور الأحداث وتفاعل الشخصيات»، معرباً عن أمله في «أن يصل العمل إلى الجمهور بروحه الحقيقية، وأن يشعر المشاهد بأن الشخصيات تشبهه أو تشبه مَن يعرفهم».