المراسلون العاملون على أرض {#لبنان ـ ينتفض}... هم جنود المهنة

صعوبات عدة يواجهونها لإتمام مهمتهم على أكمل وجه

حليمة طبيعة مراسلة تلفزيون «الجديد»
حليمة طبيعة مراسلة تلفزيون «الجديد»
TT

المراسلون العاملون على أرض {#لبنان ـ ينتفض}... هم جنود المهنة

حليمة طبيعة مراسلة تلفزيون «الجديد»
حليمة طبيعة مراسلة تلفزيون «الجديد»

«تحية للمراسلين العاملين على الأرض. أنتم حماية للحراك وضمان اندفاعته. أنتم صمام أمان ضد الأخبار المغلوطة، والأهم، ضد أي محاولة للضغط لتنفيس الانتفاضة. مهنيتكم هي شرعية مؤسساتكم. أنتم نصف الثورة والناس نصفها الآخر». بهذه الكلمات غرّد علي جابر مدير مجموعة «إم بي سي» الإعلامية عبر حسابه على موقع «تويتر» يصف فيها الإعلاميين الذين جندوا أنفسهم لتغطية وقائع مظاهرات «لبنان ينتفض»، وبالصوت والصورة، منذ اندلاعها وحتى الساعة.
فمنذ اللحظات الأولى لاندلاع هذا الحراك المدني، وضع المراسلون العاملون في مختلف محطات التلفزة المحلية أنفسهم في تصرف التلفزيونات التي يعملون فيها؛ فوقفوا حيث لا يجرؤ الآخرون، آخذين على عاتقهم نقل الحقيقة كاملة إلى الرأي العام اللبناني، بحلوها ومرّها. فتخلوا عن أناقتهم، نسوا جوعهم، وتفرغوا لمهمتهم، التي سرقت منهم إيقاع أيامهم العادية. فكانوا العمود الفقري لثورة #لبنان-ينتفض بعد أن توزعوا على مختلف المناطق اللبنانية التي تحتضنها لتغطيتها بموضوعية ودقة.
وما لا يعرفه كثر من المشاهدين لمحطات التلفزة المحلية، الذين يتسمرون أمام شاشاتها منذ أيام طويلة، هو أنّ هؤلاء المراسلين تفوقوا على أنفسهم وتجاوزوا صعوبات كثيرة يواجهونها خلال تأديتهم مهماتهم على الصعيدين الشخصي والمهني، فصمدوا غير مكترثين للمكان الذين سيبيتون فيه، أو للمواقف الحرجة التي سيصادفونها.
ورغم أنّ شريحة من اللبنانيين اتهمتهم بأنّهم يساهمون بشكل غير مباشر بتجييش الناس وحثهم على النزول إلى الأرض للتظاهر بفضل نقلهم وقائع الحراك، فإنّ غالبية أخرى رفعت لهم القبعة لشجاعتهم وتشبثهم بإتمام واجباتهم المهنية على المستوى المطلوب. بعض هؤلاء المراسلين اضطروا إلى النّوم في المنطقة الموجودين بها لتجنب اجتياز طرقات مقفلة. وبينهم من واصل ليله بنهاره، وترك عائلته وراءه، لأداء مهمته على أكمل وجه. وما يتفق عليه جميع المراسلين أنّ هذه المحطة في مسيرتهم الإعلامية حملت لهم تجربة جديدة لم يسبق أن عاشوها على الأرض من قبل.
الإعلامي يزبك وهبي: لفتتني «عروس الثورة» التي لم تتح لي الفرصة لتغطيتها

«لقد نزلنا إلى ساحات التظاهر انطلاقاً من طبيعة عملنا، ولكنّنا لم نكن ننتظر هذا القدر من الإنهاك الذي أصابنا، لا سيما في الأيام الأولى للحراك»، يقول يزبك وهبة مذيع نشرات الأخبار في تلفزيون «إل بي سي آي»، وأحد المراسلين المحترفين فيها. ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «المظاهرات بدأت تزحف إلى جميع المناطق اللبنانية بين ليلة وضحاها. ومع أعدادنا القليلة التي لا تزيد على الـ10 مراسلين اضطررنا إلى أن نتنقل بينها ضمن برمجة يومية منظمة، ومن دون انقطاع، لننقل وقائعها مباشرة». ويعلق وهبة أنّ أكثر ما يزعجه أثناء تغطيته الإعلامية الألفاظ البذيئة والسباب التي يتفوه بهما بعض المحتجين. «بغض النظر عن الشخصية التي كانوا يقصدونها أو الموضوع الذي يتناولونه، فكنت أحاول سحب الميكروفون في الوقت المناسب كي لا تمر هذه الألفاظ الاستفزازية على الهواء وتترك انطباعاً سلبياً على مشاهدها». وحسب وهبة، فإنه سبق له أن غطّى الحراك المدني الذي جرى في عام 2015 في بيروت، ولكنّه لم يكن يشبه هذا الحراك اليوم، الذي غمر جميع المحافظات اللبنانية.
وعن المظاهرة التي لفتته يقول وهبي في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هي من دون شك المظاهرات التي تجري في مدينة طرابلس الفيحاء، التي لم تُتح لي الفرصة لتغطيتها؛ فهي شكّلت مشهداً فريداً من نوعه في موضوع الحراك المدني. وصحيح أنني سبق أن قمت بتغطيات ميدانية وسياسية في هذه المدينة، لكنّ تغييراً جذرياً أصاب مشهديتها العامة، فحملت أهمية كبرى لطبيعة الحراك المدني في لبنان والعالم فلقبت بـ(عروس الثورة)».
وعن المشهد الذي فاجأه ولم يتوقع أن يصادفه في هذه المظاهرات، يرد: «تفاجأت بحجم الجماهير المحتجة في جميع المناطق، وكذلك الشجاعة التي يتحلون بها، فقد كسروا كل مشاعر الخوف والحذر التي كانت تسكنهم تجاه زعمائهم».
وينهي وهبة حديثه: «صعوبات كثيرة تواجهنا على الصعيد الشخصي، فاليوم مثلاً ولأول مرة أنام لـ6 ساعات متتالية؛ ففي الأيام الخمسة الماضية كان هذا الأمر بمثابة أمنية عندي».
يقف المراسلون على الأرض لساعات طويلة، ويتجمع حولهم الناس ليعبروا عن سبب انضمامهم للحراك المدني #لبنان-ينتفض. ولأن النقل المباشر يحمل إلى جانب متعة عيش اللحظة معه خطورة بروز مفاجآت غير منتظرة على الأرض، فإنّ مواقف محرجة كثيرة يتعرض لها المراسلون استطاعوا التخلص من تداعياتها بحرفية.
ومن بينها تلك التي تصادفها المراسلات بشكل خاص، وهو ما يدفع بهن إلى التحول إلى نساء صلبات يدافعن عن حقوقهن منتفضات بدورهن على واقع يستضعفهن. ولعلّ ما جرى مع مراسلة تلفزيون «إم تي في» اللبنانية جويس عقيقي بعيد إلقاء الرئيس عون كلمته، هو مثال على ذلك. إذ لم تتوانَ عن الانتفاض بوجه الملحن سمير صفير من التيار العوني، بعد أن وصفها والسلطة الرابعة والمحطة التي تمثلها بألفاظ نابية، فتعاطفت معها تعليقات ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الإعلاميين تحت هاشتاغ «متضامن مع جويس عقيقي» استنكاراً للموقف الذي وُضِعت به. أمّا مراسلة تلفزيون «إل بي سي»، ندى أندراوس التي وقفت بين شخصين من رأيين مختلفين يتواجهان بشراسة عبر ميكروفونها، استوعبت الموضوع وهدّأت الموقف، واصفة ما يجري بأنّه «صورة حقيقية لحراك يضمّ اللبنانيين من جميع الأطياف».
هدى شديد: لولا الإعلام
لما وصلت هذه الثورة إلى أي مكان

«في الحقيقة، لم أكن أتوقع في الساعات الأولى لانطلاق هذا الحراك المدني أن يحمل الأهمية المطلوبة». تقول هدى شديد مراسلة تلفزيون «ال بي سي آي»، وتضيف في حديث لـ(«الشرق الأوسط»): «عندما كنت أغطي مظاهرة مدينة صور في اليوم الأول للحراك، التي اعتبرها بالفعل مفصلية تحمل في طياتها تحولاً كبيراً، لم آخذ الأمر على محمل الجد، وقلتُ لهم ذلك بوضوح. إلّا أنّ المتظاهرين أصروا على القول إنّها ليست مجرد انتفاضة، بل ثورة حقيقية، وإنهم لن يتعبوا أو يملّوا من الوقوف في ساحة المدينة إلى حين تحقيق مطالبهم. وأنا مؤمنة بنبض الناس، لا سيما أن غالبية اللبنانيين تشارك في هذه الاحتجاجات». وتدعو شديد منتقدي مراسلي محطات التلفزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على سؤال يطرحونه أو موقف يتعرضون له فتقول: «يا ليتهم يضعون أنفسهم مكاننا، ولو لدقيقة واحدة، في بث مباشر أمام ملايين المشاهدين، وعلى أرض يتفاعل بها المتظاهرون من كل حدب وصوب. ويتوج كل ذلك مسؤولية يجب أن نتمتع بها، في ظل هواء مباشر من غير الممكن أن نصحح خلاله أي خطأ قد يشوبه من هنا أو هناك. نحن بشر ولا نمثل رقابة ولا أبواقاً معينة، وكل ما نقوم به نقل الصورة كما هي، ولولا الإعلام لما وصلت هذه الثورة إلى أي مكان».
وعن المعاناة التي عاشتها في هذه التجربة المهنية تقول شديد: «أحاول مع الـمصور الذي يرافقني عدم تناول الطعام أو شرب المياه قدر الإمكان، كي لا نضطر إلى ترك ساحة المتظاهرين ولو لدقائق قليلة، فمسؤوليتنا تجاه الناس نقل أي تفصيل دقيق يجري على أرض المظاهرة. وتخيلوا أنّنا نقف نحو 15 ساعة متتالية، وعلينا أن نبقى متأهبين لأي حدث. فنحاول أن نضع القناع على وجوهنا كي لا يشعر الآخر بوجعنا ومعاناتنا؛ فنتحول إلى آلات، ويصبح هدفنا مشابهاً للمقاتل الذي يتوجه إلى أرض المعركة، وممنوع عليه أن يخسر، فننسى جميع التفاصيل الباقية». وتختم: «هذه المظاهرات لا تشبه أي غيرها جرت في لبنان. فهي فجّرت خزان 30 سنة أو أكثر من المعاناة والإهمال والفقر والحرمان لدى الناس، وبرأيي المتواضع ما بعدها لن يكون كما قبلها».
ويحرص المراسلون الذين يشاركون في نقل وقائع المظاهرات الحاصلة في لبنان على ذكر اسم المصور الذي يرافقهم، تحيةً له؛ فهو بمثابة الجندي المجهول الذي يشارك في المعركة بعيداً عن الأضواء التي عادة ما يسرقها المراسل. فمثل سعيد وسامي بيتموني وربيع شمعون وفادي سكاف وبيار وفؤاد يوسف وطوني كيرللوس وغيرهم، يتحملون بدورهم مسؤولية كبيرة في عملية إيصال رسائل المتظاهرين من خلال صورة كاميرا واضحة تهتز أحياناً كثيرة لتعرّض صاحبها للضرب أو للعراك من قبل أحد الذين يرغبون في كتم صوتها وصورتها.
حليمة طبيعة: مشهد العلم اللبناني
المحمول من قبل المتظاهرين أثر بي

تقول مراسلة تلفزيون «الجديد» لـ«الشرق الأوسط»: «إنها من أجمل وأمتع التغطيات الإعلامية التي أحب القيام بها على الأرض، لأنّها تتضمّن انتفاضة الناس واحتكاكاً مباشراً معهم، فأنقل خلالها مطالبهم وأوجاعهم؛ فهي لا تشبه غيرها في مقرات ومؤتمرات أو تقارير إخبارية عادية»، وتتابع: «أما الامتحان الذي نخوضه في هذه التجربة، فيتمثل بنقلنا الوقائع كما هي، لا سيما أنّ المطالب تتوجه ضد السلطة الحاكمة؛ فإما أن نثبت أنفسنا كصحافيين جديرين بالمهمة أو العكس». وعن الصعوبات التي واجهتها في أداء مهمتها تقول: «تتمثل بضغوط كثيرة تواجهنا على الأرض مباشرة، إذ يجب أن نكون موضوعيين بعيداً عن أي قناعات أخرى تراودنا». وعن المشهد المؤثر الذي لفتها في هذه المظاهرات، تقول إنّ «أكثر ما لفتني وتأثرت به مشهد الأعلام اللبنانية المرفرفة التي يحملها الجميع، على اختلاف مشاربهم، كما مشاهد عناصر الجيش الذين يوجدون على الأرض للقيام بواجبهم، فيتأثرون مرة ويبكون مرة أخرى، وهم يحرسوننا بصمت، رغم أنّهم قد يرغبون برفع الصوت لإيصال مطالبهم».
وتؤكد حليمة أنّها في الأيام الخمسة الأولى للمظاهرات، اضطرت إلى أن تبقى من دون طعام، واكتفت بتناول البسكويت فقط، لا سيما أنّها مضطرة للوقوف أمام الكاميرا طيلة الوقت، وفي حالة تأهُّب دائمة لنقل الوقائع في أي لحظة. «حتى عودتنا إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل توفر لنا وقتاً قصيراً للاستحمام، وأخذ فترة استراحة لنحو ساعة لننطلق إلى العمل في الخامسة صباحاً».

نخلة عضيمي: على المراسل التمتع بحس إعلامي موضوعي
وبالنسبة لمراسل تلفزيون «إم تي في» اللبنانية نخلة عضيمي، فإنّ الصعوبات التي يواجهها أثناء تأديته مهمته على الأرض تتمثل بالمندسين الذين يدخلون المظاهرات بهدف تفشيل الحراك السلمي، مما يتطلّب من الإعلامي أن يعرف كيف يتعامل معها وكيف يتحكم بهفوات تتخلل المشهد بشكل تلقائي. كما أنّ اختيار الأشخاص للتحدث أمام الكاميرا تحمل صعوبات بحد ذاتها. «إنّها تتطلب من الإعلامي ورغم كل الضغوط التي تحيط به على الأرض، أن يغربلها بسرعة فائقة، متّكلاً على حسّه الإعلامي الموضوعي ونظرته للأشخاص». أمّا الخطورة الأساسية التي يواجهونها، فتكمن في نقل وقائع ساحات مشتعلة بأعمال تخريبية، وما يشابهها، وعملية الانسحاب منها بالتوازي مع نقل الصورة الحقيقية لها. فعلى المراسل حسب عضيمي أن يعرف طبيعة الأرضية التي تتلقفه عن كثب، فهناك إعلام مرحّب به في مكان، ومرفوض في مكان آخر، مما يتطلب منه مسؤولية كبيرة لإنجاز مهمته وبالصورة المطلوبة من دون التفكير بتحقيق بطولات».
وعما لفته بهذه الثورة، يقول عضيمي في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «إنها (عروس الثورة) مدينة طرابلس التي لفتتني مثل كثيرين غيري، لا سيما أنّ صبغة التطرف كانت تطبعها؛ فرأينا طرابلس بوجهها الحقيقي حاضنة الجميع، فأدهشتنا بالتحركات التي تقيمها على الأرض من دون تفرقة. وكذلك مدينة صور التي كسرت حاجز الصّمت والنبطية التي تجاوزت مشاعر الخوف، فطفت حقيقة معاناة الناس على سطح الحرية»، ويختم: «ولعل مشهد الجيش اللبناني يصدّ بشراسة عمليات تفشيلية لبعض المدسوسين والمحسوبين على أحزاب معينة، من المشاهد التي أثّرت بي، لأنّنا لم يسبق أن شاهدناها في لبنان من قبل وبهذا الوضوح».



«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.


منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
TT

منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)

عزّز التفاعل مع حفل توزيع جوائز الأوسكار على منصّات التواصل الاجتماعي المنافسة مع التلفزيون. فوفق بيانات لشركة «نيلسن» المتخصّصة في قياسات وأبحاث سوق الإعلام، نشرتها شبكة «إيه بي سي» الأميركية أخيراً، اجتذب البث التلفزيوني لحفل الأوسكار هذا العام 17.9 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، بانخفاض بنسبة 9 في المائة عن العام الماضي، وهذه أدنى نسبة مشاهدة منذ عام 2022.

وتبعاً للشبكة نفسها، وتزامناً مع تراجع مشاهدة البث التلفزيوني للحفل السنوي السينمائي الكبير، ازداد التفاعل مع الحفل على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 42 في المائة هذا العام بالمقارنة مع عام 2025 ليصل إلى ‌أكثر من 184 مليون مشاركة.

خبراء التقدم بـ«الشرق الأوسط» رأوا أن «منصّات التواصل تفرض الآن واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار»، وذكروا أن المنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظة بلحظة. والبيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الآن الطروحات التي ترى أن العالم دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي.

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقةً إن ما يحدث «جزء من التحوّل في أنماط استهلاك المحتوى حول العالم، في ظل الاعتماد على الهواتف الجوالة ومنصات التواصل الاجتماعي».

وأردفت أن «البيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الطروحات التي تقول إن العالم قد دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي... وحتى الرياضة التي كانت الحصن الأخير للتلفزيون التقليدي شهدت انتقالاً لحقوق البث نحو المنصات الرقمية». ولفتت في هذا الصدد إلى صفقة «نتفليكس» مع «WWE بقيمة 5 مليارات دولار، واستحواذ شركة «Prime Video» على حق تغطية مباريات دوري الكرة الأميركية (NFL)، مضيفةً أن «هذه مؤشرات لا يمكن تجاهلها وستسهم في سحب جزء كبير من جمهور التلفزيون نحو منصات المشاهدة الرقمية».

إلا أن أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي ترى أن «التلفزيون يستطيع مع هذا تبني بعض الاستراتيجيات التي تضمن بقاءه ضمن هذه البيئة التنافسية»، وأن من بين هذه الاستراتيجيات «استراتيجية محرك الاكتشاف» عبر تصميم المحتوى القصير ليعمل «محرك اكتشاف» يحوّل المشاهدين الرقميين إلى جمهور مخلص للتلفزيون. ثم هناك استراتيجية ثانية تعتمد على «تفعيل نموذج التلفزيون الاجتماعي»، موضحةً أن هذه الأخيرة «تعتمد على تبني نموذج التسويق عبر البث المباشر من خلال دمج التفاعلية في الوقت الفعلي».

وأوضحت د. مي عبد الغني أن «التلفزيون يظل المصدر الأكثر ثقة للأخبار في الأوقات العصيبة مقارنةً بمنصات التواصل المزدحمة... ولكنّ تعزيز هذه المكانة يتطلب الالتزام الصارم بالتدقيق المهني وتطوير مهارات الكوادر البشرية للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وبالمناسبة، في ضوء التنافس بين المنصات والتلفزيون، من المقرر أن ينتقل بث حفل الأوسكار عام 2029 من شبكة «إيه بي سي» إلى موقع «يوتيوب» التابع لشركة «غوغل».

من جهة أخرى، أوضح محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار». وأشار إلى أن «قواعد اللعبة التنافسية بين التلفزيون والمنصات الرقمية تغيّرت، فتحولت من صراع بقاء إلى تكامل استراتيجي». ثم تابع أن «المعلنين ما عادوا الآن يكتفون بالإعلان التلفزيوني، إذ تثبت البيانات أن العلامات التجارية التي تدمج حملاتُها بين التلفزيون والمنصات تحقق عائداً أعلى بنسبة تصل إلى 800 في المائة». وأضاف أن «المنافسة ليست على جذب المشاهد لترك التلفزيون، بل على الاستحواذ على انتباهه في أثناء المشاهدة؛ فالمنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظةً بلحظة».

ولفت فتحي إلى أن «التلفزيون فقد القدرة على الاحتكار، ولم يعد البوابة الوحيدة للأحداث، بل أصبح جزءاً من منظومة كبرى... نتيجة تغيير سلوك المشاهدة. فالمشاهد اليوم لا يشاهد 3 ساعات متواصلة، ويفضل اللحظات المفضلة والمقاطع القصيرة والقصص».

واستطرد أن «تراجع التلفزيون سيكون مفزعاً... نعم... إذا استمر التلفزيون بنفس الشكل القديم». لكنه استدرك ليشير إلى قدرته على الاستمرار بسبب بثّه الأحداث الرياضية والحفلات، وقدرته على الوصول إلى شريحة جمهور غير قادرة على امتلاك شاشات ذكية أو الوصول إلى الإنترنت، وهي شريحة تتقلص بمرور الوقت».

واختتم بالقول إن «المنافسة بين التلفزيون والمنصات الرقمية لم تعُد تهدف لإقصاء الآخر، بل أدّت إلى خلق نظام تكاملي، فالتلفزيون يتراجع بوصفه وسيلة وحيدة للبث، فيما تعمل المنصّات الرقمية مسوّقاً للأحداث وداعماً أكبر للانتشار».


حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».