المراسلون العاملون على أرض {#لبنان ـ ينتفض}... هم جنود المهنة

صعوبات عدة يواجهونها لإتمام مهمتهم على أكمل وجه

حليمة طبيعة مراسلة تلفزيون «الجديد»
حليمة طبيعة مراسلة تلفزيون «الجديد»
TT

المراسلون العاملون على أرض {#لبنان ـ ينتفض}... هم جنود المهنة

حليمة طبيعة مراسلة تلفزيون «الجديد»
حليمة طبيعة مراسلة تلفزيون «الجديد»

«تحية للمراسلين العاملين على الأرض. أنتم حماية للحراك وضمان اندفاعته. أنتم صمام أمان ضد الأخبار المغلوطة، والأهم، ضد أي محاولة للضغط لتنفيس الانتفاضة. مهنيتكم هي شرعية مؤسساتكم. أنتم نصف الثورة والناس نصفها الآخر». بهذه الكلمات غرّد علي جابر مدير مجموعة «إم بي سي» الإعلامية عبر حسابه على موقع «تويتر» يصف فيها الإعلاميين الذين جندوا أنفسهم لتغطية وقائع مظاهرات «لبنان ينتفض»، وبالصوت والصورة، منذ اندلاعها وحتى الساعة.
فمنذ اللحظات الأولى لاندلاع هذا الحراك المدني، وضع المراسلون العاملون في مختلف محطات التلفزة المحلية أنفسهم في تصرف التلفزيونات التي يعملون فيها؛ فوقفوا حيث لا يجرؤ الآخرون، آخذين على عاتقهم نقل الحقيقة كاملة إلى الرأي العام اللبناني، بحلوها ومرّها. فتخلوا عن أناقتهم، نسوا جوعهم، وتفرغوا لمهمتهم، التي سرقت منهم إيقاع أيامهم العادية. فكانوا العمود الفقري لثورة #لبنان-ينتفض بعد أن توزعوا على مختلف المناطق اللبنانية التي تحتضنها لتغطيتها بموضوعية ودقة.
وما لا يعرفه كثر من المشاهدين لمحطات التلفزة المحلية، الذين يتسمرون أمام شاشاتها منذ أيام طويلة، هو أنّ هؤلاء المراسلين تفوقوا على أنفسهم وتجاوزوا صعوبات كثيرة يواجهونها خلال تأديتهم مهماتهم على الصعيدين الشخصي والمهني، فصمدوا غير مكترثين للمكان الذين سيبيتون فيه، أو للمواقف الحرجة التي سيصادفونها.
ورغم أنّ شريحة من اللبنانيين اتهمتهم بأنّهم يساهمون بشكل غير مباشر بتجييش الناس وحثهم على النزول إلى الأرض للتظاهر بفضل نقلهم وقائع الحراك، فإنّ غالبية أخرى رفعت لهم القبعة لشجاعتهم وتشبثهم بإتمام واجباتهم المهنية على المستوى المطلوب. بعض هؤلاء المراسلين اضطروا إلى النّوم في المنطقة الموجودين بها لتجنب اجتياز طرقات مقفلة. وبينهم من واصل ليله بنهاره، وترك عائلته وراءه، لأداء مهمته على أكمل وجه. وما يتفق عليه جميع المراسلين أنّ هذه المحطة في مسيرتهم الإعلامية حملت لهم تجربة جديدة لم يسبق أن عاشوها على الأرض من قبل.
الإعلامي يزبك وهبي: لفتتني «عروس الثورة» التي لم تتح لي الفرصة لتغطيتها

«لقد نزلنا إلى ساحات التظاهر انطلاقاً من طبيعة عملنا، ولكنّنا لم نكن ننتظر هذا القدر من الإنهاك الذي أصابنا، لا سيما في الأيام الأولى للحراك»، يقول يزبك وهبة مذيع نشرات الأخبار في تلفزيون «إل بي سي آي»، وأحد المراسلين المحترفين فيها. ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «المظاهرات بدأت تزحف إلى جميع المناطق اللبنانية بين ليلة وضحاها. ومع أعدادنا القليلة التي لا تزيد على الـ10 مراسلين اضطررنا إلى أن نتنقل بينها ضمن برمجة يومية منظمة، ومن دون انقطاع، لننقل وقائعها مباشرة». ويعلق وهبة أنّ أكثر ما يزعجه أثناء تغطيته الإعلامية الألفاظ البذيئة والسباب التي يتفوه بهما بعض المحتجين. «بغض النظر عن الشخصية التي كانوا يقصدونها أو الموضوع الذي يتناولونه، فكنت أحاول سحب الميكروفون في الوقت المناسب كي لا تمر هذه الألفاظ الاستفزازية على الهواء وتترك انطباعاً سلبياً على مشاهدها». وحسب وهبة، فإنه سبق له أن غطّى الحراك المدني الذي جرى في عام 2015 في بيروت، ولكنّه لم يكن يشبه هذا الحراك اليوم، الذي غمر جميع المحافظات اللبنانية.
وعن المظاهرة التي لفتته يقول وهبي في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هي من دون شك المظاهرات التي تجري في مدينة طرابلس الفيحاء، التي لم تُتح لي الفرصة لتغطيتها؛ فهي شكّلت مشهداً فريداً من نوعه في موضوع الحراك المدني. وصحيح أنني سبق أن قمت بتغطيات ميدانية وسياسية في هذه المدينة، لكنّ تغييراً جذرياً أصاب مشهديتها العامة، فحملت أهمية كبرى لطبيعة الحراك المدني في لبنان والعالم فلقبت بـ(عروس الثورة)».
وعن المشهد الذي فاجأه ولم يتوقع أن يصادفه في هذه المظاهرات، يرد: «تفاجأت بحجم الجماهير المحتجة في جميع المناطق، وكذلك الشجاعة التي يتحلون بها، فقد كسروا كل مشاعر الخوف والحذر التي كانت تسكنهم تجاه زعمائهم».
وينهي وهبة حديثه: «صعوبات كثيرة تواجهنا على الصعيد الشخصي، فاليوم مثلاً ولأول مرة أنام لـ6 ساعات متتالية؛ ففي الأيام الخمسة الماضية كان هذا الأمر بمثابة أمنية عندي».
يقف المراسلون على الأرض لساعات طويلة، ويتجمع حولهم الناس ليعبروا عن سبب انضمامهم للحراك المدني #لبنان-ينتفض. ولأن النقل المباشر يحمل إلى جانب متعة عيش اللحظة معه خطورة بروز مفاجآت غير منتظرة على الأرض، فإنّ مواقف محرجة كثيرة يتعرض لها المراسلون استطاعوا التخلص من تداعياتها بحرفية.
ومن بينها تلك التي تصادفها المراسلات بشكل خاص، وهو ما يدفع بهن إلى التحول إلى نساء صلبات يدافعن عن حقوقهن منتفضات بدورهن على واقع يستضعفهن. ولعلّ ما جرى مع مراسلة تلفزيون «إم تي في» اللبنانية جويس عقيقي بعيد إلقاء الرئيس عون كلمته، هو مثال على ذلك. إذ لم تتوانَ عن الانتفاض بوجه الملحن سمير صفير من التيار العوني، بعد أن وصفها والسلطة الرابعة والمحطة التي تمثلها بألفاظ نابية، فتعاطفت معها تعليقات ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الإعلاميين تحت هاشتاغ «متضامن مع جويس عقيقي» استنكاراً للموقف الذي وُضِعت به. أمّا مراسلة تلفزيون «إل بي سي»، ندى أندراوس التي وقفت بين شخصين من رأيين مختلفين يتواجهان بشراسة عبر ميكروفونها، استوعبت الموضوع وهدّأت الموقف، واصفة ما يجري بأنّه «صورة حقيقية لحراك يضمّ اللبنانيين من جميع الأطياف».
هدى شديد: لولا الإعلام
لما وصلت هذه الثورة إلى أي مكان

«في الحقيقة، لم أكن أتوقع في الساعات الأولى لانطلاق هذا الحراك المدني أن يحمل الأهمية المطلوبة». تقول هدى شديد مراسلة تلفزيون «ال بي سي آي»، وتضيف في حديث لـ(«الشرق الأوسط»): «عندما كنت أغطي مظاهرة مدينة صور في اليوم الأول للحراك، التي اعتبرها بالفعل مفصلية تحمل في طياتها تحولاً كبيراً، لم آخذ الأمر على محمل الجد، وقلتُ لهم ذلك بوضوح. إلّا أنّ المتظاهرين أصروا على القول إنّها ليست مجرد انتفاضة، بل ثورة حقيقية، وإنهم لن يتعبوا أو يملّوا من الوقوف في ساحة المدينة إلى حين تحقيق مطالبهم. وأنا مؤمنة بنبض الناس، لا سيما أن غالبية اللبنانيين تشارك في هذه الاحتجاجات». وتدعو شديد منتقدي مراسلي محطات التلفزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على سؤال يطرحونه أو موقف يتعرضون له فتقول: «يا ليتهم يضعون أنفسهم مكاننا، ولو لدقيقة واحدة، في بث مباشر أمام ملايين المشاهدين، وعلى أرض يتفاعل بها المتظاهرون من كل حدب وصوب. ويتوج كل ذلك مسؤولية يجب أن نتمتع بها، في ظل هواء مباشر من غير الممكن أن نصحح خلاله أي خطأ قد يشوبه من هنا أو هناك. نحن بشر ولا نمثل رقابة ولا أبواقاً معينة، وكل ما نقوم به نقل الصورة كما هي، ولولا الإعلام لما وصلت هذه الثورة إلى أي مكان».
وعن المعاناة التي عاشتها في هذه التجربة المهنية تقول شديد: «أحاول مع الـمصور الذي يرافقني عدم تناول الطعام أو شرب المياه قدر الإمكان، كي لا نضطر إلى ترك ساحة المتظاهرين ولو لدقائق قليلة، فمسؤوليتنا تجاه الناس نقل أي تفصيل دقيق يجري على أرض المظاهرة. وتخيلوا أنّنا نقف نحو 15 ساعة متتالية، وعلينا أن نبقى متأهبين لأي حدث. فنحاول أن نضع القناع على وجوهنا كي لا يشعر الآخر بوجعنا ومعاناتنا؛ فنتحول إلى آلات، ويصبح هدفنا مشابهاً للمقاتل الذي يتوجه إلى أرض المعركة، وممنوع عليه أن يخسر، فننسى جميع التفاصيل الباقية». وتختم: «هذه المظاهرات لا تشبه أي غيرها جرت في لبنان. فهي فجّرت خزان 30 سنة أو أكثر من المعاناة والإهمال والفقر والحرمان لدى الناس، وبرأيي المتواضع ما بعدها لن يكون كما قبلها».
ويحرص المراسلون الذين يشاركون في نقل وقائع المظاهرات الحاصلة في لبنان على ذكر اسم المصور الذي يرافقهم، تحيةً له؛ فهو بمثابة الجندي المجهول الذي يشارك في المعركة بعيداً عن الأضواء التي عادة ما يسرقها المراسل. فمثل سعيد وسامي بيتموني وربيع شمعون وفادي سكاف وبيار وفؤاد يوسف وطوني كيرللوس وغيرهم، يتحملون بدورهم مسؤولية كبيرة في عملية إيصال رسائل المتظاهرين من خلال صورة كاميرا واضحة تهتز أحياناً كثيرة لتعرّض صاحبها للضرب أو للعراك من قبل أحد الذين يرغبون في كتم صوتها وصورتها.
حليمة طبيعة: مشهد العلم اللبناني
المحمول من قبل المتظاهرين أثر بي

تقول مراسلة تلفزيون «الجديد» لـ«الشرق الأوسط»: «إنها من أجمل وأمتع التغطيات الإعلامية التي أحب القيام بها على الأرض، لأنّها تتضمّن انتفاضة الناس واحتكاكاً مباشراً معهم، فأنقل خلالها مطالبهم وأوجاعهم؛ فهي لا تشبه غيرها في مقرات ومؤتمرات أو تقارير إخبارية عادية»، وتتابع: «أما الامتحان الذي نخوضه في هذه التجربة، فيتمثل بنقلنا الوقائع كما هي، لا سيما أنّ المطالب تتوجه ضد السلطة الحاكمة؛ فإما أن نثبت أنفسنا كصحافيين جديرين بالمهمة أو العكس». وعن الصعوبات التي واجهتها في أداء مهمتها تقول: «تتمثل بضغوط كثيرة تواجهنا على الأرض مباشرة، إذ يجب أن نكون موضوعيين بعيداً عن أي قناعات أخرى تراودنا». وعن المشهد المؤثر الذي لفتها في هذه المظاهرات، تقول إنّ «أكثر ما لفتني وتأثرت به مشهد الأعلام اللبنانية المرفرفة التي يحملها الجميع، على اختلاف مشاربهم، كما مشاهد عناصر الجيش الذين يوجدون على الأرض للقيام بواجبهم، فيتأثرون مرة ويبكون مرة أخرى، وهم يحرسوننا بصمت، رغم أنّهم قد يرغبون برفع الصوت لإيصال مطالبهم».
وتؤكد حليمة أنّها في الأيام الخمسة الأولى للمظاهرات، اضطرت إلى أن تبقى من دون طعام، واكتفت بتناول البسكويت فقط، لا سيما أنّها مضطرة للوقوف أمام الكاميرا طيلة الوقت، وفي حالة تأهُّب دائمة لنقل الوقائع في أي لحظة. «حتى عودتنا إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل توفر لنا وقتاً قصيراً للاستحمام، وأخذ فترة استراحة لنحو ساعة لننطلق إلى العمل في الخامسة صباحاً».

نخلة عضيمي: على المراسل التمتع بحس إعلامي موضوعي
وبالنسبة لمراسل تلفزيون «إم تي في» اللبنانية نخلة عضيمي، فإنّ الصعوبات التي يواجهها أثناء تأديته مهمته على الأرض تتمثل بالمندسين الذين يدخلون المظاهرات بهدف تفشيل الحراك السلمي، مما يتطلّب من الإعلامي أن يعرف كيف يتعامل معها وكيف يتحكم بهفوات تتخلل المشهد بشكل تلقائي. كما أنّ اختيار الأشخاص للتحدث أمام الكاميرا تحمل صعوبات بحد ذاتها. «إنّها تتطلب من الإعلامي ورغم كل الضغوط التي تحيط به على الأرض، أن يغربلها بسرعة فائقة، متّكلاً على حسّه الإعلامي الموضوعي ونظرته للأشخاص». أمّا الخطورة الأساسية التي يواجهونها، فتكمن في نقل وقائع ساحات مشتعلة بأعمال تخريبية، وما يشابهها، وعملية الانسحاب منها بالتوازي مع نقل الصورة الحقيقية لها. فعلى المراسل حسب عضيمي أن يعرف طبيعة الأرضية التي تتلقفه عن كثب، فهناك إعلام مرحّب به في مكان، ومرفوض في مكان آخر، مما يتطلب منه مسؤولية كبيرة لإنجاز مهمته وبالصورة المطلوبة من دون التفكير بتحقيق بطولات».
وعما لفته بهذه الثورة، يقول عضيمي في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «إنها (عروس الثورة) مدينة طرابلس التي لفتتني مثل كثيرين غيري، لا سيما أنّ صبغة التطرف كانت تطبعها؛ فرأينا طرابلس بوجهها الحقيقي حاضنة الجميع، فأدهشتنا بالتحركات التي تقيمها على الأرض من دون تفرقة. وكذلك مدينة صور التي كسرت حاجز الصّمت والنبطية التي تجاوزت مشاعر الخوف، فطفت حقيقة معاناة الناس على سطح الحرية»، ويختم: «ولعل مشهد الجيش اللبناني يصدّ بشراسة عمليات تفشيلية لبعض المدسوسين والمحسوبين على أحزاب معينة، من المشاهد التي أثّرت بي، لأنّنا لم يسبق أن شاهدناها في لبنان من قبل وبهذا الوضوح».



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».