«البديل لألمانيا»... قصة ولادة حزب يميني متطرف من رحم وسائل التواصل الاجتماعي

«البديل لألمانيا»... قصة ولادة حزب يميني متطرف من رحم وسائل التواصل الاجتماعي

الاثنين - 29 صفر 1441 هـ - 28 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14944]
برلين: راغدة بهنام
وُلد حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف عام 2013، في خضم «ثورة» وسائل التواصل الاجتماعي، لينضم إلى ساحة سياسية مليئة بأحزاب قديمة عمرها عشرات السنين، لم تكن قد فهمت بعد لعبة الإعلام الجديد. فانطلق الحزب الشعبوي مطلقاً معه منصات تواصل اجتماعي واسعة، ينشر عليها كماً هائلاً من المعلومات يومياً، حتى تحول اليوم إلى أقوى حزب في ألمانيا على وسائل التواصل مجتمعة.
هذه النتيجة توصلت إليها دارسة نشرها «معهد فريدريش إيبيرت»، في يونيو (حزيران) الماضي. وتقول إن الحزب اليميني المتطرف اعتمد لنشر رسائله على مقاربة تحاكي عواطف الناخبين، وتستهزئ بالخصوم.
ويقول مارتن فوش، أحد معدي الدراسة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الإعلام التقليدي «تجاهل الحزب في بداياته، وعندما كان يتحدث عنه كان للنقد». ويضيف أن هذا ما دفع بـ«البديل لألمانيا» لكي يطلق قنوات التواصل الإعلامي الخاصة به، «وقد نجح بتحقيق ذلك في السنوات الأخيرة، وباتت لديه آلاف الصفحات والمجموعات على (فيسبوك) وحده».
وفي موازاة الأحزاب التقليدية القديمة، التي تتمتع بتاريخ تنظيمي وهيكلي طويل، يقول فوش إن الحزب الفتي لم يكن يملك في بداياته «هيكلاً تأسيسياً، ولا مكاتب، ولا تمويلاً، ولا حتى أعضاء، وكان (فيسبوك) أساسياً لتطوير الحزب وتنظميه»، ويضيف: «كل من أراد أن يكون جزءاً من الحزب كان عليه أن يكون لديه حساب على (فيسبوك)، وهكذا تحول حزب (البديل لألمانيا) إلى أول حزب في البلاد على (فيسبوك)». ويشير فوش إلى أن الحزب اليميني لا يستخدم «فيسبوك»، «فقط كأداة تواصل، بل للتنظيم وتحريك قاعدته، وحتى التنسيق بين السياسيين».
هذا «التجاهل» من وسائل الإعلام التقليدية للحزب في بداياته دفعه لتطوير استراتيجية إعلامية شبيهة بتلك التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لناحية التهجم على الإعلام التقليدي، واتهامه بـ«الكذب»، وهو من الشعارات المفضلة لدى الجمهور اليميني الشعبوي في ألمانيا.
يبدو واضحاً أن منصات وسائل التوصل توفر للحزب الذي يُتهم بعض السياسيين فيه بتكرار شعارات نازية، مكاناً خالياً من أسئلة الصحافيين المستفزة، ما يجعلها المنصة الأكثر تفضيلاً للكثير من سياسي الحزب.
وغالباً ما يتجنب السياسيون المثيرون للجدل داخل الحزب، الصحافيين، ويفضلون التواصل مع ناخبيهم فقط عبر وسائل التواصل. فقبل أسبوعين مثلاً وافق يورغ هوكيه، سياسي في الحزب من ولاية تورنغن، على الإدلاء بمقابلة لقناة «زد دي إف» قبيل انتخابات محلية. ولكنه بعد دقائق من بدء المقابلة، طلب إعادتها لانزعاجه من أسئلة الصحافي الذي كان يسأله عن تصريحات أدلى بها شبيهة بتصريحات هتلر. وعندما رفض الصحافي، انسحب هوكيه من المقابلة، وهو يهدد الصحافي بمصير شبيه «بما لقيه غيره»، في إشارة إلى أنه قد يتم قتله.
وتؤكد دراسة أجراها موقع «ريسرش غيت» حول صعود اليمين المتطرف من خلال تحليل تفاعلاته على وسائل التواصل الاجتماعي، أن الحزب يعتمد على هذه الوسائل لنشر رسائله. ويرى معدو الدراسة أن «زعماء الحزب يلومون الإعلام التقليدي على تقديمهم بصورة سلبية، وحجب نواياهم، وبالتالي يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة بديلة، ونجحوا بالوصول إلى شريحة من المجتمع الألماني تشعر بخيبة أمل من قنوات التواصل التقليدية».
وبالفعل، تشير دراسة أخرى أعدها معهد «أوتو برينر»، إلى أن «متابعي حزب (البديل لألمانيا) ليست لديهم ثقة كبيرة بالإعلام التقليدي، ويفضلون اللجوء لمنصات التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات».
ولدى «حزب البديل»، على صفحته الرئيسية على «فيسبوك»، ما يقارب نصف مليون متتبع، وأعداد أقل على «تويتر» و«إنستغرام» و«يوتيوب». ولكن متابعيه على «فيسبوك» و«تويتر» يشاركون تغريدات الحزب أكثر من متتبعي صفحات الأحزاب التقليدية الأخرى، حسب دراسة «معهد فريدرش إيبرت». وعلى الرغم من أن دراسة أخرى نشرها موقع «نتزبوليتيك» كشفت عن حسابات مزيفة يستخدمها الحزب على «تويتر»، لكي يبدو حساب الحزب الرسمي أضخم مما هو عليه.
ومع ذلك، فإن مارتن فوش يرى في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب البديل»، «فهم لعبة الفضاء الإلكتروني أفضل من أي حزب آخر في ألمانيا، وباتت ثقافة ومفهوم (فيسبوك) جزءاً من الحمض النووي للحزب». ويضيف: «نشر تغريدات تتسبب بالخوف والغضب على وسائل التواصل الاجتماعي دائماً أنجح من نشر مواقف تحاكي المشاعر الإيجابية».
وبالفعل، قبل بضعة أسابيع، قرر «حزب البديل» أن ينضم لحوار البيئة، الذي بات يحتل مساحة إعلامية وسياسية واسعة في ألمانيا. وبما أن «سياسة» الحزب وآيديولوجيته تقومان على نكران تأثير الإنسان على التغير المناخي، فقد قرر أن يطلق حملته بالتهجم على نشطاء البيئة، مثل الناشطة السويدية المراهقة غريتا ثونبيرغ، وعلى «حزب الخضر»، حزب الدفاع عن البيئة، الذي بات ينافس «البديل لألمانيا» لناحية سرقة أصوات من الحزبين التقليديين.
وأعلن الحزب أن «الدفاع عن البيئة» بات من أولويات الحزب بعد ملف الهجرة. ولكن استراتيجيته تلك تقوم على اتهام «حزب الخضر»، «بتدمير غابات وأشجار ألمانيا» لصالح بناء حقول كهرباء هوائية، ويدعو في المقابل للاستثمار أكثر في مشروعات للطاقة النووية الآمنة.
يوهانس هيليه صاحب كتاب «بروباغندا 4 - كيف يصنع اليمين الشعبوي السياسة»، يقول في تعليق كتبه في صحيفة «تزايت»، تعليقاً على قرار «حزب البديل» ضم موضوع البيئة لأجندته: «هناك مقولة شعبية تقول إن هزيمة الشعبويين تبدأ بتجاهل الإعلام وكل الأحزاب الرئيسية لموضوعهم المفضل. ولهذا عقد الكثير الآمال على ذلك عندما بات التغير المناخي هو الموضوع الأول الذي يشغل السياسة والإعلام في ألمانيا، وحل مكان ملف الهجرة والجريمة. وعندما جاءت نتائج الانتخابات الأوروبية ضعيفة لـ(حزب البديل لألمانيا)، بدت هذه النظرية ناجحة». ويرى الكاتب أن تبني «البديل» لملف المناخ في أجندته سببه غياب ملفه المفضل عن النقاش، وضرورة دخوله النقاش الجاري حالياً. ويضيف أن الحزب انتقى اعتماد سياسته نفسها «المناهضة للسياسات التقليدية» بمعارضة سياسات المناخ الجارية حالياً، ولكنه في المقابل فتح جدلاً حول الأسباب والحلول المطروحة «وليس بشكل سطحي».
وكما غيَّر الحزب أولوياته، التي كانت الانسحاب من اليورو في بداية تأسيسه، إلى الهجرة، وهو ملف أوصله للبرلمان للمرة الأولى عام 2017، فهو اليوم يضيف الملف الأكثر شعبياً في ألمانيا على أمل كسب المزيد من الأصوات. ولكن رغم ذلك، يقول فوش إن الحزب يبدو بأنه «وصل إلى الحد الأقصى للتعبئة على (فيسبوك)، فأعداد المتابعين ركدت».
ولكنه رغم ذلك، فهو ما زال يسبق الأحزاب التقليدية الأخرى بلعبة التواصل الاجتماعي.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة