أحمد الفيتوري... الثقافة الليبية ما بعد الثورة مشهد متوتر... لغة وواقعاً

صاحب «ألف داحس وليلة غبراء» و13 كتاباً متنوعاً

أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري
TT

أحمد الفيتوري... الثقافة الليبية ما بعد الثورة مشهد متوتر... لغة وواقعاً

أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري

يبرز الروائي الناقد الليبي أحمد الفيتوري بين جيل من الكتاب الليبيين سعى ليحتل مكانته الإبداعية في زمن ساده التعسف ومصادرة الحريات، وأودى به وعدد من رفاقه وهم في مطلع شبابهم إلى المكوث في السجن لأكثر من عشر سنوات في عهد القذافي. ورغم هذا، قدم الفيتوري أكثر من ثلاثة عشر كتاباً متنوعاً في مجالات الإبداع، إضافة لكتابات تؤرخ لشخصيات ليبية مؤثرة، مسلطاً الضوء على مسيرتها الإبداعية والنضالية. حول هذه المسيرة، وقضايا الواقع الثقافي الليبي الراهن... هنا حوار معه:
> يقف الطفل والأب والجدة وبنغازي بتفاصيلها الجغرافية ومنطقة الصابري علامات أساسية في أعمالك الروائية. ماذا يعني أنك تمتح من ذكرياتك ومخزون خبرتك وتاريخك العائلي؟ وكيف يمكن أن يحول الكاتب مثل هذه الخبرات إلى عمل روائي دون أن ينزلق في كتابة ذاتية تبعده عن أجواء الإبداع الروائي؟
- منذ نظرية المثل الأفلاطونية، والمحاكاة الأرسطية، والعود الأبدي لنيتشه، حتى البئر الأوليّ عند فرويد، كلها تعيد إلى ما قبل الأحلام وعلاقتها بالذاكرة؛ الكل يشير إلى أن الفن، حتى وهو يلج المستقبل، يتذكر. لكن حتى الآن، ليس ثمة توكيد قاطع عن ماهية الفن، وعن مصادره، لكن القطعي أن الفنان المبدع لا يُنظر ولا ينطلق من نظرية ما، فالمبدع فطري بمعني ما، حتى لو شرب كل الفلسفات، وأكل كل العلوم، واشتهى ما تبقى.
من الناحية الشخصية السيروية، عقلي ناقد، ولم أستهدف الكتابة الفنية، فقد كنت ولعاً بالمبدع العالم. فالعلوم البحتة أيضاً منطلقها ولع ذاتي، لكن كنت أيضاً ابن جدتي، منطلقاً من أن الحياة سرد، وأن كل جملة ننطقها أو ندونها سرد بشكل ما، وأن الشعر كامن فينا بالضرورة، فالعالم غامض، والكون معتم رغم نجومه، والحياة سر. إن الذاكرة، كما الكتب والأحداث والقصص والتاريخ، كل يشكل السارد، ويمتح من البئر الأولى للتجربة. وينعكس هذا حتى في الكتابة المستقبلية، كالخيال العلمي، لكن المهم أن تكون خيوط العرائس في يد اللاعب، والكتابة كلعبة لها قوانينها الخاصة بكل لعبة مفردة، رغم كل النظريات الجاهزة، مما يعني أن لكل نص ذاكرة خاصة يمتح منها وينحتها. وهنا، أتذكر أنني كتبتُ ذات مرة جملة: «تتكئ جدتي وتحكي لي»، فكانت رواية «سريب». وفي أخرى، فكرت أن الأب شخصية مظلومة، فكانت رواية «ألف داحس وليلة غبراء». وفي أخرى، التقيت فتاة وحيدة، وكنت مريضاً، فكانت «بيض النساء». وأحببت امرأة، فأردت أن أكتب لها رسائل، فكانت شعراً، وكان ديوان «قصيدة حب متأبية».
> ثمة منحى أسطوري في روايتك «سريب» يتغلغل في المتن، وينساب أمام عين الراوي أو السارد الطفل... لماذا اللجوء إلى الأسطورة وأنت تكتب عن طفولتك؟
- الطفل يمثل البئر الأولى، والأسطورة تمثل الخيال، وثمة ترادف بينهما ليس إلا. لاحظ أن السارد قد يكون الراوي العليم أو الكاتب، لكن لنفترض أنه الطفل: الطفل حافظة طازجة، وأحياناً ميكانيكية، وفي غيرها خيالية، وحتى متطرفة؛ أي ذاكرة بكر... أذكر أن مخرجاً سينمائياً كبيراً، كان بطل فيلمه طفلاً، سئل كيف اختار هذا الممثل البارع، فأجاب دون تفكير: لكنه ليس ممثلاً، فالطفل لا يمثل. ومن ثم، حينما كتبت «سريب»، لم أنشغل بالعقل المشغول بالسببية، فكون الشخصية الرئيسة طفلاً كاف لانزياح السببية، فالمبرر الدرامي والمنطق يؤكدان أن الطفولة النبع لكل مبرر، لكل سياق، وأيضاً لكل خروج عن السياق. لذلك، الطفل في رحلته، ثم ولوجه معبد زيوس، في مدينة شحات (قورينا) الليبية، يلج الأسطورة كخيال سارح دون أي قيود، فالأسطورة تلخص طفولة البشر، وما أكثر الأسئلة الطفولية الكبرى التي تفاجئنا، ولا جواب عندنا.
> في «سريب»، كما في «ألف داحس وليلة غبراء»، تسيطر لغة شاعرة على أنساق الحكي، وتمتد إلى الأحداث، وتعطيها مذاقاً مختلفاً... هل كنت تريد إذن «أسطرة» الواقع من خلال هذه الاستراتيجية في الكتابة؟
- لكل نص استراتيجيته، لكن هناك أيضاً استراتيجية تخص الكاتب، وتجعل منه كاتباً له خصوصية مميزة. فمثلاً، عندي الكتابة النوعية كتابة شعرية في كل حال، فالشعرية من لزوم ما يلزم في الفن عموماً. ولذا، لو ميزنا نصاً نثرياً بالشعرية، فنحن في عين الصواب. ولعل قصيدة النثر، كمصطلح التباسي، تبين أن المسافة بين الشعر والنثر ضيقة، حتى أنها تُرى من خرم الإبرة. ومن هذا الالتباس الجميل أن الشعر يمثل التحسس العالي للغامض، فالأسطوري حيث تكمن الحياة البشرية، لذا الواقع الذي نرى في النص ينزاح عن المعيش، فكأن النصوص أساطير لا يألو ينتجها الكتاب. وأريد أن أنوه بأن جدات الحكايات مؤلفات أساطير تنزاح عند كل رَاوية، وفي كل رِواية، وهذا كان النبع الذي سقى مخيالي.
> كيف تدفع هذه اللغة الأحداث، بحيث يظل القارئ مرتبطاً بالعمل الروائي لا يفقد خيوطه حتى النهاية؟
- من الصعب الإجابة عن سؤال كهذا، لكن حيث الأسئلة تضعنا في ورشة حول تكنيك النص الإبداعي، فلنحاول التماس مع المسألة. في عصف ذهني، هناك نظريات أدبية متعددة عالجت مسألة تشابك علائق النص باللغة، لكنها في الأخير تبقي نظريات، مهما درسها الدارس فإنه ساعة يدخل من باب الكتابة يخرج من بابها. ففي المسألة تعقيد يخص النص، ما يفترض أنه نص مُخالف. في «سريب»، السارد الطفل والجدة، والمشترك بينهما لغة الحكاية، الخرافة والأساطير، لو أمسك الكاتب بالخيط الواهن هذا، يجعل المتلقي في حال المتلقي للشفهي؛ أي يفترض أن اللغة في حال كهذه قريبة للمشافهة، فيكون الكاتب كما الحكواتي الملزم بلغة سلسة، فيها خفة لا تحتمل، ونقلات مفاجئة غير مبررة لكن محتملة. في هذه الحال، يكون معين الكاتب صيغاً لغوية دارجة، وعلاقة واضحة بالتراث الشعبي وصوره وتراكيبه. ولعلّ هذا يبين أن النص هو الحكم، وأن الكاتب هو المدرك لذلك، العارف بأن لكل قارئ قراءة.
> هناك ميل لديك لكتابة تستند إلى «أنسنة» الأشياء، وهي في الغالب ذات منحى شعري أكثر منها روائي، ما يشير إلى أن الفيتوري الروائي بدا متخفياً وراء الشاعر... كيف ترى ذلك؟
- أنسنة الأشياء علامات بارزة وقارة في تراثنا الحضاري والإنساني، ولها دلالات ورموز محددة. وكسارد، تلبسني روح الطفل، فلا أجد مسافة بين الحائط والباب والنافذة، فعندي مفتاح استعارتهُ جدتي من ألف ليلة وليلة، ودستهُ في تلافيف دماغي وحشايا قلبي: «افتح يا سمسم». هذا المفتاح ليس من الشعر في شيء، وليس من النثر في شيء؛ إنه من البرزخ، ما بينهما يعكس السر المدفون في الفن، وهو صنو الدين وسر الحياة. قد لا ندرك ذلك بشكل مباشر، لكنه ما يحثنا على خلق أساطيرنا، وما يجعل كل ما تمسه يد البشر بشرياً.
> في كتابتك الروائية كثيراً ما تلجأ إلى تقنية الحلم أو النوم، أو الحالات الصوفية، لتمرر ما تريد أن تسربه من تفاصيل وأحداث تتجاوز الواقع، وهي مرتبطة غالباً باستراتيجيات تجاوزها ماركيز وباتريك زوسكند وهيرمان هيسه، وغيرهم ممن كتبوا أعمالاً تمزج الواقع بالأسطورة... هل تعتقد أن مثل هذه التقنيات يمكن أن تكون صالحة للقيام بدور في الكتابة السردية؟
- الكتابة السردية حياتنا، مسرودنا الحي، أي الحلم والنوم والتصوف معاً، والنص يستدعي هذا من الحياة، فيكون أكثر واقعية من الواقع، لذا احتج ماركيز على حشره في واقعية سحرية، مؤكداً أن سردياته واقعية، وأن السحر كامن في الواقع، وليس مضافاً إليه. لذا، لا أتصور أن كتابة سردية لديها مبرر لإزاحة ما في الحياة، إذا ما استدعى ذلك النص، وهذا عند السارد يبدو من لزوم ما يلزم، فاستخدام التقنية اللازمة للنص، والتفاصيل التي تحوك قماشته، تتيح للسارد اللاعب أحياناً حرية الحركة، حتى يبدو خارج السياق، فتفصيلة ما قد تبدو نصاً مفارقاً.
> لك كثير من المساهمات النقدية في تقديم الشعر والشعراء، أبرزها كتابك «قصيدة الجنود»، كما لك مساهمات بارزة في مجال الكتابة عن الشخصيات في كتابك «بورتريهات» و«نوري الكيخيا المناضل الباهي الليبي»، قدمت من خلالها كتاباً وفنانين وشعراء ومترجمين، من ليبيا وغيرها... كيف ترى هذا النوع من الكتابة بين إبداعاتك الروائية والشعرية؟
- الكتابة كتابة، نحن نقرأ مأدبة أفلاطون، ورسالة الغفران، كما نقرأ الهايكو الياباني، وشعر الهنود الحمر، والأساطير الأفريقية، وملحمة جلجامش؛ أي بمتعة النصوص الإبداعية. ومن هذا، أنا أكتب بمتعة أي كتابة أمارس، حتى أني بالحالة نفسها أقرأ وأكتب مقالات سياسية. وكثير من السير عمل إبداعي. ألم يحصل تشرشل على جائزة نوبل للآداب؟ وفي كتابي «بورتريهات»، أردت أن أفسح للنص النثري مساحة يستحقها، فالنثر إبداع غُيب في مغارة «ديوان الشعر»؛ ديوان النثر في أسفل أرفف المكتبة. كتابة يوسف القويري وصادق النيهوم كتابة نثرية طازجة سلسة عبقة بفن كما خمر معتق. وأما ما يخص الكتابة حول شخصيات روحها تشع بالحياة، فهذا يتم في قصائد، قد تتكثف فتغطي تفاصيل ونمنمات تعكس تضاريس بشرية قابلة للقراءة دائماً بروح جديدة.
> بوصفك ناقداً أيضاً، كيف يعمل وعي الناقد لديك وأنت تكتب إبداعاتك الروائية والشعرية؟ أم أنك تكتب في غيبة منه حتى تنتهي، ثم تعود إليه في مراحل متأخرة؟
- برأيي، كل نص إبداعي نص نقدي، فالمبدع يمارس النقد في أثناء كتابة النص، عند الدرجة الصفر للكتابة وفيما بعد، وعند كل قراءة. كما أن الناقد يتماهى وإبداعية النص، حتى يمكن القول إنه يصير المبدع نفسه. ولتعليل ذلكم بمثل توضيحي، هل نظرت فيما بين الشاعر إليوت والناقد إليوت، أو جبرا لإبراهيم جبرا؟ وأبو العلاء المعري ورسالة الغفران، أليست منزلة بين منزلتين: الإبداع والنقد؟ من هذا وبهذا أسترشد، أو بالأصح يعي اللاوعي.
> كيف ترى المشهد الإبداعي الروائي والشعري في ليبيا ما بعد القذافي؟ وما أبرز ملامحه وتجلياته في ما نتج من كتابات؟
- الكتابة ما بعد الربيع العربي تجلت في أسماء شباب جلهم من النساء. وفي كتاب أشرف على إعداده الشاعر الليبي الأميركي خالد مطاوع، كأنطولوجيا لكُتاب ما بعد ثورة فبراير (شباط)، وقدمتهُ بدراسة مطولة، كان مما قلته فيها: الكتابات، الشعرية والنثرية والسردية، ثمة عنوان لها يختزل كثيراً من موضوعاتها، واستعيره من عنوان إحداها «على أرضي حرب، في قلبي حب». واللغة التهكمية الساخرة تتناول الموت كما الحياة في جرأة تحطم التابو في اللغة والموضوع، وجل هذه الكتابات السردية موضوعها البلاد الليبية، باستثناء قصة واحدة تتناول حدثاً مهجرياً. وتبين القصص والنصوص أن جيل الكتاب، خصوصاً الشباب، عاشوا تجربة السفر الطويل والمهجر، وهذا ملمح جديد في الإبداع الليبي، لأن الكتاب الليبيين جلهم فيما سبق عاشوا في البلاد، ومن خرج منهم كان في عمر متقدم.
إن التنوع اللافت في هذه الكتابات أنها حققت توازناً بين الشعر والسرد من جهة، كما جمعت بين مُعالجات مختلفة، وليست متباينة، فالنفس واحد في جل الكتابات، وروح التوتر، والعلاقة المضطربة مع اللغة، ومع الواقع، تسم هذه الكتابة التي تنثر الشعرية، وتلعب على إيقاع السردية الشعرية، دون الاكتراث بالتجنيس والفروق بين السردية والشعرية، أو بين الشعر والنثر، حيث أصبحت تتجاور في النص الواحد بنباهة وإصرار.
ومن ثم، فالكتابات الشعرية والسردية لم تعكس الواقع، بل قدمت واقعاً فنياً شائكاً مرتبكاً، ومنها كتابات فنتازيا واقعية لا تشطح في الخيال، لكن الزاوية الملتقطة فنتازيا في الواقع، تنبئ بأن الواقع أمست شطحاته أكثر غرائبية من خيال الكتاب. هذه الكتابات السردية والشعرية تتميز عن الكتابة الليبية السابقة بأنها كُتبت في زمن الثورة، والحرب الأهلية الناتجة عنها، وهي حرب مدن وشوارع، وقودها جيل الكتاب، من أخوتهم وجيرانهم وزملائهم وأصدقائهم وأحبتهم، لذا تهجس بالفجيعة في وقت القتل المجاني والصدفة والعبث.



«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
TT

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)

ماذا لو أزحنا الإنسان عن مركز اللوحة الفنية، وأفسحنا مكانه لفراغ واسع تتوزع حوله أشكال وخطوط وعناصر تبدو للوهلة الأولى هامشية؟ وإلى أي مدى يمكن لهذا التحول أن يعكس واقع مجتمعات يتقدّم فيها حضور الجماعة على إرادة الفرد واختياراته؟

من هذا السؤال يبدأ الفنان التشكيلي المصري محمد الجنوبي تجربته في معرضه «وهم المركز... التحرك أسفل اللوحة»، المقام حتى 12 نوفمبر (تشرين الثاني) في «مركز الجزيرة للفنون» بالقاهرة، مستكشفاً عبر التكوينات البصرية علاقة الفرد بالجماعة، وما تفرضه من قيود على حريته واستقلاله، في تطلع إلى مجتمع يمتلك فيه الإنسان حق الاختيار وتقرير مصيره؛ حيث ينقل الجنوبي إلى مساحة التصوير تساؤلات تتعلق بموقع الفرد داخل المجتمع، وهيمنة الجماعة على اختياراته، وما يترتب على ذلك من تراجع استقلاليته وحريته.

وعلى امتداد نحو 80 عملاً، موزعة على 3 قاعات تحمل أسماء الفنانين أحمد صبري وراغب عياد والحسين فوزي، بالمركز، يقدم الجنوبي مشروعاً تشكيلياً فلسفياً عمل عليه طوال 4 سنوات، محاولاً من خلاله إعادة النظر في مفهوم المركز والهامش، انطلاقاً من قراءة ثقافية وتاريخية لطبيعة المجتمعات الشرقية، وما يميزها من حضور قوي للعائلة والعشيرة والجماعة في تشكيل حياة الفرد.

ويقول الجنوبي لـ«الشرق الأوسط»: «الأساس في الفن أن الإنسان يكون مركز اللوحة، لكنني أزحته من هذا الموقع ووضعته في الهامش، وتركت المركز فراغاً لونياً أو خطوطاً وأشكالاً هندسية».

يغيب الإنسان عن المساحة الرئيسية في رمز لهيمنة الجماعة (الشرق الأوسط)

ويتابع: «أردت أن أتأمل الفكرة من منظور ثقافتنا؛ فالإنسان الفرد لم يكن دائماً مركز الحياة في مجتمعاتنا، إذ لعبت العائلة والعشيرة والجماعة الدور الأكبر في تشكيل وجوده وفكره، فيما اتخذ الإنسان موقع المركز في الثقافة الغربية، قبل أن تبدأ الحداثة وما بعدها مساءلة هذه الفكرة».

ويضيف الجنوبي: «أنا مع أن يكون الإنسان في المركز، لكنني أريد أن يصل إلى هذا الموقع فعلياً، وأن يمتلك حقوقه وحرياته واستقلاله؛ فالمسألة تتعلق بمدى قدرته على اتخاذ قراراته، واختيار حياته ومستقبله واتجاهاته الفكرية والثقافية. وإلى أن يتحقق ذلك، سأظل أرسمه في الهامش أو أسفل اللوحة».

بهذا المعنى يتخذ عنوان المعرض دلالته الأساسية؛ فـ«وهم المركز» يحيل إلى تصور ثقافي واجتماعي يمنح الجماعة سلطة واسعة على الفرد الذي تظل استقلاليته محدودة.

ويؤكد الفنان أن انشغاله بالهامش لا ينطلق من مقاربة سياسية، وإنما من محاولة فهم جذور هذه العلاقة في التاريخ والثقافة، وكيف يمكن لهيمنة الجماعة أن تحد من ظهور الشخصيات المستقلة وأصحاب الرؤى المختلفة والمبدعة.

ولا يقتصر حضور الهامش على بنية اللوحة، وإنما يمتد إلى الشخصيات والحكايات التي يستحضرها الفنان. فتظهر المرأة في عدد من الأعمال باعتبارها موضوعاً لحكايات يرويها الشريط السفلي، في محاولة لإبراز أدوارها وما تعرضت له ـ رغم ذلك ـ لتهميش داخل بعض الأنساق الاجتماعية والثقافية، وهو ما يتيح قراءة إضافية للعلاقة بين الحضور الفعلي للشخصيات ومكانتها في الذاكرة الجمعية.

تفاصيل لونية وهندسية من تجربة محمد الجنوبي في معرض «وهم المركز» (الشرق الأوسط)

وتحضر الطبيعة بدورها في بعض التكوينات، من خلال نباتات ضخمة تتجاوز أحجامها المعتادة، ويضعها الفنان في علاقة متوترة مع البيئة العمرانية.

ويشرح أن هذه النباتات تبدو في حالة غضب من العشوائيات التي تزاحم المكان وتحتل مساحاته، في إشارة إلى اختلال التوازن بين الطبيعة، وما يطرأ على البيئة من تغيرات.

أما الأشكال الهندسية والتجريدية، فتؤدي دوراً أساسياً في ضبط التكوين، خصوصاً مع اتساع المساحات الخالية وتراجع العناصر البشرية.

ويوضح الجنوبي أن طبيعة المشروع فرضت عليه البحث عن حلول بصرية تحفظ توازن اللوحة؛ بحيث لا يبتلع الفراغ بقية عناصرها، ولا تفقد الأشكال المحدودة قدرتها على بناء إيقاع متماسك.

وتكشف الألوان عن صلة واضحة بذاكرة المكان الذي نشأ فيه الفنان بأسوان؛ إذ تتقدم الدرجات الترابية والبنيات الداكنة، إلى جانب الأصفر ولمسات محدودة من الأخضر.

الفنان محمد الجنوبي داخل معرضه (الشرق الأوسط)

ويقول: إن «طبيعة الجنوب، بما تحمله من صحراء وجبال وبيئة خشنة، تركت أثرها في اختياراتي اللونية، كما انعكست في بعض المفردات التي أستحضرها».

ومع ذلك لا يعد الفنان أن المعرض يُمثل نهاية مشروعه؛ فهو لا يزال يعمل على تطوير التجربة، ويتركها مفتوحة لمزيد من البحث والتجريب.


تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
TT

تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)

تسلّل تمساح صغير الحجم إلى مخبز في ولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، ممّا أثار حالة من الهلع بين العاملين والزبائن.

ووفق صحيفة «نيويورك بوست»، دخل تمساح يبلغ طوله نحو 3 أقدام (91 سنتيمتراً)، مخبز «باجل دوك إكسبريس» بمدينة ساوثبورت عبر باب خلفي كان مفتوحاً.

ورصدته كاميرات المراقبة وهو يتجوَّل في غرفة التخزين، ثم يمرّ بالمطبخ وصولاً إلى المنطقة الأمامية للمخبز، قبل أن يستقرّ خلف منضدة البيع. وما إن لمح مالك المخبز جيسي دريسكول الزائر غير المتوقَّع، حتى انتفض مذعوراً وهرع إلى الخارج، ليعود سريعاً مصطحباً رجلاً آخر ليريه المشهد الصادم.

وقال دريسكول لشبكة «دبليو دبليو إيه واي» الإخبارية: «إنه أمر خارج عن المألوف تماماً بالنسبة إلى مخبز. يمكنك أن تتوقَّع رؤية كثير من الأشياء، مثل دخول الزبائن أو الأصدقاء لإلقاء التحية، لكنني لم أتخيّل طوال حياتي أن أرى تمساحاً هنا، ولو بعد مليون عام».

زائرٌ بأنياب لا تصلح لابتسامة الصباح (فيسبوك)

وأوضح مالك المخبز أنه سارع إلى الاتصال برقم الطوارئ، فتدخّلت شرطة ساوثبورت بالتعاون مع خدمات حماية الحيوانات، ونجحت في الإمساك بالتمساح ونقله بأمان إلى مكان آخر، من دون وقوع إصابات.

ونشرت شرطة ساوثبورت صوراً للزاحف الصغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة بتعليق طريف عن وجود تمساح في الممر الأول.

وأشار دريسكول إلى أنه كان منشغلاً بتركيب فرن جديد عندما تسلّل هذا الدخيل المغطَّى بالحراشف إلى المخبز.

بدوره، علّق المخبز مازحاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن أخبار المخبوزات الطازجة التي يقدّمها وصلت، على ما يبدو، إلى المستنقعات، مضيفاً أنّ الحادثة انتهت من دون إصابات، وإنما بزيارة زبون غير مألوف.

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «الغارديان» أنّ لجنة موارد الحياة البرّية في كارولاينا الشمالية سبق أن حذّرت السكان والزائرين في المناطق الساحلية من إطعام التماسيح أو الاقتراب منها، في ظل ازدياد اللقاءات بينها وبين البشر.

وأوضح عالم الأحياء جون هنري هارلسون أنّ إطعام التماسيح يجعلها تربط وجود البشر بالحصول على الطعام، وقد يفقدها خوفها الطبيعي منهم، ممّا يزيد احتمالات وقوع مواجهات خطرة. وتوصي السلطات بعدم محاولة الإمساك بهذه الحيوانات أو التعامل معها، وتوخّي الحذر قرب المسطحات المائية.


سرّ نجاح الأطفال المتفوقين... قناعة ينبغي غرسها فيهم منذ الصغر

الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)
الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)
TT

سرّ نجاح الأطفال المتفوقين... قناعة ينبغي غرسها فيهم منذ الصغر

الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)
الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)

مع عودة الطلاب إلى المدارس هذا الخريف، يشعر كثير من الآباء برغبة في تقديم المزيد لأبنائهم، سواء من خلال الاستعانة بمعلم خصوصي، أو إضافة حصة أخرى في الرياضيات، أو تسجيلهم في نشاط إضافي بعد انتهاء اليوم الدراسي، وذلك «من باب الاحتياط» فحسب.

وتنبع هذه الرغبة من المحبة والحرص على توفير أفضل الفرص للأبناء، لكن هذه الفرص قد تتحول، في مرحلة ما، مصدراً للضغط عليهم.

وخلال ست سنوات من البحث شملت مئات الطلاب المتفوقين، توصلت جينيفر بريهيني والاس، وهي صحافية ومؤلفة حائزة جوائز، إلى أن المحرك الحقيقي للنجاح على المدى الطويل يتمثل في إيمان الفرد بأن قيمته تنبع من جوهره، ومن قدرته على إحداث تأثير إيجابي في العالم، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وقالت والاس: «أطلق على هذا المفهوم اسم عقلية الأهمية (Mattering Mindset)».

«القبول المشروط»

يشعر كثير من الشباب اليوم بدافع تحركه المخاوف؛ إذ يخشون أن يؤدي إخفاقهم أو عجزهم عن تلبية التوقعات إلى تراجع ما يحظون به من محبة أو قبول، وكأن قيمتهم الذاتية مرهونة بمستوى أدائهم.

وفي عام 2021، تعاونت والاس مع باحث من جامعة بايلور الأميركية لدراسة تأثير «ثقافة الإنجاز» في الشباب. وكشف استطلاع أجرياه، وشمل نحو 500 طالب، عن نتيجة لافتة؛ إذ يعتقد أكثر من نصف المشاركين أن حب والديهم لهم يتغير تبعاً لمستوى أدائهم.

ويطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم «القبول المشروط» (Conditional Regard)، أي أن محبة الوالدين وقبولهما يصبحان مرتبطين بتلبية الطفل توقعات معينة، سواء كانت دراسية أو رياضية أو سلوكية.

وقد ينشأ لدى الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» خوف شديد من ارتكاب الأخطاء، إلى درجة أن أي تعثر بسيط قد يهز إحساسهم بقيمتهم الذاتية.

ويمكن أن يؤدي هذا النمط إلى تقويض تقديرهم لأنفسهم، وتسريع تعرضهم للاحتراق النفسي، وإشعارهم بفقدان الغاية في الحياة بمجرد توقف الإشادة والتقدير، فضلاً عن جعلهم أكثر عرضة للاكتئاب عند مواجهة الإخفاقات.

اغرس في طفلك منذ الصغر قناعة بأن له قيمة جوهرية

من المهم مساعدة الأطفال، منذ سنواتهم الأولى، على ترسيخ قناعة بأن لهم «قيمة جوهرية»، وهي الفكرة التي تقوم عليها «عقلية الأهمية» (Mattering Mindset).

فعندما يدرك الأطفال أنهم يحظون بالتقدير بغض النظر عن النتائج التي يحققونها، يصبحون أكثر استعداداً لخوض تجارب تنطوي على مخاطر محسوبة، والتعلم من أخطائهم، وبذل مزيد من الجهد، والتعافي بسرعة أكبر من الإخفاقات.

1. تعمّق في معرفة طفلك وفهم شخصيته

احرص على فهم شخصية طفلك بعمق، وكأنك تسعى للحصول على درجة الدكتوراه في معرفته.

ما الذي يثير حماسه؟ وما التحديات التي يخفيها عن الآخرين؟ وما نقاط القوة التي يمتلكها وقد لا يلاحظها المحيطون به؟ فكلما ازداد فهمنا لسماته الفريدة ومواهبه، شعر بأننا نراه على حقيقته ونقدّره كما هو.

ويُعدّ الشعور بأن الآخرين يفهمونك ويحبونك مصدراً قوياً للدافعية.

2. ذكّره بأن قيمته ثابتة ولا تقبل المساومة

عندما يتعرض طفلك لإخفاق، كأن يُستبعد من فريق رياضي أو يحصل على درجة متدنية في اختبار، ذكّره بأن قيمته الذاتية ثابتة، ولا تخضع للنقاش أو التشكيك.

وتستخدم إحدى الأمهات اللواتي قابلتهن والاس طريقة بسيطة لتوضيح هذه الفكرة؛ إذ ترفع ورقة نقدية من فئة العشرين دولاراً، وتسأل طفلها: «كم تبلغ قيمتها؟».

ثم تجعّد الورقة النقدية وتغمرها في الماء، قبل أن تعيد طرح السؤال: «كم تبلغ قيمتها الآن؟».

وتظل الإجابة عشرين دولاراً؛ فمهما تعرضت الورقة لظروف قاسية، تبقى قيمتها ثابتة، وكذلك قيمة الطفل، مهما واجه من إخفاقات أو صعوبات.

3. تعامل مع الصعوبات بفضول لا بغضب

في نهاية المطاف، يرغب جميع الأطفال في تحقيق النجاح. وإذا كان طفلك لا يحقق التقدم المتوقع، فتراجع خطوة إلى الوراء، وحاول فهم الأسباب.

هل يعاني صعوبة في التعلم لم تُشخّص بعد؟ أم يواجه مشكلة في علاقاته الاجتماعية؟ أم أن أسلوب التدريس لا يتناسب مع احتياجاته؟

فهذه التحديات ليست سوى مؤشرات تستدعي الفهم والاستكشاف.

وعندما نعبّر عن غضبنا تجاه أداء الطفل، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف الرابطة التي تجمعنا به.

أما التعامل بفضول ورغبة في الفهم، فيساعد على الحفاظ على هذه العلاقة، ويفتح المجال أمام طاقة إيجابية وبنّاءة.

4. احتفِ بالأثر الذي يتركه طفلك في الآخرين

احرص على إخبار طفلك عندما تُحدِث أفعاله فرقاً في حياة الآخرين، سواء من خلال مواساة أحد إخوته، أو إدخال البهجة على يوم صديق، أو ابتكار حل ذكي لمشكلة ما.

وخصص وقتاً لتذكيره بأن قيمته تتجاوز بكثير حدود إنجازاته ونتائجه.