أحمد الفيتوري... الثقافة الليبية ما بعد الثورة مشهد متوتر... لغة وواقعاً

صاحب «ألف داحس وليلة غبراء» و13 كتاباً متنوعاً

أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري
TT

أحمد الفيتوري... الثقافة الليبية ما بعد الثورة مشهد متوتر... لغة وواقعاً

أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري

يبرز الروائي الناقد الليبي أحمد الفيتوري بين جيل من الكتاب الليبيين سعى ليحتل مكانته الإبداعية في زمن ساده التعسف ومصادرة الحريات، وأودى به وعدد من رفاقه وهم في مطلع شبابهم إلى المكوث في السجن لأكثر من عشر سنوات في عهد القذافي. ورغم هذا، قدم الفيتوري أكثر من ثلاثة عشر كتاباً متنوعاً في مجالات الإبداع، إضافة لكتابات تؤرخ لشخصيات ليبية مؤثرة، مسلطاً الضوء على مسيرتها الإبداعية والنضالية. حول هذه المسيرة، وقضايا الواقع الثقافي الليبي الراهن... هنا حوار معه:
> يقف الطفل والأب والجدة وبنغازي بتفاصيلها الجغرافية ومنطقة الصابري علامات أساسية في أعمالك الروائية. ماذا يعني أنك تمتح من ذكرياتك ومخزون خبرتك وتاريخك العائلي؟ وكيف يمكن أن يحول الكاتب مثل هذه الخبرات إلى عمل روائي دون أن ينزلق في كتابة ذاتية تبعده عن أجواء الإبداع الروائي؟
- منذ نظرية المثل الأفلاطونية، والمحاكاة الأرسطية، والعود الأبدي لنيتشه، حتى البئر الأوليّ عند فرويد، كلها تعيد إلى ما قبل الأحلام وعلاقتها بالذاكرة؛ الكل يشير إلى أن الفن، حتى وهو يلج المستقبل، يتذكر. لكن حتى الآن، ليس ثمة توكيد قاطع عن ماهية الفن، وعن مصادره، لكن القطعي أن الفنان المبدع لا يُنظر ولا ينطلق من نظرية ما، فالمبدع فطري بمعني ما، حتى لو شرب كل الفلسفات، وأكل كل العلوم، واشتهى ما تبقى.
من الناحية الشخصية السيروية، عقلي ناقد، ولم أستهدف الكتابة الفنية، فقد كنت ولعاً بالمبدع العالم. فالعلوم البحتة أيضاً منطلقها ولع ذاتي، لكن كنت أيضاً ابن جدتي، منطلقاً من أن الحياة سرد، وأن كل جملة ننطقها أو ندونها سرد بشكل ما، وأن الشعر كامن فينا بالضرورة، فالعالم غامض، والكون معتم رغم نجومه، والحياة سر. إن الذاكرة، كما الكتب والأحداث والقصص والتاريخ، كل يشكل السارد، ويمتح من البئر الأولى للتجربة. وينعكس هذا حتى في الكتابة المستقبلية، كالخيال العلمي، لكن المهم أن تكون خيوط العرائس في يد اللاعب، والكتابة كلعبة لها قوانينها الخاصة بكل لعبة مفردة، رغم كل النظريات الجاهزة، مما يعني أن لكل نص ذاكرة خاصة يمتح منها وينحتها. وهنا، أتذكر أنني كتبتُ ذات مرة جملة: «تتكئ جدتي وتحكي لي»، فكانت رواية «سريب». وفي أخرى، فكرت أن الأب شخصية مظلومة، فكانت رواية «ألف داحس وليلة غبراء». وفي أخرى، التقيت فتاة وحيدة، وكنت مريضاً، فكانت «بيض النساء». وأحببت امرأة، فأردت أن أكتب لها رسائل، فكانت شعراً، وكان ديوان «قصيدة حب متأبية».
> ثمة منحى أسطوري في روايتك «سريب» يتغلغل في المتن، وينساب أمام عين الراوي أو السارد الطفل... لماذا اللجوء إلى الأسطورة وأنت تكتب عن طفولتك؟
- الطفل يمثل البئر الأولى، والأسطورة تمثل الخيال، وثمة ترادف بينهما ليس إلا. لاحظ أن السارد قد يكون الراوي العليم أو الكاتب، لكن لنفترض أنه الطفل: الطفل حافظة طازجة، وأحياناً ميكانيكية، وفي غيرها خيالية، وحتى متطرفة؛ أي ذاكرة بكر... أذكر أن مخرجاً سينمائياً كبيراً، كان بطل فيلمه طفلاً، سئل كيف اختار هذا الممثل البارع، فأجاب دون تفكير: لكنه ليس ممثلاً، فالطفل لا يمثل. ومن ثم، حينما كتبت «سريب»، لم أنشغل بالعقل المشغول بالسببية، فكون الشخصية الرئيسة طفلاً كاف لانزياح السببية، فالمبرر الدرامي والمنطق يؤكدان أن الطفولة النبع لكل مبرر، لكل سياق، وأيضاً لكل خروج عن السياق. لذلك، الطفل في رحلته، ثم ولوجه معبد زيوس، في مدينة شحات (قورينا) الليبية، يلج الأسطورة كخيال سارح دون أي قيود، فالأسطورة تلخص طفولة البشر، وما أكثر الأسئلة الطفولية الكبرى التي تفاجئنا، ولا جواب عندنا.
> في «سريب»، كما في «ألف داحس وليلة غبراء»، تسيطر لغة شاعرة على أنساق الحكي، وتمتد إلى الأحداث، وتعطيها مذاقاً مختلفاً... هل كنت تريد إذن «أسطرة» الواقع من خلال هذه الاستراتيجية في الكتابة؟
- لكل نص استراتيجيته، لكن هناك أيضاً استراتيجية تخص الكاتب، وتجعل منه كاتباً له خصوصية مميزة. فمثلاً، عندي الكتابة النوعية كتابة شعرية في كل حال، فالشعرية من لزوم ما يلزم في الفن عموماً. ولذا، لو ميزنا نصاً نثرياً بالشعرية، فنحن في عين الصواب. ولعل قصيدة النثر، كمصطلح التباسي، تبين أن المسافة بين الشعر والنثر ضيقة، حتى أنها تُرى من خرم الإبرة. ومن هذا الالتباس الجميل أن الشعر يمثل التحسس العالي للغامض، فالأسطوري حيث تكمن الحياة البشرية، لذا الواقع الذي نرى في النص ينزاح عن المعيش، فكأن النصوص أساطير لا يألو ينتجها الكتاب. وأريد أن أنوه بأن جدات الحكايات مؤلفات أساطير تنزاح عند كل رَاوية، وفي كل رِواية، وهذا كان النبع الذي سقى مخيالي.
> كيف تدفع هذه اللغة الأحداث، بحيث يظل القارئ مرتبطاً بالعمل الروائي لا يفقد خيوطه حتى النهاية؟
- من الصعب الإجابة عن سؤال كهذا، لكن حيث الأسئلة تضعنا في ورشة حول تكنيك النص الإبداعي، فلنحاول التماس مع المسألة. في عصف ذهني، هناك نظريات أدبية متعددة عالجت مسألة تشابك علائق النص باللغة، لكنها في الأخير تبقي نظريات، مهما درسها الدارس فإنه ساعة يدخل من باب الكتابة يخرج من بابها. ففي المسألة تعقيد يخص النص، ما يفترض أنه نص مُخالف. في «سريب»، السارد الطفل والجدة، والمشترك بينهما لغة الحكاية، الخرافة والأساطير، لو أمسك الكاتب بالخيط الواهن هذا، يجعل المتلقي في حال المتلقي للشفهي؛ أي يفترض أن اللغة في حال كهذه قريبة للمشافهة، فيكون الكاتب كما الحكواتي الملزم بلغة سلسة، فيها خفة لا تحتمل، ونقلات مفاجئة غير مبررة لكن محتملة. في هذه الحال، يكون معين الكاتب صيغاً لغوية دارجة، وعلاقة واضحة بالتراث الشعبي وصوره وتراكيبه. ولعلّ هذا يبين أن النص هو الحكم، وأن الكاتب هو المدرك لذلك، العارف بأن لكل قارئ قراءة.
> هناك ميل لديك لكتابة تستند إلى «أنسنة» الأشياء، وهي في الغالب ذات منحى شعري أكثر منها روائي، ما يشير إلى أن الفيتوري الروائي بدا متخفياً وراء الشاعر... كيف ترى ذلك؟
- أنسنة الأشياء علامات بارزة وقارة في تراثنا الحضاري والإنساني، ولها دلالات ورموز محددة. وكسارد، تلبسني روح الطفل، فلا أجد مسافة بين الحائط والباب والنافذة، فعندي مفتاح استعارتهُ جدتي من ألف ليلة وليلة، ودستهُ في تلافيف دماغي وحشايا قلبي: «افتح يا سمسم». هذا المفتاح ليس من الشعر في شيء، وليس من النثر في شيء؛ إنه من البرزخ، ما بينهما يعكس السر المدفون في الفن، وهو صنو الدين وسر الحياة. قد لا ندرك ذلك بشكل مباشر، لكنه ما يحثنا على خلق أساطيرنا، وما يجعل كل ما تمسه يد البشر بشرياً.
> في كتابتك الروائية كثيراً ما تلجأ إلى تقنية الحلم أو النوم، أو الحالات الصوفية، لتمرر ما تريد أن تسربه من تفاصيل وأحداث تتجاوز الواقع، وهي مرتبطة غالباً باستراتيجيات تجاوزها ماركيز وباتريك زوسكند وهيرمان هيسه، وغيرهم ممن كتبوا أعمالاً تمزج الواقع بالأسطورة... هل تعتقد أن مثل هذه التقنيات يمكن أن تكون صالحة للقيام بدور في الكتابة السردية؟
- الكتابة السردية حياتنا، مسرودنا الحي، أي الحلم والنوم والتصوف معاً، والنص يستدعي هذا من الحياة، فيكون أكثر واقعية من الواقع، لذا احتج ماركيز على حشره في واقعية سحرية، مؤكداً أن سردياته واقعية، وأن السحر كامن في الواقع، وليس مضافاً إليه. لذا، لا أتصور أن كتابة سردية لديها مبرر لإزاحة ما في الحياة، إذا ما استدعى ذلك النص، وهذا عند السارد يبدو من لزوم ما يلزم، فاستخدام التقنية اللازمة للنص، والتفاصيل التي تحوك قماشته، تتيح للسارد اللاعب أحياناً حرية الحركة، حتى يبدو خارج السياق، فتفصيلة ما قد تبدو نصاً مفارقاً.
> لك كثير من المساهمات النقدية في تقديم الشعر والشعراء، أبرزها كتابك «قصيدة الجنود»، كما لك مساهمات بارزة في مجال الكتابة عن الشخصيات في كتابك «بورتريهات» و«نوري الكيخيا المناضل الباهي الليبي»، قدمت من خلالها كتاباً وفنانين وشعراء ومترجمين، من ليبيا وغيرها... كيف ترى هذا النوع من الكتابة بين إبداعاتك الروائية والشعرية؟
- الكتابة كتابة، نحن نقرأ مأدبة أفلاطون، ورسالة الغفران، كما نقرأ الهايكو الياباني، وشعر الهنود الحمر، والأساطير الأفريقية، وملحمة جلجامش؛ أي بمتعة النصوص الإبداعية. ومن هذا، أنا أكتب بمتعة أي كتابة أمارس، حتى أني بالحالة نفسها أقرأ وأكتب مقالات سياسية. وكثير من السير عمل إبداعي. ألم يحصل تشرشل على جائزة نوبل للآداب؟ وفي كتابي «بورتريهات»، أردت أن أفسح للنص النثري مساحة يستحقها، فالنثر إبداع غُيب في مغارة «ديوان الشعر»؛ ديوان النثر في أسفل أرفف المكتبة. كتابة يوسف القويري وصادق النيهوم كتابة نثرية طازجة سلسة عبقة بفن كما خمر معتق. وأما ما يخص الكتابة حول شخصيات روحها تشع بالحياة، فهذا يتم في قصائد، قد تتكثف فتغطي تفاصيل ونمنمات تعكس تضاريس بشرية قابلة للقراءة دائماً بروح جديدة.
> بوصفك ناقداً أيضاً، كيف يعمل وعي الناقد لديك وأنت تكتب إبداعاتك الروائية والشعرية؟ أم أنك تكتب في غيبة منه حتى تنتهي، ثم تعود إليه في مراحل متأخرة؟
- برأيي، كل نص إبداعي نص نقدي، فالمبدع يمارس النقد في أثناء كتابة النص، عند الدرجة الصفر للكتابة وفيما بعد، وعند كل قراءة. كما أن الناقد يتماهى وإبداعية النص، حتى يمكن القول إنه يصير المبدع نفسه. ولتعليل ذلكم بمثل توضيحي، هل نظرت فيما بين الشاعر إليوت والناقد إليوت، أو جبرا لإبراهيم جبرا؟ وأبو العلاء المعري ورسالة الغفران، أليست منزلة بين منزلتين: الإبداع والنقد؟ من هذا وبهذا أسترشد، أو بالأصح يعي اللاوعي.
> كيف ترى المشهد الإبداعي الروائي والشعري في ليبيا ما بعد القذافي؟ وما أبرز ملامحه وتجلياته في ما نتج من كتابات؟
- الكتابة ما بعد الربيع العربي تجلت في أسماء شباب جلهم من النساء. وفي كتاب أشرف على إعداده الشاعر الليبي الأميركي خالد مطاوع، كأنطولوجيا لكُتاب ما بعد ثورة فبراير (شباط)، وقدمتهُ بدراسة مطولة، كان مما قلته فيها: الكتابات، الشعرية والنثرية والسردية، ثمة عنوان لها يختزل كثيراً من موضوعاتها، واستعيره من عنوان إحداها «على أرضي حرب، في قلبي حب». واللغة التهكمية الساخرة تتناول الموت كما الحياة في جرأة تحطم التابو في اللغة والموضوع، وجل هذه الكتابات السردية موضوعها البلاد الليبية، باستثناء قصة واحدة تتناول حدثاً مهجرياً. وتبين القصص والنصوص أن جيل الكتاب، خصوصاً الشباب، عاشوا تجربة السفر الطويل والمهجر، وهذا ملمح جديد في الإبداع الليبي، لأن الكتاب الليبيين جلهم فيما سبق عاشوا في البلاد، ومن خرج منهم كان في عمر متقدم.
إن التنوع اللافت في هذه الكتابات أنها حققت توازناً بين الشعر والسرد من جهة، كما جمعت بين مُعالجات مختلفة، وليست متباينة، فالنفس واحد في جل الكتابات، وروح التوتر، والعلاقة المضطربة مع اللغة، ومع الواقع، تسم هذه الكتابة التي تنثر الشعرية، وتلعب على إيقاع السردية الشعرية، دون الاكتراث بالتجنيس والفروق بين السردية والشعرية، أو بين الشعر والنثر، حيث أصبحت تتجاور في النص الواحد بنباهة وإصرار.
ومن ثم، فالكتابات الشعرية والسردية لم تعكس الواقع، بل قدمت واقعاً فنياً شائكاً مرتبكاً، ومنها كتابات فنتازيا واقعية لا تشطح في الخيال، لكن الزاوية الملتقطة فنتازيا في الواقع، تنبئ بأن الواقع أمست شطحاته أكثر غرائبية من خيال الكتاب. هذه الكتابات السردية والشعرية تتميز عن الكتابة الليبية السابقة بأنها كُتبت في زمن الثورة، والحرب الأهلية الناتجة عنها، وهي حرب مدن وشوارع، وقودها جيل الكتاب، من أخوتهم وجيرانهم وزملائهم وأصدقائهم وأحبتهم، لذا تهجس بالفجيعة في وقت القتل المجاني والصدفة والعبث.



قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.


راحة بين الحلقات... كيف تساعد مشاهدة مسلسلاتك القديمة على تحسين صحتك النفسية؟

أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
TT

راحة بين الحلقات... كيف تساعد مشاهدة مسلسلاتك القديمة على تحسين صحتك النفسية؟

أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
أبطال مسلسل «friends» (رويترز)

تخيل أنك مررت بيوم طويل وشاق. شعرت بأن العمل لا نهاية له، وكانت حركة المرور كالكابوس، وعندما تصل أخيراً إلى المنزل، كل ما ترغب فيه هو مشاهدة شيء ترفيهي بلا تفكير. فتجلس على الأريكة، وتشغل مسلسل «Friends» أو «house» أو «لن أعيش في جلباب أبي». فجأة تشعر بخفة الحياة وسعادة أكبر. ربما شاهدت تلك المسلسلات ألف مرة من قبل، ولكن لا يهم.

على نحو مفاجئ، قد يكون لهذه العادة فوائد فعلية على صحتك النفسية، فإعادة مشاهدة البرامج التلفزيونية القديمة ليست مجرد عادة مسلية، بل تحمل فوائد مثبتة للرفاهية النفسية والعاطفية. تساعد هذه العادة على تقليل التوتر، وتنظيم المشاعر، ورفع المزاج، وحتى مواجهة إرهاق اتخاذ القرارات اليومية.

ويستعرض تقرير نشره موقع «فيريويل مايند»، أبرز الفوائد العلمية لإعادة مشاهدة مسلسلاتك المفضلة، وكيف يمكن لهذه العادة البسيطة أن تمنح عقلك وجسدك استراحة ضرورية من ضغوط الحياة اليومية.

ما هي الفوائد؟

لدينا جميعاً برامج تلفزيونية نعود إليها دائماً لأنها تشعرنا بالدفء والراحة، مثل بطانية مريحة. وتقول كلاريسا سيلفا، عالمة سلوك: «الروتين اليومي يمكن أن يكون مرهقاً ذهنياً، ولهذا فإن مشاهدة البرامج القديمة المألوفة تشعرنا بالطمأنينة. فهي لا تضيف إلى العبء الذهني، بل تمنحنا مهرباً نحتاجه بشدة».

وتضيف إيمي داراموس، اختصاصية علم النفس الإكلينيكي في عيادة كلاريتي في شيكاغو: «أحياناً نحتاج أن تبقى الحياة كما هي لبضع ساعات لنشعر بالأمان والاستقرار».

وفيما يلي بعض الفوائد المدعومة علمياً لإعادة مشاهدة البرامج المفضلة:

تقليل الحمل الذهني:

أدمغتنا بحاجة للراحة من التحفيز المستمر الذي نتعرض له طوال اليوم. مشاهدة برنامج جديد يتطلب جهداً ذهنياً، أما إعادة مشاهدة شيء مألوف فتمنح العقل استراحة عندما نكون مرهقين.

تخفيف التوتر والقلق:

يمكن أن تكون مشاهدة التلفاز وسيلة للهروب. القصص المألوفة تمنح شعوراً بالثبات عندما تصبح الحياة غير متوقعة، على عكس المحتوى الجديد المليء بالتقلبات العاطفية. عندما نكون متوترين ومرهقين، يمنحنا ذلك شعوراً بالسيطرة.

مساعدة في تنظيم المشاعر

عندما نشعر بالضيق أو الإرهاق، تساعد إعادة مشاهدة البرامج المريحة على تنظيم العواطف. نعلم أن الشخصيات ستتغلب على تحدياتها وأن النهاية ستكون سعيدة، مما يمنحنا شعوراً بالأمل والراحة في حياتنا.

مواجهة إرهاق اتخاذ القرارات:

حياتنا مليئة بالقرارات اليومية، من اختيار الملابس إلى تحديد وجبات الطعام. إعادة مشاهدة البرامج المألوفة تساعدنا على تجنب اتخاذ المزيد من القرارات في يومنا.

رفع المزاج:

رؤية لحظات مضحكة أو دافئة تحبها يمكن أن تحسن المزاج فوراً، كما توفر دفعة من الدوبامين للدماغ.

خلق شعور بالانتماء:

قد لا تكون الشخصيات حقيقية، لكنها تمنح شعوراً بالارتباط والراحة.

التخفيف من الملل والشعور بالوحدة: الشعور بالحنين أثناء إعادة المشاهدة يمكن أن يحارب الملل والشعور بالوحدة وحتى الحنين للوطن.

لماذا نعيد مشاهدة البرامج التلفزيونية؟

في عالم مليء بالمسلسلات والأفلام الجديدة، قد نشعر أحياناً بالذنب عند العودة إلى برنامج قديم مفضل، كأننا نتكاسل. ولكن علمياً، هناك أسباب عديدة:

الاسترخاء:

مشاهدة برنامج جديد تتطلب متابعة الحبكة والتعرف على الشخصيات الجديدة وفهم دوافعها. أما برنامج مألوف، فلا يودد ضغط ذهني، والفكاهة والشخصيات المألوفة ترفع المزاج.

الراحة والتوقعية:

البرامج القديمة تمنح شعوراً بالأمان لأنها تتبع نمطاً معروفاً.

الحنين للماضي:

إعادة مشاهدة البرامج القديمة تعيدنا إلى أنفسنا في الماضي، وتذكرنا بأوقات أكثر بساطة وسعادة.

الارتباط العاطفي:

الروابط العاطفية مع الشخصيات الخيالية، المعروفة بالعلاقات «الطرفية»، تمنح شعوراً بالرفقة والانتماء.

الخلفية الصوتية:

أحياناً لا نركز على المشاهدة، بل نحتاج فقط لصوت مألوف أثناء القيام بالأعمال اليومية.

العناية الذاتية:

تخصيص وقت لمشاهدة برنامج قديم يساعد على الاسترخاء وإعادة شحن الطاقة.

اكتشاف تفاصيل جديدة: يمكن أن نلاحظ تفاصيل جديدة لم نرها من قبل، سواء كانت عبارة مضحكة أو إيماءة أو إشارة.

متى تصبح إعادة المشاهدة غير صحية؟

إعادة مشاهدة البرامج القديمة يمكن أن تكون استراتيجية صحية للتعامل مع التوتر والقلق، ولكنها قد تصبح مشكلة إذا استبدلت بالعادات الصحية الأخرى، مثل النوم أو التواصل الاجتماعي أو ممارسة النشاطات اليومية.

يقول العلماء إنه إذا أصبحت عادة الإفراط في مشاهدة المسلسلات وسيلة للهروب من الوحدة أو الاكتئاب أو القلق الاجتماعي، فقد تتحول إلى سلوك غير صحي.