أنقرة تطالب واشنطن بتسليمها مظلوم عبدي وتقيم نقطة مراقبة في منبج

«العفو الدولية» اتهمتها بإجبار لاجئين على التوجه إلى المنطقة الآمنة

TT

أنقرة تطالب واشنطن بتسليمها مظلوم عبدي وتقيم نقطة مراقبة في منبج

طالب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الولايات المتحدة بتسليم مظلوم عبدي القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) المدرج على النشرة الحمراء في تركيا. وقال: «يجب على الولايات المتحدة تسليمنا الإرهابي الملقب بـ(مظلوم) المطلوب لدى سلطاتنا بالنشرة الحمراء».
وأضاف إردوغان، أن وزارة العدل التركية ستقدم طلباً إلى الولايات المتحدة لتسليمها إياه إلى تركيا، مشيراً إلى أنهم أبلغوا الرئيس الأميركي دونالد ترمب انزعاجهم واستياءهم من تبادله الرسائل مع مظلوم، ولم يستطع (ترمب) أن يقول شيئاً.
وأكد إردوغان، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي التركي (تي آر تي) ليل الخميس - الجمعة، ضرورة الإسراع في نزع الأسلحة الثقيلة في سوريا أو تسليمها إلى تركيا على اعتبارها حليفة في حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وكان ترمب أعلن، في تغريدة أول من أمس، أنه أجرى محادثة مع فرحات عبدي شاهين، الملقب باسم «مظلوم عبدي»، وأشار إلى تقدم قواته صوب حقول النفط في شمال سوريا، دون الخوض في تفاصيل.
وعبّر رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألطون، عن قلق بلاده من اعتبار عبدي شخصية سياسية شرعية، وأكد أنه مطلوب لدى تركيا بموجب النشرة الحمراء لدى منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، لقيامه بأعمال إرهابية كثيرة استهدفت قوات الأمن التركية، وجيشاً عضواً في حلف الناتو، والمدنيين.
وبالنسبة للاتفاق التركي - الأميركي المتعلق بوقف عملية «نبع السلام» العسكرية في شمال شرقي سوريا، أكد إردوغان أنه لم يحو عبارة «التفاوض أو التفاهم» مع «التنظيم الإرهابي» (قسد)، مضيفاً: «الأميركيون يقولون لنا لا تدخلوا مدينة عين العرب (كوباني) والروس يقولون ادخلوها، ونحن سنتخذ قرارنا وفق المستجدات».
وأكد أنه سيكون للجيش التركي دور المراقبة في منبج وعين العرب شمالي سوريا، مشيراً إلى أنهم أنشأوا «ممر السلام» بعمق 10 كم في المنطقة الممتدة من جرابلس إلى تل أبيض شمال سوريا.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة لم تف بوعودها حيال إخلاء مدينة منبج من عناصر وحدات حماية الشعب الكردية (القوام الرئيس لـ«قسد»)، رغم مرور نحو عام ونصف العام على اتفاق خريطة الطريق في منبج الموقع في 4 يونيو (حزيران) 2018 في واشنطن، والذي كان ينص على إخراج الوحدات الكردية من المدينة خلال 90 يوماً.
وقال الرئيس التركي، إن تركيا اتفقت مع روسيا على إقامة منطقة مراقبة على الطرف الشمالي الغربي من مدينة منبج السورية بهدف حماية المنطقة، لافتاً إلى أن نحو 90 في المائة من سكان منبج هم من العرب، وأن السكان الأصليين للمدينة اضطروا إلى ترك ديارهم بسبب تواجد الوحدات الكردية في مناطقهم، مطالباً الأميركيين بإتاحة الفرصة لعودة سكان منبج إلى ديارهم.
وأضاف إردوغان: «طلبنا منطقة بطول 19 كيلومتراً وعرض خمسة كيلومترات في شمال غربي منبج لحماية المنطقة. وتوصلنا لاتفاق في هذا الصدد مع روسيا. إنها مثل موقع مراقبة». وتابع: «سكان المناطق التي شملتها عملية (نبع السلام) يشعرون بارتياح حالياً، والروس والنظام سيقومون خلال 150 ساعة (حسب الاتفاق التركي - الروسي) بمراقبة المناطق الممتدة من شرق رأس العين حتى الحدود العراقية باستثناء القامشلي، وسيقومون بتطهير تلك المناطق من الوحدات الكردية حتى عمق 30 كم».
ولفت إلى أن الاتفاق المبرم بين أنقرة وموسكو، في سوتشي، ينص على قيام القوات الروسية والنظام السوري بتطهير تل رفعت من الإرهابيين.
وعن زيارته المرتقبة إلى واشنطن الشهر المقبل، قال إردوغان إنه سيلبي دعوة ترمب لزيارة واشنطن في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل على رأس وفد، لافتاً أنه برفع ترمب العقوبات الاقتصادية عن تركيا لم يبق مانع للقيام بالزيارة المقررة.
وجدد إردوغان التأكيد على أنه في حال عدم انسحاب المسلحين الأكراد كما هو متفق عليه مع روسيا فستنفذ تركيا خططها لشن هجوم، قائلاً: «إذا ظهر المسلحون الأكراد في المنطقة الآمنة بسوريا فستقوم تركيا بسحقهم».
وقال إن بلاده تخطط لإقامة منطقة آمنة شمال سوريا، تتضمن مشاريع تنموية مثل إنشاء المستشفيات والمدارس ودور العبادة والمنازل وهيئات حكومية، موضحاً أنه عرض هذا المشروع على رؤساء دول وحكومات في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإن ما نقل على لسانه حول المنطقة الآمنة خرج عن سياقه الحقيقي ليزعم أن تركيا تؤسس دولة جديدة في المنطقة، وتساءل: «ما علاقة المنطقة الآمنة بإنشاء دولة جديدة؟». وأضاف: «نحن جئنا للبناء ولم نأتِ للتدمير»، موضحاً إمكانية عقد اجتماع للمانحين للبدء في المشاريع التنموية في المنطقة الآمنة، والا فإن تركيا لا يمكنها خوض عمليات البناء بمفردها.
وأشار إلى أن الوحدات الكردية تجد دعماً مالياً عبر حقول النفط في محافظتي الرقة ودير الزور السوريتين، قائلاً: «يلبون جميع احتياجاتهم من هذه المنطقة، بل إن هؤلاء يبيعون النفط للنظام السوري». وقال إردوغان، إن الجانب الأميركي أطلع تركيا على السجون التي يعتقل فيها عناصر تنظيم «داعش» في سوريا، وعلى أسمائهم وعددهم وجنسياتهم.
وحول إدلب، قال إردوغان إنه «لولا التضامن الثلاثي بين تركيا وروسيا وإيران لكانت إدلب تحولت تقريباً إلى بحيرة من الدماء».
وعن نسبة السوريين الراغبين في العودة إلى وطنهم، قال إردوغان: «لا توجد نسبة نهائية، لكنني أكرر وأقول إذا فتحنا الأبواب صوب أوروبا سيغادر كثير منهم بنسبة كبيرة. غير أن هناك أعداداً كبيرة تحب تركيا ولا ترغب في مغادرتها».
وبالنسبة لانزعاج أوروبا من مثل هذه التصريحات المتعلقة بفتح الأبواب أمام اللاجئين، قال إردوغان: «ماذا عساي أن أفعل؟! فهم لا يوفون بوعودهم. ففي 2015 قالوا سنقدم لكم دعماً بـ6 مليارات يورو على دفعتين، ولم تدخل المليارات الثلاث التي جاءت خزينتنا مباشرة، بل تقدم للهلال الأحمر وإدارة الكوارث الطبيعية والإغاثة التركية عن طريق منظمات مجتمع مدني دولية... لقد جاء 3 مليارات فقط في حين أن إجمالي ما أنفقناه تجاوز 40 مليار دولار. ورغم هذا سنواصل تقديم مساعداتنا، ولن نتركهم في أوضاع مزرية. والعالم ما زال يواصل على مدار 8 سنوات ونصف السنة صمته حيال المأساة السورية».
في السياق ذاته، اتهمت منظمة العفو الدولية تركيا بإرسال لاجئين سوريين قسراً إلى منطقة سورية قرب الحدود، حيث تريد إقامة منطقة آمنة.
وقالت المنظمة، في تقرير أمس، إن اللاجئين الذين تحدثت إليهم اشتكوا من تهديدهم أو إجبارهم من جانب الشرطة التركية على توقيع وثائق تفيد بأنهم سيعودون بمحض إرادتهم إلى سوريا.
وأضافت أنه في الواقع، تعرّض تركيا حياة اللاجئين السوريين لخطر شديد بإجبارهم على العودة إلى منطقة حرب، وأنها تعتقد أن عدد عمليات الإعادة القسرية في الأشهر القليلة الماضية بلغ المئات، استناداً إلى مقابلات أجرتها بين يوليو (تموز) الماضي وأكتوبر (تشرين الأول) الحالي، لكن يمكنها تأكيد 20 حالة.
وتستضيف تركيا حالياً نحو 3.6 مليون لاجئ فروا من سوريا، لكن مع تنامي الاستياء العام تجاههم بمرور الوقت تأمل أنقرة في إعادة توطين ما يصل إلى مليوني شخص في المنطقة الآمنة المزمع إقامتها في شمال شرقي سوريا.
وتؤكد أنقرة، أن أكثر من 350 ألف لاجئ سوري عادوا طوعاً إلى بلادهم.
في الوقت ذاته، قالت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أورسولا مولر، في اجتماع لمجلس الأمن الدولي ليل أول من أمس، إن التدخل العسكري التركي في شمال شرقي سوريا أثر بشكل كبير على الوضع الإنساني هناك.
وأضافت أن «العملية العسكرية التركية، أثرت بشكل كبير على الوضع الإنساني في المنطقة... وخلال الأسبوعين الماضيين، غادر 180 ألف شخص فقط، بما في ذلك نحو 80 ألف طفل، المنطقة الواقعة على الحدود بين سوريا وتركيا». وشددت على ضرورة السماح لهم بالتنقل بحرية والعثور على أماكن آمنة.
وأكدت أن أكثر من 10 آلاف شخص، هربوا إلى العراق منذ بدء العملية العسكرية في شمال شرقي سوريا.
وكانت الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي أدانت الهجوم التركي ووصفته بـ«الانتهاك» لوحدة الأراضي السورية.
إلى ذلك، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، إن الاتفاقين اللذين عقدتهما تركيا مع كل من واشنطن وموسكو بشأن شمال شرقي سوريا مختلفان، وأن تركيا أكملت بالاتفاق مع روسيا ما لم يتحقق بالاتفاق مع أميركا. وأضاف، في مقابلة مع «سي إن إن» الأميركية: «لدينا اتفاقان، واحد مع الأميركيين والآخر مع الروس، الجزء الذي قمنا به مع الأميركيين هو لتغطية منطقة محددة والمناطق الأخرى حاولنا أن نتوصل لاتفاق حولها مع أميركا لم ينجح ذلك، فلم يكونوا صادقين واستمروا بدعم وتسليح في الوقت الذي كنا نتحدث فيه وكان جنودنا والجنود الأميركيون يقومون بدوريات مشتركة.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.