بيدرسن: اجتماع «الدستورية» لحظة تاريخية... والشعب السوري هو مصدر الشرعية

أكد في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحل في إدلب وشرق الفرات سياسي وليس عسكرياً

غير يبدرسن (رويترز)
غير يبدرسن (رويترز)
TT

بيدرسن: اجتماع «الدستورية» لحظة تاريخية... والشعب السوري هو مصدر الشرعية

غير يبدرسن (رويترز)
غير يبدرسن (رويترز)

قال المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن، في حوار لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، الأربعاء المقبل، تشكّل «لحظة تاريخية» وتفتح الباب للوصول إلى حل شامل للأزمة السورية يتضمن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن «2254».
وأشار إلى أن تشكيل اللجنة «يشكّل بارقة أمل للشعب السوري الذي عانى طويلاً. ويأتي عقب اتفاق حكومة الجمهورية العربية السورية وهيئة المفاوضات السورية على حزمة متكاملة حول عضوية اللجنة والعناصر الأساسية للائحة الداخلية التي ستحكم عملها»، لافتاً إلى أن التشكيل هو «الاتفاق الحقيقي الأول من نوعه بين الحكومة والمعارضة من أجل البدء في تطبيق أحد العناصر الأساسية من قرار مجلس الأمن 2254»، ألا وهو تحديد جدول زمني وعملية لصياغة دستور جديد. واعتبر أن ما جرى يشكل «قبولاً ضمنياً من كل طرف بالطرف الآخر كمحاور، ويُلزم المرشحين من الطرفين بالجلوس معاً، في حوار مباشر وتفاوض، مع السماح في الوقت ذاته بإشراك ممثلي المجتمع المدني». ورأى في الاتفاق على تشكيل اللجنة «تعهُّداً مشتركاً أمام الشعب السوري بمحاولة الاتفاق تحت رعاية الأمم المتحدة على ترتيبات دستورية جديدة لسوريا، وعلى عقد اجتماعي جديد. ويمكن لهذا الاتفاق أيضاً أن يكون خطوة أولى على طريق مسار سياسي أشمل يلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري».
واقترح بيدرسن أن يركز وفدا الحكومة و«هيئة التفاوض» المعارضة على القضية الأساسية، وهي الدستور المطلوب لسوريا، على أن تقوم اللجنة الدستورية بتحديد كيفية تحقيق ذلك.
وسُئل عما إذا كانت المناقشات بين ممثلي الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني ستركز على صلاحيات الرئيس واللامركزية والجيش، فأجاب: «في كل الدساتير هناك عناوين معروفة. وهي ستناقَش في جنيف. وأتناقش حالياً مع رئيسي الوفدين؛ الحكومة (أحمد كزبري) وهيئة التفاوض (هادي البحرة) حول هذه الأمور»، لافتاً إلى أن دوره {كميسّر منصوص عليه بشكل واضح في القواعد الإجرائية، وهو المساعدة والتسهيل في حال كانت هناك عقبات ومآزق».
وأشار بيدرسن إلى أهمية التوصل إلى حلول سياسية في شمال غربي البلاد وشمالها الشرقي. قائلاً: «الوضع (في إدلب) معقد، ويجب الوصول إلى حل يضمن الأمن للمدنيين ويتناول في الوقت نفسه مسألة وجود مجموعات مصنَّفة إرهابية من قِبل مجلس الأمن». وأكد «أهمية تجنب عملية عسكرية شاملة لن تسهم في حل المشكلة وستكون لها تبعات إنسانية بالغة على المدنيين».
وتطرق المبعوث الأممي إلى البيان الروسي- التركي الأخير حول شرق الفرات ووجود خمسة جيوش في سوريا، إضافة إلى مساعيه لتشكيل مجموعة دولية وإقليمية لدعم جهود الأمم المتحدة لحل الأزمة. وفي ما يلي نص الحوار الذي جرى في مكتبه بمقر الأمم المتحدة في جنيف أمس:

> البيان الروسي- التركي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان، أول من أمس (الثلاثاء)، أشار إلى دعم العملية الدستورية و«مسار سوتشي»، لكنه لم يشر إلى مسار جنيف والقرار «2254»... ما تفسيرك؟
- لم أكن في الاجتماع.
> لكن قرأت البيان...
- نعم قرأت البيان. عندما يتعلق الأمر بالعملية السياسية، فإنني مقتنع بأن روسيا وتركيا مؤمنتان بأن إطار العملية السياسية هو القرار 2254. هناك عناصر عدة لهذا القرار الدولي، أحدها تم التركيز عليه بشكل أكبر، وهو ما يتعلق بالمسار الدستوري. لا شك في أن عملية سوتشي وضعت أساساً لذلك. ولكن في النهاية، فإن تشكيل اللجنة الدستورية جاء نتيجة مفاوضات مكثفة. ناقشنا الأسماء والقواعد الإجرائية. وأجريت مفاوضات بنّاءة مع الحكومة في دمشق و«هيئة التفاوض السورية» المعارضة. خلال هذه العملية حصلتُ على دعم المجتمع الدولي، لذلك وصلنا إلى حل. هذا الحل كان مبنياً على القرار 2254. بصراحة ليس هناك أي خلاف حول هذا الأمر.
> حتى من روسيا وتركيا؟
- حتى من الروس والأتراك. هم يؤكدون كلما التقيناهم أن القرار 2254 هو أساس للعملية.
> لماذا لم يُذكر القرار في مفاوضاتهما؟
- في مفاوضات كهذه، هناك اعتبارات كثيرة. لكنّ الرئيسين بوتين وإردوغان ركّزا على القرار الدولي.
> إذن، اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف الأسبوع المقبل، ما مرجعيته؟
- كما تعرف، حتى بالنسبة إلى «الضامنين» الثلاثة في عملية آستانة، أساس العملية السياسية هو القرار 2254. ونحن سنطلق العملية الدستورية الأربعاء المقبل لإعادة العملية السياسية إلى جنيف.
> ماذا سيحصل الأسبوع المقبل؟ من هم المدعوون؟
- أجريت محادثات مع الوزير وليد المعلم، ورئيس «هيئة التفاوض» نصر الحريري، وممثلين عن المجتمع المدني والدول الضامنة لـ«آستانة» و«المجموعة الصغيرة». توصلت إلى نتيجة أن الافتتاح سيكون فقط للسوريين والأمم المتحدة، لتأكيد طبيعة المسار، كونه بقيادة السوريين وملكاً لهم، بتيسير من الأمم المتحدة. وسيكون هناك وجود دبلوماسي بشكل موازٍ من مجموعة «آستانة» و«المجموعة الصغيرة»، لكن لن تشاركا في اجتماعات اللجنة الدستورية.
> يبدو أن اهتمام الدول بالحضور أقل من المفاوضات السابقة. هل هذا مؤشر إلى عدم الاهتمام بالعملية الدستورية؟
- لن توجه أي دعوة إلى ممثلي الدول لحضور الافتتاح. كما تعرف، فإنني وضعت خمس أولويات إحداها دعم المجتمع الدولي. هذا لا يزال طموحي وهدفي. رغم عدم دعوة هذه الدول، فإنني سأواصل جهودي لضمان دعم المجتمع الدولي للعملية السياسية في جنيف حسب القرار 2254. يجب التأكيد أن المجتمع الدولي قدّم الدعم للعملية الدستورية، والآن الأمر يعود إلى السوريين للمضي قدماً في هذه العملية.
> ما توقعاتك للاجتماعات في الأسبوع المقبل؟
- تحقيق تقدم بما يتناسب مع اللحظة التاريخية المتمثلة لأن 150 سورياً يمثلون طيفاً واسعاً من المجتمع السوري سيجتمعون لمناقشة الإصلاح الدستوري في جنيف. هذه فرصة تاريخية. سيكون هناك مرشحون من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني. وستقع على عاتقهم المسؤولية للمضي قدماً. إنني مقتنع بأنهم يفهمون مسؤولياتهم وواجباتهم... لن يكون من السهل استثمار هذه الفرصة. فسوريا لا تزال تواجه أزمة خطيرة مع استمرار العنف والإرهاب، ووجود جيوش خمس دول تعمل على أراضيها، واستمرار المعاناة والانتهاكات المروعة، وانقسام عميق في المجتمع، وشعور باليأس بين السوريين في الداخل والخارج، كما تكاد الثقة أن تكون معدومة. وستكون للجنة الدستورية قيمة حقيقية فقط إذا أصبحت خطوة على الطريق العسير للخروج من الأزمة وصولاً إلى سوريا جديدة.
> للوصول إلى ماذا؟
- هذا الأمر يعود إليهم. عندما يجلسون ويقومون بعملهم، فإن العملية ستمضي قدماً. هم سيحددون بأنفسهم القضايا التي سيناقشونها والمسائل التي يجب أن تتغير للمضي قدماً بالعملية.
> إحدى القضايا الخلافية بين الطرفين الوصول إلى دستور جديد أم تعديل الدستور الحالي للعام 2012... ما تصورك؟
- للجنة الدستورية ولاية واضحة وهي القيام في سياق مسار جنيف الميسّر من قِبل الأمم المتحدة بإعداد وصياغة إصلاح دستوري يُطرح للموافقة العمومية، كإسهام في التسوية السياسية في سوريا وفي تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، ويقوم الإصلاح الدستوري من بين أمور أخرى بتجسيد المبادئ الأساسية الـ12 السورية - السورية الأساسية، التي انبثقت عن مسار جنيف وتم تأكيدها في مؤتمر سوتشي، نصاً وروحاً في الدستور السوري والممارسات الدستورية السورية.
وللجنة الدستورية أن تراجع دستور 2012، بما في ذلك في سياق التجارب الدستورية السورية الأخرى، وأن تقوم بتعديل الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد. ويجب أن يُقر الإصلاح الدستوري الذي ستعتمده اللجنة شعبياً وأن يتم نقله إلى النظام القانوني الوطني السوري من خلال الوسائل التي يتم الاتفاق عليها.
يجب عدم التركيز على التساؤل عن كونه دستوراً جديداً أم تعديلاً للحالي؟ المطلوب هو التركيز على الجوهر: ما الدستور المطلوب لسوريا؟ هذا أساس النقاش، ثم يعود أمر تحقيق ذلك للجنة الدستورية.
> ما القضايا المفتاحية التي سيركز عليها النقاش؟ نسمع أن المعارضة تريد مناقشة صلاحيات الرئيس، والحكومة ترفض، وهناك أيضاً شكل اللامركزية...
- كما تعرف، في كل الدساتير هناك عناوين معروفة، وهي ستناقَش في جنيف.
> ما هي؟
- إنني أتناقش حالياً مع رئيسَي الوفدين؛ الحكومة (أحمد كزبري) وهيئة التفاوض (هادي البحرة) حول هذا الأمر. الرئيسان المشتركان اللذان سيأخذان آراء الوفدين والمجتمع المدني، سيقومان بذلك.
> تقصد صلاحيات الرئيس، طبيعة النظام السياسي، اللامركزية...؟
- كل هذه الأمور ستناقَش من دون أي شك.
> لنفترض أن وفد الحكومة سيقول: لن نقبل ببحث صلاحيات الرئيس وصوغ دستور جديد. في المقابل، سيقول وفد «الهيئة»: نحن هناك لبحث ذلك وصوغ دستور جديد. ماذا ستفعل؟
- هذا يعني أنك متشائم. دوري واضح في القواعد الإجرائية، وهو أن أساعد وأسهّل في حال كانت هناك عقبات ومآزق. ونحن هنا كي نسهّل العملية. إنني متأكد من أنه ستكون هناك تحديات وصعوبات بعد أكثر من ثماني سنوات من الصراع. لن تكون العملية سهلة. هناك خلافات حقيقية، يجب أن نقرّ بذلك. دورنا البحث عن طرق لتضييق الخلافات. طموحي هو جسرها. من المبكر القول حالياً إن هذا الأمر صعب. فالعملية لا تزال في بدايتها.
> هل كان اجتماعك الأخير مع الوزير المعلم إيجابياً؟
- صحيح.
> لماذا باعتقادك؟ ما تفسيرك لدعم الحكومة للعملية؟
- يجب أن تسـأله.
> ما تفسيرك؟
- كانت مناقشاتي في دمشق بنّاءة وإيجابية. شعرت من اليوم الأول أننا نبني الثقة بشكل متدرج حول كثير من الأمور. بالنسبة إلى اللجنة الدستورية، كان هناك التزام من الوزير المعلم بالانخراط والوصول إلى حلول للتحديات الكثيرة. آمل أن ترى الحكومة في ذلك فرصة للتواصل والوصول إلى مناقشات جيدة مع المعارضة. قناعتي أن هذا الأمر يمكن أن يفتح نافذة للحوار. من خلال مفاوضاتي لتشكيل اللجنة الدستورية تحقق أمر مهم، هو الذهاب من دمشق إلى الرياض للجلوس مع الحريري ثم العودة إلى دمشق وإجراء مناقشات. هذا يعني أن هناك أموراً مشتركة بين الطرفين.
> ما الأمور المشتركة مثلاً؟
- الأرضية المشتركة. دعْنا نَعُدْ إلى الوراء. قلت قبل تسعة أشهر: أولويتي هي بناء ثقة مع الأطراف السورية بحثاً عن قواسم مشتركة بين الأطراف. المهمة الأولى كانت تشكيل اللجنة الدستورية وإقرار القواعد الإجرائية. هذا تحقق، وهو أمر مهم وسيكون له أثر على الأمور الأخرى.
> هناك من يقول: ليس مهماً أيّ دستور يكتب السوريون. المهم هي الممارسات...
- نريد خلق حالة جديدة تشير إلى أن التغيير في سوريا ممكن. حالة تتضمن تعافي المجتمع السوري وإعادة الثقة بين مكوناته بما يسهل عودة اللاجئين والنازحين. نريد أن نرى تغييرات في سوريا يمكن أن يطبَّق الدستور فيها. أي أن تكون عملية الإصلاح الدستوري جزءاً من تغيير أشمل. لهذه الأسباب، ونحن نتطلع إلى عقد الاجتماع الأول للجنة الدستورية، فإنني أحثّ كل المعنيين؛ الأطراف السورية وداعميها، على التفكير بشكل أشمل، مع وضع الهدف النهائي لبلد يسوده السلام نصب أعينهم. وأدعوهم إلى استثمار الفرصة التي توفرها اللجنة الدستورية لاتخاذ خطوات ملموسة وبناء الثقة. آمل أن نستطيع بناء تفاعلات إيجابية، خطوة بخطوة بين الأطراف السورية، وأيضاً مع المجتمع الدولي، من أجل الوصول إلى بيئة آمنة وهادئة ومحايدة تُشعر السوريين بأن المسار السياسي قادر على إعادة بناء وطنهم وتلبية طموحاتهم.
> كتب السفير الأميركي السابق روبرت فورد أن الدستور الحالي يتضمن الكثير من المواد المهمة. المهم هي الممارسات في دمشق.
- دعْني أقلْ شيئاً. درستُ التاريخ جيداً، وأنا مؤرخ. هذا كلام ساذج. الدستور والممارسة يختلفان من دولة إلى أخرى. في سوريا، هناك صراع عميق استمر أكثر من 8 سنوات. ليس التحدي الوحيد هو الدستور. هذا المجتمع مر بأزمة عميقة. إذا نظرت إلى الدستور بشكل منعزل عن باقي الأمور، صحيح. لكن عملية الإصلاح الدستوري ما هي إلا بداية للتغيير. لذلك، فإن الإصلاح الدستوري مهم. نريد رؤية وضع يعالج الانقسامات في المجتمع السوري. عملية سياسية تُشعر جميع السوريين بأن سوريا وطن لهم وأن لهم مستقبلاً ومكاناً في هذا الوطن.
> معارضون يقولون إن هدف العملية الدستورية هو «شرعنة النظام»؟
- بالنسبة إليّ، ليس الأمر إضفاء شرعية على الحكومة الحالية أو على المعارضة. هذه عملية هدفها جمع السوريين معاً لفتح صفحة جديدة لسوريا. بعد 8 سنوات تغيرت الأمور. الحكومة تسيطر على مساحة أكبر من الأرض. سنرى تطورات الأحداث في شمال شرقي البلاد. كما قلت، هناك تحديات كثيرة. الأمر لا يتعلق بإعطاء شرعية لطرف أو غيره، بل جمع السوريين معاً.
> هناك من يعتقد أن إيجابية الحكومة ترمي إلى إطلاق عملية للوصول إلى دستور يشرعن الانتخابات الرئاسية في 2021؟
- الاتفاق الذي توصلنا إليه محكوم بعدد من المبادئ الأساسية التي يجب أن تحكم أي مسار أو أي تسوية سياسية. وتشمل هذه المبادئ احترام ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وسيادة سوريا ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها، بالإضافة إلى طبيعة المسار كونه بقيادة السوريين وملكاً لهم. وتتضمن هذه المبادئ أيضاً إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254 تُجرى وفقاً للدستور الجديد. كما أن هذه المبادئ تقِرّ بضرورة وجود مسار سياسي أشمل لتطبيق القرار الأممي.
إن الدستور المقبل لسوريا هو ملك للسوريين وحدهم. وستكون الأمم المتحدة الحارس الأمين لطبيعة المسار. السوريون، وليس أي طرف آخر، سيقومون بصياغة الدستور، والشعب السوري يجب أن يصادق عليه. سنكون حاضرين لتيسير المسار بطريقة تضمن استمراره في التمتع بالمصداقية والتوازن والشمول، ولتقديم المساعدة كلما اقتضت الحاجة. إنني على دراية تامة بأن اللجنة الدستورية وحدها لا يمكنها حل الأزمة. يجب أن ننظر إلى الحقائق، وأن نتعامل مع الأزمة بشكل أكثر شمولاً، وفقاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254.
بصراحة، الشعب السوري هو من يعطي الشرعية، ويحدد مستقبل سوريا وأي علاقة طبيعية مع العالم والدول المجاورة والأوروبيين والأميركيين. ما يحصل في الجانب السياسي، عنصر واحد من العملية. الأوروبيون والأميركيون يريدون عملية سياسية ذات مصداقية تحقق تغييراً على الأرض.
> «الشرعية تأتي من الشعب» ينطبق على الرئيس؟
- نعم. ينطبق على الرئيس.
> هذا موقف واضح منك؟
- نعم. هذا موقفي. الشرعية تأتي من الشعب.
> البعض يقول إن دمشق ستمضي بالإصلاح الدستوري إلى عام 2021 خصوصاً أنه ليس هناك جدول زمني للجنة الدستورية؟
- لقد اتفقت الأطراف والتزمت بالعمل بشكل سريع ومستمر بهدف التوصل إلى نتائج وتحقيق تقدم مستمر، من دون تدخل خارجي أو أطر زمنية مفروضة من الخارج، وكذلك من دون شروط مسبقة أو الإصرار على التوصل إلى اتفاق حول مسألة ما قبل البدء في مناقشة مسألة أخرى.
لا يمكنني التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور. لكنّ هناك اتفاقاً على ضرورة العمل بشكل جدي ومستمر لتحقيق الإصلاح الدستوري. أنت محقّ، الأمر يعود للسوريين في ما يخص المضيّ قدماً. يجب أن نتذكر أنه بعد نحو تسع سنوات من الصراع وفقدان الثقة، فإن الأمر يتطلب وقتاً لكسر الجليد. هذه هي البداية. لا ننظر إلى الدستور بمعزل عن باقي القضايا. هذا مفتاح، وسنناقش القضايا الأخرى وسيكون هناك تأثير متبادل للقضايا بعضها على بعض. الأمر ليس سهلاً ويشكل تحدياً ولكن هذا هو الطريق الوحيد للحل.
> قلت إن الشرعية تأتي من الشعب. والأكراد جزء من الشعب. لماذا لم يُمثّلوا في اللجنة؟
- «قوات سوريا الديمقراطية» ليست جزءاً من اللجنة، لكنّ الأكراد ممثَّلون في اللجنة. جميع المكونات ممثَّلة.
> بعد الاتفاق الروسي- التركي، هل يمكن تمثيل أكراد آخرين؟
- لا يزال الاتفاق في بداياته. من المبكر البت في هذا الأمر.
> كيف ترى المشهد العسكري في إدلب وشرق الفرات؟
- أقول دائماً إنه لا حل عسكرياً للأزمة في سوريا. الحل سياسي.
> بما فيها في إدلب؟
- نعم.
> كيف؟ ما الحل في إدلب؟
- منذ البداية، شجعنا روسيا وتركيا على الالتزام بمذكرة التفاهم الموقَّعة بينهما في سوتشي والتعاطي مع مشكلة العناصر المصنّفة إرهابية من مجلس الأمن الدولي. الوضع معقّد، ويجب الوصول إلى حل يضمن الأمن للمدنيين مع معالجة مسألة وجود مجموعات مصنفة إرهابية من مجلس الأمن. يجب تفادي عملية عسكرية شاملة لن تسهم في حل المشكلة وستكون لها تبعات إنسانية بالغة على المدنيين، فهناك أكثر من 500 ألف نازح. إن محاربة الإرهاب يجب أن تتم وفقاً للقانون الدولي. تناقشنا في ذلك مع روسيا والحكومة.
> ما نصيحتك لدمشق وموسكو حول إدلب؟
- نصيحتي كانت تجميد الوضع في شمال غربي سوريا والوقف الشامل لإطلاق النار وفقاً لما ينص عليه قرار مجلس الأمن 2254. إن التوصل إلى خطوات لتخفيض العنف، وصولاً إلى وقف إطلاق نار على المستوى الوطني، أمر ضروري. يجب أن يتوقف العنف والقتل لأنه لا يوجد حل عسكري للأزمة ولأن قرار مجلس الأمن 2254 ينص على ذلك. فالتوصل إلى وقف إطلاق نار وتفاهمات دولية حول كيفية محاربة الإرهاب بطريقة تضمن حماية المدنيين واحترام أحكام القانون الدولي هو أمر أساسي وسيساعد في دفع المسار السياسي قدماً.
> وما هو الإطار الزمني لذلك؟
- لا يمكن وضع إطار زمني لمحاربة الإرهاب.
> ماذا عن شمال شرقي البلاد؟
- الشيء نفسه. (بسط) سلطة الدولة السورية، وأخذ مصالح جميع المكونات بالاعتبار، وضمان عدم عودة «داعش». يجب أخذ الشواغل الأمنية لتركيا بعين الاعتبار. لكن لا بد من الإشارة إلى الجانب الإنساني. أكثر من 200 ألف شخص نزحوا بسبب العمليات العسكرية.
> هل سألت الأميركيين حول قرارهم الانسحاب؟
- نعم.
> ماذا قالوا؟
- الولايات المتحدة لم تؤيد العملية العسكرية التركية، وتوصل الجانبان التركي والأميركي إلى اتفاق لوقف النار وانسحاب «الوحدات» الكردية. القوات الأميركية ستنسحب من سوريا ولكن لا يوجد إطار زمني محدد للانسحاب.
> تقول دائماً إنه في سوريا خمسة جيوش: أميركا، وروسيا، وإيران، وتركيا، وإسرائيل... هل تنظر إليها بنفس المستوى؟ هل كلها شرعية أم غير شرعية؟
- لن أنظر إلى الموضوع بهذه الطريقة. موقفي هو أن انخراط هذه الجيوش تعبير عن التحديات الموجودة في آخر ثماني سنوات. موقفي أن ننظر إلى ذلك في سياق الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، لتأكيد أن الاستقرار في سوريا لا يتعلق بسوريا فحسب بل له بعد إقليمي ودولي ويجب أخذ ذلك بالاعتبار.
> هل لا تزال قلقاً من خروج الأمور عن السيطرة؟
- طبعاً. وجود هذه الجيوش على الأراضي السورية يشكل تحدياً للأمن والسلم الدوليين.
> روسيا تقول إن وجودها شرعي؟
- لا أريد الدخول في التفاصيل. روسيا وإيران تقولان إنهما جاءتا بناءً على دعوة الحكومة السورية. طبعاً، ولكن هناك عوامل أخرى يجب أخذها في الاعتبار.
> هل أمر طبيعي أن تطلَق اللجنة الدستورية في وقت يزداد المشهد العسكري تعقيداً؟
- القليل مما حصل في سوريا كان طبيعياً. كل شيء غير طبيعي. الأمر المهم، عندما تجد فرصة لإطلاق شيء إيجابي، فيجب ألا تتوقف عن ذلك بسبب المشهد المعقد على الأرض. يجب عدم البحث عن ذرائع لعدم المضي قدماً.
> هناك تخوف من أن تكون العملية الدستورية غطاءً للعمليات العسكرية؟
- بالعكس، العملية السياسية يمكن أن تُنهي العمليات العسكرية.
> عندما تسلمت المنصب تحدثت عن خمس أولويات. ماذا تحقق وماذا لم يتحقق في كل منها؟
- الأولوية الأولى كانت بناء الثقة مع الحكومة و«هيئة التفاوض» بموجب صلاحياتي في القرار 2254. هذه عملية مستمرة. هناك تطور إيجابي ومُرضٍ، لكن عملية بناء الثقة عملية مستمرة وتتطلب وقتاً. الثانية، تطوير علاقات مع طيف واسع من المجتمع المدني والمجلس الاستشاري النسائي. أريد أن أقوم بجهد أكبر في هذا السياق مع أنني راضٍ عما حققناه. الثالثة، تشكيل اللجنة الدستورية والقواعد الإجرائية. وقد توصلنا إلى اتفاق، وستُطلق اللجنة عملها الأربعاء المقبل.
> وموضوع المعتقلين والمخطوفين؟
- هو الأولوية الرابعة. ولست راضياً عما تحقق.
> لماذا؟
- عملنا على مسارين: مجموعة العمل الرباعية مع روسيا وإيران وتركيا والصليب الأحمر، والتفاوض مع الحكومة والمعارضة، وطلبنا من الطرفين إطلاق معتقلين ومخطوفين بشكل أحادي... هذه المسألة تخص الكثير من العائلات ونريد أن نرى عمليات إطلاق أوسع. يمكن أن تبني ثقة بين السوريين إذا تم التعامل مع هذه القضية بشكل أكثر فاعلية. فلا يزال مصير عشرات الآلاف من المعتقلين والمخطوفين والمفقودين مجهولاً. وتعاني عائلاتهم بشكل كبير وتواجه تحديات يومية. إنني أدعو إلى العمل على ملف المعتقلين والمخطوفين والمفقودين، وبشكل خاص الإفراج عن النساء والأطفال.
> وماذا عن الأولوية الخامسة؟
- الأزمة السورية معقدة. أردت أن أرى جهداً أكبر من المجتمع الدولي لدعم عملية جنيف.
> مَن يعرقل ذلك: روسيا أم أميركا؟
- ليس هناك طرف واحد. هذه مسألة معقدة. هناك الكثير من العناصر. حققنا بعض النجاح، لكن أريد تحقيق المزيد. سأبذل جهدي للقيام بجهد أكبر في التقريب بين الأطراف الدولية.
> في العام المقبل هناك انتخابات برلمانية، وفي 2021 انتخابات رئاسية. كيف تريد أن تراها؟
- السيناريو المثالي هو أن تُنهي اللجنة الدستورية عملها بموجب القرار 2254، بحيث تكون هناك انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة ووفقاً لأعلى المعايير الدولية.
> هل هذا ممكن؟
- أكيد.
> هل بدأت التحضير لذلك؟ انتخابات بإشراف الأمم المتحدة؟
- لقد قمت بتعيين شخص معنيٍّ بملف الانتخابات، ونقوم الآن بدراسة كيفية وإمكانية إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً للدستور الجديد بموجب قرار مجلس الأمن 2254. يجب أن تُتاح للشعب السوري المشاركة في انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن، وأن تشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بما في ذلك أولئك الذين يعيشون في المهجر. يستغرق عقد الانتخابات وفقاً لأعلى المعايير الدولية وقتاً طويلاً. ولهذا فإنني بدأت التفكير في كيفية قيام الأمم المتحدة بالإعداد لهذه المهمة من خلال الحوار مع الأطراف السورية.



ترمب: مليارات لإغاثة غزة  و«حماس» العقبة الوحيدة الآن

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مذكرة تفاهم وقع عليها خلال اجتماع «مجلس السلام» في واشنطن الخميس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مذكرة تفاهم وقع عليها خلال اجتماع «مجلس السلام» في واشنطن الخميس (أ.ف.ب)
TT

ترمب: مليارات لإغاثة غزة  و«حماس» العقبة الوحيدة الآن

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مذكرة تفاهم وقع عليها خلال اجتماع «مجلس السلام» في واشنطن الخميس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مذكرة تفاهم وقع عليها خلال اجتماع «مجلس السلام» في واشنطن الخميس (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، عادّاً ذلك «رقماً صغيراً مقارنة بتكاليف الحروب» التي تصل إلى «مئات الأضعاف»، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات.

وقال ترمب في كلمة دشن فيها «مجلس السلام»: «معاً يمكننا تحقيق حلم إحلال سلام دائم في منطقة عانت من ويلات الحروب لقرون، وغرقت في المجازر لثلاثة آلاف عام، ونأمل أن نلفت أنظار العالم لنرى كيف يمكن تسوية النزاعات المستعصية الأخرى». مشيراً إلى دعم جهود الأمم المتحدة. وكشف أن دولاً مثل كازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر والسعودية وأوزبكستان والكويت أسهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وركز ترمب على غزة، مشيراً إلى أن وقف إطلاق النار أدى إلى إعادة جميع الرهائن (الأحياء والأموات)، وأن «حماس» ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «رد قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

وأشار إلى أن الدول التي تشارك في الاجتماع لا تقتصر مساهمتها بالمال فقط، بل تعهد بعضها بإرسال أفراد للمساعدة في الحفاظ على وقف إطلاق النار، وضمان سلام دائم. وأكد أن الشرق الأوسط يشهد «سلاماً أكبر مما كان يُعتقد مستحيلاً لثلاثة آلاف عام»، بعد «تدمير القدرة النووية الإيرانية» عبر قاذفات B-2، عادّاً ذلك مفتاح السلام الإقليمي.

وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير خلال اجتماع «مجلس السلام» في واشنطن الخميس (أ.ف.ب)

النرويج و«فيفا»

أعلن ترمب عن خطط مستقبلية، بما في ذلك استضافة النرويج لاجتماع للمجلس، ومشاركة «فيفا» في جمع 75 مليار دولار لمشاريع في غزة (بما في ذلك ملاعب كرة قدم)، ومشاركة اليابان في حملة جمع تبرعات. ودعا إيران إلى «الانضمام إلى الطريق السلمي» أو مواجهة «مسار مختلف»، مشدداً على منعها من امتلاك سلاح نووي.

وأشاد ترمب بمعهد السلام الذي سمي باسمه، وأكد التنسيق الوثيق مع الأمم المتحدة، عادّاً أن المجلس سيعززها و«يراقب» أداءها. وختم بالقول إن «السلام أرخص بكثير من الحرب»، وأن المجلس يثبت أن «القيادة الحازمة تجعل المستحيل ممكناً».

وخلال كلمته التي استمرت لما يقرب من الساعة، أبرز ترمب إنجازاته، مشيراً إلى نجاحات اقتصادية في «وول ستريت»، وإلى نجاح دبلوماسيته الشخصية في إنهاء «ثماني حروب» في عامه الأول، بما في ذلك نزاعات طويلة الأمد استمرت عقوداً، وأشاد بفريقه بما في ذلك نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، واصفاً إياهم بـ«أفضل فريق تم تجميعه على الإطلاق».

وشكر الرئيس الأميركي قادة الدول المشاركة، مثل رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، والرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، مشيراً إلى دوره في حل نزاعات مثل باكستان - الهند، وأرمينيا - أذربيجان. ووجّه الشكر للدول العربية المشاركة في الاجتماع.

صورة شاملة لاجتماع «مجلس السلام» في واشنطن الخميس (أ.ف.ب)

مشاركة فلسطينية

وتوالت كلمات المسؤولين الأميركيين وممثلي الوفود المشاركة. وقال وزير ​الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه لا توجد «خطة بديلة» لقطاع غزة ‌سوى جهود ‌«مجلس ​السلام» ‌الذي ⁠أنشأه ​الرئيس ⁠ترمب. فيما أعلن منسّق «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف أن باب الانتساب فُتح الخميس لإنشاء قوة من الشرطة في قطاع غزة تكون بعيدة من نفوذ حركة «حماس». وقال ملادينوف: «في الساعات الأولى فقط (لفتح باب الانتساب)، قدّم ألفا شخص طلبات للانضمام إلى قوة الشرطة الوطنية الفلسطينية».

وكان لافتاً مشاركة علي شعث رئيس اللجنة الفنية الفلسطينية المشكلة لإدارة شؤون غزة بعد انتقادات لعدم وجود تمثيل فلسطيني في المجلس. وقال شعث في كلمة لم تتجاوز دقيقتين إن الحكومة الفلسطينية الجديدة لديها الآن الصلاحيات لتحقيق الاستقرار في غزة، لكنها تعمل في ظروف بالغة الصعوبة وأوضح أن لديه «أربع أولويات هي: استعادة الأمن، وتدريب 5 آلاف جندي يتم نشرهم خلال شهرين، والأولوية الثانية هي خلق وظائف كريمة للفلسطينيين، والثالثة هي ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية، والرابعة هي إعادة الخدمات الأساسية، وضمان حرية الحركة».

وكان الرئيس ترمب قد افتتح صباح الخميس الاجتماع التأسيسي الأول لمجلس السلام - الذي دعا لتشكيله - وسط حضور ممثلين من أكثر من 47 دولة على مستوى الرؤساء والقادة، وعلى مستوى رؤساء الوزراء ووزراء الخارجية وسفراء الدول وممثلي المنظمات الدولية من الأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية والبنك الدولي. وركزت نقاشات المجلس على بحث إعادة الإعمار وتأمين الاستقرار في القطاع الفلسطيني بعد الحرب المدمرة بين إسرائيل و«حماس».

وتأتي القمة بعد نحو ثلاثة أشهر من موافقة مجلس الأمن الدولي على خطة وقف إطلاق النار المدعومة من الولايات المتحدة، التي تضمنت تفويضاً لمدة عامين لمجلس السلام للإشراف على نزع السلاح وإعادة إعمار غزة. تشمل القضايا الرئيسية العالقة نزع سلاح «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، وحجم إعادة الإعمار، وتدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع. ولا يزال وقف إطلاق النار في غزة هشاً، حيث يتبادل كل من إسرائيل و«حماس» الاتهامات بخرق الاتفاق. وبموجب بنود وقف إطلاق النار، انسحبت القوات الإسرائيلية إلى مواقع خلف ما يُسمى بالخط الأصفر، على الرغم من أنها لا تزال تسيطر على أكثر من نصف القطاع.

 

معضلة سلاح «حماس»

لم تُعلن إدارة ترمب عن خطة رسمية لنزع سلاح «حماس»، لكنّ المسؤولين يقولون إن المحادثات مستمرة مع مصر وقطر وتركيا، التي تتواصل مع مفاوضي «حماس». وصرّحت إسرائيل بأنها لن تسمح بأي أعمال إعادة إعمار واسعة النطاق في غزة قبل أن توافق «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى في القطاع على نزع سلاحها.

الرئيس الإندونيسي خلال اجتماع «مجلس السلام» في واشنطن الخميس (أ.ف.ب)

وأشار السفر الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز في جلسة لمجلس الأمن مساء الأربعاء: «الرسالة واضحة لـ(حماس) أمامكم خياران إما نزع السلاح بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة. ونتوقع منهم الوفاء بالتزاماتهم في الاتفاق».

ولا تبدي «حماس» استعداداً لتسليم سلاحها وسط مخاوف من أعمال انتقامية إسرائيلية، ونزع سلاح الحركة ضمن خطة ترمب المؤلفة من 20 بنداً بشأن غزة ‌التي قادت لوقف هش لإطلاق النار بدأ في أكتوبر (تشرين الأول) بعد حرب استمرت عامين في غزة. وقال مسؤول كبير ⁠في الإدارة ⁠الأميركية: «ندرك تماماً التحديات المتعلقة بنزع السلاح، لكن ما أفاد به الوسطاء حتى الآن يمنحنا قدراً من التفاؤل».

وفي غزة، قال المتحدث باسم «حماس» حازم قاسم: «ما زلنا نؤكد على ضرورة أن يكون دور هذه القوات الدولية هو مراقبة وقف إطلاق النار ومنع الاحتلال من مواصلة عدوانه». وأضاف أن الحركة «ترى أنه يمكن التعامل مع موضوع السلاح ضمن مقاربات داخلية متعلقة بدوره في المرحلة المقبلة وطبيعة شكل المقاومة في غزة في المرحلة المقبلة، وأن تكون هذه المقاربة ضمن إطار وطني وتنزع الذرائع من الاحتلال لعودة الحرب أو إعاقة الإعمار».

وتقول «حماس» التي استأنفت إدارة القطاع المدمر، إنها مستعدة لتسليم السلطة إلى لجنة من التكنوقراط ​الفلسطينيين برئاسة علي شعث تدعمها الولايات ​المتحدة، لكن إسرائيل لم تسمح للجنة بدخول غزة.

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنه لن تكون هناك إعادة إعمار لقطاع غزة قبل نزع السلاح منه. وقال خلال خطاب متلفز في حفل عسكري: «لقد اتفقنا مع حليفنا الولايات المتحدة على أنه لن تكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

قوة حفظ السلام

تعهدت إندونيسيا بإرسال نحو 8000 جندي إلى قوات الأمن الإسرائيلية. كما من المقرر أن تنضم ألبانيا والمغرب واليونان إلى قوات حفظ السلام في غزة، وفقاً لمسؤولين مطلعين على الخطط. ومن المحتمل أن تعالج هذه القوات قضايا الحدود، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الدول ستسمح لقواتها بالمشاركة في مراقبة أو ضمان نزع سلاح «حماس».

جانب من اجتماع «مجلس السلام» في واشنطن الخميس (أ.ف.ب)

وأعلن ​قائد قوة الاستقرار الدولية في غزة خلال اجتماع «مجلس السلام» التزام ⁠خمس ​دول بإرسال ⁠قوات إلى القطاع. وقال الجنرال جاسبر جيفيرز: «يسرني ⁠للغاية أن ‌أعلن ‌اليوم التزام ​الدول ‌الخمس ‌الأولى بإرسال قوات للعمل ضمن قوة الاستقرار الدولية، ‌وهي إندونيسيا والمغرب وكازاخستان ⁠وكوسوفو وألبانيا. وتعهدت ⁠أيضاً دولتان بتدريب أفراد الشرطة، وهما مصر والأردن».

وستتولى إندونيسيا منصب نائب قائد قوة الاستقرار الدولية في غزة.

 

انتقادات

 

أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، باسكال ⁠كونفافرو، ‌أن باريس ‌فوجئت بإرسال ​المفوضية الأوروبية ‌لمسؤول ⁠للمشاركة ​في اجتماع ⁠مجلس السلام في واشنطن، مضيفاً أن المفوضية لا تملك تفويضاً لتمثيل الدول الأعضاء. وقال كونفافرو للصحافيين إن ‌مجلس ‌السلام، من وجهة نظر ​باريس، ‌بحاجة إلى إعادة ‌تركيز جهوده على غزة تماشياً مع قرار مجلس الأمن الدولي، وإن فرنسا ‌لن تشارك في المجلس حتى يُزال هذا الغموض.

وكانت الانتقادات لاحقت المجلس منذ الإعلان عنه، وكان أبرزها حول المخاوف من أن يشكل المجلس آلية دولية تقلص وتهمش دور منظمة الأمم المتحدة، حيث ينص ميثاقه على أهداف أوسع بكثير، تتمثل في حل النزاعات المسلحة في كل أنحاء العالم، ما أثار مخاوف من أن الولايات المتحدة تسعى إلى جعل هذا المجلس بديلاً من الأمم المتحدة التي يتهمها الرئيس الأميركي بأنها غير مجدية. كما انتقد الاتحاد الأوروبي ابتعاد مجلس السلام عن المرجعيات الدولية حول القضية الفلسطينية وقرارات مجلس الأمن الدولية.

واتجهت الانتقادات أيضاً إلى صلاحيات الرئيس ترمب الواسعة في هذا المجلس بما فيها رياسته مدى الحياة، وسلطة قبول الأعضاء وتحديد توجهات عمل المجلس؛ إضافة إلى تحكمه وحده في أوجه إنفاق الأموال التي تقدمها الدول الأعضاء، وهو الوحيد المخول «دعوة» رؤساء دول وحكومات للمشاركة فيه، أو إلغاء مشاركتهم فيه.

ويوكد محللون أن نجاح المجلس لن يُقاس بحجم التعهدات المالية، بل بقدرته على معالجة ثلاثة تحديات أساسية، الأول هو نزع سلاح «حماس» الذي يمكن أن يكون «الاختبار الحاسم» لقدرات المجلس ونفوذه، والثاني هو انسحاب إسرائيل وفقاً لخطة ترمب المكونة من 20 بنداً، أما التحدي الثالث فيتعلق بالقدرة الواقعية على تشكيل قوة استقرار ذات شرعية دولية ومحلية.

 

 


سكان غزّة يشعرون بالتهميش مع انعقاد «مجلس السلام»

الاجتماع الافتتاحي لـ«مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الاجتماع الافتتاحي لـ«مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

سكان غزّة يشعرون بالتهميش مع انعقاد «مجلس السلام»

الاجتماع الافتتاحي لـ«مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الاجتماع الافتتاحي لـ«مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

يخشى كثيرون من سكان قطاع غزة المدمَّر، بعد عامين من الحرب مع إسرائيل، ألا يكون لمعاناتهم أي صدى في الاجتماع الافتتاحي لـ«مجلس السلام»، برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

فمع تحول مساحات واسعة من قطاع غزة إلى أنقاض، بعد عامين من الحرب، يُولي سكانه إعادة الأعمار أولاً الاهتمام، لكنهم قلقون من أن تُتخذ قرارات تتعلق بمستقبلهم دون مشاركتهم، في الاجتماع المنعقد بواشنطن، الخميس، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

أُنشئ «مجلس السلام» في إطار المقترح الأميركي الذي استندت إليه وساطة واشنطن والقاهرة والدوحة، وأثمر اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وكان الهدف من «المجلس»، في بادئ الأمر، الإشراف على وقف إطلاق النار وإعمار القطاع، لكن هدفه توسَّع ليشمل تسوية مختلف النزاعات الدولية، ما أثار مخاوف من أن يصبح كياناً موازياً للأمم المتحدة.

وحضر نحو عشرين رئيساً ومسؤولاً رفيع المستوى إلى واشنطن؛ للمشاركة في الاجتماع الذي ينبغي أن يتناول المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.

«غياب التمثيل يقلقنا»

لكن كثيرين من سكان غزة يُعربون عن قلق أو تساؤلات.

يقول محمد عبد المجيد، البالغ 37 عاماً، وهو نازح في دير البلح بوسط القطاع: «إذا كان هذا المجلس سيجلب تهدئة حقيقية وتحسيناً لأوضاعنا، فنحن نرحب بأي جهد، لكن غياب التمثيل الفلسطيني يُقلقنا».

ويضيف، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كيف يمكنهم أن يفهموا احتياجاتنا وهم لا يعيشون ما نعيشه يومياً؟ لذلك نخشى أن تكون القرارات بعيدة عن معاناة الناس على الأرض».

ورغم أن المجلس نفسه لا يضم أعضاء فلسطينيين، لكن لجنة تكنوقراط فلسطينية من 15 عضواً ستتولى الإشراف على الإدارة اليومية للقطاع، على أن تعمل تحت إشراف «مجلس السلام».

وشارك رئيس اللجنة علي شعث، وألقى كلمة، أمام المجلس، الخميس، لكن الغموض بشأن الترتيبات المقررة للقطاع تُقلق سكانه.

في مدينة غزة، تُعرب صفاء (40 عاماً) عن تخوفها من عدم الوفاء بالوعود.

وتقول: «شهدنا وعوداً كثيرة، وفي كل مرة يجري الحديث عن حلول، لكن دون تطبيق ودون أن تتغير حياتنا للأفضل».

وتضيف: «المشكلة ليست في عقد الاجتماعات والمجالس، بل في ضمان أن تكون نتائجها مُنصفة وتحترم حقوقنا ومطالبنا».

وترى صفاء أن «استبعاد الفلسطينيين من هذه الاجتماعات» يطرح تساؤلات حول «مدى عدل أي مُخرجات قد تَصدر عن هذا المجلس ومدى تطبيقها على أرض الواقع».

«كل ما نريده هو الأمان»

لوّح ترمب، وهو مستثمر عقاريّ قبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة، في أوقات سابقة، بفكرة تحويل غزة إلى منتجع سياحي ساحلي، عقب استعادة الاستقرار.

غير أنّ كثيرين يشككون في هذا الطموح، في ظلّ حجم الدمار واستمرار انعدام الأمن.

ومن المتوقّع أن يكشف ترمب، خلال الاجتماع، عن تعهّدات تتجاوز خمسة مليارات دولار لغزة، حيث باتت غالبية المباني ركاماً، في حين لا يزال مئات الآلاف من الأشخاص نازحين ويعيشون في خيام.

وتُعدّ مسألة مستقبل حركة «حماس» من أكثر القضايا المطروحة أمام المجلس حساسية. ويُشكّل نزع سلاحها مطلباً إسرائيلياً أساسياً ونقطة محورية في المفاوضات بشأن المرحلة التالية من وقف إطلاق النار.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت لجنة التكنوقراط الفلسطينية المكلّفة بإدارة شؤون قطاع غزة ستتطرّق إلى مسألة نزع السلاح أو كيفية معالجتها.

ومثّل إسرائيل في اجتماع الخميس وزير الخارجية جدعون ساعر.

لكن بالنسبة لبعض سكان غزة مثل إيهاب عبد الحي، فإنّ التباين بين مشاركة إسرائيل في اجتماع الخميس وغياب التمثيل الفلسطيني لافت.

ويُبدي الفلسطيني النازح، الذي يعيش في منطقة المواصي جنوباً، استغرابه من حضور التمثيل الإسرائيلي في «مجلس السلام» و«تجاهل» التمثيل الفلسطيني.

وأضاف الرجل، البالغ 45 عاماً، أن «الطريق التي يسلكها ترمب واضحة ومعروفة، فهم يريدون محاولة هزيمة (حماس) العسكرية لـ(فرض) واقع جديد ضد كل الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وحُكم إسرائيل الفلسطينيين بشكل مباشر».

من جهته، قال المتحدث باسم حركة «حماس»، حازم قاسم، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ على المجلس أن يُلزم إسرائيل «بوقف انتهاكاتها في غزة»، ورفع حصارها الطويل على القطاع.

ويظلّ معظم سكان غزة، البعيدون عن دوائر صنع القرار في واشنطن، معتمدين جزئياً على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وقال عبد المجيد، في دير البلح: «نحن بغزة تعبنا من هذه الحياة، وكل ما نريده هو الأمان وإعادة الإعمار».


من عدن... الزنداني يعلن انطلاق إصلاح شامل بدعم سعودي

حكومة الزنداني تعقد أول اجتماع لها بعد عودة الوزراء إلى عدن (سبأ)
حكومة الزنداني تعقد أول اجتماع لها بعد عودة الوزراء إلى عدن (سبأ)
TT

من عدن... الزنداني يعلن انطلاق إصلاح شامل بدعم سعودي

حكومة الزنداني تعقد أول اجتماع لها بعد عودة الوزراء إلى عدن (سبأ)
حكومة الزنداني تعقد أول اجتماع لها بعد عودة الوزراء إلى عدن (سبأ)

عقدت الحكومة اليمنية الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، الخميس، أول اجتماعاتها برئاسة رئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني، وذلك بعد اكتمال عودة الوزراء لمباشرة مهامهم من الداخل، وسط تطلعات إلى تحسين الأوضاع الأمنية والخدمية والاقتصادية بالاستفادة من الدعم السعودي في شتى المجالات.

تزامن ذلك مع تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي حذر فيها من الفوضى في عدن في إشارة لمحاولات يقودها عناصر في المجلس الانتقالي المنحل، وقال: «لن نسمح بأي محاولات لزعزعة السكينة العامة أو جر مدينتنا إلى الفوضى أو الصراعات العبثية».

وخلال أول اجتماع لمجلس الوزراء عقب عودته إلى عدن، شدد الزنداني على أنه «لا مجال لوجود أي عضو في الحكومة خارج البلاد»، مؤكداً أن الحكومة ستكون موجودة على الأرض، وستعيش مع المواطنين وتلامس احتياجاتهم اليومية، في خطوة تهدف إلى استعادة ثقة الشارع وتعزيز الأداء الحكومي المباشر.

وأكد رئيس مجلس الوزراء اليمني الذي يحتفظ أيضاً بحقيبة الخارجية، أن حكومته ستدخل مرحلة جديدة من العمل الميداني الفعلي انطلاقاً من العاصمة المؤقتة عدن، مشدداً على أن المرحلة المقبلة ستقوم على الحضور المباشر بين المواطنين، وتعزيز فاعلية مؤسسات الدولة، وإحداث تحول ملموس في مستوى الخدمات والاستقرار الاقتصادي والأمني.

جانب من اجتماع حكومة شائع الزنداني في عدن (سبأ)

وأوضح أن التحسن الذي شهدته بعض الخدمات الأساسية خلال الأسابيع الماضية لم يكن مؤقتاً، بل جاء نتيجة إجراءات منضبطة وإصلاحات عملية، إلى جانب دعم كبير من السعودية، التي وصفها بأنها أثبتت مجدداً كونها سنداً للدولة اليمنية وشريكاً أساسياً في تحقيق السلام، وضمان الاستقرار، مشيراً إلى أن تحركاتها الداعمة للشعب اليمني تنسجم مع قواعد القانون الدولي.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أن الحكومة تعمل على استدامة تقديم الخدمات بحيث يشعر المواطن بفارق حقيقي ومستمر، وليس بتحسن عابر، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات جدية لمحاربة الفساد، وتعزيز الشفافية وإنفاذ القانون، بوصفها ركائز أساسية لبناء مؤسسات دولة فاعلة.

إصلاحات في كل اتجاه

في الجانب الاقتصادي، أعلن الزنداني أن الحكومة ستقدم موازنة واقعية لعام 2026 للمرة الأولى منذ سنوات، مع إعطاء أولوية قصوى لانتظام صرف مرتبات موظفي الدولة بوصفه التزاماً قانونياً وأخلاقياً، إضافة إلى اتخاذ إجراءات للحد من التضخم واحتواء تآكل القوة الشرائية للمواطنين، بما يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية.

وعلى الصعيدين الأمني والعسكري، أكد أن الحكومة ملتزمة بإخراج جميع المعسكرات من العاصمة عدن وبقية المدن، والعمل على توحيد القرارين العسكري والأمني تحت مظلة الدولة، بما يعزز الاستقرار، ويمنع تعدد مراكز النفوذ.

كما شدد على أهمية احترام الحقوق والمساواة بين جميع المواطنين، وعدم السماح بالدعوات التي تشجع الفوضى، أو تهدد السكينة العامة.

وفيما يتعلق بالقضية الجنوبية، عبّر رئيس الحكومة اليمنية عن ثقته بأن الحوار الجنوبي - الجنوبي سيفتح نافذة حقيقية لمعالجة القضية، داعياً أبناء الجنوب إلى نبذ خطاب التخوين والابتعاد عن تأجيج الفتن والأحقاد، والعمل على ترسيخ ثقافة التسامح ومغادرة صراعات الماضي.

وأكد أن الجنوبيين هم المعنيون بتحديد حاضرهم ومستقبلهم عبر الحوار، بعيداً عن فرض الإرادات الفردية أو الفئوية، مشدداً على أنه لا مجال للمزايدة في القضية الجنوبية أو التقليل من شأنها، كونها قضية وطنية جامعة تعني جميع اليمنيين.

وعلى صعيد مسار السلام، شدّد رئيس الوزراء اليمني على احتفاظ الدولة بكل الخيارات لاستعادة مؤسساتها إذا تعنت الحوثيون، مؤكداً أن الشرعية لا تزال تمد يدها للسلام وإنهاء الانقلاب الحوثي، بالتزامن مع العمل للانطلاق بعملية واسعة نحو البناء والتنمية والتطوير.

عمل متدرج

كان الزنداني صرح لدى وصوله مطار عدن الدولي، بأن عودة الحكومة إلى الداخل تمثل التزاماً عملياً بتحمل المسؤوليات الوطنية، والعمل المباشر على معالجة التحديات المتراكمة التي يواجهها المواطنون، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتداعيات الحرب المستمرة.

وفي أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أكد الزنداني أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط»، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة، ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدّد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.

رفض للفوضى

في سياق الدعم الرئاسي لحكومة الزنداني، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، أن أمن العاصمة المؤقتة عدن واستقرارها سيبقيان أولوية لا يمكن المساومة أو التهاون بشأنها.

وشدّد المحرّمي على أنه لن يُسمح بأي محاولات لزعزعة السكينة العامة أو جر مدينة عدن إلى الفوضى والصراعات العبثية، على حد قوله.

وقال في تصريح على حسابه الرسمي بمنصة «إكس»:«سيبقى أمن عدن واستقرارها أولوية لا نقبل فيها المساومة أو التهاون، ولن نسمح بأي محاولات لزعزعة السكينة العامة أو جر مدينتنا إلى الفوضى أو الصراعات العبثية، دون أي انتقاص من المسار السياسي للجنوب وقضيته».

وأضاف: «نحن متطلعون إلى حوار جنوبي - جنوبي ترعاه الرياض، وهو فرصة تاريخية نثمنها ونتمسك بها، ونشكر قيادة المملكة عليها. كما نؤكد دعمنا الكامل للحكومة برئاسة الدكتور شائع الزنداني، مهيبين بكامل أعضائها تقديم ما يلمسه المواطن من خدمات وتحسين الأوضاع المعيشية».

وتعهد عضو مجلس القيادة الرئاسي بمتابعة «الأداء وتقييمه بكل حرص وشفافية ومسؤولية»، داعياً «الجميع إلى التكاتف ونبذ الشائعات وتعزيز روح المسؤولية الوطنية والوقوف صفاً واحداً لحماية العاصمة وصون مؤسسات الدولة».

وأضاف: «ثقتنا بالجميع أنهم يدركون أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار الذي يعد منطلقاً للعمل الحكومي والمؤسسي وتوفير الخدمات، بعيداً عن التوجيه والاستغلال السياسي من أي طرف كان للإضرار بحياة الناس وزيادة معاناتهم، ودون الانتقاص من قضيتنا العادلة».