بيدرسن: اجتماع «الدستورية» لحظة تاريخية... والشعب السوري هو مصدر الشرعية

أكد في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحل في إدلب وشرق الفرات سياسي وليس عسكرياً

غير يبدرسن (رويترز)
غير يبدرسن (رويترز)
TT

بيدرسن: اجتماع «الدستورية» لحظة تاريخية... والشعب السوري هو مصدر الشرعية

غير يبدرسن (رويترز)
غير يبدرسن (رويترز)

قال المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن، في حوار لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، الأربعاء المقبل، تشكّل «لحظة تاريخية» وتفتح الباب للوصول إلى حل شامل للأزمة السورية يتضمن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن «2254».
وأشار إلى أن تشكيل اللجنة «يشكّل بارقة أمل للشعب السوري الذي عانى طويلاً. ويأتي عقب اتفاق حكومة الجمهورية العربية السورية وهيئة المفاوضات السورية على حزمة متكاملة حول عضوية اللجنة والعناصر الأساسية للائحة الداخلية التي ستحكم عملها»، لافتاً إلى أن التشكيل هو «الاتفاق الحقيقي الأول من نوعه بين الحكومة والمعارضة من أجل البدء في تطبيق أحد العناصر الأساسية من قرار مجلس الأمن 2254»، ألا وهو تحديد جدول زمني وعملية لصياغة دستور جديد. واعتبر أن ما جرى يشكل «قبولاً ضمنياً من كل طرف بالطرف الآخر كمحاور، ويُلزم المرشحين من الطرفين بالجلوس معاً، في حوار مباشر وتفاوض، مع السماح في الوقت ذاته بإشراك ممثلي المجتمع المدني». ورأى في الاتفاق على تشكيل اللجنة «تعهُّداً مشتركاً أمام الشعب السوري بمحاولة الاتفاق تحت رعاية الأمم المتحدة على ترتيبات دستورية جديدة لسوريا، وعلى عقد اجتماعي جديد. ويمكن لهذا الاتفاق أيضاً أن يكون خطوة أولى على طريق مسار سياسي أشمل يلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري».
واقترح بيدرسن أن يركز وفدا الحكومة و«هيئة التفاوض» المعارضة على القضية الأساسية، وهي الدستور المطلوب لسوريا، على أن تقوم اللجنة الدستورية بتحديد كيفية تحقيق ذلك.
وسُئل عما إذا كانت المناقشات بين ممثلي الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني ستركز على صلاحيات الرئيس واللامركزية والجيش، فأجاب: «في كل الدساتير هناك عناوين معروفة. وهي ستناقَش في جنيف. وأتناقش حالياً مع رئيسي الوفدين؛ الحكومة (أحمد كزبري) وهيئة التفاوض (هادي البحرة) حول هذه الأمور»، لافتاً إلى أن دوره {كميسّر منصوص عليه بشكل واضح في القواعد الإجرائية، وهو المساعدة والتسهيل في حال كانت هناك عقبات ومآزق».
وأشار بيدرسن إلى أهمية التوصل إلى حلول سياسية في شمال غربي البلاد وشمالها الشرقي. قائلاً: «الوضع (في إدلب) معقد، ويجب الوصول إلى حل يضمن الأمن للمدنيين ويتناول في الوقت نفسه مسألة وجود مجموعات مصنَّفة إرهابية من قِبل مجلس الأمن». وأكد «أهمية تجنب عملية عسكرية شاملة لن تسهم في حل المشكلة وستكون لها تبعات إنسانية بالغة على المدنيين».
وتطرق المبعوث الأممي إلى البيان الروسي- التركي الأخير حول شرق الفرات ووجود خمسة جيوش في سوريا، إضافة إلى مساعيه لتشكيل مجموعة دولية وإقليمية لدعم جهود الأمم المتحدة لحل الأزمة. وفي ما يلي نص الحوار الذي جرى في مكتبه بمقر الأمم المتحدة في جنيف أمس:

> البيان الروسي- التركي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان، أول من أمس (الثلاثاء)، أشار إلى دعم العملية الدستورية و«مسار سوتشي»، لكنه لم يشر إلى مسار جنيف والقرار «2254»... ما تفسيرك؟
- لم أكن في الاجتماع.
> لكن قرأت البيان...
- نعم قرأت البيان. عندما يتعلق الأمر بالعملية السياسية، فإنني مقتنع بأن روسيا وتركيا مؤمنتان بأن إطار العملية السياسية هو القرار 2254. هناك عناصر عدة لهذا القرار الدولي، أحدها تم التركيز عليه بشكل أكبر، وهو ما يتعلق بالمسار الدستوري. لا شك في أن عملية سوتشي وضعت أساساً لذلك. ولكن في النهاية، فإن تشكيل اللجنة الدستورية جاء نتيجة مفاوضات مكثفة. ناقشنا الأسماء والقواعد الإجرائية. وأجريت مفاوضات بنّاءة مع الحكومة في دمشق و«هيئة التفاوض السورية» المعارضة. خلال هذه العملية حصلتُ على دعم المجتمع الدولي، لذلك وصلنا إلى حل. هذا الحل كان مبنياً على القرار 2254. بصراحة ليس هناك أي خلاف حول هذا الأمر.
> حتى من روسيا وتركيا؟
- حتى من الروس والأتراك. هم يؤكدون كلما التقيناهم أن القرار 2254 هو أساس للعملية.
> لماذا لم يُذكر القرار في مفاوضاتهما؟
- في مفاوضات كهذه، هناك اعتبارات كثيرة. لكنّ الرئيسين بوتين وإردوغان ركّزا على القرار الدولي.
> إذن، اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف الأسبوع المقبل، ما مرجعيته؟
- كما تعرف، حتى بالنسبة إلى «الضامنين» الثلاثة في عملية آستانة، أساس العملية السياسية هو القرار 2254. ونحن سنطلق العملية الدستورية الأربعاء المقبل لإعادة العملية السياسية إلى جنيف.
> ماذا سيحصل الأسبوع المقبل؟ من هم المدعوون؟
- أجريت محادثات مع الوزير وليد المعلم، ورئيس «هيئة التفاوض» نصر الحريري، وممثلين عن المجتمع المدني والدول الضامنة لـ«آستانة» و«المجموعة الصغيرة». توصلت إلى نتيجة أن الافتتاح سيكون فقط للسوريين والأمم المتحدة، لتأكيد طبيعة المسار، كونه بقيادة السوريين وملكاً لهم، بتيسير من الأمم المتحدة. وسيكون هناك وجود دبلوماسي بشكل موازٍ من مجموعة «آستانة» و«المجموعة الصغيرة»، لكن لن تشاركا في اجتماعات اللجنة الدستورية.
> يبدو أن اهتمام الدول بالحضور أقل من المفاوضات السابقة. هل هذا مؤشر إلى عدم الاهتمام بالعملية الدستورية؟
- لن توجه أي دعوة إلى ممثلي الدول لحضور الافتتاح. كما تعرف، فإنني وضعت خمس أولويات إحداها دعم المجتمع الدولي. هذا لا يزال طموحي وهدفي. رغم عدم دعوة هذه الدول، فإنني سأواصل جهودي لضمان دعم المجتمع الدولي للعملية السياسية في جنيف حسب القرار 2254. يجب التأكيد أن المجتمع الدولي قدّم الدعم للعملية الدستورية، والآن الأمر يعود إلى السوريين للمضي قدماً في هذه العملية.
> ما توقعاتك للاجتماعات في الأسبوع المقبل؟
- تحقيق تقدم بما يتناسب مع اللحظة التاريخية المتمثلة لأن 150 سورياً يمثلون طيفاً واسعاً من المجتمع السوري سيجتمعون لمناقشة الإصلاح الدستوري في جنيف. هذه فرصة تاريخية. سيكون هناك مرشحون من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني. وستقع على عاتقهم المسؤولية للمضي قدماً. إنني مقتنع بأنهم يفهمون مسؤولياتهم وواجباتهم... لن يكون من السهل استثمار هذه الفرصة. فسوريا لا تزال تواجه أزمة خطيرة مع استمرار العنف والإرهاب، ووجود جيوش خمس دول تعمل على أراضيها، واستمرار المعاناة والانتهاكات المروعة، وانقسام عميق في المجتمع، وشعور باليأس بين السوريين في الداخل والخارج، كما تكاد الثقة أن تكون معدومة. وستكون للجنة الدستورية قيمة حقيقية فقط إذا أصبحت خطوة على الطريق العسير للخروج من الأزمة وصولاً إلى سوريا جديدة.
> للوصول إلى ماذا؟
- هذا الأمر يعود إليهم. عندما يجلسون ويقومون بعملهم، فإن العملية ستمضي قدماً. هم سيحددون بأنفسهم القضايا التي سيناقشونها والمسائل التي يجب أن تتغير للمضي قدماً بالعملية.
> إحدى القضايا الخلافية بين الطرفين الوصول إلى دستور جديد أم تعديل الدستور الحالي للعام 2012... ما تصورك؟
- للجنة الدستورية ولاية واضحة وهي القيام في سياق مسار جنيف الميسّر من قِبل الأمم المتحدة بإعداد وصياغة إصلاح دستوري يُطرح للموافقة العمومية، كإسهام في التسوية السياسية في سوريا وفي تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، ويقوم الإصلاح الدستوري من بين أمور أخرى بتجسيد المبادئ الأساسية الـ12 السورية - السورية الأساسية، التي انبثقت عن مسار جنيف وتم تأكيدها في مؤتمر سوتشي، نصاً وروحاً في الدستور السوري والممارسات الدستورية السورية.
وللجنة الدستورية أن تراجع دستور 2012، بما في ذلك في سياق التجارب الدستورية السورية الأخرى، وأن تقوم بتعديل الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد. ويجب أن يُقر الإصلاح الدستوري الذي ستعتمده اللجنة شعبياً وأن يتم نقله إلى النظام القانوني الوطني السوري من خلال الوسائل التي يتم الاتفاق عليها.
يجب عدم التركيز على التساؤل عن كونه دستوراً جديداً أم تعديلاً للحالي؟ المطلوب هو التركيز على الجوهر: ما الدستور المطلوب لسوريا؟ هذا أساس النقاش، ثم يعود أمر تحقيق ذلك للجنة الدستورية.
> ما القضايا المفتاحية التي سيركز عليها النقاش؟ نسمع أن المعارضة تريد مناقشة صلاحيات الرئيس، والحكومة ترفض، وهناك أيضاً شكل اللامركزية...
- كما تعرف، في كل الدساتير هناك عناوين معروفة، وهي ستناقَش في جنيف.
> ما هي؟
- إنني أتناقش حالياً مع رئيسَي الوفدين؛ الحكومة (أحمد كزبري) وهيئة التفاوض (هادي البحرة) حول هذا الأمر. الرئيسان المشتركان اللذان سيأخذان آراء الوفدين والمجتمع المدني، سيقومان بذلك.
> تقصد صلاحيات الرئيس، طبيعة النظام السياسي، اللامركزية...؟
- كل هذه الأمور ستناقَش من دون أي شك.
> لنفترض أن وفد الحكومة سيقول: لن نقبل ببحث صلاحيات الرئيس وصوغ دستور جديد. في المقابل، سيقول وفد «الهيئة»: نحن هناك لبحث ذلك وصوغ دستور جديد. ماذا ستفعل؟
- هذا يعني أنك متشائم. دوري واضح في القواعد الإجرائية، وهو أن أساعد وأسهّل في حال كانت هناك عقبات ومآزق. ونحن هنا كي نسهّل العملية. إنني متأكد من أنه ستكون هناك تحديات وصعوبات بعد أكثر من ثماني سنوات من الصراع. لن تكون العملية سهلة. هناك خلافات حقيقية، يجب أن نقرّ بذلك. دورنا البحث عن طرق لتضييق الخلافات. طموحي هو جسرها. من المبكر القول حالياً إن هذا الأمر صعب. فالعملية لا تزال في بدايتها.
> هل كان اجتماعك الأخير مع الوزير المعلم إيجابياً؟
- صحيح.
> لماذا باعتقادك؟ ما تفسيرك لدعم الحكومة للعملية؟
- يجب أن تسـأله.
> ما تفسيرك؟
- كانت مناقشاتي في دمشق بنّاءة وإيجابية. شعرت من اليوم الأول أننا نبني الثقة بشكل متدرج حول كثير من الأمور. بالنسبة إلى اللجنة الدستورية، كان هناك التزام من الوزير المعلم بالانخراط والوصول إلى حلول للتحديات الكثيرة. آمل أن ترى الحكومة في ذلك فرصة للتواصل والوصول إلى مناقشات جيدة مع المعارضة. قناعتي أن هذا الأمر يمكن أن يفتح نافذة للحوار. من خلال مفاوضاتي لتشكيل اللجنة الدستورية تحقق أمر مهم، هو الذهاب من دمشق إلى الرياض للجلوس مع الحريري ثم العودة إلى دمشق وإجراء مناقشات. هذا يعني أن هناك أموراً مشتركة بين الطرفين.
> ما الأمور المشتركة مثلاً؟
- الأرضية المشتركة. دعْنا نَعُدْ إلى الوراء. قلت قبل تسعة أشهر: أولويتي هي بناء ثقة مع الأطراف السورية بحثاً عن قواسم مشتركة بين الأطراف. المهمة الأولى كانت تشكيل اللجنة الدستورية وإقرار القواعد الإجرائية. هذا تحقق، وهو أمر مهم وسيكون له أثر على الأمور الأخرى.
> هناك من يقول: ليس مهماً أيّ دستور يكتب السوريون. المهم هي الممارسات...
- نريد خلق حالة جديدة تشير إلى أن التغيير في سوريا ممكن. حالة تتضمن تعافي المجتمع السوري وإعادة الثقة بين مكوناته بما يسهل عودة اللاجئين والنازحين. نريد أن نرى تغييرات في سوريا يمكن أن يطبَّق الدستور فيها. أي أن تكون عملية الإصلاح الدستوري جزءاً من تغيير أشمل. لهذه الأسباب، ونحن نتطلع إلى عقد الاجتماع الأول للجنة الدستورية، فإنني أحثّ كل المعنيين؛ الأطراف السورية وداعميها، على التفكير بشكل أشمل، مع وضع الهدف النهائي لبلد يسوده السلام نصب أعينهم. وأدعوهم إلى استثمار الفرصة التي توفرها اللجنة الدستورية لاتخاذ خطوات ملموسة وبناء الثقة. آمل أن نستطيع بناء تفاعلات إيجابية، خطوة بخطوة بين الأطراف السورية، وأيضاً مع المجتمع الدولي، من أجل الوصول إلى بيئة آمنة وهادئة ومحايدة تُشعر السوريين بأن المسار السياسي قادر على إعادة بناء وطنهم وتلبية طموحاتهم.
> كتب السفير الأميركي السابق روبرت فورد أن الدستور الحالي يتضمن الكثير من المواد المهمة. المهم هي الممارسات في دمشق.
- دعْني أقلْ شيئاً. درستُ التاريخ جيداً، وأنا مؤرخ. هذا كلام ساذج. الدستور والممارسة يختلفان من دولة إلى أخرى. في سوريا، هناك صراع عميق استمر أكثر من 8 سنوات. ليس التحدي الوحيد هو الدستور. هذا المجتمع مر بأزمة عميقة. إذا نظرت إلى الدستور بشكل منعزل عن باقي الأمور، صحيح. لكن عملية الإصلاح الدستوري ما هي إلا بداية للتغيير. لذلك، فإن الإصلاح الدستوري مهم. نريد رؤية وضع يعالج الانقسامات في المجتمع السوري. عملية سياسية تُشعر جميع السوريين بأن سوريا وطن لهم وأن لهم مستقبلاً ومكاناً في هذا الوطن.
> معارضون يقولون إن هدف العملية الدستورية هو «شرعنة النظام»؟
- بالنسبة إليّ، ليس الأمر إضفاء شرعية على الحكومة الحالية أو على المعارضة. هذه عملية هدفها جمع السوريين معاً لفتح صفحة جديدة لسوريا. بعد 8 سنوات تغيرت الأمور. الحكومة تسيطر على مساحة أكبر من الأرض. سنرى تطورات الأحداث في شمال شرقي البلاد. كما قلت، هناك تحديات كثيرة. الأمر لا يتعلق بإعطاء شرعية لطرف أو غيره، بل جمع السوريين معاً.
> هناك من يعتقد أن إيجابية الحكومة ترمي إلى إطلاق عملية للوصول إلى دستور يشرعن الانتخابات الرئاسية في 2021؟
- الاتفاق الذي توصلنا إليه محكوم بعدد من المبادئ الأساسية التي يجب أن تحكم أي مسار أو أي تسوية سياسية. وتشمل هذه المبادئ احترام ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وسيادة سوريا ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها، بالإضافة إلى طبيعة المسار كونه بقيادة السوريين وملكاً لهم. وتتضمن هذه المبادئ أيضاً إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254 تُجرى وفقاً للدستور الجديد. كما أن هذه المبادئ تقِرّ بضرورة وجود مسار سياسي أشمل لتطبيق القرار الأممي.
إن الدستور المقبل لسوريا هو ملك للسوريين وحدهم. وستكون الأمم المتحدة الحارس الأمين لطبيعة المسار. السوريون، وليس أي طرف آخر، سيقومون بصياغة الدستور، والشعب السوري يجب أن يصادق عليه. سنكون حاضرين لتيسير المسار بطريقة تضمن استمراره في التمتع بالمصداقية والتوازن والشمول، ولتقديم المساعدة كلما اقتضت الحاجة. إنني على دراية تامة بأن اللجنة الدستورية وحدها لا يمكنها حل الأزمة. يجب أن ننظر إلى الحقائق، وأن نتعامل مع الأزمة بشكل أكثر شمولاً، وفقاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254.
بصراحة، الشعب السوري هو من يعطي الشرعية، ويحدد مستقبل سوريا وأي علاقة طبيعية مع العالم والدول المجاورة والأوروبيين والأميركيين. ما يحصل في الجانب السياسي، عنصر واحد من العملية. الأوروبيون والأميركيون يريدون عملية سياسية ذات مصداقية تحقق تغييراً على الأرض.
> «الشرعية تأتي من الشعب» ينطبق على الرئيس؟
- نعم. ينطبق على الرئيس.
> هذا موقف واضح منك؟
- نعم. هذا موقفي. الشرعية تأتي من الشعب.
> البعض يقول إن دمشق ستمضي بالإصلاح الدستوري إلى عام 2021 خصوصاً أنه ليس هناك جدول زمني للجنة الدستورية؟
- لقد اتفقت الأطراف والتزمت بالعمل بشكل سريع ومستمر بهدف التوصل إلى نتائج وتحقيق تقدم مستمر، من دون تدخل خارجي أو أطر زمنية مفروضة من الخارج، وكذلك من دون شروط مسبقة أو الإصرار على التوصل إلى اتفاق حول مسألة ما قبل البدء في مناقشة مسألة أخرى.
لا يمكنني التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور. لكنّ هناك اتفاقاً على ضرورة العمل بشكل جدي ومستمر لتحقيق الإصلاح الدستوري. أنت محقّ، الأمر يعود للسوريين في ما يخص المضيّ قدماً. يجب أن نتذكر أنه بعد نحو تسع سنوات من الصراع وفقدان الثقة، فإن الأمر يتطلب وقتاً لكسر الجليد. هذه هي البداية. لا ننظر إلى الدستور بمعزل عن باقي القضايا. هذا مفتاح، وسنناقش القضايا الأخرى وسيكون هناك تأثير متبادل للقضايا بعضها على بعض. الأمر ليس سهلاً ويشكل تحدياً ولكن هذا هو الطريق الوحيد للحل.
> قلت إن الشرعية تأتي من الشعب. والأكراد جزء من الشعب. لماذا لم يُمثّلوا في اللجنة؟
- «قوات سوريا الديمقراطية» ليست جزءاً من اللجنة، لكنّ الأكراد ممثَّلون في اللجنة. جميع المكونات ممثَّلة.
> بعد الاتفاق الروسي- التركي، هل يمكن تمثيل أكراد آخرين؟
- لا يزال الاتفاق في بداياته. من المبكر البت في هذا الأمر.
> كيف ترى المشهد العسكري في إدلب وشرق الفرات؟
- أقول دائماً إنه لا حل عسكرياً للأزمة في سوريا. الحل سياسي.
> بما فيها في إدلب؟
- نعم.
> كيف؟ ما الحل في إدلب؟
- منذ البداية، شجعنا روسيا وتركيا على الالتزام بمذكرة التفاهم الموقَّعة بينهما في سوتشي والتعاطي مع مشكلة العناصر المصنّفة إرهابية من مجلس الأمن الدولي. الوضع معقّد، ويجب الوصول إلى حل يضمن الأمن للمدنيين مع معالجة مسألة وجود مجموعات مصنفة إرهابية من مجلس الأمن. يجب تفادي عملية عسكرية شاملة لن تسهم في حل المشكلة وستكون لها تبعات إنسانية بالغة على المدنيين، فهناك أكثر من 500 ألف نازح. إن محاربة الإرهاب يجب أن تتم وفقاً للقانون الدولي. تناقشنا في ذلك مع روسيا والحكومة.
> ما نصيحتك لدمشق وموسكو حول إدلب؟
- نصيحتي كانت تجميد الوضع في شمال غربي سوريا والوقف الشامل لإطلاق النار وفقاً لما ينص عليه قرار مجلس الأمن 2254. إن التوصل إلى خطوات لتخفيض العنف، وصولاً إلى وقف إطلاق نار على المستوى الوطني، أمر ضروري. يجب أن يتوقف العنف والقتل لأنه لا يوجد حل عسكري للأزمة ولأن قرار مجلس الأمن 2254 ينص على ذلك. فالتوصل إلى وقف إطلاق نار وتفاهمات دولية حول كيفية محاربة الإرهاب بطريقة تضمن حماية المدنيين واحترام أحكام القانون الدولي هو أمر أساسي وسيساعد في دفع المسار السياسي قدماً.
> وما هو الإطار الزمني لذلك؟
- لا يمكن وضع إطار زمني لمحاربة الإرهاب.
> ماذا عن شمال شرقي البلاد؟
- الشيء نفسه. (بسط) سلطة الدولة السورية، وأخذ مصالح جميع المكونات بالاعتبار، وضمان عدم عودة «داعش». يجب أخذ الشواغل الأمنية لتركيا بعين الاعتبار. لكن لا بد من الإشارة إلى الجانب الإنساني. أكثر من 200 ألف شخص نزحوا بسبب العمليات العسكرية.
> هل سألت الأميركيين حول قرارهم الانسحاب؟
- نعم.
> ماذا قالوا؟
- الولايات المتحدة لم تؤيد العملية العسكرية التركية، وتوصل الجانبان التركي والأميركي إلى اتفاق لوقف النار وانسحاب «الوحدات» الكردية. القوات الأميركية ستنسحب من سوريا ولكن لا يوجد إطار زمني محدد للانسحاب.
> تقول دائماً إنه في سوريا خمسة جيوش: أميركا، وروسيا، وإيران، وتركيا، وإسرائيل... هل تنظر إليها بنفس المستوى؟ هل كلها شرعية أم غير شرعية؟
- لن أنظر إلى الموضوع بهذه الطريقة. موقفي هو أن انخراط هذه الجيوش تعبير عن التحديات الموجودة في آخر ثماني سنوات. موقفي أن ننظر إلى ذلك في سياق الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، لتأكيد أن الاستقرار في سوريا لا يتعلق بسوريا فحسب بل له بعد إقليمي ودولي ويجب أخذ ذلك بالاعتبار.
> هل لا تزال قلقاً من خروج الأمور عن السيطرة؟
- طبعاً. وجود هذه الجيوش على الأراضي السورية يشكل تحدياً للأمن والسلم الدوليين.
> روسيا تقول إن وجودها شرعي؟
- لا أريد الدخول في التفاصيل. روسيا وإيران تقولان إنهما جاءتا بناءً على دعوة الحكومة السورية. طبعاً، ولكن هناك عوامل أخرى يجب أخذها في الاعتبار.
> هل أمر طبيعي أن تطلَق اللجنة الدستورية في وقت يزداد المشهد العسكري تعقيداً؟
- القليل مما حصل في سوريا كان طبيعياً. كل شيء غير طبيعي. الأمر المهم، عندما تجد فرصة لإطلاق شيء إيجابي، فيجب ألا تتوقف عن ذلك بسبب المشهد المعقد على الأرض. يجب عدم البحث عن ذرائع لعدم المضي قدماً.
> هناك تخوف من أن تكون العملية الدستورية غطاءً للعمليات العسكرية؟
- بالعكس، العملية السياسية يمكن أن تُنهي العمليات العسكرية.
> عندما تسلمت المنصب تحدثت عن خمس أولويات. ماذا تحقق وماذا لم يتحقق في كل منها؟
- الأولوية الأولى كانت بناء الثقة مع الحكومة و«هيئة التفاوض» بموجب صلاحياتي في القرار 2254. هذه عملية مستمرة. هناك تطور إيجابي ومُرضٍ، لكن عملية بناء الثقة عملية مستمرة وتتطلب وقتاً. الثانية، تطوير علاقات مع طيف واسع من المجتمع المدني والمجلس الاستشاري النسائي. أريد أن أقوم بجهد أكبر في هذا السياق مع أنني راضٍ عما حققناه. الثالثة، تشكيل اللجنة الدستورية والقواعد الإجرائية. وقد توصلنا إلى اتفاق، وستُطلق اللجنة عملها الأربعاء المقبل.
> وموضوع المعتقلين والمخطوفين؟
- هو الأولوية الرابعة. ولست راضياً عما تحقق.
> لماذا؟
- عملنا على مسارين: مجموعة العمل الرباعية مع روسيا وإيران وتركيا والصليب الأحمر، والتفاوض مع الحكومة والمعارضة، وطلبنا من الطرفين إطلاق معتقلين ومخطوفين بشكل أحادي... هذه المسألة تخص الكثير من العائلات ونريد أن نرى عمليات إطلاق أوسع. يمكن أن تبني ثقة بين السوريين إذا تم التعامل مع هذه القضية بشكل أكثر فاعلية. فلا يزال مصير عشرات الآلاف من المعتقلين والمخطوفين والمفقودين مجهولاً. وتعاني عائلاتهم بشكل كبير وتواجه تحديات يومية. إنني أدعو إلى العمل على ملف المعتقلين والمخطوفين والمفقودين، وبشكل خاص الإفراج عن النساء والأطفال.
> وماذا عن الأولوية الخامسة؟
- الأزمة السورية معقدة. أردت أن أرى جهداً أكبر من المجتمع الدولي لدعم عملية جنيف.
> مَن يعرقل ذلك: روسيا أم أميركا؟
- ليس هناك طرف واحد. هذه مسألة معقدة. هناك الكثير من العناصر. حققنا بعض النجاح، لكن أريد تحقيق المزيد. سأبذل جهدي للقيام بجهد أكبر في التقريب بين الأطراف الدولية.
> في العام المقبل هناك انتخابات برلمانية، وفي 2021 انتخابات رئاسية. كيف تريد أن تراها؟
- السيناريو المثالي هو أن تُنهي اللجنة الدستورية عملها بموجب القرار 2254، بحيث تكون هناك انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة ووفقاً لأعلى المعايير الدولية.
> هل هذا ممكن؟
- أكيد.
> هل بدأت التحضير لذلك؟ انتخابات بإشراف الأمم المتحدة؟
- لقد قمت بتعيين شخص معنيٍّ بملف الانتخابات، ونقوم الآن بدراسة كيفية وإمكانية إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً للدستور الجديد بموجب قرار مجلس الأمن 2254. يجب أن تُتاح للشعب السوري المشاركة في انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن، وأن تشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بما في ذلك أولئك الذين يعيشون في المهجر. يستغرق عقد الانتخابات وفقاً لأعلى المعايير الدولية وقتاً طويلاً. ولهذا فإنني بدأت التفكير في كيفية قيام الأمم المتحدة بالإعداد لهذه المهمة من خلال الحوار مع الأطراف السورية.



الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.


اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.