الاحتجاجات الشعبية تربك الأحزاب اللبنانية

حجم المشاركة فاجأ الثنائي الشيعي... وبعض حلفاء «حزب الله» يعارضون التصاقه بعون

الاحتجاجات الشعبية تربك الأحزاب اللبنانية
TT

الاحتجاجات الشعبية تربك الأحزاب اللبنانية

الاحتجاجات الشعبية تربك الأحزاب اللبنانية

فوجئ الوسط السياسي في لبنان ومعه السفراء العرب والأجانب بحجم المشاركة في الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة لما حملته من دلالات تجاوزت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وصولاً إلى الاقتراب من الخطوط الحمراء بدعوة المشاركين فيها إلى تغيير الطبقة الحاكمة على المستويين التشريعي والتنفيذي والتحضير لتشكيل هيئة تأسيسية لإعادة إنتاج سلطة جديدة.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن السفراء العرب والأجانب لم يتوقّعوا حجم المشاركة الشعبية التي بعث المشاركون فيها برسالة أنها كانت عابرة للطوائف والمذاهب والأحزاب والتجمّعات السياسية، وتحديداً تلك الممثلة في الحكومة، وسجّلت في الوقت نفسه خرقاً من محازبيها وجمهورها الذي لم يتردد في النزول إلى الساحات، وهذا ما شكل إرباكاً لها فحاولت استردادهم من خلال استجابتها لمطالبهم دونها تغيير السلطة الحاكمة.
فالأحزاب إياها كما يقول مصدر وزاري لم تتمكن من استيعاب جمهورها ومحازبيها الذين أطلقوا صرخة مدوية جاءت تعبيراً صادقاً عن أوجاعهم وآلامهم التي لم تلق منهم أي تجاوب، واضطرت متأخرة، لمحاكاتهم من خلال وضع ورقة إنقاذ اقتصادية يتعامل معها البعض ممن نزلوا إلى الساحات، على أنها غير كافية ما لم تكن مقرونة بخطوات يراد منها إعادة إنتاج السلطة السياسية على المستويات كافة.
ولعل الانتفاضة الشعبية التي شهدتها طرابلس وتمددت إلى بلدات وقرى شمالية عدة، أحدثت مفاجأة للذين ينظرون إلى عاصمة الشمال على أنها تحوّلت إلى «قندهار» لبنانية أسوة بتلك الأفغانية.
فطرابلس الفقيرة والمعدومة التي تشكو دائماً من إهمال السلطة وتماديها في عدم الاستجابة لصرخاتها، أظهرت عن سابق تصور وتصميم ومن خلال مشاركتها الحضارية في الانتفاضة، أن كثيرين ظلموها في اتهامها بأنها حاضنة للإرهاب وبؤرة لـ«الدواعش»، وبالتالي تمردها على النظام العام وعصيانها على الدولة.
ناهيك عن أن عاصمة الشمال تمرّدت على قياداتها من أحزاب ووزراء ونواب، ومعهم بعض المجموعات المتطرفة والمتشددة، ونزل أهلها إلى ساحة النور ليقولوا لمن هم في الحكومة والحكم... «كفى حرماناً».
لكن الحراك الطرابلسي لم يبق محصوراً في منطقة الشمال، مع ارتفاع منسوب الاحتجاج في منطقة الجنوب ليس في صيدا فحسب، وإنما شمل بلدات وقرى يتمتع فيها «الثنائي الشيعي» أي «حزب الله» وحركة «أمل» بنفوذ سياسي كبير، ليس هناك من منافس لهذا الثنائي سوى مجموعات يسارية أبرزها الحزب «الشيوعي»، مع أنه على تلازم وثيق مع «حزب الله» لجهة خياراته السياسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
فالثنائي الشيعي لم يكن يتوقع حجم المشاركة الشعبية في الحركة الاحتجاجية وإن كان من بين المشاركين وبأعداد كبيرة من هم على صلة وثيقة به ومحسوبين عليه سياسيا، مع أن مصادر نيابية تقول إن حجم المشاركة لقي «تطنيشاً» منه في اليومين الأولين لانطلاقة الانتفاضة، وقد فوجئ بامتلاء الساحات بخلاف توقعاته.
وتلفت المصادر هذه إلى أن «الثنائي الشيعي» وتحديداً «حزب الله»، لا يزال يراقب ردود الفعل في الساحات للتأكد من عدم وجود جهات إقليمية ودولية معادية له قررت ركوب موجة التحرك الشعبي واستغلالها لإضعافه، ثأراً منه على مواقفه وأبرزها تلك التي أملت عليه التدخّل أمنياً وسياسياً في شؤون عدد من الدول العربية لزعزعة الاستقرار فيها لمصلحة محور الممانعة بقيادة إيران.
وتؤكد أن الحزب لن يلوذ بالصمت في حال أنه تلمّس بالأدلة والبراهين وجود قوى خارجية معادية له تقوم باستغلال الانتفاضة الشعبية لاستهدافه البيئة الحاضنة للمقاومة، وبالتالي سيكون له الرد المناسب لإحباط أي مخطط معادٍ له تقف خلفه الولايات المتحدة الأميركية.
لذلك، فإن الانتفاضة الشعبية التي تغطي حالياً معظم المناطق اللبنانية في وسط بيروت وعلى طول الساحل البحري الذي يربط العاصمة بالمحافظات اللبنانية، أدت إلى إرباك الوسط الدبلوماسي من عربي وأجنبي، والذي فوجئ بصمود المشاركين فيها من جهة وبتصاعد النبرة في الساحات المسيحية ضد رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل، فيما غاب وزراء ونواب «تكتل لبنان القوي» عن شاشات التلفزة ربما لرغبتهم في الإحجام عن الدفاع عن رئيسهم باسيل، وعدم الدخول في سجال مع من يهاجمونه، رغم أنه احتل المرتبة الأولى من بين الذي استهدفتهم أصوات المشاركين في الانتفاضة.
ولعل السمة البارزة في الاحتجاجات في الساحات التي تواجدت فيها الغالبية من المسيحيين، أنها حملت للمرة الأولى علامة فارقة تمثلت في مشاركة ناشطين سابقين وحاليين في «التيار الوطني».
كما أن السمة الأخرى تمثلت في دعوة المشاركين في أكثرية الساحات، رئيس الجمهورية، إلى الاستقالة، من دون أن تلقى أي رد فعل يُشتمّ منه الاعتراض من قبل الفريق الوزاري المحسوب عليه الذي يتبع في الوقت نفسه إلى الوزير باسيل.
وعليه وبصرف النظر عن مدى تجاوب المشاركين في الانتفاضة مع مضامين الورقة الاقتصادية الإنقاذية التي أذاعها الرئيس الحريري فور انتهاء جلسة مجلس الوزراء برئاسة الرئيس عون، فإن الحراك الشعبي أراد توجيه رسائل عدة لم تقتصر على الرؤساء الثلاثة والوزراء والنواب، وإنما شملت المحسوبين عليهم من مستشارين أعضاء في فرق العمل التابعة لهم.
ولعل الإجماع في هذه الرسائل يكمن في تسليط الضوء على الوزير باسيل لما تعرّض له من انتقادات من دون إعفاء الآخرين، وهذا ما يستدعي من أركان الدولة التمعّن في المضامين السياسية لهذه الرسائل. وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر وزارية نيابية، أن وقوف الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله إلى جانب رئيس الجمهورية وتأكيده أنه باق على رأس الدولة، وأن الدعوة لاستقالته مرفوضة، قوبل باعتراض من أطراف سياسية بعضها على تحالف مع الحزب.
ورأت المصادر نفسها أن من حق نصر الله الدفاع عن حليفه ورفضه الدعوات لاستقالته، لكن ما المانع من أن يوازن موقفه بسرد بعض الملاحظات على أداء «العهد القوي» وأيضاً على الوزير باسيل، خصوصاً أن أكثر من مسؤول في الحزب يبدي امتعاضه من تصرفاته وممارساته ومن تعاليه في مخاطبة الآخرين وإن كان من ينتقده يتفادى تظهير انتقاداته له إلى العلن.
وسألت المصادر الوزارية والنيابية كيف يسمح رئيس الجمهورية، لباسيل، بالتحدث من منبر الرئاسة الأولى حتى لو استأذن صاحبه. وقالت إن ما صدر عن باسيل أحرج عون وكان يجب على وزير الخارجية الانتقال إلى أحد مراكز «التيار الوطني» الموجودة بكثرة في المنطقة المحيطة بالقصر الجمهوري، بدلاً من أن يفسّر ما قاله وكأنه ينطق باسم «العهد القوي» الذي يُطلب منه بأن يكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف.
كما سألت هذه المصادر عن الأسباب التي حالت دون أن يبادر الرئيس عون إلى مخاطبة المحتشدين في الساحات، على الأقل كما فعل رئيس الحكومة؟ ورأت أن باسيل ومعه أبرز «الصقور» في فريقه الوزاري باتوا يشكّلون ثقلاً وعبئاً على رئيس الجمهورية، وهذا ما يبرر طلب أطراف رئيسة في الحكومة ضرورة إجراء تعديل وزاري يمكن أن يأتي في سياق وجود رغبة للقيام بحركة تصحيحية، تؤدي إلى استبعاد عدد من الوجوه الوزارية النافرة والموجودة في الحصة الوزارية لأكثر من طرف في الحكومة.
ومع أن مثل هذه الخطوة تبقى مستبعدة رغم مطالبة رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط بضرورة تنحي باسيل وآخرين، فإن الفريق الوزاري المحسوب على رئيس الجمهورية بات يشكل، بأكثرية الأعضاء فيه، عبئاً على «العهد القوي»، وهذا ما يقوله بعض «أهل البيت» الذين ليسوا على وفاق مع باسيل لأن الكيمياء السياسية بينهما مفقودة وهي الآن إلى مزيد من التصاعد.
وحتى «حزب الله» بات يتفهّم في لقاءاته مع حلفائه وآخرين في موقع الاختلاف معهم، شكاوى كل هؤلاء من باسيل، فإنه يعدهم بالتحرك لدفعه إلى تنعيم سلوكه، لكن كل هذه الوعود لا تخفف من النظرة إليه على أنه أصبح عبئا على «العهد القوي»، لأنه من وجهة نظر معارضيه ألحق به الضرر أكثر من قوى المعارضة.



«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
TT

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

بعد نحو أسبوع من زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لإريتريا، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر؛ في خلاف متصاعد عدَّه محللون وخبراء جزءاً من رسائل للداخل الإثيوبي قبل الانتخابات المرتقبة الشهر القادم.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي الخميس، إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

الدول المشاطئة

خلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الجاري، التقى الوزير المصري عبد العاطي مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

رئيس إريتريا يستقبل وزيري الخارجية والنقل المصريين خلال زيارة لأسمرة (الخارجية المصرية)

وفي حين وصف المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد المنفذ البحري لإثيوبيا بأنه «رئة تتنفس منها»، يرى خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط حسين البحيري أن أديس أبابا «تتبنى سياسة خارجية تهدف إلى فرض وجودها الإقليمي عبر محاولة النفاذ إلى البحر الأحمر، وامتلاك منفذ بحري فيه».

وحذر البحيري من أن المساعي الإثيوبية «من شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر»، مضيفاً أن «إثيوبيا تحاول تبرير أطماعها البحرية بإلقاء اللوم على مصر، والادعاء بأنها تعرقل جهودها التنموية».

وتابع قائلاً: «التحركات الإثيوبية الحالية لا تهدد أمن دول الجوار بمنطقة القرن الأفريقي فحسب، بل تمس بشكل مباشر المصالح المائية، والأمن القومي المصري في منطقة حوض النيل، خاصة في ظل استمرار الرفض الإثيوبي للمطالب المصرية الرامية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة في فترات الجفاف، والجفاف الشديد».

السجال

ويأتي السجال المصري-الإثيوبي الجديد بعد زيارة أجراها مسؤولون إثيوبيون لواشنطن لتعزيز التعاون قبل أيام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية غيتاتشو، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الخميس، إن وزير الخارجية جيديون تيموثيوس قاد وفداً إثيوبياً إلى العاصمة واشنطن، وأجرى لقاءات مهمة مع مسؤولين أميركيين، وتم توقيع اتفاقية تهدف إلى فتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، إلى جانب ملفات الدفاع، والأمن، والسلام الإقليمي.

ويرى عبد الشكور أن تقارب إثيوبيا والولايات المتحدة «هو من منطلق التعاون اقتصادياً وأمنياً بالنظر لتاريخ علاقات البلدين، وحاجتهما المشتركة في التعاون»، مستبعداً أن تصل المنطقة لـ«صِدام»، ومرجحاً استمرار الحملة الإعلامية الإثيوبية وتصاعدها قبل انتهاء الانتخابات المقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

وحول احتمالات اندلاع صدام عسكري بين إريتريا، المدعومة من مصر، وإثيوبيا بسبب أزمة البحر الأحمر، يرى البحيري أن السيناريو المرجح على المدى القريب هو استمرار الاكتفاء بالتصعيد السياسي والإعلامي المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، لافتاً إلى انشغال إثيوبيا بالتحضير للانتخابات العامة.

«دبلوماسية الموانئ»

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما تسمى «دبلوماسية الموانئ».

وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وفي فبراير (شباط) الماضي شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر؛ فبينما ربط آبي أحمد استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري، جدد عبد العاطي تأكيد مصر أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».


مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
TT

مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)

تتقاطع تأثيرات الأزمة اليمنية مع التغيرات المناخية والجفاف وتدهور البنية التحتية في التأثير على الزراعة واستمرار المجتمعات الريفية، وبينما تعاني غالبية مناطق البلاد من ظواهر متناقضة، مثل الجفاف والفيضانات، فإن مشروعات تنموية أممية تتجه إلى إعادة بناء أنظمة الري وتحسين إدارة المياه، بوصف ذلك مدخلاً لاستعادة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي وسبل العيش.

ورغم الأمطار الغزيرة التي شهدتها مناطق مختلفة من اليمن خلال بداية الربيع الحالي، فإن آثارها التدميرية كانت كبيرة، ولم يحقق سكان تلك المناطق استفادة كافية منها، بينما لا يزال الجفاف يؤثر على مناطق واسعة ينتظر سكانها موسم أمطار آخر لبدء زراعة عدد من المحاصيل؛ أهمها الحبوب.

وتعاني مناطق واسعة من التذبذب في مواعيد هطول الأمطار التي يعتمد عليها غالبية المزارعين اليمنيين؛ مما يؤدي إلى تأخرهم في رمي البذور، ويؤثر لاحقاً على وقت نضوج المحاصيل وجودتها، في ظل نقص الخبرات في التعامل مع التغيرات المناخية وطول فترات الجفاف والارتفاع الشديد في درجات الحرارة الذي تشهده البلاد.

ويقول سعيد الشرجبي، الأكاديمي والخبير الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط»، إن التغيرات المناخية الطارئة على المنطقة وعلى اليمن بشكل خاص، خلال السنوات الأخيرة، «تستدعي مزيداً من الدراسات والأبحاث وسن التشريعات لتتسنى معرفة طبيعة تأثيراتها؛ إيجابية أم سلبية، على إنتاج المحاصيل الزراعية».

إلى جانب الجفاف والفيضانات... يُلحق سوء إدارة المياه الضرر بالبنى التحتية والزراعة في اليمن (أ.ف.ب)

ويوضح أن هذه التغيرات أثرت بشكل مباشر على الحياة المعيشية للأسر في مناطق الزراعة؛ «مما يؤدي إلى المطالبة بضرورة إجراء تحليل شامل لتلك الأضرار، وإيجاد المعالجات التي تضمن التخفيف منها والآثار المترتبة على الإضرار بالغطاء النباتي والتنوع الحيوي».

وصدرت أخيراً تحذيرات أممية من موجة جديدة من الأمطار الغزيرة وغير المعتادة، يُتوقع أن تضرب أجزاء واسعة من البلاد خلال الأسابيع المقبلة.

ووفق «نشرة الإنذار المبكر والأرصاد الزراعية» الصادرة عن «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)» فإن هناك مؤشرات مقلقة بشأن تفاوت كبير في معدلات هطول الأمطار على مستوى اليمن، تتجه إلى مستويات ترفع احتمالات حدوث فيضانات مفاجئة.

ترشيد استهلاك المياه

تعدّ الأمطار الموسمية في الظروف الطبيعية عاملاً حاسماً في دعم الزراعة المطرية في اليمن؛ لإنبات محاصيل الحبوب التي يعتمد عليها السكان بشكل واسع في الأمن الغذائي المحلي، وتسهم في تعزيز خصوبة التربة.

مزارع يمني يقف أمام «بيته الزراعي» الذي أُنشئ بتمويل من برنامج أممي (الأمم المتحدة)

واختتم «مشروع تعزيز قدرة الزراعة والأمن الغذائي على الصمود في اليمن» برنامجاً تدريبياً استمر 5 أيام في مديريتَي الصلو والمسيمير، استهدف 200 مزارع ومزارعة؛ بهدف تعزيز الأمن الغذائي ومساعدة المجتمعات الريفية في التكيف مع التغيرات المناخية وتحسين قدرتها على مواجهة شح المياه.

ونُفذ «البرنامج» بالشراكة بين جهات حكومية و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، وبدعم من الحكومة اليابانية، وتضمن تدريبات على الإنذار المبكر والمعلومات المناخية الزراعية، وتقنيات الري الحديث، والزراعة الذكية مناخياً، وإنتاج الأسمدة العضوية؛ بما يسهم في رفع الإنتاجية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وتكشف 3 مبادرات مدعومة من شركاء دوليين في مناطق ريفية بمحافظتَي تعز ولحج، كيف يمكن لتدخلات تبدو بسيطة نسبياً أن تُحدث أثراً واسعاً يتجاوز حدود الحقول، فمن خلال البيوت الزراعية المنزلية، وإعادة تأهيل قنوات الري، وتحديث البنية التحتية الزراعية، تستعيد عائلات ريفية قدرتها على إنتاج الغذاء وتوليد الدخل والاعتماد على الذات.

مزارع يمني يجني محصولاً من الحبوب بعد إحياء الأراضي الزراعية في قريته (الأمم المتحدة)

وحصل مئات المزارعين في مديرية المواسط، التابعة لمحافظة تعز، على بيوت زراعية صغيرة مجهزة بخزانات مياه وأنظمة ري بالتنقيط وبذور وأدوات أساسية؛ مما أتاح للعائلات إنتاج الخضراوات والأعشاب على مدار العام، مع تقليل استهلاك المياه وخفض تكاليف الزراعة، في بيئة تعاني أصلاً من شح الموارد المائية.

ويمثل هذا التدخل جزءاً من «مشروع الإدارة المتكاملة للموارد المائية لتعزيز مرونة الزراعة والأمن الغذائي»، الذي ينفذه «البرنامج» بتمويل من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية عبر «بنك التنمية الألماني»، ويشمل إعادة تأهيل المدرجات الزراعية والخزانات وأنظمة الري والطرق الريفية، إلى جانب دعم المؤسسات المحلية المعنية بإدارة المياه.

استعادة الأرض وتخفيف التوتر

في مديرية طور الباحة بمحافظة لحج، أعادت قناة ري جديدة الحياة إلى أراضٍ زراعية ظلت شبه قاحلة سنوات طويلة؛ نتيجة الجفاف وانهيار البنية التحتية وارتفاع تكاليف تشغيل الآبار، ضمن «مشروع الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن»، الممول من «البنك الدولي»، الذي ينفذه «البرنامج» بالشراكة مع «الصندوق الاجتماعي للتنمية» وجهات أممية أخرى.

مزارعات يمنيات في ريف محافظة لحج بعد أن أعاد تمويل أممي المياه إلى أراضيهن (الأمم المتحدة)

وبعد إعادة تأهيل القناة بطول 360 متراً، استعاد نحو 110 هكتارات من الأراضي القدرة على الإنتاج، وعاد مئات المزارعين إلى زراعة الحبوب والخضراوات والفواكه، بينما وفّر المشروع فرص عمل مؤقتة خلال مرحلة التنفيذ.

ويؤكد المزارعون أن الأرض، التي كانت تغطيها الأشواك، أصبحت مجدداً مصدراً للغذاء والدخل، وأن الأسر عادت إلى استهلاك ما تنتجه، وبيع الفائض في الأسواق المحلية.

وفي مديرية المسيمير التابعة للمحافظة نفسها، يجري تأهيل قناة ري تقليدية كانت تتعرض باستمرار للتعرية والسيول؛ مما كان يفرض على المزارعين أعمال صيانة متكررة ويؤثر على انتظام تدفق المياه، ليستفيد من المشروع عشرات المزارعين، بالإضافة إلى حماية عشرات الآلاف من الأمتار المربعة من الأراضي الزراعية.

المزارعون اليمنيون يقدرون أهمية دور البنية التحتية المحسّنة في دعم مشروعاتهم (الأمم المتحدة)

وطبقاً لما نقله القائمون على المشروع عن وجاهات اجتماعية في المديرية، فإن نقص المياه كان سبباً رئيسياً في توترات متكررة بين الأسر، وإن تحسين القناة لا يعزز الإنتاج الزراعي فقط، بل يدعم أيضاً الاستقرار الاجتماعي داخل المجتمع المحلي.

ومنح انتظام تدفق المياه المزارعين فرصة للتركيز على زراعة أراضيهم بدلاً من الانشغال بإصلاح القنوات الترابية وحماية المحاصيل من الخسائر.

وفي حين يواجه اليمنيون إحدى أشد الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، تبدو إعادة تأهيل قنوات الري وتزويد المزارعين بتقنيات بسيطة وفعالة استثماراً مباشراً في الصمود والاستقرار.


وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
TT

وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

أكدت وزارة الدفاع اليمنية استمرار الجهود والترتيبات لتنفيذ استراتيجية توحيد القرار العسكري، وإنهاء حالة الانقسام، وتعدد التشكيلات المسلحة، بما يمنح الحكومة اليمنية قدرة أكبر على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً.

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

وقال العميد الركن عبده مجلي، الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الجهود التي يقودها وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، وهيئة العمليات المشتركة، تستهدف بناء قوات مسلحة أكثر كفاءة وقدرة على إدارة المعركة ضد جماعة الحوثي.

وأشار مجلي إلى رصد «تحشيدات حوثية خلال الأيام الماضية في مختلف الجبهات، خصوصاً في جبهات الحديدة وساحل البحر الأحمر»، موضحاً أن التحركات شملت نشاطاً مكثفاً في محافظة الحديدة ومناطق عدة من الساحل الغربي المُطل على البحر الأحمر، تضمن زراعة ألغام أرضية، والدفع بتعزيزات بشرية وآليات عسكرية، إلى جانب إنشاء تحصينات وخنادق جديدة قرب خطوط التماس.

ولفت الناطق باسم إلى أن «الهدف من هذه التحشيدات يتمثل في محاولة الحوثيين تعزيز مواقعهم الدفاعية في الساحل الغربي تحسباً لأي عمليات عسكرية قد تنفذها القوات المسلحة اليمنية ردّاً على أعمالهم العدائية»، مشيراً إلى أن الجماعة تسعى أيضاً إلى «ممارسة ضغوط ميدانية وسياسية بالتزامن مع التحركات الدولية المتعلقة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية».

جانب من حفل تخرج طلاب كلية الطيران والدفاع الجوي بمحافظة مأرب (سبأ)

وأضاف مجلي أن «الميليشيات الحوثية تُحاول كذلك إيجاد حالة من التوتر في الساحل الغربي المرتبط بالممرات البحرية الدولية، ولا سيما في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب».

وشدد على «جاهزية القوات المسلحة اليمنية في مختلف الجبهات القتالية، خصوصاً في الساحل الغربي»، مؤكداً استمرار التنسيق الميداني بين مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية، ضمن الجهود الرامية إلى توحيد القرار العسكري، وتعزيز مراكز العمليات المشتركة.

وقال إن «توحيد القرار العسكري يُحدد طبيعة المواجهة مع الميليشيات الحوثية، ويرفع الروح المعنوية والكفاءة القتالية، ويُعزز مستوى التنسيق العملياتي بين مختلف الجبهات، بما يُسهم في تسريع الاستجابة الميدانية وتقليص الازدواجية والانقسامات العسكرية».

وأضاف مجلي أن «الاستمرار في بناء قوات مسلحة موحدة يمنح الحكومة اليمنية قدرة أكبر على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً»، مشيراً إلى أن ذلك «يُعزز ثقة المجتمع الدولي بوجود شريك مؤسسي قادر على حماية الاستقرار وتنفيذ أي تفاهمات مستقبلية تتعلق بالأمن والاستقرار في اليمن ودول الجوار والعالم».

لقاء وزير الدفاع بمستشار المبعوث الأممي

وفيما يتعلّق بلقاء وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، في العاصمة المؤقتة عدن، بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي إلى اليمن الجنرال أنتوني هايورد، قال العميد عبده مجلي إن اللقاء يكتسب «أهمية سياسية وعسكرية كبيرة».

وأوضح الناطق الرسمي أن اللقاء جاء «في مرحلة حساسة تشهد تحركات أممية تهدف إلى إبقاء مسار السلام قائماً»، بالتزامن مع «تصعيد وتحشيدات وإقامة دورات طائفية من قبل جماعة الحوثي».

تدشين تشكيل بحري جديد للقوات البحرية اليمنية في قطاع البحر الأحمر من باب المندب (سبأ)

وأشار إلى أن أهمية اللقاء تبرز في ظل تأكيد الحكومة اليمنية التزامها بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية حديثة، ومواصلة جهود توحيد القوات المسلحة ودمج مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة عبر مركز العمليات المشتركة.

وتحدّث مجلي عن «تنفيذ استراتيجية تهدف إلى توحيد القرار العسكري وإنهاء حالة الانقسام وتعدد التشكيلات العسكرية، بما يُسهم في بناء قوات مسلحة أكثر قدرة وكفاءة على إدارة المعركة المشتركة ضد جماعة الحوثي».

وأضاف أن «ترتيبات عسكرية وأمنية تُنفذ حالياً بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في مختلف المناطق، واستعادة مؤسسات الدولة والشرعية، وإنهاء مشروع الميليشيات الحوثية التوسعي المدعوم من النظام الإيراني».