هل يسامح الكنديون جاستن ترودو؟

استطلاعات الرأي جاءت سلبية قبل فتح صناديق الاقتراع

TT

هل يسامح الكنديون جاستن ترودو؟

تجول رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، عبر مختلف أرجاء بلاده مترامية الأطراف، من سواحل المحيط الهادي إلى سواحل الأطلسي، ووصولاً إلى القطب الشمالي. وخلال طريقه، حرص على مصافحة الأيدي، وملاعبة الأطفال، والوقوف لالتقاط صور «سيلفي»، وأحياناً كان يفعل كل هذا في لحظة واحدة.
وبمرور الوقت، تحولت جولته الانتخابية التي يسعى من ورائها لإعادة انتخابه لرئاسة الوزراء إلى جولة اعتذار، بعدما تكشف أنه عندما كان شاباً دهن وجهه باللون الأسود تشبهاً بأصحاب البشرة الداكنة. وتسببت هذه الصورة الكاريكاتيرية العنصرية في ضرر شديد له، بجانب أنه بدا وكأنها تؤكد على صحة انتقاد موجه إلى شخصيته: فلطالما حذر منتقدوه من أن صورته الليبرالية ليست سوى قناع سياسي.
وأشار هؤلاء النقاد إلى أن ترودو يزعم مناصرته لقضايا البيئة، بينما لم يتوان عن شراء خط أنابيب غاز، ويزعم مناصرته لحقوق المرأة، بينما مارس التنمر ضد المدعية العامة.
ومع توجّه الكنديين للإدلاء بأصواتهم في انتخابات وطنية، أمس الاثنين، ثمة تساؤل رئيسي يراود ترودو: هل سيغفر له الناخبون؟ هل سيختارونه، حتى وإن لم يكن دوماً القائد الذي كانوا يأملونه؟
في هذا الصدد، قالت إيف غبوري (19 عاماً)، التي تدرس الجغرافيا البيئية في جامعة مونتريال: «إنه منافق»، مضيفة أنها قد تغفر له تلوين وجهه باللون الأسود، لكنها لن تغفر له قط شراء خط أنابيب. وكان ترودو قد اكتسح الطريق نحو السلطة منذ أربع سنوات في فوز انتخابي جاء بمثابة مفاجأة، ليصبح رمزاً عالمياً لليبرالية في وقت كانت الشعبوية اليمينية تحكم قبضتها على الكثير من البلدان الديمقراطية الأخرى. ونجح ترودو في اجتذاب الشباب، عبر تزعمه قضايا حقوق المرأة والسكان الأصليين، والتزامه بالتصدي لارتفاع درجة حرارة الأرض.
وفي وقت مبكر، تركت حكومته أصداءً إيجابية عندما كشفت النقاب عن واحد من أكثر مجالس الوزراء توازناً بين الرجال والنساء على مستوى العالم، وقننت عشبة الماريغوانا بهدف الترفيه، ورحبت بأكثر عن 25.000 لاجئ سوري.
أيضاً، تعامل ترودو مع رئيس أميركي متقلب المزاج، وعزز اتفاقاً تجارياً مع الولايات المتحدة. وتحت قيادته، أبلى الاقتصاد الكندي بلاءً حسناً. إلا أن تعهده باتباع توجه «مشمس» حيال القضايا السياسية، تعرض للتقويض في وقت سابق من العام الحالي، عندما تدخل في قضية جنائية أحد أطرافها شركة كندية كبرى.
وقال ترودو إنه كان يحاول إنقاذ الوظائف من خلال الضغط على المدعية العامة ووزيرة العدل جودي ويلسون رايبولد، للسعي وراء استصدار عقوبة مدنية، بدلاً من السعي وراء عقد محاكمة جنائية. إلا أن ويلسون رايبولد، وهي من السكان الأصليين للبلاد، اتهمت ترودو ومساعديه الرجال في معظمهم بالضغط عليها على نحو غير مناسب، وقالت إنها شعرت بأنها تتعرض لتنمر.
وأقر مفوض فيدرالي معني بآداب العمل السياسي، أن ترودو خرق قانون منع تعارض المصالح. وأعرب قطاع كبير من الرأي العام عن صدمته حيال هذا الحادث، فذلك زعيم تعهد باتباع توجه جديد وصادق وشفاف حيال الحكم، يعمد إلى إقحام اعتبارات سياسية في قضية جنائية.
وأثار هذا الأمر قلق الكثيرين، وأضر بصورة ترودو كثيراً، لكن هذا لم يكن كل شيء.
في وقت سابق من فترة ولايته، استغل ترودو 4.5 مليار دولار كندي، أو نحو 3.4 مليار دولار، في شراء خط أنابيب يربط بين الرمال النفطية في ألبرتا وساحل المحيط الهادي. وأثارت هذه الصفقة غضب الكثير من أنصار الحفاظ على البيئة، الذين قالوا إن ترودو أكثر اهتماماً بصناعة الطاقة (التقليدية) الكندية من البيئة.
وفي وقت قريب، اصطحب ترودو أسرته في زيارة رسمية للهند؛ حيث ارتدوا جميعاً ملابس محلية فاخرة. ورغم أن هذا الفعل ربما تم بحسن نية، فإنه ظهر مفتقراً إلى الحساسية الثقافية. بعد ذلك، ظهرت صور قديمة له وهو يغطي وجهه باللون الأسود على الأقل ثلاث مرات، منها فيديو يرتدي خلاله باروكة شعر أفريقية ويخرج لسانه.
وفي حديثه في وقت قريب إلى فتاتين توأم داكنتي البشرة، قال ترودو: «أنا آسف لجرحي مشاعر البعض»، وذلك في واحد من اعتذاراته العلنية الكثيرة خلال حملته الانتخابية.
وربما يتضح نهاية الأمر أن هذه المشكلات كثيرة للغاية، ومن المتعذر على ترودو اجتيازها. وكشفت استطلاعات الرأي (قبل توجّه الكنديين إلى صناديق الاقتراع) أن معدلات تأييد ترودو تبلغ 35 في المائة، نصف ما كانت عليه خلال عامه الأول الكامل في منصب رئيس الوزراء. وبذلك، يجد ترودو نفسه في منافسة انتخابية محتدمة مع اختيار الكنديين لبرلمانهم الجديد. ويرى خبراء أن ترودو يواجه إمكانية أن يصبح رئيس وزراء لفترة واحدة، أو ربما ينتهي به الحال إلى ممارسة الحكم بالاعتماد على حكومة أقلية غير مستقرة.
وعلى امتداد حملته الانتخابية، دخل الحزب الليبرالي الذي يقوده ترودو في منافسة قوية أمام خصمه الرئيسي، حزب المحافظين الذي يقوده أندرو شير. وإن كان العديد من المحللين يرون أنه خلال عطلة نهاية الأسبوع، مالت الكفة قليلاً لصالح ترودو. وعلى اليسار، يتنافس حزب ترودو مع الحزب الديمقراطي الجديد، وحزب الخضر.
من جهته، يقاوم ترودو، ليس فقط من خلال الاعتذارات، وإنما يعمد إلى التأكيد على أجندته الليبرالية، ويؤكد أنه حال انتخاب المحافظين سيمحون كل آثار التقدم الذي حققه الليبراليون. وقال ترودو، البالغ 47 عاماً، الأسبوع الماضي، «إننا ندرك أنه لا يزال يتعين بذل مجهود أكبر بكثير لجميع الـ900.000 نسمة الذين رفعناهم من هوة الفقر، وأن هناك آخرين كثيرين بحاجة إلى العون». وأضاف: «الآن ليس الوقت المناسب للعودة إلى الخلف».
ورغم الصعاب التي يواجهها، لا يزال ترودو يتميز بقدر واضح من النجومية. فخلال حملته، نجح في جذب حشود كبيرة حوله، وكانت هناك لحظات كثيرة جرى تصويرها، ونالت شعبية واسعة عبر «إنستغرام»، وهي لحظات يتميز ترودو ببراعة خاصة في خلقها.
بجانب ذلك، تعززت صورة ترودو كمتحدث رسمي ناجح باسم كندا على الساحة العالمية، الأسبوع الماضي، عندما خرج الرئيس السابق باراك أوباما، الذي كان يحظى بشعبية واسعة في كندا أثناء رئاسته، عبر «تويتر»، ليعلن تأييده لرئيس الوزراء الكندي باعتباره قائداً تقدمياً «يحتاج إليه العالم».
ومع هذا، لا يمكن للحملة الانتخابية محو سجل الماضي الشخصي والمهني، الذي أثار تساؤلات حول شخصية ترودو. في هذا الصدد، قال شير، زعيم حزب المحافظين، خلال مناظرة جرت قريباً، وذلك أثناء سخريته من ترودو، لقوله إنه لا يتذكر كم مرة ارتدى «قناعاً أسود اللون»: «الحقيقة أنه يرتدي دوماً قناعاً».
من ناحية أخرى، ورغم الإشادات الكثيرة التي انهالت على ترودو لوضعه فكرة المصالحة مع السكان الأصليين على رأس أجندته الوطنية، يشكو بعض أبناء هذه الفئة من أنه لم ينفذ جميع وعوده.
وعلى ما يبدو، فإن الكثير من الكنديين على غير استعداد لمسامحة ترودو على خذلانه لهم بعض الأحيان. ومع ذلك، فإنهم في الوقت ذاته لا يبدون متحمسين تجاه البدائل، الأمر الذي قد يؤدي نهاية الأمر إلى إعادة انتخابه.
جدير بالذكر أن الكنديين لم يستسيغوا شير (40 عاماً)، السياسي الذي يواجه مشكلة واضحة في تحديد المبادئ التي يمثلها، ويتخذ مواقف معارضة لمواقف غالبية الكنديين حيال قضايا اجتماعية.
على اليسار، نجحت السياسات اليسارية القوية للحزب الديمقراطي الجديد بخصوص الرعاية الصحية والضرائب، في تقويض محاولات ترودو تصوير نفسه أفضل ضامن للمساواة الاجتماعية. كما شهدت شعبية زعيم الحزب، جاغميت سنغ، أول شخص غير أبيض يتزعم حزباً وطنياً كبيراً في كندا، ارتفاعاً الأسبوع الماضي. ومع هذا، ربما فات الأوان لأن يترك ذلك تأثيراً ملموساً على نتائج الانتخابات.
اللافت أنه ليست جميع المشكلات المتعلقة بصورة ترودو من صنع يديه، فقد واجه رئيس الوزراء الحالي صعوبات بسبب المقارنة المستمرة بينه وبين والده، بيير إليوت ترودو، واحد من أكثر رؤساء الوزراء الكنديين شعبية.
وعن ذلك، قال مارك ميلر، عضو البرلمان عن الحزب الليبرالي وصديق مقرب من ترودو منذ فترة الدراسة الثانوية: «اضطر دوماً للتعامل مع مشاعر تحامل ضده، باعتباره أقل قوة وأنه ليس كوالده، منذ أن كان في الـ12 أو الـ13. وقد تعلم منذ وقت مبكر ألا يخشى اسمه».
* خدمة «نيويورك تايمز»



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعىٍ مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.