الهجوم التركي على شمال سوريا يودي بحياة إعلاميين ومخرج سينمائي

منظمات دولية تدين... و «الشرق الأوسط» تحاور مقربين من الضحايا لتوثيق الانتهاك

الهجوم التركي على شمال سوريا يودي بحياة إعلاميين ومخرج سينمائي
TT

الهجوم التركي على شمال سوريا يودي بحياة إعلاميين ومخرج سينمائي

الهجوم التركي على شمال سوريا يودي بحياة إعلاميين ومخرج سينمائي

أُطفِئت عدسات كاميراتهم، وسكتت أدواتهم الصحافية، وتوقفت قلوبهم عن النبض، بعد أن نقلوا للعالم أحداث وروايات وصوراً وتقارير مرئية عن يوميات الحرب الدائرة في مسقط رأسهم. إعلاميون عايشوا الحرب وقدموا قصصاً وتقارير مكتوبة وإذاعية عن الفظائع والجرائم التي ارتكبتها الجهات المعتدية على تراب بلدهم. كانوا رسلاً للحقيقة، ودُفِنت جثامينهم في مقابر الشهداء.
المصوّر الإعلامي محمد حسين رشو مراسل قناة cira tv»» الإيزيدية، والإعلامي سعد الأحمد مراسل وكالة « ANHA » الكردية المحلية، والمخرج السينمائي وداد فاتح أردمجي؛ إعلاميان ومخرج سينمائي لقوا مصرعهم أثناء عملهم في تغطية معركة رأس العين أو «سري كانيه»، بحسب تسميتها الكردية. ففي 13 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وأثناء توجُّه قافلة إنسانية إلى المدينة الحدودية مع تركيا، وكانت الأخيرة شنّت هجوماً عنيفاً في التاسع من الشهر نفسه، كان هؤلاء الثلاثة بين القافلة برفقة طواقم طبية وفرق إنسانية لإنقاذ ورصد استهداف المدنيين وسكان البلدة الآمنة، إلا أن الموت كان أسرع من وصولهم إلى قلب المعركة، لنقل الحقيقة وعرضها للرأي العام الكردي والعربي والعالمي.
بحسب شهادة الإعلامي دلشاد جودي ويعمل مع وكالة «ANHA»، فإنّ زميله أحمد والمصور محمد أكينجي كانا من بين مجموعة من الصحافيين المحليين والأجانب في طريقهم لتغطية مظاهرة ضد الهجوم التركي، عندما قصفت قافلتهم يومذاك، وكانت الحصيلة أن أحمد لقي حتفه، وأُصيب رفيقه محمد بجروح بالغة، وأُسعِف إلى المستشفى، وحالته تتماثل للشفاء.
كما وثّقت اتحادات ومنظمات إعلامية إصابة أرسين جاكسو مراسل «وكالة فرات للأنباء» المحلية، ودلسوز دلدار مراسل «وكالة نورث بريس»، وآمال يونس مراسلة قناة «Sterk TV»، في الضربة ذاتها، إلى جانب استهداف ثلاثة صحافيين آخرين أصيبوا في الهجوم الذي استمر بين 9 و17 من الشهر الحالي.

مشهد قاتم
يروي الصحافي عبد الحليم سليمان مراسل النسخة العربية من صحيفة «إندبندنت» البريطانية ووكالة «نورث برس» السورية، المتحدر من سري كانيه، كما يسميها، كيف غطى أكثر الجبهات سخونة، إذ كان على الخطوط الأمامية في معركة الباغوز، شهر مارس (آذار) الماضي، عند القضاء على تنظيم «داعش» الإرهابي، واليوم يغطي معركة مسقط رأسه.
وصف عبد الحليم المشهد بـ«القاتم والسوداوي»، وحاول العمل بمهنية وموضوعية في تغطية الحدث، لكنه كان ينقل صور ومشاهدات أهله وجيرانه وأصدقائه، ويقول: «عشرات الآلاف خرجوا دفعة واحدة في أقل من ساعتين، ولم يكونوا متهيئين لهذه الكارثة الإنسانية، يسكنون اليوم بالمدارس والمنازل المهجورة، وآخرون بالمحال التجارية، وبعض منهم ينامون في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء».
يروي تلك اللحظات وكيف اختلطت لديه مشاعر القلق على مصير أهله وعائلته من جهة، والحزن وذرف الدموع على أحوال أبناء جلدته، و«الشهداء الذين سقطوا جراء الهجوم التركي»، وأضاف: «عائلتي نزحت لحظة قصف الطيران التركي للحسكة المجاورة، بناتي الثلاث وهن صغار بالعمر وأمهم وجدتي الثمانينية العاجزة التي حملناها، كل هذه الصور كانت قاسية وصادمة مُحال نسيانها».
أما الصحافية لامار أركندي، المتحدرة من مدينة القامشلي وتكتب في موقع «المونيتور» الأميركي، كما تعمل ناشطة في مجال حقوق الإنسان، نقلت كيف سقطت أول قذيفة من الجانب التركي على حارتها (قدوربك) على بعد أمتار قليلة من منزلها، مستهدفة مركزاً لتعليم اللغة الكردية، وقالت: «الشظايا قتلت طفلاً بالعاشرة وكان أول ضحية مدنية، وتعرضت شقيقته سارا إلى بتر قدمها، لتُحرَم من طفولتها واللعب مع أطفال جيلها، وما زالت بالسادسة من عمرها».
بينما أكد إيفان حسيب، المتحدر من مدينة الحسكة ويعمل مصوراً صحافياً منذ 2014، وكان مراسلاً لقناة «رووداو» الكردية، و«سكاي نيوز»، وينشر تقارير مصورة مع وكالة «أسوشيتد برس»، أن أكثر المخاطر والتحديات التي واجهت عمل الإعلاميين والمراسلين أثناء تغطية معركة رأس العين «قصف الطيران التركي المستمر واستهداف كل شيء يتحرك، إذ كانت تقصف سيارات إسعاف ومشافي ومدنيين وقوافل إغاثية»، وشدد على أنّ مهمة الصحافي نقل الصورة للعالم الخارجي، رغم المخاطر المحدقة بالمهنة، فأثناء تغطيته «كنتُ أُضطر للتصوير من مكان مرتفع، أو اعتلاء سطح بناية، لرصد المشاهد وأخذ مقاطع وصور تعطي صورة أوضح وأدق، هذه النقاط كانت مستهدَفة من قصف الطيران، كنت أخشى كثيراً على حياتي».

إدانة دولية
بدورها، أدانت لجنة حماية الصحافيين الدولية استهداف الطيران الحربي التركي لقافلة الدعم الإنساني المتوجهة إلى مدينة رأس العين الكردية، التي تعرضت لهجوم عنيف، وكان فريق الطوارئ التابع للجنة حماية الصحافيين، بقيادة ماريا سالازار فيرو، يراقب عن كثب الوضع في شمال سوريا، وكانوا على اتصال دائم مع كثير من الصحافيين والنشطاء المحليين الذين غطوا النزاع، وقالت في إفادة صحافية: «نشعر بقلق عميق إزاء الاستهداف الواضح لقوافل مدنية في شمال سوريا، يجب على القوات التركية احترام المعايير الدولية وضمان عدم استهداف الصحافيين والمدنيين الآخرين»، وأوضحت أن هذه الهجمات محظورة بموجب القانون الدولي ونوهت: «قد تشكل جرائم حرب».
ومن بين أكثر المشاهد التي نشرت الرعب والذعر بين المدنيين والإعلاميين على حدّ سواء، قيام الفصائل المسلحة بـ«الجيش السوري الوطني» المدعوم من الجيش التركي، باعتقال الأهالي وقتلهم وارتكاب انتهاكات، كحادثة اغتيال أمين عام حزب «سوريا المستقبل»، هيفرين خلف.
ويتحدث الصحافي عبد الحليم سليمان كيف غطى معركة الباغوز، وكان الطيران الدولي يدعم تحركات «قوات سوريا الديمقراطية» العربية الكردية، وقال: «كان التحرك أسهل، لا سيما بالتنسيق مع الفرق الإعلامية العسكرية، أثناء التنقل لتغطية المعركة»، لكن هذه المرة كان الطيران الحربي يقصف القوات المدافعة عن مدينته، ويضيف: «لذلك كان العمل الإعلامي أخطر من القتال نفسه، وللأسف، لا توجد أدوات وسائل الحماية الشخصية، وتكاد تكون معدومة، الأمر الذي يزيد من مخاطر العمل الصحافي، في هذه البقعة الجغرافية من سوريا».
أما الإعلامية وناشطة حقوق الإنسان لامار أركندي، فقد أوضحت أن عدسات الصحافيين تتسابق لتغطية الجبهات المشتعلة في المناطق الساخنة، بهدف رصد وتوثيق العمليات العسكرية الدائرة داخل المدن... «لرصد وتوثيق مجريات الأحداث والأوضاع الإنسانية والانتهاكات التي يتابعها الناس العاديون، لأن هؤلاء الإعلاميين سفراء الحقيقة»، الأمر الذي يتطلب كثيراً من الجرأة والتحدي من الصحافي الحربي، بحسب أركندي.
وتضيف: «عليه أخذ الحيطة والحذر من أي ظرف طارئ أو مفاجئ قد يتعرض له؛ من قصف أو خطف أو أَسْر، كما عليه أن يأخذ بالحسبان نتيجتها، التي قد تكون كارثية وتعرّض حياته للخطر». وفي صيف 2016، وأثناء هجوم واسع شنّه عناصر تنظيم داعش المتطرّف على مدينة الحسكة، مسقط رأس المصور الصحافي إيفان حسين، كان موجوداً يغطي الحدث، إلى جانب تغطية جبهات الرقة ودير الزور ومعركة الباغوز، وآخرها تغطية معركة رأس العين، وتابع قائلاً: «مهمة الصحافي نقل هذه الصور والمشاهدات الأولية، التي قد تكلفه حياته، فضلاً عن تغطية الاشتباكات العسكرية، وإجراء مقابلات مع المقاتلين والقادة الميدانيين، وهذا كله كان يشكل تحدياً كبيراً وسط المعارك العنيفة».

الشمال السوري مهدد بالإفراغ من صحافييه
دفع مقتل صحافيين اثنين، وإصابة أكثر من سبعة آخرين جراء العمليات العسكرية والقصف الذي شنّه الجيش التركي وفصائل سورية مسلحة موالية لها، شمال شرقي سوريا، كثيراً من المراسلين الغربيين إلى مغادرة المنطقة بعد تدهور الوضع الأمني.
وفي هذا الصدد، قالت صابرين النوي مسؤولة مكتب الشرق الأوسط في منظمة «مراسلون بلا حدود»، إن الشمال السوري مهدد بالإفراغ من صحافييه: «ليصبح بؤرة سوداء لوسائل الإعلام، إذا لم تتخذ السلطات التركية والسورية، كل الإجراءات اللازمة لضمان سلامتهم والسماح لهم بأداء عملهم»، مضيفة أن القانون الدولي يحظر بشدة أي اعتداء على الصحافيين، وتابعت كلامها لتقول: «حيث يفرض على الأطراف المتحاربة حماية العاملين في مجال الإعلام، على غرار نظرائهم العاملين في المجال الإنساني وبقية المدنيين».
وتحاول الإعلامية لامار أركندي رصد الصور والمشاهد الأولية لحفظها في ذاكرتها وكتابتها على شكل يوميات الحرب، لتقول: «ما زالت صور الناس متمترسة بذاكرتي، قابعة أمام عيوني، وهم يغادرون بيوتهم هرباً من آلة الحرب، وخوفاً من الموت الذي طرق أبوابهم بشكل مفاجئ، فسكان الأحياء باتوا في مرمى نيران المعارك المستعرة في بلدهم منذ ثماني سنوات».
واعتبر الصحافي عبد الحليم سليمان أن مدينته، رأس العين، تعني له الكثير، حيث وُلِد وترعرع فيها، وقد تعرضت في أواخر 2012 إلى هجوم من قبل المعارضة السورية المسلحة بقيادة تنظيم «جبهة النصرة» - الفرع السوري لتنظيم «القاعدة» الدولي المحظور، وعلى أثرها نزح أهلها إلى مدن الجزيرة، وآخرون لجأوا إلى تركيا، أما اليوم، فشنّت تركيا وفصائل سورية موالية لها هجوماً عنيفاً، وتكرر السيناريو ذاته، واختتم حديثه قائلاً: «آنذاك أعلن مقاتلو (الفصائل) و(النصرة) أن هدفهم من غزو (سري كانيه) السيطرة حتى ضفاف نهر دجلة، واليوم تكررت الحالة للقضاء على الوجود الكردي في شمال سوريا، ولخنق كردستان العراق إذا نجحوا في مخططاتهم».



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».