الانتصارات المتتالية لليفربول وسيتي مؤشر غير جيد لقوة الدوري الإنجليزي

الهيمنة من جانب أحد الأندية على المسابقة وتحقيق فريق 18 فوزاً متصلاً ليس ظاهرة صحية للبطولة

ليفربول حقق 17 انتصاراً متتالياً بالدوري الإنجليزي منذ الموسم الماضي (رويترز)
ليفربول حقق 17 انتصاراً متتالياً بالدوري الإنجليزي منذ الموسم الماضي (رويترز)
TT

الانتصارات المتتالية لليفربول وسيتي مؤشر غير جيد لقوة الدوري الإنجليزي

ليفربول حقق 17 انتصاراً متتالياً بالدوري الإنجليزي منذ الموسم الماضي (رويترز)
ليفربول حقق 17 انتصاراً متتالياً بالدوري الإنجليزي منذ الموسم الماضي (رويترز)

لم تعد مباراة مانشستر يونايتد وليفربول بالقوة نفسها التي كانت عليها من قبل. وحتى وقت قريب جداً، لم يكن الفريقان هما الأقوى في شمال غربي إنجلترا فحسب، لكنهما كانا الأقوى في إنجلترا ككل. ومن الناحية التاريخية، لا يزال الناديان هما أكبر ناديين في كرة القدم الإنجليزية، حيث حصلا معاً على ما يقرب من 40 لقباً للدوري الإنجليزي الممتاز، لكن اللقب غاب عن خزينة كل منهما لفترة طويلة من الوقت. فلم يفُز مانشستر يونايتد بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز خلال الفترة بين عامي 1967 و1993. كما هبط الفريق إلى دوري الدرجة الأولى لموسم، بعدما سمح المدير الفني السابق للشياطين الحمر مات بيسبي لمعدل أعمار اللاعبين بأن يرتفع بصورة كبيرة ولم يضخ دماء جديدة في صفوف الفريق بعد فوزه ببطولة دوري أبطال أوروبا.
في المقابل، لم يفُز ليفربول بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز منذ انطلاق المسابقة بشكلها الجديد عام 1990. ويأمل جمهور ليفربول أن يضع الفريق خلال الموسم الحالي حداً للسنوات الثلاثين العجاف في ظل تعثر مانشستر سيتي والبداية القوية لليفربول الذي يتربع الآن على عرش المسابقة بفارق 8 نقاط عن أقرب منافسيه. وإذا حقق ليفربول الفوز التاسع على التوالي في بداية هذا الموسم عندما يحل ضيفاً ثقيلاً على مانشستر يونايتد على ملعب «أولد ترافورد» اليوم، فإنه سيعادل بذلك الرقم القياسي المسجل باسم مانشستر سيتي قبل عامين عندما حقق الفوز في 18 مباراة متتالية.
وقد سيطرت هذه الإحصائية المذهلة على النقاشات بشأن مباراة ليفربول ومانشستر يونايتد المقبلة. ويعاني يونايتد بشدة خلال الموسم الحالي تحت قيادة المدير الفني النرويجي أولي غونار سولسكاير، ولم ينافس الفريق على لقب المسابقة منذ اعتزال مديره الفني الأسطوري السير أليكس فيرغسون. والآن، لا يمكن لمانشستر يونايتد أن يرى نفسه بوصفه واحداً من القوى الكروية الكبرى في البلاد، بعدما عجز حتى أن يكون النادي الأفضل في مدينة مانشستر!
ومع ذلك، دائماً ما يُنظر إلى مباراة مانشستر يونايتد أمام ليفربول على أنها مباراة كبرى تتسم بالعصبية والأجواء المشحونة في كثير من الأحيان. وفي مباراة (اليوم)، سيكون الجمهور بأكمله في مدينة مانشستر مسانداً ليونايتد، نظراً لأن جمهور مانشستر سيتي أيضاً يتمنى تعثر ليفربول في تلك المباراة حتى يتقلص الفارق بين ليفربول وسيتي. أما بالنسبة لسلسلة الانتصارات المتتالية، فقد أعلن المدير الفني لليفربول، يورغن كلوب، أنه لم يسمع من قبل عن هذه الإحصائية. ويبدو أن ليفربول، الذي خسر اللقب الموسم الماضي بفارق نقطة واحدة فقط بسبب تعادله في عدد كبير من المباريات، عازماً على تصحيح أخطاء الموسم الماضي. وإذا تمكن ليفربول من تحقيق الفوز في مباراتيه أمام مانشستر يونايتد وتوتنهام هوتسبير، فيمكنه حينئذ العمل على مواصلة سجله الرائع حتى شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عندما يستضيف مانشستر سيتي على ملعب «أنفيلد».
ولو حدث ذلك فسيكون إنجازاً رائعاً بكل تأكيد، لأن جمهور ليفربول لن يرى في ذلك الأمر تفوقاً على مانشستر سيتي خلال الموسم الحالي فحسب، لكنه سيراه أيضاً على أنه تفوق على الرقم القياسي المسجل باسم سيتي. وعندما حقق آرسنال رقماً قياسياً بالفوز في 14 مباراة متتالية في عام 2002، ظل هذا الرقم صامداً لمدة 15 عاماً كاملة، رغم أن هذا الرقم القياسي قد كُسر 3 مرات بعد ذلك، كانت جميعها في السنوات الثلاث الماضية. وقد حقق مانشستر سيتي الفوز في 15 مباراة متتالية مرتين من قبل، كما حقق الفوز في 18 مباراة متتالية، في حين يقف ليفربول الآن عند 17 فوزاً متتالياً.
وبينما قد يبدو الأمر للوهلة الأولى كأن المعايير ترتفع بمرور الوقت وأن الأندية الكبرى باتت أقوى، فإن هذه الانتصارات المتتالية ربما تؤكد أن المنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز قد أصبحت أقل بكثير بالمقارنة بالسنوات السابقة. وإذا كان يمكن لأحد الأندية أن يسحق الفرق الأخرى واحداً تلو الآخر ويحقق سلسلة طويلة من الانتصارات المتتالية، فإن ذلك يعكس ضعف الأندية الأخرى، سواء من حيث النتائج أو الموارد.
وقد يبدو مانشستر سيتي مهزوزاً بشكل لم نعهده في السنوات الأخيرة، حيث مُني بخسارتين في أول 8 جولات بالموسم الحالي، لكن الفريق حصل على آخر لقبين للدوري الإنجليزي الممتاز بعدما حصل على 100 نقطة و98 نقطة، من الحد الأقصى للنقاط وهو 114 نقطة. وتتمثل مهمة ليفربول الآن، بعدما خسر اللقب الموسم الماضي بفارق نقطة وحيدة، في أن يجمع أكثر من الـ97 نقطة التي جمعها الموسم الماضي. ورغم أنه من المبكر للغاية أن نتحدث عن هوية الفريق الذي يمكنه الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز قبل 6 أشهر كاملة من نهاية المسابقة، فمن المؤكد أن ليفربول قد حقق بداية قوية للغاية جعلته المرشح الأبرز للفوز باللقب.
وفي السابق، كانت الأرقام القياسية تُستخدم للمقارنة بين أرقام الأندية في تاريخ الدوري الإنجليزي على مدار قرن من الزمان أو نحو ذلك. أما الآن، فلم يعد الأمر كذلك، على الأقل فيما يتعلق بسلسلة الفوز المتتالي، نظراً لأن أطول سلاسل للفوز المتتالي تأتي جميعاً في العصر الحديث وفي الدوري الإنجليزي الممتاز بشكله الجديد منذ عام 1992. وعلى مدار سنوات طويلة، كان الرقم القياسي في الدوري الإنجليزي الممتاز بشكله القديم مسجلاً باسم إيفرتون الذي نجح في تحقيق الفوز في 12 مباراة متتالية في نهاية القرن 19. وحقق إيفرتون هذه السلسلة من الانتصارات المتتالية على مدار موسمين، وكان الرقم القياسي لأطول سلسلة من الانتصارات المتتالية في موسم واحد مسجلاً باسم توتنهام هوتسبير عندما حقق الفوز في 11 مباراة متتالية في موسم 1960 - 1961.
ووفقاً لمعايير اليوم، يعد هذا إنجازاً كبيراً للغاية من جانب إيفرتون وتوتنهام هوتسبير، لأنه من الصعب على أي منهما أن يحقق هذه السلسلة من الانتصارات المتتالية في الوقت الحالي. إن تحقيق أي فريق 18 فوزاً متتالياً ليس ظاهرة صحية للدوري الإنجليزي الممتاز ككل. ورغم أن نظام الحد الأقصى لرواتب اللاعبين الذي كان سائداً خلال فترة الستينات من القرن الماضي كان يتعرض لانتقادات بوصفه ظالماً، فإنه أسهم بشكل كبير في الحفاظ على تقارب المستوى بين الأندية.
وعندما لم يكن اللاعبون قادرين على مضاعفة الأموال التي يحصلون عليها من خلال الانضمام إلى أندية أكبر أو أكثر نجاحاً، فإنهم كانوا يميلون إلى البقاء لأطول فترة ممكنة مع الأندية التي يلعبون لها، وهو ما كان يسهم في عدم تكدس المواهب في أندية بعينها وتفريغ الأندية الأخرى من المواهب، وحتى أندية دوري الدرجة الثانية كانت قادرة على جذب اللاعبين الجيدين وكانت تقدم مستويات جيدة للغاية. بالطبع، لا يشعر أحد بالرغبة في العودة لتطبيق الحد الأقصى للأجور - لأنه كان سيئاً للاعبين - ومع ذلك أسهم هذا النظام في تقوية الأندية وزيادة المنافسة على لقب البطولة.
قد يرى كثيرون أنه لا يوجد شيء خاطئ على مستوى المنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز في الوقت الحالي، والدليل على ذلك أن حامل اللقب مانشستر سيتي قد خسر أمام نوريتش سيتي الصاعد حديثاً للمسابقة، كما خسر أمام وولفرهامبتون الذي صعد للدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي فقط.
وقد لا يستغرق الأمر سوى أسابيع قليلة قبل أن نرى نادياً يرفع سلسلة الانتصارات المتتالية إلى 20 مباراة. ولو نجح ليفربول في إنهاء النصف الأول من الموسم بالفوز في جميع المباريات ومن دون خسارة أي نقطة، فإن ذلك سيكون بلا شك إنجازاً غير مسبوق، لكن السؤال الصعب آنذاك هو: هل يعدّ ذلك تقدماً للدوري الإنجليزي الممتاز وللأندية المشاركة به؟


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.