مظاهرات تعم لبنان وشعارات موحدة ضد السلطة

قتيل في طرابلس ومعارك كر وفر في بيروت

حشد من المحتجين في ساحة رياض الصلح بوسط بيروت أمس (أ.ف.ب)
حشد من المحتجين في ساحة رياض الصلح بوسط بيروت أمس (أ.ف.ب)
TT

مظاهرات تعم لبنان وشعارات موحدة ضد السلطة

حشد من المحتجين في ساحة رياض الصلح بوسط بيروت أمس (أ.ف.ب)
حشد من المحتجين في ساحة رياض الصلح بوسط بيروت أمس (أ.ف.ب)

لم يتغير المشهد في شوارع لبنان بين مساء الخميس وطوال يوم الجمعة، حيث عمت الاحتجاجات الشعبية مختلف المناطق، وأقفلت الطرقات، احتجاجاً على الأوضاع المعيشية، وفرض الضرائب الإضافية.
من بيروت إلى الشمال والجنوب والبقاع، كانت صرخة شبه موحدة من المواطنين اللبنانيين الذين نزلوا على اختلاف انتماءاتهم وأعمارهم، في مشهد يكاد يختلف عن كل الاحتجاجات السابقة التي شهدها لبنان، لجهة بعدها عن أي مراجع سياسية، وشمولها مختلف المناطق، حتى تلك المحسوبة على الثنائي الشيعي، كما وحدة الشعارات المرفوعة، قبل أن يدعو «الحزب التقدمي الاشتراكي» وحزب «القوات اللبنانية»، المشاركان في الحكومة، مناصريهما للانضمام إلى التحركات.
وتم الالتزام بإقفال المدارس والمصارف في مختلف المناطق، تنفيذاً لقرار وزير التربية أكرم شهيب وجمعية المصارف، وقد بدت حركة السير خفيفة جداً على الطرقات العامة والرئيسية.
وفيما تميزت التحركات طوال ساعات النهار بالهدوء إلى حد ما، انفجر الوضع بعد دقائق من كلمة رئيس «التيار الوطني الحر»، وزير الخارجية جبران باسيل، التي لم تلقَ تجاوباً من المتظاهرين، حيث سجلت مواجهات بين القوى الأمنية والمحتجين الذين ألقوا المفرقعات النارية في ساحة رياض الصلح، بوسط بيروت. وبدت ساحة رياض الصلح ساحة حرب ليلة أمس وسط كر وفر بين مئات المحتجين وقوات الأمن.
وطغت شعارات «الشعب يريد إسقاط النظام» و«كلن يعني كلن» (جميعهم يعني جميعهم) على المظاهرات التي عمت المناطق اللبنانية ووصلت إلى مقر رئاسة الحكومة، في وسط بيروت، أمس. وكان لمكاتب نواب محسوبين على «حزب الله» وحركة «أمل»، بينهم رئيس كتلة «حزب الله» محمد رعد، إضافة إلى نواب الحركة ياسين جابر وهاني قبيسي وعلي بزي، حصة من الاحتجاجات، حيث انتشرت صور ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر تكسير لوحات أمام مكاتبهم. كما تم بث فيديوهات لإحراق صور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.
وفيما كان يسجل تزايد في أعداد المشاركين مع ساعات النهار، كان المحتجون يعمدون إلى إقفال الطرقات بالإطارات المشتعلة، مع محاولات مستمرة للقوى الأمنية لفتح بعض المسارب، تسهيلاً لمرور السيارات.
وظهراً، أعلنت قوى الأمن الداخلي أن عدد الإصابات في صفوف عناصرها وصل إلى 60، وقالت في بيان: «مع حرصنا وإيماننا بحرية التعبير، فإننا لن نقبل بالاعتداء على عناصر قوى الأمن، وعلى الأملاك العامة والخاصة»، ونبهت إلى أن «كل مخل بالأمن، وكل شخص تبين أنه اعتدى على الأملاك العامة والخاصة، وعلى عناصر قوى الأمن، سيتم توقيفه وفقاً للقانون». وطلبت قوى الأمن من المواطنين التظاهر برقي، وعدم اللجوء إلى الفوضى والعنف.
وفي طرابلس، توتر الوضع مساء على خلفية قيام مناصرين لنائب سابق بإطلاق النار عشوائياً على المتظاهرين في ساحة النور، ما أدى إلى سقوط قتيل وستة جرحى.
ويعد وزير الداخلية السابق زياد بارود أن انتفاضة الشارع التي انفجرت الخميس، بعد فرض الرسوم على المكالمات الصوتية عبر الإنترنت، ليست إلا نتيجة تراكمات عاشها اللبناني في السنوات الأخيرة، وتحديداً الانكماش الاقتصادي، وتداعياته التي وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة. وبالتالي، كان من الطبيعي أن تصل الأمور إلى هذا الحد من الغضب.
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «غضب الناس بات مبرراً وهم الذين منحوا السلطة فرصة أولى في الانتخابات، وثانية عند تشكيل الحكومة، آملين أن تقدم لهم شيئاً من تدابير وإجراءات جدية ما، فإذا بها لا ترى الإصلاحات إلا في الضرائب التي تمس جيوب الفقراء».
ويضيف: «قد يكون الوضع بحاجة إلى تدابير غير شعبية، إنما ليس ضرائب بالشكل التي تم طرحها، في حين كان هناك خيارات أخرى بإمكان السلطة اللجوء إليها، كرفع السرية المصرفية، واستعادة الأموال المنهوبة، وخفض رواتب الوزراء والنواب، لكنها لم تقدم على أي خطوة منها».
ومع رؤيته أن هذه المظاهرات تختلف عن كل ما سبقها من تحركات في لبنان، وإن تشابهت إلى حد ما مع تلك التي نظمت في عام 2005، على خلفية أزمة النفايات، يرى أنها ستدخل لبنان في مرحلة جديدة، مبدياً خشيته في الوقت عينه من أن تصطدم ببعض التدخلات من الأطراف السياسية المنظمة، على غرار عام 2005، في ظل وجود شارع مقابل شارع في لبنان، وحيث للطبقة التقليدية السياسية جمهورها أيضاً.
وكانت المظاهرات التي بدأت مساء الخميس قد استمرت طوال الليل، حيث رافقها قطع طرقات بالإطارات المشتعلة.
وقبل ظهر أمس، قطع المحتجون كل الطرق المؤدية إلى المطار بشكل تام، ومن كل الجهات، مع تسجيل انتشار كثيف للقوى الأمنية والجيش. وقد عمد المحتجون إلى حرق إطارات بأعداد كبيرة. كما قاموا بإحراق الأخشاب وأغصان الأشجار، وطالبوا بتفتيش السيارات ذات الشبابيك الداكنة التي قد تدخل إلى المطار. وسادت الطريق حالة من الهرج والمرج، في ظل محاولة القوى الأمنية تهدئة الأوضاع.
وذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» أن الجيش اللبناني منع بعض الأشخاص الذين حاولوا اجتياز الطريق بواسطة الدراجات النارية من الدخول إلى المطار، كما حاولت عناصر الجيش اللبناني، ضباطا وأفراداً، التحدث إلى المحتجين الذين كانوا يشكون أوضاعهم الاقتصادية، ويطالبون بعدم السماح لأي مسؤول بالسفر إلى خارج لبنان.
وفي وسط بيروت، حيث كان العدد الأكبر من المحتجين في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، تم إقفال «جسر الرينغ» بالأتربة، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية وفرض الضرائب. كما توجه المحتجون إلى مصرف لبنان، في شارع الحمرا، تتقدمهم مسيرة من الدراجات النارية، مرددين هتافات تدعو إلى «إسقاط النظام».
وفي منطقة الجبل، انضم أبناء المنطقة إلى الحركة الاحتجاجية، بناء على دعوة رئيس «الحزب الاشتراكي»، النائب السابق وليد جنبلاط، الذي صوب على «العهد»، ووزير الخارجية جبران باسيل، من دون أن يسميه، قائلاً إن «العهد يحاول من خلال رجله القوي أن يرمي المسؤولية على الغير، وهو الذي عطل كل المبادرات الإصلاحية الممكنة، وحرض عليها مستخدماً كل الوسائل». وأضاف: «إلى الرفاق والمناصرين، أدعو إلى التحرك الهادئ السلمي ضد هذا العهد الذي خرب كل شيء، واستأثر بكل شيء. نتحرك في مناطقنا لعدم خلق حساسيات».
ولفت أمين سر «الحزب التقدمي الاشتراكي»، ظافر ناصر، إلى تنظيم تحركات ستبدأ بعد ظهر اليوم في مختلف المناطق اللبنانية «نتيجة الفشل الذريع للعهد بتحقيق الإصلاحات الموعودة»، من دون أن يستبعد إمكانية الوصول «في نهاية المطاف، إلى حكومة من لون واحد، وتشكيل معارضة في الخارج، وإذا أراد الفريق الآخر أن يحكم فليحكم».
وبدوره، دعا رئيس حزب «الكتائب»، النائب سامي الجميل، اللبنانيين إلى «النزول إلى الشارع بطريقة سلمية، للمطالبة أولاً باستقالة فورية من جانب هذه الحكومة، حكومة المحاصصة والتسوية، وبتشكيل حكومة حيادية من الاختصاصيين تناط بها مهمتان: أولاهما إنقاذ الوضع الاقتصادي من الهريان، وثانيتهما إنقاذ الوضع الاجتماعي والمعيشي، والسير بالإصلاحات التي لا تطال الناس، بل منظومة الهدر والفساد الموجودة في الدولة».
ودعا رئيس «الكتائب» الناس إلى «المطالبة بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، لإعطاء فرصة للناس ليحاسبوا (الطبقة السياسية)، نتيجة الغش الذي تعرضوا له من جانب الذين تاجروا بأصواتهم من أجل طموحاتهم ومصالحهم الشخصية».
وبعد الظهر، دعا رئيس حزب «القوات اللبنانية»، سمير جعجع، المحازبين والمناصرين للمشاركة في التحركات الشعبية الجارية «وفق منطق وأجواء هذه التحركات، أي من دون شعارات وأعلام حزبية»، وأكد أنه «لا يمكن لهذه الأزمة أن تنتهي سوى بمجموعة متغيرات جذرية، تبدأ باستقالة هذه الحكومة، وتشكيل حكومة جديدة، بعيدة كل البعد عن الطاقم السياسي الحالي».
وكان للجنوب حصة من الاحتجاجات، حيث شهدت مدينة النبطية ومحيطها تحركات احتجاجية، وغطت سحب من الدخان الأسود الكثيف معظم القرى والبلدات المحيطة بالمدينة، نتيجة الإطارات المشتعلة. وفي صور، أقفل الشارع العام عند بداية بلدة صريفا - قضاء صور، مما منع المواطنين من الوصول إلى قرى قضاء بنت جبيل. وهتف المتظاهرون مطالبين بإسقاط الحكومة، وتسلم السلطة من قبل الجيش اللبناني.
ولم يختلف المشهد في إقليم الخروب، حيث أدى المحتجون صلاة الجمعة في وسط الأوتوستراد في الجية. وفي الشمال، قطعت كل الطرق التي تربط بين نقطة المدفون وطرابلس في نقاط عدة في البترون.



مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

استبقت تسريبات إسرائيلية اجتماع مجلس السلام المقرر عقده الخميس في واشنطن لبحث قضايا مرتبطة بقطاع غزة، وتحدثت عن مهلة 60 يوماً لنزع سلاح حركة «حماس» أو العودة للحرب بضوء أخضر أميركي.

تلك التسريبات التي تكاد تتطابق مع حديث للرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب فيه نزعاً فورياً وكاملاً لسلاح «حماس»، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ورقة ضغط مشتركة من الولايات المتحدة من أجل فرض الملف على أجندة الاجتماع، محذرين من أن هذا الضغط «سيُربك مسار اتفاق غزة».

ويسري في القطاع الفلسطيني منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، استناداً إلى مقترح تقدم به ترمب، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

وتتحدث إسرائيل عن منح «حماس» مهلة 60 يوماً قد تبدأ بعد اجتماع مجلس السلام، الخميس، لنزع سلاحها بطلب من إدارة ترمب، وهددت باستئناف الحرب إن لم تستجب، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، نقلا عن سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس مساء الاثنين.

ويجيء ذلك في أعقاب منشور لترمب على منصته «تروث سوشيال»، الأحد، قال فيه إنه «ينبغي على (حماس) أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري».

ويمثل ذلك التسريب تكراراً لآخر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر أن الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا مهلة نهائية مدتها شهران لتفكيك سلاح الحركة عقب لقاء جمع الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في فلوريدا.

ووقتها قال ترمب، في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو: «تحدثنا عن (حماس) وعن نزع السلاح، وسيُمنحون فترة زمنية قصيرة جداً لنزع سلاحهم، وسنرى كيف ستسير الأمور»، بينما قال نتنياهو آنذاك في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» إن «حماس» لا تزال تمتلك نحو 20 ألف مسلح يحتفظون بنحو 60 ألف بندقية «كلاشينكوف»، مشدداً على أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وعلى رأسها «القضاء التام على (حماس)».

فلسطينيون يسيرون أمام خيام النازحين وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد الخبير العسكري والاستراتيجي محمد العمدة أن ذلك التسريب «لا يختلف عن عقيدة إسرائيل الساعية لإفشال مسار الاتفاق وليس إرباكه فقط، خاصة أن مصالح نتنياهو المرتبطة بانتخابات هذا العام تجعله يطيل أمد المفاوضات ويضع عراقيل وذرائع تمهد للعودة للحرب».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني نزار نزال أن التسريب وراءه عدة أهداف، منها رفع سقف التوقعات، والإشارة لاحتمال تغير في قواعد اللعبة قبل تثبيت المرحلة الثانية، والضغط على «حماس» بطرح أفكار مغايرة عما سبق من مقترح متدرج لنزع السلاح.

وعدَّ نزال هذا اختباراً لجدية واشنطن للمضي في «اتفاق غزة»، معبراً عن اعتقاده بأن حكومة نتنياهو تريد إرباك مسار الاتفاق ومنع أي تفاهمات قد تكون محتملة بمجلس السلام.

وتُعد التسريبات الأخيرة مغايرة لأخرى ترددت قبل أسبوع حين أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصادر بأن واشنطن تجهّز مقترحاً جديداً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح باحتفاظها ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى. وذكرت الصحيفة أنه سيتم تقديم هذا المقترح خلال أسابيع.

فلسطينيون يعلّقون زينة رمضان فوق حطام المباني المدمرة في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الأحد الماضي (إ.ب.أ)

ولا تزال «حماس» تتمسك بموقفها من السلاح. وقد رفض القيادي البارز بالحركة، خالد مشعل، خلال منتدى بالدوحة قبل أسبوع، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي»، ودعا «مجلس السلام» إلى اعتماد «مقاربة متوازنة».

ويعتقد العمدة أن المقترح التدريجي هو ما يمكن أن تدور حوله المناقشة، لكن مهلة الشهرين لن تكون كافية كي تتمكن «حماس» أو غيرها من تسليم سلاحها؛ مضيفاً: «الحركة بالأساس لن تفعل ذلك ولن تقبل بهذا المسار».

وهو يرى أن تفكيك تسليح أي حركة مثل «حماس» سيستغرق فترة لا تقل عن عام حال وجود تفاهمات، «لكن إسرائيل تناور (حماس)».

ويرجح نزال أن تكون تلك التسريبات المتضاربة «مجرد ورقة ضغط تفاوضية»، باعتبار أن المهلة تحمل سيناريوهين: إما دفع «حماس» نحو تنازلات جزئية يستمر معها مسار اتفاق غزة بشكل بطيء، أو تمهيد لتجميد الاتفاق لفترة طويلة والسماح لإسرائيل بخروقات أكبر.


مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
TT

مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)

بشكل عاجل، عملت وزارة الصحة المصرية، على محاولة تدارك الآثار المترتبة على حكم دستوري صدر الاثنين، ببطلان الجداول الخاصة بتصنيف وإدراج المواد المخدرة، التي أصدرها رئيس الهيئة العامة للدواء أبريل (نيسان) 2021 لـ«عدم اختصاصه».

وهذا الأمر استدعى قراراً من وزير الصحة خالد عبد الغفار، لإعادة إصدار الجداول نفسها الملغاة بصفته ذا الصفة لذلك.

وأثار حكم المحكمة الدستورية العليا حالة من الجدل في مصر، مع نشر شائعات عن خروج وشيك لتجار مخدرات بناء عليه. وهذا ما نفاه متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدين أن «الحكم - قبل قرار الصحة - لن يترتب عليه مباشرة خروج أي من المدانين أو المتهمين حالياً في قضايا مخدرات، وإنما قد يستفيد منه بعض المُدانين أو المتهمين الحاليين في تخفيف الأحكام، وليس من المتوقع أن يصل الأمر لحد البراءة في معظم القضايا خصوصاً الاتجار».

وقالت وزارة الصحة في بيان، الثلاثاء، إن الوزير قرر استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، وتنظيم استعمالها والاتجار فيها رقم 182 لسنة 1960، تنفيذاً مباشراً وفورياً لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في جلستها بتاريخ 16 فبراير (شباط) 2026 في الدعوى الدستورية رقم (33) لسنة 47 - قضائية دستورية - الذي أكد عدم دستورية بعض الإجراءات السابقة المتعلقة بتعديل تلك الجداول.

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار (أرشيفية - وزارة الصحة)

وبصدور القرار «تُصبح جداول المخدرات الملغاة من قبل المحكمة الدستورية هي المطبقة حالياً في القضايا التي سيتم تحريكها منذ اليوم، ما يسد أي ثغرة تشريعية. أما الآثار التي ما زالت قائمة ومربكة للحكم فهي الخاصة بالقضايا التي حُركت بناء على تعديلات جدول المخدرات في الخمسة أعوام السابقة»، وفق الصحافي المتخصص في الشأن القضائي محمد بصل.

وأكد بصل لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القضايا عُرضة للاستفادة من حكم الدستورية حسب درجة التقاضي التي وصلت لها... غير أن ذلك لا يعني بأي حال خروج متهمين أو مدانين في قضية مباشرة بناء على حكم الدستورية».

ويهدف القرار الأخير، حسب وزارة الصحة، إلى «إعادة ترتيب الاختصاص التشريعي والتنفيذي في تعديل جداول المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، بما يتوافق تماماً مع أحكام الدستور المصري ومبدأ سيادة القانون، كما يسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة الدوائية والأمنية على هذه المواد، وفق أحدث التطورات العلمية والقانونية، لضمان حماية أكثر فاعلية للمجتمع من مخاطر التعاطي والاتجار غير المشروع».

وأشار بصل إلى أن «غالبية المواد المُخدرة حتى المُستحدث منها مثل الأيس والشابو وغيرها موجودة بالفعل في جداول المخدرات من قبل تعديلات رئيس هيئة الدواء، التي نقلتها من الدرجة الثانية في الجدول ذات العقوبات المُخففة نوعاً ما بصفتها جُنحة، إلى الدرجة الأولى والتي تجعل عقوبة تعاطيها والاتجار فيها جناية، وتصل هذه العقوبات المشددة إلى السجن المؤبد 25 عاماً»، مستبعداً أن يستفيد تجار المخدرات من هذه التعديلات، «عادة ما تحال القضية بوصفها اتجاراً بغض النظر عن نوع المُخدر أو درجة تصنيفه».

وتنشط وزارة الداخلية المصرية في قضايا مكافحة المخدرات، وتم «ضبط مواد مخدرة بقيمة تقديرية نحو 27 مليار جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً) وإيقاف تهريب مخدرات صناعية بقيمة سوقية نحو 34 مليار جنيه في الأسواق المستهدفة» خلال عام 2025، وفق كلمة وزير الداخلية اللواء محمود توفيق في احتفالية عيد الشرطة الماضية.

طرق الاستفادة من الحكم

وفسّر المحامي حسن شومان، لـ«الشرق الأوسط» طرق استفادة المتهمين من حكم الدستورية، في القضايا التي ضُبطت خلال الفترة محل الجدل، في أنه «إذا كانت القضية منظورة حالياً في أول درجة أو مُستأنف، فيحق لي بصفتي محامياً أن أطلب من المحكمة براءة موكلي، دافعاً ببطلان إجراءات القبض والتفتيش والإحالة، بمعنى إحالة النيابة القضية بوصفها جناية، بينما هي جنحة وفق الآثار المترتبة على حكم المحكمة الدستورية»، متوقعاً في الوقت نفسه ألا يأخذ القاضي في كثير من القضايا بهذا الدفع بالنظر إلى قرار وزير الصحة الأخير الذي أعاد تفعيل هذه الجداول، وهذا حق تقديري للقاضي، على حد وصفه.

وأضاف شومان: «إذا كانت القضية قد صدر فيها حكم نهائي لكن ليس باتاً، فيحق للمحامي أن يتخذ إجراءات للدفع بالبطلان أمام النقض، أما إذا كان الحكم باتاً صدر من النقض، فيحق أن أقدم التماساً بإعادة النظر في القضية بناء على وجود متغيرات جديدة فيها، وفي هذه الحالة تُعاد المُحاكمة، وقد يحصل المتهم على البراءة في حالة كان المُخدر الذي أُحيل به من المدرجة في الجداول الملغاة وهو أمر قد لا يحدث كثيراً، فعادة ما يُضبط المُدان بأكثر من نوع مخدر».

وقد يتيح حكم الدستورية لمُدانين قضوا مدة عقوبتهم في حكم صدر بناء على الجداول الملغاة، المطالبة بتعويض مدني عن العقوبة التي قضوها، حسب بصل، الذي أشار إلى أن الأزمة كان يمكن تفاديها بسهولة لو التفتت الحكومة ومجلس النواب إلى الأصوات التي حذرت منذ عام 2021 من أن النص القانوني الذي تم بناء عليه نقل مهمة تحديث جدول المخدرات إلى رئيس هيئة الدواء بدلاً من وزير الصحة «غير منضبط ويحتاج إلى ضبط في الصياغة».

المخدرات المُجرّمة

ولا تقتصر جداول المخدرات المُجرّمة في مصر على المواد المُصنعة للتعاطي، أو الحشائش للغرض ذاته، وإنما تضم كثيراً من الأدوية التي يستلزم لصرفها وصفة طبية، ويجب عدم تناولها أكثر من الجرعات والمدد المُحددة.

وأشاد الصحافي المتخصص في الشأن القضائي بالقرارات التي أصدرتها هيئة الدواء في جداول المُخدرات، التي كانت دائمة التحديث، وأدرجت كثيراً من المواد، وهو جهد لم يذهب سُدى في كل الأحوال، إذ أعيد العمل به بقرار وزير الصحة.

وأكدت وزارة الصحة في بيانها «التزامها الكامل بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا، واستكمال الإطار القانوني السليم الذي يجمع بين الحزم في مكافحة المخدرات، وبين احترام مبادئ الدستورية والشرعية».


تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
TT

تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية خلال الأيام الماضية انفراجة خدمية مهمة بعد تدخل سعودي عاجل أسهم في إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء، منهياً أزمة انقطاع التيار التي أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وعلى عمل المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى العام والجامعة والمعهد الفني.

وجاءت هذه الخطوة عقب توقف مفاجئ للمحطات نتيجة انسحاب الشركة المشغلة وتعطيل أنظمة التشغيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في الخدمة الكهربائية وارتفاع معاناة المواطنين.

وأوضح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن فرقاً هندسية وفنية باشرت عملها فور تلقي مناشدة من السلطة المحلية، حيث جرى إرسال متخصصين لإعادة تفعيل أنظمة التشغيل التي تم تشفيرها قبل مغادرة الشركة المشغلة للجزيرة. وتمكنت الفرق من استعادة تشغيل المولدات تدريجياً، ما أدى إلى عودة الاستقرار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأدى استئناف تشغيل محطات الكهرباء إلى تخفيف الضغط الكبير الذي شهدته الشبكة خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتفاع الأحمال وتوقف المولدات بشكل كامل.

وكانت المرافق الصحية والتعليمية الأكثر تأثراً، إذ اضطرت بعض الأقسام الطبية إلى تقليص خدماتها، بينما توقفت العملية التعليمية جزئياً بسبب غياب التيار الكهربائي اللازم لتشغيل القاعات والمختبرات.

وحسب إدارة كهرباء سقطرى، فإن الأزمة نشأت بعد قيام الشركة المشغلة السابقة بوضع مؤقتات إطفاء وإدخال كلمات مرور على أنظمة التحكم، ما حال دون قدرة الفرق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. وأشارت الإدارة إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجهت المحافظة وضعاً مشابهاً عام 2018 قبل أن تتم معالجة المشكلة بتدخل رسمي.

عودة عمل القطاع الصحي في سقطرى بدعم سعودي (إكس)

وأكدت مصادر محلية أن عودة الكهرباء انعكس فوراً على استقرار الخدمات الأساسية، حيث عادت شبكات المياه للعمل بانتظام، وتحسنت خدمات الاتصالات، إضافة إلى استئناف النشاط التجاري بشكل تدريجي بعد فترة من الاضطراب الاقتصادي المرتبط بانقطاع الطاقة.

دعم صحي وتعليمي

في القطاع الصحي، أسهم استقرار الكهرباء إلى جانب الدعم التشغيلي المقدم في ضمان انتظام عمل مستشفى سقطرى العام، الذي يُعد المرفق الطبي الأهم في الأرخبيل. وقد ساعد التمويل التشغيلي في توفير الوقود والمستلزمات الطبية ودعم الكادر الصحي، ما عزز قدرة المستشفى على استقبال الحالات المرضية، وتقليل الحاجة إلى تحويل المرضى للعلاج خارج المحافظة، وهو أمر كان يشكل عبئاً إنسانياً ومادياً على السكان.

وأفادت مصادر طبية بأن استقرار الطاقة الكهربائية مكّن الأقسام الحيوية، مثل العناية المركزة وغرف العمليات، من العمل بصورة طبيعية بعد فترة من الاعتماد على حلول طارئة محدودة.

أما في قطاع التعليم، فقد انعكس التدخل بشكل واضح على انتظام الدراسة في جامعة سقطرى والمعهد الفني، حيث استؤنفت المحاضرات والأنشطة الأكاديمية بعد أسابيع من التوقف. وأسهمت مبادرة دعم استقرار التعليم في تغطية التكاليف التشغيلية، بما في ذلك رواتب الكادر الأكاديمي والنفقات الأساسية، الأمر الذي قلل من نسب الغياب وساعد على استعادة الجدول الدراسي.

انتظمت العملية التعليمية في جامعة سقطرى بفعل الدعم السعودي (إكس)

وأعلنت السلطات المحلية استئناف الدراسة رسمياً في المعهد الفني بدءاً من يوم الاثنين، في خطوة عُدت مؤشراً على عودة الاستقرار التدريجي للخدمات العامة في الأرخبيل. ويرى مراقبون أن استمرار الدعم الفني والتشغيلي يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استدامة الكهرباء، وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلاً، خصوصاً في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة لتسيير قطاعاتها الحيوية.