الصين في الأدبيات العربية... توثيق ببليوغرافي

من عام 1886 حتى منتصف 2019

الصين في الأدبيات العربية... توثيق ببليوغرافي
TT

الصين في الأدبيات العربية... توثيق ببليوغرافي

الصين في الأدبيات العربية... توثيق ببليوغرافي

> أول ما نُشر عن الصين كان في الجزء الثامن من السنة الرابعة من مجلة (المقتطف / يناير 1879)، بعنوان: «سكان الصين» وهي مادة إخبارية إعلامية، ويمكن عدّ هذا التاريخ بداية الكتابة باللغة العربية عن الصين
يوثق هذا الكتاب، الذي نُشر مؤخراً عن مركز البحوث والتواصل المعرفي بالرياض في حدود 480 صفحة، والذي أعده الدكتور أمين سليمان سيدو ما كُتب عن الصين باللغة العربية ببليوغرافياً، من تأليف وترجمة وتعريبٍ، مما يعكس تطور العلاقات التاريخية في جميع المجالات بين العالم العربي بشكل عام والمملكة العربية السعودية بشكل خاص مع الصين. ومن المعروف تاريخياً أن الحضارة الصينية تُعدُّ واحدة من أعرق الحضارات في العالم، وشكلت إحدى أقدم المدنيات وأرقاها، وحافظت على هويتها ونقائها عبر القرون، وهذا ما شجع العرب على التواصل مع الصين، وتوطيد العلاقات التجارية معها من خلال الطريق التجاري الشهير المعروف باسم «طريق الحرير» الذي ربط بين الحضارتين العربية والصينية.
لقد اهتمت المصادر العربية بالصين في مختلف الجوانب، وشغلت مكانة كبيرة في كتابات العرب. ومن هنا، نتبين الجهد الذي بذله مركز البحوث والتواصل المعرفي في سبيل جمع هذه المعلومات وتوثيقها وتبويبها، من أجل مساعدة الباحثين على الوصول إلى المعلومات المستهدفة بسهولة ويُسرٍ.
وتعدُّ الأعمال الببليوغرافية اللبنات الأساسية لأنظمة التوثيق والتحكم بالمعرفة؛ التي لا سبيل إليها إلا عن طريق الببليوغرافيات التي تُعرِّف بالإنتاج الفكري وتربط بين دوائر المعرفة البشرية في كل زمان ومكان.
لهذا نرى أن الأعمال الببلوغرافية صاحبت جميع أنواع أصناف العلوم النظرية والتطبيقية، كما تحظى بعناية المؤسسات العلمية ودور النشر الكبرى في جميع دول العالم. وعلى المستوى العملي لا يمكن الاستغناء عن البحوث الببليوغرافية للتمهيد لأي عمل منهجي رصين؛ ولا شك أن إنتاج الببليوغرافيات ونشرها ليس أمراً ميسراً لأنها تعتمد على مقاييس صعبة ومُكلفة، منها الدقة والشمولية والانتظام، وهذه الصفات يصعب تحقيقها بسهولة.
ومن هنا، يمكن القول إن كثيراً من الباحثين يواجهون مشكلة مزمنة سببها ضعف الاتصال أو فقده بين الخبراء والمؤلفين في دوائر البحث العلمي والنشر.
وكانت القوائم الببليوغرافية من الأدوات المهمة التي فتحت آفاقاً جديدة أمام الفكر لممارسة نشاطه المعرفي، وتظل أداة مساندة للبحث العلمي إلى جانب الأدوات الأخرى كالكشافات والفهارس، وسواهما من الأدوات التي يلجأ إليها الدارسون للبحث عن الكتابات ذات الصلة بموضوع بحثهم، من فهرست ابن النديم إلى البيانات الوصفية المخزنة في قواعد المعلومات، من حيث تطور أساليبها ونظم تخزينها وحفظها واسترجاعها، ومواكبتها للمتغيرات التي طرأت على مختلف مجالات العلوم والفنون.
حيث تتيح الدراسات المعلوماتية لآداب الموضوعات المختلفة، أو قطاعات أو أعمال معينة منها وسيلة للاستكشاف العلمي لخصائصها الببليوغرافية، والتوصيف الإحصائي الكمي لها، والتقصي المنهجي لمقولاتها، ومن أهم أنواع هذه الدراسات البحوث الببليومترية التي يقع في نطاقها هذا العمل.
وتبرز أهمية هذا العمل من أنه ركز في توثيق الأعمال المنشورة باللغة العربية أو المترجمة إليها عن الصين، وتيسير الصعاب أمام الباحثين للوصول إليها، بطريقة علمية مقننة، وحلَّل هذه الأعمال بالاعتماد على الأساليب الببليومترية، والطرق الإحصائية للكشف عن جوانب القوة والضعف في الموضوعات المدروسة.
ويهدف هذا العمل إلى تحقيق عدد من الأهداف الآتية:
> الحصر الببليوغرافي للمواد المنشورة في الموضوع باللغة العربية، سواء في كتب مستقلة، أم مباحث من كتب، أم أطروحات علمية، أم بحوث منشورة في المجلات الدورية. ووصف السمات الأساسية للإنتاج الفكري المنشور؛ أو المترجم عن الصين إلى اللغة العربية، وتحليله، وتقويمه باستخدام الأساليب الببليومترية، والطرق الإحصائية.
> بيان الموضوعات التي استحوذت على اهتمام الباحثين، والموازنة بينها؛ باستخدام الأساليب الببليومترية. والتعرف إلى أوعية المعلومات الدورية العربية التي اهتمت بنشر البحوث عن الصين.
> الضبط الببليوغرافي للمواد، والتجميع الموضوعي لها، وتنظيمها بطريقة علمية مقننة.
ويسعى هذا العمل إلى تحقيق أهدافه من خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية: ما حجم الإنتاج الفكري المنشور؛ أو المُعد في الكتب المستقلة، والأطروحات العلمية، والمجلات الدورية عن الصين باللغة العربية؟ وما أنماط أوعية المعلومات التي نُشر فيها الإنتاج الفكري عن الصين؟
وما الموضوعات التي استحوذت على اهتمام الباحثين بشكل كبير؟ ومَنْ هم الكُتَّاب الذين برزوا في هذا المجال؟ وما حجم إسهاماتهم على خريطة التأليف والنشر والترجمة في نطاق العمل؟
والإجابة عن هذه الأسئلة ومثيلاتها هي ما يسعى هذا العمل إلى الإفصاح عنه، واستنباط الإيجابيات والسلبيات القائمة، والسعي إلى طرح حلول تفيد قضايا البحث العلمي، وتلبي رغبات الباحثين واحتياجاتهم.
أَمَّا الحدود الموضوعية لهذا العمل، فهو يحاول تغطية جميع الموضوعات المنشورة عن الصين باللغة العربية، أو ما تمَّ أعدادها ضمن الرسائل الجامعية. ومن ناحية الحدود المكانية، لم يقتصر العمل على أماكن أو دول أو مناطق محددة. وفيما يتعلق بالحدود الزمانية، يغطي العمل الفترة الزمنية من نَشر أول عمل استطاع الباحث رصده في القائمة الببليوغرافية، ويرجع إلى عام 1886م وحتى منتصف عام 2019م، وعن الحدود اللغوية يغطي هذا العمل، كما ذكرنا، الأعمال المنشورة عن الصين باللغة العربية أو المترجمة إليها فقط.
والمنهج الرئيس الذي استخدم في هذا العمل، هو المنهج الببليومتري التحليلي والوصفي في القياس، والتحليل الإحصائي المقارن للبيانات المجمَّعة عن المتغيرات الببليوغرافية المدروسة، وتوصيف خصائصها الببليوغرافية.
وأَمَّا بالنسبة إلى إعداد القائمة الببليوغرافية، فقد أعدت وفق منهج التحليل الببليوغرافي الاستنادي، فاعتمد رؤوس موضوعات مقننة، حسب قواعد الفهرسة الأنجلو – أميركية، كما روعيت قواعد الترتيب الألفبائي في متن العمل وفي المسارد الملحقة به.
وقد تمحور هذا الكتاب في ثلاثة أقسام رئيسية، إضافة إلى المقدمة. القسم الأول: الدراسة الببليومترية، وتناول التشتت الموضوعي، والتوزيع النوعي، وتوزيع الكُتَّاب، والتوزيع الزمني. والقسم الثاني: التوثيق الببليوغرافي، وهو رصد ببليوغرافي لما نُشر عن الصين باللغة العربية. والقسم الثالث: المسارد: مسرد بالموضوعات، ويشتمل على رؤوس الموضوعات المستخدمة في التوثيق الببليوغرافي، ومسرد بالأعلام، ويشتمل على أسماء المؤلفين والكُتّاب، وعناوين الكتب والأبحاث والمقالات، وأسماء الدوريات.
ومن خلال تحليل المعلومات المجمعة عن المتغيرات المدروسة تمَّ التوصل إلى النتائج المهمة الآتية:
> لُوحظ أن المملكة العربية السعودية تميزت بعلاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية مع الصين، وكانت في صدارة الدول العربية عامة، والخليجية خاصة في هذا المجال، إذ نُشر في هذا الحقل 30 مادة.
وتبيّن أنَّ أول ظهور لعمل نُشر في هذا الموضوع كان في الجزء الثامن من السنة الرابعة من مجلة «المقتطف» ( يناير/كانون الثاني 1879)، بعنوان: «سكان الصين»، وهي مادة إخبارية إعلامية، ويمكن عدّ هذا التاريخ بداية الكتابة باللغة العربية عن الصين.
يُذكر أنّ أول كتاب نُشر في الموضوع من واقع الضبط الببليوغرافي هو (كتاب قانون الصين) للباحث تنجي خافكدي، وقد طُبع في مطبعة مدرسة والدة عباس الأول في القاهرة عام 1906هـ. ولوحظ أن هناك أخطاءً في توثيق بعض المواد، ونقصاً في بعض بيانات الوصف الببليوغرافي لمواد أخرى.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).