منسوجات تحكي جمال كولومبيا وتنوعها البيولوجي

مشغولة بما يزيد على 2500 نوع من الألياف النباتية من الأمازون وجبال الأنديز

منسوجات تحكي جمال كولومبيا وتنوعها البيولوجي
TT

منسوجات تحكي جمال كولومبيا وتنوعها البيولوجي

منسوجات تحكي جمال كولومبيا وتنوعها البيولوجي

ماذا يجمع بين الممثلة الأميركية أنجلينا جولي والمهندس البريطاني نورمان فوستر ومتحف الفن المعاصر في نيويورك وسكان الأحياء الفقيرة في العاصمة الكولومبية بوغوتا؟ إنها الأنسجة الحرفية الرفيعة التي تحيكها نساء العائلات التي نزحت إلى تلك الأحياء هرباً من عنف الصدامات المسلحة بين الجيش والثوار، والتي يتهافت عليها مصممو دور الأزياء العالمية الكبرى، واستحوذت على إعجاب المشاهير والمشرفين على كثير من المتاحف العالمية. أنسجة تحولت أيضاً إلى أداة لتغيير الصورة التي ارتسمت في أذهان الناس عن كولومبيا، كمعقل لعصابات المخدرات وأحد أشد البلدان عنفاً في العالم.
في الضاحية الجنوبية من بوغوتا يعيش 3 ملايين شخص في أكواخ من الصفيح المتراصة المكدسة فوق هضاب من الركام، تخرج من بين أيديهم كل يوم بعض أفخر الأنسجة في العالم.
سبعون حرفياً يعملون بشغف وانتظام في حياكة منسوجات تباع لاحقاً في أشهر صالات العرض في نيويورك وميلانو، وتزين القصور الملكية في أوروبا وآسيا؛ إنهم طاقم المعلمين الحرفيين في مشغل «Hechizoo» الذي تتهافت على منتوجاته دور الأزياء العالمية، مثل ديور وشانيل وفندي ولوي فويتون، ومكاتب الهندسة والديكور الكبرى، مثل هرزوغ وفوستر وبيتر مارينو وغيرهم. منسوجات تحكي جمال البلد الذي يضم أكبر مجموعة من التنوع البيولوجي في العالم، مشغولة بخيوط الذهب والفضة والنحاس، متشابكة مع ما يزيد على 2500 نوع من الألياف النباتية الآتية من مجاهل الأمازون وقمم جبال الأنديز الشامخة.
خورخي ليزارازو هو مؤسس هذا المشغل، بعد أن غادر باريس حيث عمل مهندساً في مكتب سانتياغو كالاترافا. عاد إلى كولومبيا إثر فشل عملية السلام الأولى في عام 2002، حيث كانت مجموعات الحرفيين تعيش في مناطق يتعذر الوصول إليها لوقوعها في قبضة الثوار أو تحت سيطرة الميليشيات المسلحة. لكن ذلك لم يمنعه من المجازفة مراراً، إلى أن تمكن من إقناع عشرات المعلمين الحرفيين، والتعاقد معهم لتنفيذ مشروعه الذي مضى اليوم على انطلاقه عشرون عاماً. يقول ليزارازو: «في البداية، كنت أدعي وجود الزبائن أمام الحرفيين لتشجيعهم على العمل، لكن في الواقع كنت أواجه صعوبة كبيرة في تسويق المنسوجات، وكدت أن أصرف النظر عن المشروع، إلى أن تعرفت على سيدة كولومبية تدير صالة للعرض الفني في مانهاتن، تجاوبت مع الفكرة وتعاونت معنا إلى أن أصبحت اليوم وكيلتنا الحصرية في الولايات المتحدة. وفي صالتها، وقعت الممثلة أنجلينا جولي وزوجها الممثل براد بيت على أحد المنسوجات واشترتها. وفي العام الماضي، قررت إدارة متحف المتروبوليتان اقتناء أحد الأعمال التي أنتجها المشغل لعرضه مع مجموعته الدائمة.
ويصدر «Hechizoo» اليوم 90 في المائة من إنتاجه الذي يوزع على دور أزياء عالمية، مثل برادا وبوتيغا فينيتا ولورو بيانا، التي يقدر المسؤولون فيها التمازج اللامتناهي بين المواد والألوان، وجودة الحياكة اليدوية وإتقانها. وفي الطرف الآخر من العاصمة الكولومبية يوجد مشغل آخر للأنسجة الحرفية، هو «Verdi Design» الذي يعمل فيه 55 معلماً غزت منتوجاتهم سوق السلع الفاخرة في أوروبا والولايات المتحدة، ويتسابق المشاهير على اقتنائها، كما حصل عندما أطلق المشغل حقيبة للظهر مصنوعة من الألياف المعدنية لاقت رواجاً واسعاً، وصفته رئيسة تحرير «فوغ» الأميركية، آنا وينتور، بأنه حالة غير مسبوقة لم تشهد مثلها.
مؤسس «Verdi» هو توماس فيرا المولود في مدينة بارانكيا الساحلية التي ينحدر معظم سكانها من أصول عربية، والتي كانت مسرحاً تدور فيه أحداث عدد من روايات غارسيا ماركيز، خصوصاً «وقائع موت معلن» التي ينحدر بطلها سانتياغو نصار من أصل لبناني.
يقول فيرا إن مؤسسته شهدت النور في قرية صغيرة تدعى «كوريتي»، وتقع على سفح جبال الأنديز، وهي مشهورة بسحر طبيعتها ومناخها الاستوائي، ويعيش أهلها منذ مئات السنين على إنتاج الألياف النباتية. وتعمل اليوم 18 أسرة في القرية بصورة حصرية لهذه المؤسسة التي دخلت مؤخراً في مشروع مشترك مع الملياردير السويدي ستيفان بيرسون، مؤسس الدار المعروفة للملابس الجاهزة «H&M»، وتوزّع المؤسسة منتوجاتها أيضاً عن طريق المنصات الكبرى للتجارة الإلكترونية، وينتشر زبائنها في كل أنحاء العالم، من لوس أنجلوس إلى بيروت.
وتنكب مهندسة كيميائية، تعمل في المشغل حالياً، على تطوير 130 لوناً جديداً لتطبيقها على الألياف بالوسائل المخبرية الحديثة، فيما يقوم الحرفيون بحياكة الأنسجة يدوياً، بمساعدة برنامج معلوماتي يحدد لهم الأنماط التي ينبغي اتباعها، ويجففون الأنسجة في آلة تعمل بالتكنولوجيا الدقيقة والأشعة فوق البنفسجية. ويقول فيرا: «قيمتنا المضافة تكمن في إعلاء شأن العمل الحرفي، عن طريق رفع مستوى الجودة، وإتقان التصميم والتفاصيل، وهذا ما فتح لنا أبواب السوق الفاخرة».
وتقول كارولينا آغوديلو، المشرفة على برنامج «الموضة والنسيج» في جامعة بوغوتا: «كانت الأنسجة تُعد من الفنون الدنيا، كالخزف والحرفيات الأخرى. وبما أنها حرفة نسائية، كان أهل الفن يعتقدون أنها أقل شأناً وأدنى قيمة فنية». لكن الأنسجة الحرفيّة الكولومبية أصبحت اليوم في عداد المجموعات الدائمة لمتحف الفن المعاصر ومتحف الفنون والتصميم والمتروبوليتان في نيويورك، ومتحف الفن الحديث في العاصمة الفرنسية.
وهي أعمال تنطلق من تصاميم الشعوب الأصلية في أميركا اللاتينية، والمذهبات السابقة لوصول كولومبوس إلى القارة الأميركية، وأجواء الباروك الذي انتقل من هناك إلى أوروبا. وتجدر الإشارة أن دار الأزياء الفرنسية المعروفة «ديور» وقع اختيارها مؤخراً على الحرفية الكولومبية أولغا آمارال لتصميم حقيبتها الذائعة الصيت «Lady Dior».
ومنذ سنوات، تولي الحكومة الكولومبية اهتماماً خاصاً بالقطاع الحرفي، عن طريق وكالة تابعة لوزارة التجارة تقدم له المساعدات والقروض الميسرة، وتسهل تسويق منتجاته في الداخل والخارج، وتسهر على حمايته وتطويره. وتقول آنا ماريا فرييس، مديرة هذه الوكالة: «إن الحرفيين رياديون بالسليقة، ومبتكراتهم تتمتع بكل المواصفات التي يبحث عنها المستهلك المسؤول والذواق: قطع فريدة مستدامة تحافظ على البيئة، تصاميمها جذابة وصناعتها متقنة، وهي تؤدي خدمة اجتماعية».
وقد ساعدت الوكالة مجموعات الحرفيين من السكان الأصليين على اجتذاب عدد من دور الأزياء وصناعة المجوهرات التي تبحث عن مهارات ليست متوفرة في أوروبا، مثل دار «بولغاري» التي أطلقت مجموعة من الأقراط، بالتعاون مع منظمة «Save The Children» وبعض مجموعات السكان الأصليين الكولومبيين في المناطق المطلة على المحيط الهادئ. وتقول مديرة الوكالة: «الصناعات الحرفية هي وسيلة تواصل بالنسبة للسكان الأصليين، تحمل عناصر رمزية وصوفية يعبرون من حلالها عن أفكارهم ورؤيتهم للحياة والكون»، وتشير إلى أن مجموعات السكان الأصليين الكولومبيين صغيرة وضعيفة، مقارنة بتلك الموجودة في بلدان أخرى مجاورة، مثل بوليفيا وبيرو والمكسيك، حيث تشكل الأغلبية.
وتعمل الجهات الرسمية المعنية في كولومبيا على حماية الحقوق الفنية والثقافية للمجموعات الأصلية، بوضع تشريعات تحول دون استغلال تراثها ومبتكراتها من غير موافقتها، أو من دون مقابل. وقد أصدرت السلطات الكولومبية مؤخراً تعليمات بمنع توزيع وبيع قبعات من البلاستيك مصنوعة في الصين، ومنسوخة عن القبعة التقليدية لإحدى القبائل الأصلية، ونجحت في تعميم هذه التعليمات على عدد من الدول المجاورة، بما في ذلك الولايات المتحدة.
وتساهم هذه المجهودات التي تتعاون فيها الجهات الرسمية مع القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، إضافة إلى حماية التراث الحرفي الكولومبي، في المساعدة على إعادة إدماج ضحايا العنف والمقاتلين السابقين في النسيج الاجتماعي.
ولم يعد مستغرباً أن يعمل مقاتلون سابقون كانوا ينتمون إلى مجموعات متناحرة في المشغل الحرفي نفسه جنباً إلى جنب، مما يعطي صورة أخرى عن كولومبيا التي ارتبط اسمها منذ عقود بالعنف والفساد والمخدرات، لأنه كما تقول كلارا أوسبينا، التي فازت العام الماضي بالجائزة الأولى في المسابقة الوطنية للمعلمين الحرفيين: «كل قطبة، وكل خيط أو تطريزة، تحمل قيمة تاريخية ورسالة تراثية، إلى جانب فنها وجمالها».



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.