سريلانكا... أطلال تشهد على 3 آلاف سنة من التاريخ

سريلانكا... أطلال تشهد على 3 آلاف سنة من التاريخ

في جُعبتها مغامرات تتنوّع بين التحليق في السماء وتسلق الجبال والغوص في المحيط
الأربعاء - 10 صفر 1441 هـ - 09 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14925]
لندن: رجينا يوسف
بين سائح وآخر تختلف الأذواق في كيفية اختيار الهوايات وأماكن ممارستها، فلكلٍ عشقه الخاص لانتقاء بلد أو مدينة يمضي فيها أوقات إجازته. وتبقى الطبيعة بنشاطاتها المختلفة مطلب الغالبية، فكيف إن كانت الوجهة سريلانكا التي لا تزال تحافظ على طبيعتها التي لم تعبث بها يد إنسان حتى الآن.

تاريخها عريق يمتدّ لأكثر من 3 آلاف سنة، وفي أرضها بعض أقدم المدن على مستوى العالم، مثل أنورادابورا وبولوناروا وديغامادولا. ولا تزال أطلال الحواضر العظيمة والقصور والمعابد والأديرة والمستشفيات التي كانت قائمة في تلك البقع بوقت مضى شاهدة على هذا التاريخ، وإن كانت اليوم مهجورة بسبب الغابات الزاحفة من حولها. وتبقى أنورادابورا أعظمها على الإطلاق. فهي العاصمة الثالثة في تاريخ البلاد وأطولها أمداً، وواحدة من أقدم مدن العالم التي لا تزال مسكونة حتى اليوم. استمرّت عاصمة للبلاد منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى مطلع القرن 11. وكانت واحدة من أبرز مراكز النّفوذ السّياسي على مستوى جنوب آسيا وأكثرها استقراراً.

بيد أن المدن المثيرة للاهتمام كثيرة في سريلانكا، فهناك سيغيريا وهي عبارة عن حصن يعود تاريخ بنائه إلى القرن الخامس بعد الميلاد. تضم حديقة مائية متميّزة وبعض أقدم الجداريات في تاريخ البلاد. كما هناك مدينة بولوناروا، ثاني أقدم مملكة في تاريخ سريلانكا التي تميزت بأنظمة ري متقدمة للغاية، ولا تزال تستخدم حتى يومنا هذا في توفير المياه إلى المزارعين داخل وحول بولوناروا.

أمّا ديغامادولا، وهي مملكة سريلانكا الشرقية، فكانت بمثابة العاصمة الرّوحية والزراعية للبلاد خلال عهد مملكة أنورادابورا.

وكانت كاندي المملكة الأخيرة في تاريخ سريلانكا بمثابة شهادة على قدرتها على النّهوض من الرّماد وبناء نفسها من جديد، فبعد أن تعرّضت للحرق والنّهب 3 مرات على أيدي البرتغاليين الغازيين، لا تزال المنازل والقصور والمعابد الرائعة فيها، تحتفظ اليوم برونقها بعد قرابة 500 سنة.

ما لا يختلف عليه أي زائر لسريلانكا أنها قد تكون جزيرة صغيرة نسبيّاً، إلا أنّ الطبيعة وهبتها تنوعاً لا مثيل له. من شواطئها الذهبية، إلى مناطق سياحية أخرى عبارة عن مرتفعات وتلال وجبال، فضلاً عن المناطق الواقعة في قلب الجزيرة وتزدان بمزارع الشاي التي تقطعها من حين لآخر مساقط مائية رائعة. كما تتميز بطقس لطيف وسماء ضبابية بعض الأحيان ومنازل مؤلّفة من طابق واحد تشكل بقايا حقبة ولّت.

ولقلب الجزيرة مثلث ثقافي مميّزٌ في ظل وجود أطلال من ممالك قديمة مختلفة، وكهوف صخريّة مخفيّة، ومعابد قديمة مقدسة، ومبانٍ تعكس معماراً وفنوناً وهندسة قديمة مذهلة، تكاد لا تصدّقها العين لشدّة دقتها.

أمّا شمال البلاد فيتميّز على وجه التحديد بمذاقه المميّز وثقافته الفريدة. ورغم أنّه لا يزال يحمل ندبات من الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد، ففي طياته دليل ملموس على التنوع الثّري الذي تمتاز به سريلانكا. وفي شمالها تنعكس تأثيرات مختلفة وتتمازج سمات برتغالية وهولندية وتاميلية ومسلمة وبريطانية. وحتى يومنا هذا، تنتشر مجموعات من الجزر البكر أمام سواحلها بانتظار من يكشُف النّقاب عن سحرها المجهول.

وفي شرقها تنتشر حقول كثيفة، ويسود نمط الحياة الرّيفية أبطأ وتيرة عن نظيرتها الشّمالية، حيث تظهر الشّمس ساعة شروقها لتقدّم للسائح مشهداً رائعاً يختلف عن الحياة العصرية بيومياتها الراكضة. كما يزدان الشرق بأماكن عبادة يتداخل فيها كثير من الألوان المبهجة ومتنزهات وطنية وموانئ ومياه صافية براقة توفر تجارب لا تنسى للزائرين.

وهنا يستطيع السائح ممارسة ما يروق له من نشاطات التزلج على الأمواج وركوب الكاك والغطس، أو مجرد التمدد على الشاطئ للاستمتاع بحرارة الشّمس الدافئة.

وبفضل الرياح الشّمالية الشّرقية، يسود طقس مشمس السواحل جنوب الغربية وتظل الأمواج هادئة خلال الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) ومارس (آذار)، بينما تجعل الرياح الجنوبية الغربية مياه السواحل الشرقية هادئة مع سطوع مستمر ولطيف لأشعة الشّمس.

وتتضمن أفضل مناطق السواحل الجنوبية؛ تانغالا وبيروالا وميريسا وبنتوتا وأوناواتونا، وتتميز بخيارات متنوعة بما في ذلك فنادق مريحة وشعاب مرجانية متنامية وحواجز رملية.

وبينما اكتُشفت شواطئها الجنوبية منذ فترة طويلة، لا تزال شواطئ الجهة الشرقية لم تُكتشف بصورة كاملة. وتعتبر أروغام باي، أشهرها على الإطلاق كونها قبلة عشّاق التزلج على الأمواج في المنطقة.

أما على الطرف الغربي من البلاد إلى الشمال من كولومبو، فتوجد بحيرة نيغامبو. وتعتبر شواطئها مزاراً يجذب السّكان المحلّيين والأجانب منذ زمن بعيد. ويبقى شاطئ غالي فيس غرين، الممتد لمسافة نصف ميل بين غالي رود والمحيط الهندي، الوجهة المفضلة للكثيرين.



الطبيعة البرية



مساحة سريلانكا صغيرة بوجه عام، إلّا أنّ هذا الأمر لم يمنعها من التميّز لتكون واحدة من أعلى معدلات التوطن البيولوجي على مستوى العالم، سواء من حيث النباتات أو الحيوانات. وهي من بين أكبر 5 مراكز للتنوع الحيوي على مستوى العالم. فيها 91 نوعاً من الثّدييات، مثل الأفيال والدّبب الكسلانة والفهود والصمبر والجاموس البرّي. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ اللوريس الأحمر النّحيل والمكاك القلنسوي واللنغور الرمادي أندر الثدييات فيها، وهي من الكائنات المهدّدة بالانقراض. يُضاف إلى ذلك، الطيور التي تُعتبر ذروة الحياة البرية في الجزيرة، وتضمّ قرابة 433 نوعاً منها.

لكن سريلانكا مقصد لنوع آخر من السياحة، ألا وهو السياحة الصحية بفضل شهرتها في مجال الأيورفيدا، وترجمتها «علم الحياة». منظومة من تعاليم الطّب التقليدي نشأت في شبه القارة الهندية، ويعود تاريخ هذا النظام الاستشفائي لأكثر من 5 آلاف عام. ويعتمد على الأعشاب ونظام غذائي محدد، وقد شكّل أسلوب العلاج الوحيد في المنطقة حتى إقرار العقاقير الغربية في القرن 19.

وسريلانكا تتوفر على كثير من المنتجعات التي تعتمد على تخليص الجسم والروح من أعباء الحياة اليومية وضغوطاتها، من خلال التأمل والعلاج بالتدليك والحمامات العشبية، واتباع نظام غذائي خاص.



الغوص



في جعبة سريلانكا مجموعة غنيّة من المغامرات، بسبب منظومتها المناخية والجغرافية المتنوعة، ما بين تسلّق أعالي الجبال إلى استكشاف أعماق المحيط والسّير في غاباتها الخضراء.يعيش السّائح لحظات لا تُنسى على شواطئها بين ممارسة رياضة غوص «سكوبا» والتزلج على الأمواج. ولرياضة «سكوبا» تاريخ طويل مع سريلانكا. واليوم، تعجّ مياه المحيط حول الجزيرة بحدائق مرجانية وأعداد ضخمة من أسماك غريبة ولافتة وحطام سفن من أزمان غابرة، ما يجعل سريلانكا موطناً لبعض أفضل تجارب الغوص عالمياً، خصوصاً حول ميناء غالي ومواقع الغوص الشهيرة في كالبيتيا وأمبارا وترينكومالي في السواحل الشرقية والغربية للبلاد، حيث رسّخ التزلج على الأمواج، لنفسه، وجوداً قوياً على مدار الـ25 عاماً الماضية. كما تعتبر المياه المحيطة بها مثالية لممارسة هواية الصيد.



مشاهدة الحيتان



تعتبر مياه المحيط موطناً لواحدة من ألطف الكائنات البحرية وأكثرها ضخامة: الدلافين. وتحرص أسراب منها على فرض وجودها بالظهور في كثير من المواقع خلال شهور ديسمبر (كانون الأول)، ويناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط)، ومارس (آذار)، وأبريل (نيسان).

جدير بالذكر أن كثيراً من طرق هجرة الحيتان والدلافين تمر قرب سريلانكا، ما يجعل من الجزيرة موقعاً مثالياً لمراقبة هجرة ما يقدر بـ26 نوعاً من الحيتان منها الحوت الأزرق، وحوت العنبر والحوت الزعنفي، إضافة إلى مجموعة متنوعة من الدلافين.



تسلق الجبال



تجذب الجزيرة أيضاً عشّاق الجبال وتمكّنهم من عيش تجربة مثيرة بتسلق الصّخور والشّعور ببعض منها تنزلق أسفل قدميهم للوصول إلى ارتفاعات شاهقة تصيب الرأس بالدوار. ومن بين أشهر جبالها؛ سلسلة نكلز وإيلا وهابارانا سيغيريا وبولوناروا وسهول هورتون التي تنطوي جميعها على تحديات في تسلّقها والصّعود إلى قممها، لكنّها تبقى تجارب ممتعة للهواة، وكذلك المتسلقين المخضرمين. أمّا أحدث صيحات التسلق في سريلانكا فتجري اليوم عند الجبال التي تتفجّر منها مساقط مائية وشلالات. بالإضافة إلى السّير في غاباتها الغنية وحقولها ومتنزهاتها. تتوفر أيضاً على مجموعة غنية من الغابات المطيرة والجبال، وحدائق الشّاي والسهول التي تعجّ بأنواع نادرة من الطيور والحشرات، علاوة على تميزها بدرجات حرارة معتدلة.



ركوب المنطاد



يمكن للزائر الاستمتاع بالتحليق في سماء سريلانكا ورؤية طبيعتها ومزاراتها الساحرة من أعلى. تعمل هذه المناطيد بالهواء الساخن على ارتفاعات تتراوح بين 500 وألفي متر. ويجري تنظيم رحلات خاصة في ساعات الشّروق.

- قبل تحديد فترة السفر إليها، من المهم وضع أحوال الطقس في الاعتبار، علماً أنه يشهد تقلبات من عام إلى آخر، خصوصاً في ظل التغييرات المناخية العالمية وارتفاع درجات حرارة الأرض التي تزيد المشهد العام تعقيداً.

إلا أنه طقس مستقر عموماً وعلى مدار العام. فدرجة الحرارة تتراوح في المناطق السّاحلية والمنخفضة بين 26 و30. ومع الارتفاع، تتراجع لتصل إلى ما يتراوح بين 18 و22 في كاندي. وفي نوارا إليا والأجزاء الأعلى من الجزيرة، تتراوح ما بين 14 و17. أما ليلاً وفي المناطق المرتفعة، فمن الممكن أن تنخفض درجات الحرارة بشدة ويصبح البرد قارساً. أمّا الرطوبة، فغالباً ما تكون مرتفعة ويمكن أن تصل إلى 90 في المائة في جنوب غربي البلاد، وتتراوح في المتوسط بين 60 في المائة و80 في المائة بباقي أرجاء الجزيرة.

ويعني هذا النمط المناخي أنّ الوقت المناسب لزيارة سريلانكا يعتمد على الوجهة التي تقصدها داخل الجزيرة على وجه التحديد. إذا كنت تقصد السواحل الغربية والجنوبية، فإنّ الفترة بين ديسمبر (كانون الأول) ومارس هي الأمثل. أمّا إذا كنت تنوي زيارة السّاحل الشّرقي، فإن الفترة من أبريل إلى مايو (أيار) حتى سبتمبر (أيلول) هي الأفضل.

- مواطنو معظم دول الخليج العربي لا يحتاجون إلى فيزا عند السفر إلى سريلانكا، وقد يحصلون على التأشيرة فور وصولهم إلى مطارها، في حين أنّ بعض البلدان ينبغي على مواطنيها طلب فيزا إلكترونية وبتكلفة 30 دولاراً تقريباً.

- يتحدث السكّان في سريلانكا 3 لغات تعدّ رسمية في البلاد؛ وهي اللغة السنهالية، واللغة التاميلية، واللغة الإنجليزية والعملة المتداولة في البلاد هي الروبية.
سفر و سياحة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة