سريلانكا... أطلال تشهد على 3 آلاف سنة من التاريخ

في جُعبتها مغامرات تتنوّع بين التحليق في السماء وتسلق الجبال والغوص في المحيط

منظر لمزارع الشاي بالقرب من أنورادابورا
منظر لمزارع الشاي بالقرب من أنورادابورا
TT

سريلانكا... أطلال تشهد على 3 آلاف سنة من التاريخ

منظر لمزارع الشاي بالقرب من أنورادابورا
منظر لمزارع الشاي بالقرب من أنورادابورا

بين سائح وآخر تختلف الأذواق في كيفية اختيار الهوايات وأماكن ممارستها، فلكلٍ عشقه الخاص لانتقاء بلد أو مدينة يمضي فيها أوقات إجازته. وتبقى الطبيعة بنشاطاتها المختلفة مطلب الغالبية، فكيف إن كانت الوجهة سريلانكا التي لا تزال تحافظ على طبيعتها التي لم تعبث بها يد إنسان حتى الآن.
تاريخها عريق يمتدّ لأكثر من 3 آلاف سنة، وفي أرضها بعض أقدم المدن على مستوى العالم، مثل أنورادابورا وبولوناروا وديغامادولا. ولا تزال أطلال الحواضر العظيمة والقصور والمعابد والأديرة والمستشفيات التي كانت قائمة في تلك البقع بوقت مضى شاهدة على هذا التاريخ، وإن كانت اليوم مهجورة بسبب الغابات الزاحفة من حولها. وتبقى أنورادابورا أعظمها على الإطلاق. فهي العاصمة الثالثة في تاريخ البلاد وأطولها أمداً، وواحدة من أقدم مدن العالم التي لا تزال مسكونة حتى اليوم. استمرّت عاصمة للبلاد منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى مطلع القرن 11. وكانت واحدة من أبرز مراكز النّفوذ السّياسي على مستوى جنوب آسيا وأكثرها استقراراً.
بيد أن المدن المثيرة للاهتمام كثيرة في سريلانكا، فهناك سيغيريا وهي عبارة عن حصن يعود تاريخ بنائه إلى القرن الخامس بعد الميلاد. تضم حديقة مائية متميّزة وبعض أقدم الجداريات في تاريخ البلاد. كما هناك مدينة بولوناروا، ثاني أقدم مملكة في تاريخ سريلانكا التي تميزت بأنظمة ري متقدمة للغاية، ولا تزال تستخدم حتى يومنا هذا في توفير المياه إلى المزارعين داخل وحول بولوناروا.
أمّا ديغامادولا، وهي مملكة سريلانكا الشرقية، فكانت بمثابة العاصمة الرّوحية والزراعية للبلاد خلال عهد مملكة أنورادابورا.
وكانت كاندي المملكة الأخيرة في تاريخ سريلانكا بمثابة شهادة على قدرتها على النّهوض من الرّماد وبناء نفسها من جديد، فبعد أن تعرّضت للحرق والنّهب 3 مرات على أيدي البرتغاليين الغازيين، لا تزال المنازل والقصور والمعابد الرائعة فيها، تحتفظ اليوم برونقها بعد قرابة 500 سنة.
ما لا يختلف عليه أي زائر لسريلانكا أنها قد تكون جزيرة صغيرة نسبيّاً، إلا أنّ الطبيعة وهبتها تنوعاً لا مثيل له. من شواطئها الذهبية، إلى مناطق سياحية أخرى عبارة عن مرتفعات وتلال وجبال، فضلاً عن المناطق الواقعة في قلب الجزيرة وتزدان بمزارع الشاي التي تقطعها من حين لآخر مساقط مائية رائعة. كما تتميز بطقس لطيف وسماء ضبابية بعض الأحيان ومنازل مؤلّفة من طابق واحد تشكل بقايا حقبة ولّت.
ولقلب الجزيرة مثلث ثقافي مميّزٌ في ظل وجود أطلال من ممالك قديمة مختلفة، وكهوف صخريّة مخفيّة، ومعابد قديمة مقدسة، ومبانٍ تعكس معماراً وفنوناً وهندسة قديمة مذهلة، تكاد لا تصدّقها العين لشدّة دقتها.
أمّا شمال البلاد فيتميّز على وجه التحديد بمذاقه المميّز وثقافته الفريدة. ورغم أنّه لا يزال يحمل ندبات من الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد، ففي طياته دليل ملموس على التنوع الثّري الذي تمتاز به سريلانكا. وفي شمالها تنعكس تأثيرات مختلفة وتتمازج سمات برتغالية وهولندية وتاميلية ومسلمة وبريطانية. وحتى يومنا هذا، تنتشر مجموعات من الجزر البكر أمام سواحلها بانتظار من يكشُف النّقاب عن سحرها المجهول.
وفي شرقها تنتشر حقول كثيفة، ويسود نمط الحياة الرّيفية أبطأ وتيرة عن نظيرتها الشّمالية، حيث تظهر الشّمس ساعة شروقها لتقدّم للسائح مشهداً رائعاً يختلف عن الحياة العصرية بيومياتها الراكضة. كما يزدان الشرق بأماكن عبادة يتداخل فيها كثير من الألوان المبهجة ومتنزهات وطنية وموانئ ومياه صافية براقة توفر تجارب لا تنسى للزائرين.
وهنا يستطيع السائح ممارسة ما يروق له من نشاطات التزلج على الأمواج وركوب الكاك والغطس، أو مجرد التمدد على الشاطئ للاستمتاع بحرارة الشّمس الدافئة.
وبفضل الرياح الشّمالية الشّرقية، يسود طقس مشمس السواحل جنوب الغربية وتظل الأمواج هادئة خلال الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) ومارس (آذار)، بينما تجعل الرياح الجنوبية الغربية مياه السواحل الشرقية هادئة مع سطوع مستمر ولطيف لأشعة الشّمس.
وتتضمن أفضل مناطق السواحل الجنوبية؛ تانغالا وبيروالا وميريسا وبنتوتا وأوناواتونا، وتتميز بخيارات متنوعة بما في ذلك فنادق مريحة وشعاب مرجانية متنامية وحواجز رملية.
وبينما اكتُشفت شواطئها الجنوبية منذ فترة طويلة، لا تزال شواطئ الجهة الشرقية لم تُكتشف بصورة كاملة. وتعتبر أروغام باي، أشهرها على الإطلاق كونها قبلة عشّاق التزلج على الأمواج في المنطقة.
أما على الطرف الغربي من البلاد إلى الشمال من كولومبو، فتوجد بحيرة نيغامبو. وتعتبر شواطئها مزاراً يجذب السّكان المحلّيين والأجانب منذ زمن بعيد. ويبقى شاطئ غالي فيس غرين، الممتد لمسافة نصف ميل بين غالي رود والمحيط الهندي، الوجهة المفضلة للكثيرين.

الطبيعة البرية

مساحة سريلانكا صغيرة بوجه عام، إلّا أنّ هذا الأمر لم يمنعها من التميّز لتكون واحدة من أعلى معدلات التوطن البيولوجي على مستوى العالم، سواء من حيث النباتات أو الحيوانات. وهي من بين أكبر 5 مراكز للتنوع الحيوي على مستوى العالم. فيها 91 نوعاً من الثّدييات، مثل الأفيال والدّبب الكسلانة والفهود والصمبر والجاموس البرّي. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ اللوريس الأحمر النّحيل والمكاك القلنسوي واللنغور الرمادي أندر الثدييات فيها، وهي من الكائنات المهدّدة بالانقراض. يُضاف إلى ذلك، الطيور التي تُعتبر ذروة الحياة البرية في الجزيرة، وتضمّ قرابة 433 نوعاً منها.
لكن سريلانكا مقصد لنوع آخر من السياحة، ألا وهو السياحة الصحية بفضل شهرتها في مجال الأيورفيدا، وترجمتها «علم الحياة». منظومة من تعاليم الطّب التقليدي نشأت في شبه القارة الهندية، ويعود تاريخ هذا النظام الاستشفائي لأكثر من 5 آلاف عام. ويعتمد على الأعشاب ونظام غذائي محدد، وقد شكّل أسلوب العلاج الوحيد في المنطقة حتى إقرار العقاقير الغربية في القرن 19.
وسريلانكا تتوفر على كثير من المنتجعات التي تعتمد على تخليص الجسم والروح من أعباء الحياة اليومية وضغوطاتها، من خلال التأمل والعلاج بالتدليك والحمامات العشبية، واتباع نظام غذائي خاص.

الغوص

في جعبة سريلانكا مجموعة غنيّة من المغامرات، بسبب منظومتها المناخية والجغرافية المتنوعة، ما بين تسلّق أعالي الجبال إلى استكشاف أعماق المحيط والسّير في غاباتها الخضراء.يعيش السّائح لحظات لا تُنسى على شواطئها بين ممارسة رياضة غوص «سكوبا» والتزلج على الأمواج. ولرياضة «سكوبا» تاريخ طويل مع سريلانكا. واليوم، تعجّ مياه المحيط حول الجزيرة بحدائق مرجانية وأعداد ضخمة من أسماك غريبة ولافتة وحطام سفن من أزمان غابرة، ما يجعل سريلانكا موطناً لبعض أفضل تجارب الغوص عالمياً، خصوصاً حول ميناء غالي ومواقع الغوص الشهيرة في كالبيتيا وأمبارا وترينكومالي في السواحل الشرقية والغربية للبلاد، حيث رسّخ التزلج على الأمواج، لنفسه، وجوداً قوياً على مدار الـ25 عاماً الماضية. كما تعتبر المياه المحيطة بها مثالية لممارسة هواية الصيد.

مشاهدة الحيتان

تعتبر مياه المحيط موطناً لواحدة من ألطف الكائنات البحرية وأكثرها ضخامة: الدلافين. وتحرص أسراب منها على فرض وجودها بالظهور في كثير من المواقع خلال شهور ديسمبر (كانون الأول)، ويناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط)، ومارس (آذار)، وأبريل (نيسان).
جدير بالذكر أن كثيراً من طرق هجرة الحيتان والدلافين تمر قرب سريلانكا، ما يجعل من الجزيرة موقعاً مثالياً لمراقبة هجرة ما يقدر بـ26 نوعاً من الحيتان منها الحوت الأزرق، وحوت العنبر والحوت الزعنفي، إضافة إلى مجموعة متنوعة من الدلافين.

تسلق الجبال

تجذب الجزيرة أيضاً عشّاق الجبال وتمكّنهم من عيش تجربة مثيرة بتسلق الصّخور والشّعور ببعض منها تنزلق أسفل قدميهم للوصول إلى ارتفاعات شاهقة تصيب الرأس بالدوار. ومن بين أشهر جبالها؛ سلسلة نكلز وإيلا وهابارانا سيغيريا وبولوناروا وسهول هورتون التي تنطوي جميعها على تحديات في تسلّقها والصّعود إلى قممها، لكنّها تبقى تجارب ممتعة للهواة، وكذلك المتسلقين المخضرمين. أمّا أحدث صيحات التسلق في سريلانكا فتجري اليوم عند الجبال التي تتفجّر منها مساقط مائية وشلالات. بالإضافة إلى السّير في غاباتها الغنية وحقولها ومتنزهاتها. تتوفر أيضاً على مجموعة غنية من الغابات المطيرة والجبال، وحدائق الشّاي والسهول التي تعجّ بأنواع نادرة من الطيور والحشرات، علاوة على تميزها بدرجات حرارة معتدلة.

ركوب المنطاد

يمكن للزائر الاستمتاع بالتحليق في سماء سريلانكا ورؤية طبيعتها ومزاراتها الساحرة من أعلى. تعمل هذه المناطيد بالهواء الساخن على ارتفاعات تتراوح بين 500 وألفي متر. ويجري تنظيم رحلات خاصة في ساعات الشّروق.
- قبل تحديد فترة السفر إليها، من المهم وضع أحوال الطقس في الاعتبار، علماً أنه يشهد تقلبات من عام إلى آخر، خصوصاً في ظل التغييرات المناخية العالمية وارتفاع درجات حرارة الأرض التي تزيد المشهد العام تعقيداً.
إلا أنه طقس مستقر عموماً وعلى مدار العام. فدرجة الحرارة تتراوح في المناطق السّاحلية والمنخفضة بين 26 و30. ومع الارتفاع، تتراجع لتصل إلى ما يتراوح بين 18 و22 في كاندي. وفي نوارا إليا والأجزاء الأعلى من الجزيرة، تتراوح ما بين 14 و17. أما ليلاً وفي المناطق المرتفعة، فمن الممكن أن تنخفض درجات الحرارة بشدة ويصبح البرد قارساً. أمّا الرطوبة، فغالباً ما تكون مرتفعة ويمكن أن تصل إلى 90 في المائة في جنوب غربي البلاد، وتتراوح في المتوسط بين 60 في المائة و80 في المائة بباقي أرجاء الجزيرة.
ويعني هذا النمط المناخي أنّ الوقت المناسب لزيارة سريلانكا يعتمد على الوجهة التي تقصدها داخل الجزيرة على وجه التحديد. إذا كنت تقصد السواحل الغربية والجنوبية، فإنّ الفترة بين ديسمبر (كانون الأول) ومارس هي الأمثل. أمّا إذا كنت تنوي زيارة السّاحل الشّرقي، فإن الفترة من أبريل إلى مايو (أيار) حتى سبتمبر (أيلول) هي الأفضل.
- مواطنو معظم دول الخليج العربي لا يحتاجون إلى فيزا عند السفر إلى سريلانكا، وقد يحصلون على التأشيرة فور وصولهم إلى مطارها، في حين أنّ بعض البلدان ينبغي على مواطنيها طلب فيزا إلكترونية وبتكلفة 30 دولاراً تقريباً.
- يتحدث السكّان في سريلانكا 3 لغات تعدّ رسمية في البلاد؛ وهي اللغة السنهالية، واللغة التاميلية، واللغة الإنجليزية والعملة المتداولة في البلاد هي الروبية.


مقالات ذات صلة

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

سفر وسياحة من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة...

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

في عالم يعتمد اقتصاده على حركة السفن والبضائع عبر البحار والمحيطات، يحتل البحارة الفلبينيون مكانة بارزة، إذ يشكّلون ما بين 25 و30% من أطقم السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة 3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله.

فيفيان حداد (بيروت)

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
TT

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة مسيّرة قرب مدرج، يمكن أن يحوّل مشكلة محلية إلى أزمة تمتد آثارها إلى عشرات الدول.

وهذا ما حصل في بريطانيا أخيراً، بعدما أدى خلل تقني في نظام معالجة بيانات الرحلات التابع لخدمات الملاحة الجوية الوطنية البريطانية «ناتس» إلى شلل واسع في حركة الطيران. وامتدت التداعيات إلى مطارات رئيسية بينها هيثرو وغاتويك ومانشستر وستانستد، مع إلغاء أكثر من ألفي رحلة وتأثر نحو 330 ألف مسافر، فيما استمرت آثار الأزمة حتى اليوم التالي بسبب تراكم الرحلات والركاب والأمتعة.

واللافت أن الأزمة لم تكن نتيجة إغلاق مدرج بسبب طقس سيئ أو حادث طائرة، بل نتيجة خلل في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها صناعة الطيران الحديثة. وقد أكدت السلطات البريطانية أن الحادث لم يكن هجوماً إلكترونياً، فيما طلبت الحكومة من رئيس «ناتس» تقديم تقرير عن أسباب الخلل، وأعلنت هيئة الطيران المدني البريطانية إجراء مراجعة مستقلة.

مسافرون عند مكاتب تسجيل الوصول التابعة للخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن (رويترز - أرشيفية)

أزمة هيثرو الحالية ليست الأولى التي تثبت مدى هشاشة شبكة الطيران أمام الأعطال الاستثنائية. ففي مارس (آذار) 2025، أدى حريق في محطة كهرباء قريبة إلى انقطاع الكهرباء عن مطار هيثرو وإغلاقه ليوم كامل تقريباً. وتسببت الواقعة في إلغاء أكثر من ألف و300 رحلة وتأثر نحو 200 ألف مسافر، إضافة إلى تحويل رحلات إلى مطارات أخرى في بريطانيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أدى ظهور طائرات مسيّرة قرب مدرج مطار غاتويك إلى إغلاق المطار بصورة متكررة خلال موسم عيد الميلاد، ما أثر في نحو 140 ألف مسافر وأدى إلى تحويل أو إلغاء نحو ألف رحلة.

أما في الولايات المتحدة، فقد تسبب انقطاع كهربائي ضخم في مطار أتلانتا هارتسفيلد جاكسون عام 2017 في إلغاء أكثر من ألف رحلة، بعدما توقفت أنظمة المطار، بما فيها الإضاءة والسلالم المتحركة وقطارات نقل الركاب والجسور المؤدية إلى الطائرات.

وتكشف هذه الحوادث حقيقة واحدة وهي أن المطار لا يعمل بمعزل عن بقية شبكة الطيران. فإذا تعطل مطار محوري مثل هيثرو، لا تتأثر الرحلات التي تصل إليه أو تغادر منه فقط، وإنما تتأثر الطائرات والأطقم ومواعيد الرحلات المتصلة في مدن ودول أخرى.

هل يحصل المسافر على تعويض؟

هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للمسافرين. في بريطانيا، تحكم حقوق المسافرين قواعد UK261. وهي الإطار البريطاني الذي ينظم حقوق الركاب في حالات التأخير والإلغاء ورفض الصعود إلى الطائرة.

لكن وجود تأخير طويل لا يعني تلقائياً أن شركة الطيران مطالبة بدفع تعويض مالي. العامل الحاسم هو سبب التأخير.

فإذا كان التأخير أو الإلغاء نتيجة أمر يقع ضمن مسؤولية شركة الطيران، فقد يكون المسافر مؤهلاً لتعويض مالي. أما إذا كان السبب من قبيل «الظروف الاستثنائية» الخارجة عن سيطرة شركة الطيران، فقد لا يكون التعويض المالي مستحقاً. وتوضح هيئة الطيران المدني البريطانية أن التأخير الناتج عن ظرف استثنائي لا يوجب التعويض.

فالخلل في نظام مراقبة الحركة الجوية قد يصنف، بحسب ظروف القضية وتقييم المسؤولية، ضمن الظروف الاستثنائية التي تعفي شركة الطيران من دفع التعويض المالي. ولذلك فإن مجرد وصول المسافر متأخراً ثلاث ساعات أو أكثر لا يعني بالضرورة حصوله على مبلغ تعويض في هذه الحالة.

لكن «لا تعويض» لا تعني «لا حقوق» هذه نقطة يقع فيها كثير من المسافرين. حتى عندما لا يكون التعويض المالي مستحقاً تبقى على شركة الطيران التزامات تجاه المسافر.

فعند التأخير، قد يكون للمسافر حق في الرعاية والمساعدة، بما في ذلك الطعام والشراب ووسائل الاتصال، والإقامة الفندقية عند الضرورة، بحسب مدة التأخير والمسافة وظروف الرحلة.

ولهذا ينصح المسافر بالاحتفاظ بالفواتير والإيصالات الخاصة بالمصروفات الضرورية والمعقولة التي تحملها بسبب التعطل، لأن شركة الطيران قد تكون مطالبة بردها وفقاً للظروف والقواعد المطبقة.

وفي حالة إلغاء الرحلة، يكون للمسافر عموماً خيار بين استرداد قيمة التذكرة أو إعادة توجيهه إلى وجهته وفق الحقوق التي تنطبق على رحلته.

متى يكون التعويض المالي مستحقاً؟

بصورة مبسطة، يمكن للمسافر في الرحلات المشمولة بـUK261 أن يطالب بالتعويض عندما:

*يصل إلى وجهته النهائية متأخراً أكثر من ثلاث ساعات.

*أو تُلغى رحلته في ظروف تجعل التعويض مستحقاً.

*أو يُرفض صعوده إلى الطائرة في حالات معينة.

*ويكون سبب المشكلة من مسؤولية شركة الطيران وليس نتيجة ظرف استثنائي خارج سيطرتها.

وقد يصل التعويض في الحالات المؤهلة إلى 520 جنيهاً إسترلينياً للمسافر، بحسب مسافة الرحلة وظروفها.

لكن هناك فارقاً جوهرياً بين التعويض والرعاية.

فحتى إذا لم يكن المسافر مستحقاً للتعويض المالي بسبب ظرف استثنائي، قد تبقى حقوقه في الطعام أو الفندق أو إعادة التوجيه أو استرداد قيمة التذكرة قائمة.

هل للوجهة علاقة بقيمة التعويض؟

الوجهة لا تحدد وحدها ما إذا كان المسافر يستحق التعويض، سبب المشكلة ونقطة انطلاق الرحلة والقواعد القانونية التي تنطبق عليها عوامل أساسية.

لكن المسافة بين نقطة الانطلاق والوجهة تدخل في تحديد قيمة التعويض عندما يكون التعويض مستحقاً أصلاً. ولهذا تختلف قيمة التعويض بين الرحلات القصيرة والمتوسطة والطويلة.


جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
TT

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

تُظهر بيانات شركة «هيلوتيكتس» أن البحث عن عطلات قصيرة في وجهات تتمتع بهوية طهي قوية قد ارتفع بنسبة تتجاوز 30 في المائة. ويعكس هذا التحول أسلوباً جديداً في السفر: أكثر عفوية، وأكثر إثارة للحواس، وأكثر انغماسا في المذاقات حيث أصبحت الأسواق، والمخابز، وقاعات الطعام، والطاولات، والمأكولات المحلية الشهيرة لا تقل أهمية عن المعالم السياحية الكلاسيكية.

باليرمو من المدن التي يقصدها السياح لتذوق أطباقها (بيكسلز)

واليوم، لم تعد العطلات القصيرة في المدن تُبنى فقط على ما ينبغي لك رؤيته، بل أيضاً على ما تتوق لتذوقه؛ فمكان لاحتساء القهوة حُفظت تفاصيله مسبقاً، أو أكلة محلية تُتناول في أثناء السير، أو سوقاً تضج بالحياة، أو عنواناً في أحد الأحياء أوصى به السكان المحليون باتت هي اللحظات التي تحدد معالم الرحلة بصورة متزايدة.

ويقول خورخي دياز لارغو، الرئيس التنفيذي لشركة «هيلوتيكتس»: «نشهد عدداً متزايداً من المسافرين يختارون المدينة بناءً على التجارب اليومية التي يمكنهم خوضها هناك: فنجان قهوة، أو قطعة معجنات، أو سوق محلية، أو أكلة شعبية خاصة. إنها طريقة أكثر حرية وحيوية ومباشرة لاكتشاف الوجهة السياحية».

كوبنهاغن من المدن المميزة بمطبخها (بيكسلز)

تلك المدن التي ربما لم تكن لترتب سفرك إليها لمجرد رؤية معالمها السياحية فحسب، لكنها تغدو عصية على النسيان في اللحظة التي تبدأ فيها باستكشاف معالمها أكلة بعد أكلة.

تبليسي: المدينة التي تحجز رحلتك إليها بدافع الفضول، وتغادرها وأنت لا تفكر إلا بوجباتها.

من خشب «الخاتشابوري» المتبخر بالحرارة، والخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن، إلى الزلابية العملاقة، والمطاعم الصغيرة المريحة، والموائد الطويلة السخية: تمتلك تبليسي تلك القدرة النادرة على تحويل كل وجبة إلى جزء أصيل من تجربة السفر. إنها مدينة دافئة، وتفيض بالحيوية، ومناسبة للميزانية على نحو معقول، مدينة يشعر فيها المرء بأن الطعام جزء متغلغل في عمق الحياة اليومية.

تبليسي معروفة بمأكولاتها اللذيذة (بيكسلز)

باليرمو: الفوضى المثالية لعطلة نهاية أسبوع مخصصة للتذوق والتنقل بين مختلف المعالم.

من كرات «الأرانشيني» المقرمشة، وأقراص «البانيلي» المصنوعة من دقيق الحمص، وبيتزا «الشفينشوني» الحافلة بالنكهات، إلى الأسواق المكشوفة المفعمة بالحيوية الصاخبة، والمناضد البسيطة التي تتسم بتواضع ظاهر، لكنها لا تخيب أملك أبداً: باليرمو لا تتصنع لتسحرك، وهذا هو السبب تحديداً في أنها تعيش في ذاكرتك ولا تفارقها. إنها مدينة يُفهم جوهرها على النحو الأفضل وأنت واقف على قدميك تتناول شيئاً ساخناً، بدلاً من اتباع جدول سياحي مُعد بعناية فائقة، وتصنّع مفرط.

بورتو: المدينة التي تجعلك ترغب في التوقف باستمرار.

بورتو في البرتغال (بيكسلز)

شطائر رائعة، ومعجنات طازجة، وأطعمة معلبة فاخرة، ومقاهٍ وأماكن بسيطة دون أي استعراض بلا داعٍ: تُعد بورتو وجهة مثالية للمسافرين الذين يفضلون المدن القريبة من النفس والإنسان، والتي تتمتع بالجمال دون تباهٍ، وبالمتعة دون تصنع أو استعراض. إنها نوعية الأماكن التي يشعر فيها المرء بأن تناول الطعام الجيد فيها أمر يسير، ولا يتطلب أي عناء.

ليون: المدينة الفرنسية التي تظن أنك تعرفها بالفعل... حتى تزورها لمجرد الأكل فقط.

غالباً ما ترتبط ليون بعالم الطهي الرفيع والفخم، غير أن المدينة تبدو مختلفة تماماً عندما تقصدها بحثاً عن الوجبات الخفيفة، والتجول، والأكل في أثناء السير عبر أرجائها. إن المخابز، ومتاجر المعجنات، وطاولات الطعام، والمأكولات المحلية الجاهزة تجعل منها واحدة من أوضح الأمثلة على هذا النمط الجديد من العطلات القصيرة في المدن.

كوبنهاغن: حيث تشعر بأن الوجبة الخفيفة قد أُعدت ببراعة وذوق رفيع.

ثقافة المخابز، والمقاهي المصممة بجمال وإتقان، والأطباق الصغيرة المبتكرة والراقية، والأسواق المحلية، واستراحات التذوق للأطباق اللذيذة، والهوس الهادئ بالتفاصيل: تحول كوبنهاغن كل وقفة فيها إلى شيء مشتهى ومحط إعجاب. إنها مدينة الرغبات الأنيقة، والاستراحات الموزونة بدقة، والملذات البسيطة التي صيغت لتغدو جذابة ومثالية بصورة مذهلة.

الرفاهية الحقيقية الآن هي في المدينة التي تثير شهيتك وتجعلك جائعاً.

وراء صعود اتجاه «العطلات القصيرة القائمة على الطعام أولاً» يكمن أيضاً شعور واضح بالإرهاق والملل من الرحلات التي تبدو مفرطة في التخطيط، والتدقيق، والتكرار المألوف.

وبالطبع، لا يزال المسافرون يرغبون في الشعور بالتنقل والارتحال إلى عالم آخر؛ غير أنهم باتوا يفتشون أيضاً عن مدن تتمتع بطابع وشخصية أكثر أصالة، وأقل تصنعاً وصقلاً، مدن لديها ما تقوله، وتفصح عنه منذ الساعة الأولى. أماكن يمكنك أن تخرج فيها، وتمشي لمدة 20 دقيقة، لتدخل بقعة ما بناءً على نزوة نابعة من لحظتها — وتتعثر صدفة بأجمل لحظات عطلة نهاية الأسبوع.

وقد يكون هذا هو ما يكشفه بحق هذا النمط الجديد من السفر: لم نعد نبحث عن مجرد وجهة جميلة فحسب.

وإنما نقتفي أثر مدينة تتمتع بالذوق الرفيع، وبكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.


3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.