الاقتصاد السعودي... البرهان المسنود

تجاهل «المعيار» الاقتصادي لصالح «التكهن» السياسي في التصنيف الائتماني

اقتصاد السعودية لتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 بمؤشرات مالية صعودية (تصوير: أحمد فتحي)
اقتصاد السعودية لتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 بمؤشرات مالية صعودية (تصوير: أحمد فتحي)
TT

الاقتصاد السعودي... البرهان المسنود

اقتصاد السعودية لتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 بمؤشرات مالية صعودية (تصوير: أحمد فتحي)
اقتصاد السعودية لتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 بمؤشرات مالية صعودية (تصوير: أحمد فتحي)

لم تكن مطالبة وزارة المالية السعودية، الأسبوع الماضي، لوكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، بإعادة النظر في تقييمها للاقتصاد الوطني الذي خفضت فيه التصنيف درجة واحدة من (A+) إلى (A)، من باب استجداء عذر التقييم، أو غض النظر عن إبداء التصنيف، بل كانت مطالبة مبنية على واقع المعيارية ولغة المؤشرات الاقتصادية وحسابات المخاطر المحيطة.
البراهين توضح أن اقتصاد السعودية مسنود بمؤشرات قياسية تعتمد عليها منظمات الاقتصاد العالمي، كصندوق النقد الدولي، لقياس صحة وحيوية الاقتصادات، لذا جاء تحفظ وزارة المالية على التصنيف، في ظل أن مجاميع المؤشرات الاقتصادية المعمول بها في حالات التقييم، وكذلك ما يدعمها من حزم الإصلاح، ومسارات تنفيذ المشروعات، ونمو القطاعات غير النفطية، ووجود رؤية اقتصادية واضحة ترسم خريطة طريق تدفع إلى السير نحو رفع المؤشرات، وابتكار السياسات المحفزة والداعمة لنمو الاقتصاد، ذا وجاهة واعتبار.

أقوال الوكالة
أصدرت وكالة «فيتش»، في خضم تأثيرات وقع الهجوم على معامل النفط شرق المملكة وسط سبتمبر (أيلول) الماضي، تصنيف السعودية، بتراجعه درجة واحدة، مبدية استنادها إلى جوانب ربما لا تصنف بالمعيارية، بل معتمدة على عوامل المخاطر، وهو أحد أبرز العوامل الرئيسية المعنية بها وكالات التصنيف، حيث تبدي أولوية المخاطر في معايير التقييم.
وتشير الوكالة إلى أن الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيرة والصواريخ على البنية التحتية للنفط في السعودية أسفرت عن تعليق مؤقت لأكثر من نصف إنتاج النفط في البلاد، كما تلفت إلى أنه رغم استعادة إنتاج النفط بالكامل بحلول نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، فإنها تعتقد - على حد تعبيرها - أن هناك خطراً يتمثل بحدوث المزيد من الهجمات على السعودية، الأمر الذي قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية.
واقتصادياً، ترى أن العجز المالي المستمر في السعودية عامل مساهم في خفض التصنيف الائتماني، متوقعة أن تسجل حسابات المالية السعودية خلال 2019 عجزاً مالياً قدره 6.7 في المائة من حجم الناتج الإجمالي للبلاد، مقابل عجز مالي قدره 5.9 في المائة في 2018. وفي التفاصيل حول مصدر الدخل، ترى أن السعودية تواجه ضغوط تراجع أسعار النفط والإنتاج، خصوصاً مع توقع أن متوسط سعر برميل النفط (خام برنت) سيكون بواقع 65 دولاراً، مقابل 71 دولاراً في عام 2018، بجانب توقعها أن ينخفض متوسط إنتاج المملكة هذا العام إلى 9.7 مليون برميل يومياً، من 10.3 مليون برميل في العام الماضي. هكذا، تنتهي رؤية «فيتش» لتقييم اقتصاد المملكة، فماذا تقول المؤشرات الاقتصادية السعودية، في خضم الحديث الجيوسياسي الذي استندت إليه «فيتش»؟

المالية السعودية
في وقت شددت فيه على احترام تصنيف وكالات التقييم الائتماني العالمية، ترى وزارة المالية - الجهاز المعني بالميزانية - أن خفض «فيتش» غير مقنع لها، وأبدت التحفظ صراحة، بل وطالبت صراحة الوكالة بالتريث وعدم التعجل فيما طرحته من تصنيف، وأن تعيد النظر في قراءتها للوضع الاقتصادي الكلي السعودي، فلماذا؟!
بحسب بيان الوزارة الصادر تعليقاً على التصنيف، لفتت إلى عوامل تمثل معايير مهمة في التقييم، ربما لم تضعها وكالة «فيتش» في الحسبان، وهي: «متانة» الاقتصاد، باعتباراته المبنية على محركات داخلية، تتضمن الحجم الكلي والقدرة المالية والتشغيلية، وتحمل بقائه والاستمرارية لمدد زمنية؛ و«المرونة» هي الاعتبار الثاني الذي تستند إليه الوزارة، حيث يبدي الاقتصاد ميكانيكية عالية في التحولات التي ترسمها الاستراتيجيات، كما أن تداخل القطاع الخاص بالعام يدفع إلى مزيد من التكيف والملائمة تجاه استراتيجية البلاد الاقتصادية؛ وثالث الاعتبارات هو «القدرة» على مواجهة التحديات العالمية، كما أثبتته ودلت عليه أزمات العقد الأخير، وتحديداً الأزمة المالية العالمية، ورحلة الركود المستمرة حالياً، حيث صمد اقتصاد السعودية بشهادات المنظمات العالمية، في حالة شبه استثنائية.

النقد المتاح
لم تكن وزارة المالية في لحظة ممانعة من نقد المؤشرات أو المعطيات الاقتصادية التي تبديها الوكالة، بل ترحب بكل التوقعات، فها هي «ستاندرد آند بورز» تشير إلى نظرتها المستقبلية المستقرة المحافظة على وتيرة نمو اقتصادي وصفته بـ«المعتدل» لاقتصاد المملكة، مؤكدة في الوقت ذاته على التحديات الجيوسياسية، لكنها تتوقع محافظة المملكة على قوة ميزانيتها ومركزها المالي خلال العامين المقبلين، رغم ارتفاع العجز.
وفي الوقت التي ذكرت فيه «ستاندرد آند بورز» ضرورة أن تحافظ الحكومة السعودية على التوازن بين الإنفاق لتحفيز الاقتصاد وتعزيز الانضباط المالي، توقعت الوكالة ذاتها انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 0.4 في المائة هذا العام، مع تراجع إنتاج النفط، والهجمات على المنشآت النفطية، لكنها عادت لتوقع عودة النمو في الناتج الإجمالي 2.3 في المائة كمتوسط، خلال عامي 2020 و2022. وهنا، لم تتحدث وزارة المالية أو تدعو لإعادة النظر في التصنيف، رغم اعتبار جانب التوتر السياسي، وفق منطقه السليم، كما في تحليل «ستاندرد آند بورز». ولكن ماذا تقول المؤشرات الاقتصادية؟!

المؤشرات تتحدث
يتضح أن دعوة وزارة المالية لإعادة النظر يقوم على براهين مسنودة بمؤشرات اقتصادية متماسكة، وفقاً نتائج بيانات ميزانية 2019 المحققة، وكذلك المعطيات التي تقوم عليها، حيث نجد أن الوزارة تقف على مبادرات داعمة للنشاط الاقتصادي، وتحفيز القطاع الخاص، والتقدم في تنفيذ المشروعات الاستثمارية الكبرى، بما يدعم الطلب الكلي في الاقتصاد.
ورفعت المملكة الإنفاق، بشقيه التشغيلي والرأسمالي، خلال النصف الأول من العام الحالي نحو 6.3 في المائة، كما أن إجمالي الإيرادات المسجلة نمت 15 في المائة خلال الأشهر الستة الأولى، وارتفعت إيرادات الدولة من القطاع غير النفطي خلال النصف الأول من العام بنسبة 14.4 في المائة، وسط تحسن النشاط الاقتصادي، واستمرار تنفيذ الإصلاحات والمبادرات الرامية لتنمية الإيرادات وتنويع مصادرها.
وتشير النتائج المالية خلال النصف الأول للعام المالي الحالي إلى أن حجم عجز الميزانية بلغ 5.7 مليار ريال (1.5 مليار دولار)، مقابل 41.7 مليار ريال في الفترة المماثلة من العام السابق (2018)، مما يعطي إشارة واضحة إلى استمرار العمل على ضبط أداء المالية العامة.
وتعتمد سياسة وزارة المالية الحفاظ على الاستدامة المالية، والارتقاء بجودة إدارة المالية العامة، لا سيما ما يرتبط برفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز مبادئ الإفصاح المالي والشفافية، بالإضافة إلى الانضمام إلى معيار نشر البيانات الخاص بصندوق النقد الدولي.
وعن الأوضاع النقدية، زاد حجم التسهيلات الائتمانية التي قدمتها البنوك وشركات التمويل خلال الأشهر الستة الأولى من العام 11.6 في المائة عن الفترة ذاتها من العام الماضي، كما تحسن الأداء المصرفي للفترة ذاتها بمجموع موجودات بلغت 2.4 تريليون ريال، مرتفعاً 3 في المائة. وبحسب تصريحات لوزير المالية، الشهر الماضي، يتوقع أن ينمو الناتج غير النفطي إلى 3 في المائة بنهاية العام، في وقت لا يزال فيه الطلب مرتفعاً على إصدارات الدين الحكومي، محلياً ودولياً، بأكثر من 4 أضعاف، مما يعطي إشارة واضحة إلى ثقة المستثمرين المرتفعة بالاقتصاد السعودي.
ووفق ما سبق، يكون مناط وزارة المالية لمطالبة «فيتش» بالتريث، وإعادة النظر في التقييم، هو جانب آخر يبتعد عن المؤشرات الاقتصادية، ربما يكون تغليب البعد السياسي وتوترات المنطقة بشكل يهيمن فيه على المعيار الاقتصادي في الخروج بالتصنيف.

الشهادات المستقلة
الشهور القليلة الماضية كانت حبلى بحزم شهادات وتقييم بمواصفات ومعايير علمية من جهات عدة. كان أحدها ما استشهدت به وزارة المالية لتصنيف الائتمان الصادر عن «موديز» التي أكدت تصنيف المملكة الائتماني عند مستوياتها السابقة الإيجابية. وفي الاتجاه الائتماني ذاته، كشفت «ستاندرد آند بورز» قبل أسبوع عن تصنيفها للاقتصاد السعودي، وتأكيد التصنيف بنظرة مستقبلية «مستقرة»، مع توقعها تعافي إنتاج النفط السعودي في أعقاب الهجمات على منشآت «أرامكو».
وفي الإصدار الأخير عن اقتصاد المملكة، يشيد صندوق النقد الدولي بـ«رؤية 2030»، لا سيما مسارات الإصلاحات الاقتصادية الجارية، مشيراً إلى أن المملكة بدأت تجني ثمارها، خصوصاً فيما يتعلق بتنويع الاستثمارات، وتنمية الاحتياطات المالية الكبيرة، مما يساعد على امتصاص التداعيات السلبية لانخفاض أسعار النفط، والنمو العالمي البطيء. وأشاد الصندوق بالجهود الجارية من قبل المملكة في المجالات كافة، وانضمامها مؤخراً لعضوية مجموعة العمل المالي (FATF)، مؤكداً أن آفاق الاقتصاد السعودي «إيجابية».
وفي سياق آخر، حققت السعودية بنهاية يوليو (تموز) الماضي أكبر تقدم بين الدول الأكثر تنافسية في تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2019، الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية بمدينة لوزان السويسرية، وجاءت في المرتبة الـ26، متقدمة 13 مرتبة عن العام الماضي، كما احتلت المرتبة السابعة من بين مجموعة دول العشرين (G20)، متفوقة على اقتصادات متقدمة وناشئة في العالم، مثل كوريا الجنوبية واليابان وفرنسا والبرازيل.
وبوصف «الحوكمة» و«الكفاءة» معايير ضرورية في التقييم الائتماني، يفصح الكتاب السنوي للتنافسية العالمية الأخير، الذي يقيس تنافسية 63 دولة على مستوى العالم، عن تحسن ترتيب المملكة في 3 محاور، هي: محور الكفاءة الحكومية حيث قفزت من المرتبة الـ30 إلى المرتبة الـ18، ومحور كفاءة الأعمال حيث صعدت من المرتبة الـ45 إلى المرتبة الـ25، ومحور البنية التحتية التي رقت من المرتبة الـ44 إلى المرتبة الـ38.
وعربياً، يلفت تقرير مناخ الاستثمار بالدول العربية لعام 2019، الصادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، إلى تصدر المملكة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة، بفارق عن أقرب الدول المغرية بالاستثمار.

العامل الجيوسياسي
وإذا كانت تأكيدات السعودية على المؤشرات الاقتصادية مسنودة إلى أرض صلبة من النتائج الرسمية المتحققة حتى النصف الأول من العام، وتوقعات إيجابية للفترة المقبلة، فلماذا خفضت «فيتش» تصنيف اقتصاد المملكة؟ الجواب لا يمكن الجزم به عبر معيار المؤشرات الاقتصادية، ولكن بتغليب المعيار الجيوسياسي، واعتباره عامل الخطر المهيمن على التصنيف، حتى لو كان في خانة التوقعات والتكهنات، إذ تؤكد الوكالة «أنه رغم استعادة إنتاج النفط بالكامل، فإننا نعتقد أن هناك خطر حدوث المزيد من الهجمات... الأمر الذي قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية».
وعلى ضوء اعتقاد الوكالة بحدوث هجمات إضافية، يأتي على نقيض ذلك ما تراه مؤسسات تصنيف أخرى، حيث أعطت تصورات واضحة، مؤكدة في سياق تحليلها للموقف أن نظرتها المستقبلية مستقرة، بما في ذلك اعتبار التحديات الجيوسياسية، كما قالت «ستاندرد آند بورز» نهاية الشهر المنصرم. ولكن ماذا عن الجهود التي قامت بها «أرامكو» السعودية في تعاملها مع حادثة العدوان على آبار النفط في بقيق وخريص؟
على أرض الواقع، تمكنت المملكة من استعادة الطاقة الإنتاجية، والوصول إلى 11.3 مليون برميل يومياً، خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، ولا يزال التعهد بأن تبلغ الطاقة الإنتاجية 12 مليون برميل يومياً مع نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فيما ستبلغ الإمدادات الفعلية خلال الشهر الجاري 9.8 مليون برميل يومياً؛ كل ذلك والتعهد قائم بأن تحافظ المملكة على الوفاء بتعهداتها الكاملة إزاء أسواق الطاقة العالمية.

الرؤية العامة
وعلى ضوء ما سبق، تكون رؤية وزارة المالية، ومطالبتها «فيتش» بعدم التعجل في تخفيض التصنيف، كامنة في أن التصنيف المتراجع لا يعبر عن دلالات استجابة المملكة، والسرعة الفائقة للتعامل مع حدث خطير كالهجمات على معامل نفطية حيوية، واستعادة عمليات إمداد النفط إلى أسواق العالم، وزيادة ثقة المجتمع الدولي بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الأسواق العالمية واستيفاء العقود.
الفصل بين تكهنات وكالة «فيتش» وواقع حال اقتصاد السعودية هو ما قاله بوضوح وزير المالية الجدعان عن تأثير الهجمات العدوانية على معامل النفط: «المؤشرات المالية والاقتصادية السعودية لن تتأثر بالهجمات الإرهابية الخاصة بأرامكو».


مقالات ذات صلة

السعودية تواصل جذب الخطوط الملاحية العالمية

الاقتصاد «PIL» تدير 29 دولة من مقرها الإقليمي في الرياض (موانئ)

السعودية تواصل جذب الخطوط الملاحية العالمية

أصدرت هيئة المواني السعودية، ترخيصاً موحداً للخط الملاحي العالمي (PIL) بصفته مستثمراً أجنبياً معتمداً لمزاولة نشاط الوكالات البحرية في مواني البلاد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد الأشخاص يستخدم بطاقة «مدى» لدفع مبلغ مالي عبر جهاز نقاط البيع (مدى)

«المركزي السعودي» يحظر تجاوز سقف رسوم الخدمات المالية... غداً

أعلن البنك المركزي السعودي حظر تجاوز الحد الأقصى لرسوم العمليات والخدمات الأساسية المقدَّمة للعملاء الأفراد، ابتداءً من الجمعة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

خاص السعودية تفتح باب الاستثناءات للتعاقد مع الشركات العالمية دون مقر إقليمي

فتحت السعودية باب الاستثناءات للتعاقد مع الشركات العالمية دون شرط وجود مقر إقليمي في المملكة

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)

«روشن»: شراكات عقارية جديدة بقيمة 347 مليون دولار شمال الرياض

وقعت «مجموعة روشن» اتفاقيات شراكات عقارية بقيمة 347 مليون دولار لتطوير مشروعات سكنية وتجارية شمال العاصمة السعودية الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «هيوماين» السعودية (الشرق الأوسط)

«هيوماين» السعودية تحجز مقعداً في إمبراطورية إيلون ماسك

أعلنت شركة «هيوماين»، الذراع الاستثمارية والتقنية للسعودية في مجال الذكاء الاصطناعي، إتمام استثمار ضخم بقيمة 3 مليارات دولار في شركة «إكس إيه آي» المملوكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

في لحظة فارقة أعادت رسم حدود السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، سددت المحكمة العليا ضربة قاصمة إلى جوهر الأجندة الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب، معلنةً بطلان أضخم وأجرأ حزمة رسوم جمركية فرضها خلال ولايته الثانية. لم يكن الحكم مجرد انتصار قانوني للشركات المستوردة، بل كان بمنزلة زلزال دستوري أكد فيه القضاة أن «سلطة الجباية» هي حق أصيل للكونغرس لا يمكن انتزاعه تحت عباءة قوانين الطوارئ. وبينما غادر القضاة منصاتهم، تركوا خلفهم تساؤلاً بمليارات الدولارات يتردد صداه في أروقة الكابيتول هيل: كيف ستعيد الحكومة 133 مليار دولار جُمعت بالفعل بشكل غير قانوني؟ وكيف سيتعامل البيت الأبيض مع هذا الانهيار المفاجئ لأدوات نفوذه في التجارة الدولية؟

مبنى المحكمة العليا الأميركية (رويترز)

حيثيات الحكم وانقسام المحكمة

جاء قرار المحكمة بأغلبية 6 إلى 3، حيث انضم رئيس المحكمة جون روبرتس وقضاة آخرون، بمن فيهم اثنان من مرشحي ترمب السابقين، إلى الجناح الليبرالي لرفض استخدام قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) الصادر عام 1977 لفرض ضرائب استيراد.

وأوضحت المحكمة في حيثياتها أن هذا القانون لا يمنح الرئيس سلطة «مطلقة» أو «غير محدودة» لفرض الرسوم، مشددةً على أن الدستور الأميركي كان واضحاً في منح الكونغرس وحده الحق في فرض الضرائب والرسوم.

المدافع الوحيد عن سلطة ترمب

في مقابل هذه الأغلبية، برز صوت القاضي بريت كافانو، وهو أحد القضاة الثلاثة الذين عيّنهم ترمب في المحكمة العليا عام 2018. كافانو، الذي يُعد من أبرز الوجوه المحافظة في القضاء الأميركي، كان الوحيد من بين «قضاة ترمب» الذي انبرى للدفاع عن شرعية الرسوم، حيث قاد جبهة المعارضة وكتب «رأياً مخالفاً» هاجم فيه زملاءه بحدة.

رأى كافانو أن الدستور والتاريخ والقوانين السابقة تمنح الرئيس سلطة واسعة لاستخدام الرسوم الجمركية في حالات الطوارئ الوطنية، مثل مواجهة تهريب المخدرات أو الاختلالات التجارية. ولم يكتفِ كافانو بالدفاع القانوني، بل وجَّه توبيخاً إلى زملائه القضاة لأنهم «تجاهلوا» العواقب الكارثية لقرارهم، محذراً من أن الحكومة الآن عالقة في مأزق مالي لا مخرج منه.

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

ترمب يمتثل غاضباً

لم يتأخر رد فعل الرئيس ترمب، الذي وصف القضاة بـ«العار» واتهمهم بالرضوخ لمصالح أجنبية، معتبراً القرار خيانةً للدستور. ومع ذلك، امتثل للقرار عبر توقيع أمر تنفيذي بإلغاء الرسوم الباطلة، لكنه لم يستسلم لمبدأ التراجع التجاري. فرغم الضربة القضائية، سارع ترمب لتأكيد أن لديه «بدائل عديدة وعظيمة» لمواصلة سياسة الحماية التجارية.

وبدأ البيت الأبيض بتفعيل ترسانة قانونية بديلة للالتفاف على حكم المحكمة وتصعيد المواجهة:

- المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974: وقّع ترمب فوراً أمراً بفرض رسوم عالمية جديدة بنسبة 10 في المائة على الواردات كافة، مستخدماً هذه المادة التي تعالج عجز موازين المدفوعات. ورغم أنها تمنحه سلطة فورية، فإنها «سلاح مؤقت» ينتهي مفعوله بعد 150 يوماً ما لم يتدخل الكونغرس.

- المادة 301 و«التحقيقات السريعة»: أعلنت الإدارة بدء تحقيقات واسعة النطاق في الممارسات التجارية غير العادلة للدول الأخرى. هذه المادة تمنح واشنطن حق فرض رسوم انتقامية قوية، وهي «أكثر متانة قانونية» لأنها تستند إلى معالجة أضرار اقتصادية محددة بدلاً من إعلان طوارئ عام.

- المادة 338 من قانون 1930: يُلوِّح البيت الأبيض باستخدام هذا القانون «المهجور» منذ الكساد الكبير، والذي يسمح بفرض رسوم تصل إلى 50 في المائة على الدول التي تميز ضد التجارة الأميركية.

- سلاح التراخيص والقيود الكمية: أشار ترمب إلى إمكانية استخدام نظام التراخيص لتقييد حجم الواردات بدلاً من فرض ضرائب عليها، وهي وسيلة أخرى للضغط على الشركاء التجاريين دون الاصطدام المباشر بسلطة الكونغرس الضريبية.

معضلة الـ133 مليار دولار

في حين يتحضر البيت الأبيض للتصعيد عبر البدائل المذكورة، تواجه وزارة الخزانة ضغوطاً هائلة لإعادة المبالغ المحصَّلة بشكل غير قانوني. فبينما تطالب كبرى الشركات مثل «كوسكو» و«ريفلون» باستعادة أموالها، حذَّر خبراء قانونيون من أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود. ومن المتوقع أن تتولى وكالة الجمارك وحماية الحدود، بالتعاون مع محكمة التجارة الدولية في نيويورك، هندسة عملية الاسترداد التي قد تستغرق ما بين 12 و18 شهراً. وتكمن الصعوبة في أن المستهلكين العاديين، الذين تحملوا العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار، قد لا يرون فلساً واحداً من هذه التعويضات، حيث ستذهب الأموال غالباً إلى الشركات المستوردة التي دفعت الرسوم مباشرةً للحكومة.

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محملة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

الصفقات الدولية والتحركات الديمقراطية

على الصعيد الدولي، حذَّر القاضي كافانو من أن الحكم يُزعزع استقرار اتفاقات تجارية بمليارات الدولارات مع الصين واليابان والمملكة المتحدة، التي أُبرمت تحت تهديد تلك الرسوم الملغاة.

أما داخلياً، فلم يفوّت الديمقراطيون الفرصة لتحويل الأزمة إلى ضغط سياسي؛ حيث قاد حاكم إيلينوي، جي بي بريتزكر، حملة تطالب بـ«إعادة الأموال المنهوبة» للعائلات، مرسلاً «فاتورة» لترمب تطالبه برد 8.7 مليار دولار لسكان ولايته. وانضم إليه حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم وحكام ولايات أخرى، معتبرين أن الرسوم كانت «ضريبة خلفية» غير قانونية أثقلت كاهل المزارعين والطبقة الوسطى. هذا الحراك السياسي يزيد من تعقيد المشهد أمام وزارة الخزانة، التي تحاول موازنة استقرار الميزانية مع الضغوط القانونية المتزايدة للوفاء برد المبالغ.

سيارات سوبارو متوقفة في وكالة بيع سيارات بمنطقة بيدفورد أوتو مايل بأوهايو (أ.ب)

ختاماً، فإن «قص» أجنحة ترمب الاقتصادية لم يُنهِ المعركة، بل نقلها إلى ساحة أكثر تعقيداً؛ فبينما تحاول الأسواق العالمية استيعاب هذا التحول، يبقى الاقتصاد الأميركي رهين حالة من عدم اليقين بين مطالبات قانونية برد الـ133 مليار دولار ولجوء ترمب إلى بدائل قانونية مؤقتة. ورغم أن إلغاء الرسوم قد يخفف من الضغوط التضخمية، فإن النزاعات الطويلة المتوقعة في ساحات القضاء الأدنى ومكاتب الجمارك ستُبقي المستثمرين في حالة ترقب، بانتظار المواجهة الكبرى في أروقة الكونغرس الذي بات الآن «صاحب الكلمة الفصل» في تقرير مصير السياسة التجارية. ويبقى السؤال الأهم الذي سيحدد ملامح الاقتصاد الأميركي لسنوات مقبلة: هل سينجح ترمب في إعادة بناء جدار الحماية التجاري الخاص به قبل أن تنتهي صلاحية أدواته المؤقتة وتصطدم بحائط الصد التشريعي؟

Your Premium trial has ended


ترمب يفرض رسوماً جمركية جديدة بنسبة 10% بعد انتكاسة قضائية

ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يفرض رسوماً جمركية جديدة بنسبة 10% بعد انتكاسة قضائية

ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه وقع أمرا تنفيذيا لفرض رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة «سارية بشكل فوري تقريبا» بعد هزيمته في المحكمة العليا.

وقال ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «إنه لشرف عظيم بالنسبة لي أن وقعت، من المكتب البيضاوي، على رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة على كل الدول، والتي ستكون «سارية بشكل فوري تقريبا».

وكان ترمب قد حذر في وقت سابق من الخطوة، قائلا إن الرسوم الجمركية الجديدة بنسبة 10 في المائة سوف «تضاف إلى رسومنا الجمركية العادية التي يتم

بالفعل فرضها».

وقال ترمب إنه سيتم فرض الضريبة بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، والذي يمنح الرئيس السلطة لفرض إجراءات تجارية مؤقتة لعلاج

مشكلات ميزان المدفوعات.

وجاء الإعلان بعدما وجهت المحكمة العليا الأميركية ضربة كبيرة لأجندة ترمب الخاصة بالرسوم الجمركية، حيث ألغت الرسوم التبادلية التي فرضها

على دول العالم في أبريل (نيسان) الماضي.


ارتفاع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي خلال ديسمبر

يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي خلال ديسمبر

يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي في ديسمبر (كانون الأول)، مما يعكس استمرار ضغوط الأسعار في الاقتصاد الأميركي، ويزيد التوقعات بأن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» قد يؤجل أي خفض لأسعار الفائدة حتى يونيو (حزيران).

وأفاد مكتب التحليل الاقتصادي في وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة المتقلبة، ارتفع 0.4 في المائة في ديسمبر بعد زيادة 0.2 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني)، متجاوزاً توقعات الخبراء التي كانت تشير إلى 0.3 في المائة. وعلى أساس سنوي، قفز التضخم الأساسي بنسبة 3 في المائة مقابل 2.8 في المائة في نوفمبر، وهو أحد المقاييس الرئيسية التي يتابعها البنك المركزي لتحقيق هدف التضخم البالغ 2 في المائة، وفق «رويترز».

وأظهر التقرير أن الإنفاق الاستهلاكي، الذي يُشكِّل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي، ارتفع بنسبة 0.4 في المائة في ديسمبر، بوتيرة نوفمبر نفسها، وعند تعديله وفقاً للتضخم، سجَّل زيادةً بنسبة 0.1 في المائة، ما يشير إلى نمو اقتصادي بطيء مع بداية الرُّبع الأول من 2026.

وأكد الخبراء أن بعض فئات الخدمات، مثل الخدمات القانونية، سجَّلت زيادات كبيرة في يناير، مما قد يضيف نقاطاً إضافية إلى التضخم الأساسي، رغم تقلب هذه الفئات وصعوبة التنبؤ باتجاهاتها المستقبلية.

وسيصدر تقرير التضخم لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يناير في 13 مارس (آذار)، بعد تأخير بسبب إغلاق الحكومة العام الماضي، في حين قد تؤثر بيانات مؤشر أسعار المنتجين لشهر يناير على تقديرات التضخم لاحقاً.