المنظومة الإعلامية الأميركية... أداة لا تتجزأ من الصراع بين ترمب والديمقراطيين

الرئيس يصفها بـ«عدوة الشعب» وهي تنهمك بتغطية مستجدات المحاكمة المحتملة

لم يتمتع نيكسون بتأييد وسائل الإعلام بينما يتمتع ترمب بتأييد بعضها (غيتي)
لم يتمتع نيكسون بتأييد وسائل الإعلام بينما يتمتع ترمب بتأييد بعضها (غيتي)
TT

المنظومة الإعلامية الأميركية... أداة لا تتجزأ من الصراع بين ترمب والديمقراطيين

لم يتمتع نيكسون بتأييد وسائل الإعلام بينما يتمتع ترمب بتأييد بعضها (غيتي)
لم يتمتع نيكسون بتأييد وسائل الإعلام بينما يتمتع ترمب بتأييد بعضها (غيتي)

لم يعرف غضب الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون حدودا خصوصا بعد فضيحة ووترغيت التي انتهت بخسارته الرئاسة. ولكنه حتى في أوج غضبه الذي عبر عنه بالقول إن «الصحافة هي العدو»، وبحثه عن طرق لفضح صحافيين عن طريق «النبش» في تاريخهم، فإن معارضته وغضبه من الإعلام في عهده لم يصل إلى حد التهديد الفعلي. أما في عصر الرئيس ترمب الذي استعار تعبيرات نيكسون، فإنه تخطى القول بالعمل المضاد للإعلام الذي أطلق عليه أنه «عدو الشعب» أو (Enemy of the People).
وبعدما كان الإعلام ينظر إلى تغطية الأخبار السياسية كمهمة متميزة يعامل المهنيون فيها باحترام كأرقى المهام الصحافية، أصبح الذهاب إلى المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض شبيها بتغطية الحروب، لا ينجو منها إلا القليل من المراسلين. وتحول المعلق السياسي من جهة محايدة تنقل الأخبار إلى هدف مشروع للاتهام. وأصبح أي انتقاد للرئيس أو المسؤولين بمثابة خيانة تستحق التوبيخ والعقاب. وأصبحت المنظومة الإعلامية أداة لا تتجزأ من الصراع بين الديمقراطيين وقاطن البيت الأبيض بعد محاولاتهم المتكررة لقيادته إلى المحاكمة وإدانته بتهمة استغلال منصبه... والأخيرة بتهمة طلب ترمب من الرئيس الأوكراني فولوديمير زلنسكي إجراء تحقيق، بخصوص عائلة جو بايدن المرشح الديمقراطي والمنافس المحتمل له في انتخابات 2020 الرئاسية.
في خضم حرب الرئيس ترمب على الإعلام تطوع مساعدوه لتجميع معلومات عن الصحافيين ودور النشر المعادية لسياساته وكأن هذه الجهات هي الجهات التي تنافس الرئيس على السلطة وليس الأحزاب المعارضة. ولجأ ترمب نفسه إلى «تويتر» لكي يغرد «أن منافسنا الرئيسي ليس الحزب الديمقراطي ولا المجموعة التائهة من الحزب الجمهوري التي تركناها خلفنا، وإنما هو الإعلام الذي يبث الأخبار الكاذبة».
وذكر موقع «أكسيوس» أن مؤيدي الرئيس يشنون حملة لجمع مليوني دولار لاستخدامها في البحث عن فضائح محرري «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست». وتأمل المجموعة في استخدام المعلومات لتسريبها إلى قنوات مؤيدة للرئيس.
وكشف الموقع أن من وراء هذه الحملة هما آرثر شوارتز، المستشار الجمهوري المقرب من الرئيس ترمب وستيف بانون، وهما يأملان في طرد محرري الصحف المناهضة لترمب من وظائفهم. وكلاهما ينفي أنه وراء هذه الحملة.
ولم يؤكد الاستراتيجي في حملة ترمب عام 2016 سام نومبيرغ عما إذا كانت الحملة سوف تقتصر على ما ينشره الصحافيون على مواقع التواصل الاجتماعي أما أنها سوف تطال حياتهم الخاصة وانتماءهم إلى جهات معينة. وأضاف أنه لا يرى أي خلل في البحث في مواقع التواصل الاجتماعي ولكنه لا يعتقد أن الأمر سوف يصل إلى التاريخ الجنائي أو الملاءة الائتمانية للصحافيين الذين يتم التحري عنهم.
وهو يشير إلى موقع إخباري اسمه «بريتبارت» نشر تغريدات مضادة للسامية وأخرى عنصرية بثها المحرر السياسي توم رايت في «نيويورك تايمز» منذ عشر سنوات. ونشر شوارتز العنوان الإلكتروني لهذه التغريدات، ثم أعاد تغريدها الرئيس ترمب لمتابعيه البالغ عددهم 3.8 مليون شخص. واضطر المحرر رايت إلى الاعتذار ومسح التغريدات. ولكن شوارتز هدد صحيفة «نيويورك تايمز» بتغريدة أخرى قال فيها: «إذا كانت (نيويورك تايمز) تعتبر أن هذه هي نهاية المطاف فسوف نكشف عن بعض المتطرفين الآخرين الذين يعملون فيها، فهناك الكثير الذي لم يتم الكشف عنه بعد».
ورغم أن بعض شهرة ترمب تعود إلى الإعلام منذ تغطية أخباره في صحف نيويورك التابلويد واستضافته لبرنامج «المتدرب» تلفزيونيا، فإنه ما إن وصل إلى الرئاسة حتى تحول ضد الإعلام بتعبيرات حادة مثل «الأخبار الكاذبة» و«عدو الشعب». ومع اقتراب انتخابات عام 2020 الرئاسية في أميركا يزيد ترمب من حدة حملته على الإعلام الأمر الذي أزعج المعلقين السياسيين والمدافعين عن حرية التعبير.
وشرح كيرت بارديلا المتحدث السابق عن النواب الجمهوريين في الكونغرس الأميركي الوضع بالقول إن الرئيس يستخدم أسلوب التشكيك فيما ينشره الصحافي السياسي حتى لا يصدق الناس الحقائق التي ينشرها الصحافي. ولكن إذا وصل الأمر إلى كشف أمور من الحياة الشخصية للصحافي فهذا لا يجوز لأن ذلك ليس له علاقة بعمله الصحافي.
وتقول سوزان نوسيل رئيسة جمعية «بن» الأميركية لحرية التعبير أن هناك اعترافا بأن للإعلام دورا يلعبه، وأنه يجب أن يلعب هذا الدور بلا خوف أو محاباة وفي استقلال تام. ولكن ما يتعرض له الصحافيون السياسيون حاليا هو شيء مكروه وهو نوع من التنمر ضدهم يكاد يعدم شخصياتهم. وأضافت أن هذا لا يجب أن يحدث لأن الرأي العام يعتمد على الصحافة في محاسبة السياسيين وتغطية الأحداث.
وبالطبع إذا شعر الصحافي بأن حياته الشخصية أو تاريخه القديم سوف يتم الكشف عنه بغرض تهديده وإنهاء حياته العملية، فلا أحد يمكنه تحمل مثل هذه الضغوط المهنية، وفقا لما تقوله سوزان نوسيل، التي تضيف أن ما يجعل الأمر خطيرا أن هذه التهديدات تأتي من رجال الإدارة السياسية للبلاد.
ويبدو أن ترمب وإدارته يستعيرون بعض أساليب ريتشارد نيكسون الذي حاول التلاعب في منح التراخيص الفيدرالية من أجل فرض ضغوط على محطات التلفزيون. ويقول المؤلف لكتاب عن حياة نيكسون، جون فاريل إن أسلوب ترمب يكاد يطابق أسلوب نيكسون حتى في عبارة أن «الإعلام هو العدو». ولكن نيكسون لم يصل إلى حد تطبيق ما يقوله، بعكس ترمب.

الإعلام «المشحون» يرد
منذ أول أسبوع في التغطية الإعلامية لإجراءات محاكمة ترمب، توقع «الإعلام العدو» أن «الإعلام الصديق» سيخدم ترمب كثيرا. وربما يمكن أن يقلب كل شيء رأسا على عقب، بمساعدة أنصار ترمب.
قالت صحيفة «نيويورك تايمز»: «يعتبر عالم الإعلام المحافظ ترمب شخصية شعبية لا تقبل المنافسة. لكن، الحقيقة هي أن تأييد الشعب الأميركي له في استطلاعات مركز غالوب لم تتجاوز أبدا 46 في المائة. وهو أول رئيس في استطلاعات غالوب لم يصل تأييده مطلقاً إلى 50 في المائة». وأشارت الصحيفة إلى استطلاعات داخلية أجرتها قيادة الحزب الجمهوري، أوضحت خسارة كبيرة أمام نائب الرئيس السابق جوزيف بايدن. (وصف ترمب هذه الأرقام «باستطلاعات وهمية»).
لكن، حسب الصحيفة «يعيش أنصار ترمب في عالم خاص بناه هو لهم، ويعيش هو معهم فيه. إنه عالم: الأصدقاء والأعداء. عالم: أنت معنا، أو ضدنا. هذا عالم تهيجه عواطف ضد أعداء وهميين، هم، لسوء الحظ، مواطنون أميركيون مخلصون يختلفون معه في الرأي. وهم، لسوء الحظ، مهاجرون أجانب جاءوا إلى وطننا، وهم، لسوء الحظ، مواطنو دول أخرى لا يعادوننا...».
وأشارت الصحيفة إلى أنه، من بين قادة هذه «الحرب العاطفية الهمجية»، المذيع مايكل سافدج، الذي يستمع إليه عشرات الملايين من الناس.
مثل صحيفة «نيويورك تايمز»، تنبأت «سي إن إن» تنبؤات بأن «الإعلام الحليف» و«الأقلية الهائجة» سيشنان حملات شعواء دفاعا عن ترمب. وأشارت القناة التلفزيونية إلى أن عملاق الإذاعات، راش ليمبو: «شخصية يمينية شعبية يُنظر إليه، على نطاق واسع، بأنه ملك اليمين المتوج، إذا لم يكن ملك الحزب الجمهوري المتوج».
في الأسبوع الماضي، قال ليمبو لمستمعيه: «خلاصة القول، لا يوجد شيء جديد حقا هنا. هذه هي (الحرب العالمية الثالثة) ضد ترمب: كانت الأولى في الانتخابات الرئاسية. وكانت الثانية في اتهامات التعاون مع الروس لكسب الانتخابات. وها هي الثالثة عن اتصالات رسمية مع رئيس أوكرانيا».
وأضاف ليمبو «انتصرنا في الأولى والثانية، وسننتصر في الثالثة».
وعلق كاتب رأي في موقع تلفزيون «سي إن إن»: «رغم أن هذه دعاوى مضللة بشكل غير عادي، فإنها تمثل، إلى حد كبير، الطريقة التي بدأت تتفاعل بها وسائل الإعلام اليمينية مع الفضيحة العميقة التي يقف ترمب في قلبها».
بدوره، يعتبر هوارد كيرتز صحافي الإعلام الأول في الولايات المتحدة. لأكثر من عشرة سنوات، كان مسؤول الإعلام في صحيفة «واشنطن بوست». وأصدر عددا من الكتب عن الإعلام الأميركي. ويقدم الآن برامج تلفزيونية، ويدير مواقع إعلامية في الإنترنت.
قال: «يمكن اعتبار خطة عزل الرئيس ترمب خطة نخبوية تنقل سلطة اختيار، وعدم اختيار، رئيس الجمهورية من السلطة الحقيقية، من الناخبين الأميركيين، إلى هذه النخبة. لهذا، يمكن القول إن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر بالنسبة للديمقراطيين، وبالنسبة للإعلاميين الذين ينحازون إلى جانبها».
وأضاف «بدلاً من ثقة معارضي ترمب بأنهم قادرون على الفوز عليه في صناديق الاقتراع، بعد أكثر من عام بقليل من الآن، يريد الديمقراطيون في مجلس النواب، وحلفاؤهم في الإعلام، تسليم هذا القرار إلى 100 شخص (أعضاء مجلس الشيوخ، إذا أدان مجلس النواب ترمب)».
وقال: «من المثير للاهتمام أنه سواء كان هناك ما يبرر الإقالة أم لا، يوجد عدد قليل جداً من الأصوات في وسائل الإعلام تتساءل عن جدوى استراتيجية الديمقراطيين».
هكذا، لاحظ كيرتز، وهو الصحافي الليبرالي الكبير، أن العاطفة تغلبت على العقلانية وسط الديمقراطيين، وأن هذا مفهوم، لأن السياسة أعداء وأصدقاء، وهزائم وانتصارات. لكن، يبدو أن الصحافيين، الذين يراهم أكثر عقلانية، أيضا حملتهم العاطفة، غضبا على هجمات وإساءات ترمب لهم لأكثر من ثلاثة أعوام. كيرتز يلاحظ، ولا ينتقد. يريد نزاهة الصحافيين، لكنه يفهم غضبهم على ترمب.

محاكمة نيكسون والإعلام
> نشر الرئيس ريتشارد نيكسون مظالم مماثلة لمظالم ترمب، وتحدث عن «نحن وهم» خلال تحقيقات فضيحة ووترغيت. وألقى باللوم على وسائل الإعلام الأميركية. وقال إنها «تكرهني في شغف».
نيكسون، طبعا، لم يتمتع بتأييد وسائل الإعلام مثل التي يتمتع ترمب بتأييد بعضها. لكن، أجبرت فضيحة ووترغيت نيكسون ليستقيل بعد أن تأكد له أن كثيرا من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين سيصوتون لإدانته. لكن، في البداية، ورغم جهود الصحافيين، بوب وودورد، وكارل بيرنشتاين، في صحيفة «واشنطن بوست»، لم يهتم الإعلام (ولا الأميركيون) كثيرا بما فعل نيكسون. اعتبروه يمارس ما يمارس السياسيون عندما تجسس على رئاسة الحزب الديمقراطي في مبنى ووترغيت في واشنطن العاصمة.
لكن، عندما كشفت صحيفة «واشنطن بوست» أن نيكسون خطط لإخفاء ما عمل، وعندما بدأ حملة انتقام ضد الصحافيين والمسؤولين الذين شك في ولائهم، زاد الاهتمام الإعلامي (والشعبي). وصفت مجلة «تايم» حينها نيكسون بأنه يعاني من «جحيم يومي وثقة قليلة جدا بنفسه».
في الحقيقة، كان انعدام الثقة بين الإعلام ونيكسون متبادلاً، وأكبر من المعتاد، وذلك بسبب عدم الرضا الإعلامي والشعبي المستمر عن التدخل العسكري الأميركي في فيتنام. أضف إلى ذلك أن نيكسون ناقش استخدام مكتب التحقيق الفيدرالي (إف بي آي) للحصول على معلومات سلبية عن (أو الانتقام من) الذين اعتبرهم أعداء له. لم يصف نيكسون الإعلام بأنه «عدو الشعب»، ولا أنه «إعلام كاذب»، لكن، رغم ذلك، وقف الإعلام إلى جانب حكم القانون، حتى ضد رئيس الجمهورية. هل سيكرر التاريخ نفسه؟



«ديزني+»: قطاع الترفيه السعودي يفتح آفاقاً جديدة للشركات العالمية

الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
TT

«ديزني+»: قطاع الترفيه السعودي يفتح آفاقاً جديدة للشركات العالمية

الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)

تتجه شركة «ديزني» إلى تعزيز حضورها في السوق السعودية، مستفيدة من النمو الذي يشهده قطاع الترفيه والإعلام في المملكة، وتطوّر الكفاءات الإبداعية المحلية، في حين تسعى إلى توسيع شراكاتها الإقليمية وتطوير خدماتها الرقمية لمواكبة التحولات في سلوك المشاهدين.

تميم فارس، رئيس «ديزني» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قال خلال حوار مع «الشرق الأوسط» إن التحوّلات التي يشهدها قطاع الترفيه في المملكة العربية السعودية، ضمن «رؤية 2030»، أسهمت في إيجاد بيئة تدعم توسع الشركات العالمية، وتفتح المجال أمام مشاركة المواهب السعودية في مشاريع الإنتاج والمحتوى الترفيهي.

وأوضح فارس أن «عدد الشركات العاملة في القطاع ارتفع من نحو 10 شركات قبل عام 2016 إلى أكثر من أربعة آلاف شركة حالياً، في حين يستهدف القطاع الإسهام في توفير 450 ألف وظيفة ضمن مستهدفات (رؤية 2030). ولقد واكبت (ديزني) تطور صناعة الترفيه السعودية منذ إعادة افتتاح دور السينما، عندما كان فيلم (بلاك بانثر) Black Panther الذي أنتجته (مارفل) التابعة للشركة، أول فيلم يُعرض مع عودة النشاط السينمائي إلى المملكة».

الكفاءات

وتابع تميم فارس، أن نمو القطاع «أتاح فرصاً جديدة للتعاون مع الكفاءات المحلية»، لافتاً إلى أن الشركة «وجدت خلال إعداد أحدث مشاريعها في المملكة عدداً من المواهب يفوق توقعاتها؛ الأمر الذي يعكس تطور البيئة الإبداعية السعودية وقدرتها على المشاركة في مشاريع عالمية».

وفي هذا السياق، كشف عن أن الشركة عملت خلال الأشهر الستة الماضية مع أكثر من 40 موهبة سعودية من الممثلين والكتّاب وصنّاع المحتوى والتقنيين، لتنفيذ أول مشروع لدبلجة أحد أفلامها باللهجة السعودية، وذلك من خلال فيلم «حكاية لعبة 5» (Toy Story 5).

وذكر فارس أن «تعدد الكفاءات المحلية جعل اختيار المشاركين في المشروع من أبرز التحدّيات التي واجهت فريق العمل»، معرباً عن تطلّعه إلى أن تكون هذه التجربة بداية لمزيد من المشاريع التي تستفيد من المواهب السعودية خلال السنوات المقبلة.

الشراكات المحلية

فيما يتعلق باستراتيجية الشركة الأميركية العملاقة لتعزيز حضورها في المملكة، شدد فارس على أهمية الشراكات مع المؤسسات المحلية والإقليمية، ومن بينها «إس تي سي» و«إم بي سي»، في تسهيل وصول خدمات «ديزني» إلى الجمهور السعودي، وتوسيع انتشار المنصة في المنطقة.

وبالتوازي، أوضح أن الشركة تعمل على تطوير أساليب تقديم محتواها العالمي بما يتناسب مع اهتمامات الجمهور المحلي، مركّزاً على أن امتلاك «ديزني» تاريخاً يمتد أكثر من مائة سنة في صناعة الترفيه «لا يعفيها من ضرورة مواصلة العمل لكسب ثقة المشاهدين في ظل المنافسة المتزايدة بين منصات البث الرقمي».

ثم أشار إلى أن الشركة «تسعى إلى تحقيق ذلك من خلال توسيع مكتبة المحتوى، وتطوير تجربة المستخدم، وتقديم أعمال أكثر ارتباطاً باهتمامات الجمهور العربي، إلى جانب الاستفادة من الشراكات المحلية لتسهيل الوصول إلى المشتركين».

تجربة المشاهدة

جدير بالذكر، أن «ديزني» أطلقت منصة جديدة بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي تتضمّن توسيع مكتبة المحتوى، خصوصاً الإنتاجين التركي والكوري، إلى جانب تطوير تجربة المشاهدة وإضافة مزايا تستهدف العائلات والأطفال.

وهنا، أوضح فارس أن الشركة «تولي أهمية خاصة لملاءمة المحتوى المعروض في العالم العربي مع الثقافة والقيم المحلية»، مشيراً إلى أن «جميع الأعمال تخضع للمراجعة، بما يشمل المشاهد والحوارات والمواد المدبلجة، مع استبعاد ما لا يتناسب مع خصوصية المنطقة».

وأضاف أن المنصة الجديدة ستتضمن مساحة مخصّصة للأطفال تحت اسم «عالم الصغار»، توفّر واجهة مبسطة تسهّل عليهم التنقّل بين البرامج والأفلام، وتمنح أولياء الأمور خيارات أوسع للتحكم في طبيعة المحتوى الذي يشاهده أطفالهم.

وتوقع فارس أن تشهد المرحلة المقبلة «تركيزاً أكبر على تطوير تجربة المشاهدة، وتقديم القصص العالمية بأساليب تتناسب مع الجمهور العربي، والاستفادة من نمو صناعة الترفيه في المملكة لتوسيع التعاون مع المواهب المحلية».

تميم فارس رئيس «ديزني+» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الحفل الذي أُقيم أخيراً في الرياض (الشرق الأوسط)

«ديزني» توسّع حضورها سعودياً

وحقاً، كما سبقت الإشارة، كانت منصة «ديزني» قد أعلنت في وقت سابق تقديم أول فيلم من إنتاج شركة «ديزني» مدبلج باللهجة السعودية، عبر فيلم «حكاية لعبة 5» (Toy Story 5) بمشاركة مجموعة من الممثلين والكوميديين وصنّاع المحتوى المحليين، في خطوة تعكس اهتمام الشركة بالاستفادة من تطور صناعة الترفيه في المملكة وتنامي الكفاءات الفنية والإبداعية.

وجاء الإعلان خلال فعالية نظّمتها الشركة في حي جاكس بالرياض، وكشفت خلالها عن إطلاق تطبيق جديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ابتداءً من 6 أكتوبر، يتضمن تحديثات لتخصيص المحتوى، وإتاحة المشاهدة خلال السفر، وتحسين أدوات الرقابة الأبوية، إلى جانب توسيع مكتبة الأعمال العالمية.

هذا، وشارك في أداء أصوات شخصيات «حكاية لعبة 5» باللهجة السعودية كل من إبراهيم الخير الله في دور «باز يطير»، وصهيب قدس في دور «وودي»، وريم الحبيب في دور «جيسي»، ومالك نجر في دور «سمارتي بانتس»، وأسيل سراج في دور «ليلي باد»، وياسر السقف في دور «أطلس»، إلى جانب مجموعة أخرى من الفنّانين وصنّاع المحتوى السعوديين. ولقد أوضحت الشركة أن إعداد النسخة السعودية راعى الخصائص اللغوية والفكاهة والسياق الثقافي المحلي، مع المحافظة على مضمون الفيلم الأصلي وشخصياته، في تجربة تستهدف تقريب المحتوى العالمي من الجمهور السعودي، وإتاحة فرص جديدة أمام المواهب المحلية للمشاركة في الإنتاجات العالمية.

تطوّر صناعة السينما

من جهة أخرى، وفي حديث سابق لـ«الشرق الأوسط»، قال الفنان السعودي إبراهيم الخير الله، الذي يؤدي صوت شخصية «باز يطير»، إن «دبلجة الفيلم باللهجة السعودية تعكس التطور الذي تشهده صناعة السينما في المملكة، وتنامي اهتمام الجمهور بالأعمال التي تعبّر عن ثقافته وتفاصيل حياته اليومية». ورأى «أن تقديم شخصيات عالمية معروفة بأصوات سعودية يمثّل خطوة مهمة للفنانين المحليين».

وعلى صعيد الخدمات الرقمية، تشمل تحديثات التطبيق الجديد تطوير نظام التوصيات ليصبح أكثر ارتباطاً بتفضيلات المشاهدة الفردية، وإتاحة مشاهدة المحتوى خلال السفر في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى.

كذلك، تتضمن التحديثات توفير مساحة مخصصة للأطفال تحت اسم «عالم الصغار»، إلى جانب تطوير أدوات الرقابة الأبوية، وإتاحة إنشاء ملفات شخصية محمية برمز تعريف شخصي، وتحديد صلاحيات الوصول إلى المحتوى المخصص للبالغين، بما يمنح العائلات تحكماً أكبر في تجربة المشاهدة.

وفي إطار المنافسة المتزايدة بين منصات البث الرقمي، تسعى «ديزني» إلى توسيع خيارات المحتوى المتاحة للمشتركين في المنطقة، عبر تقديم مزيد من الإنتاجات التركية والكورية، إلى جانب أعمال جديدة من استوديوهات «ديزني» و«بيكسار» و«مارفل» وغيرها.

الأعمال المرتقبة

هذا، وقد استعرضت الشركة خلال فعاليتها في الرياض التي أقيمت أخيراً مجموعة من الأعمال المرتقبة، من بينها الموسم الثاني من المسلسل التركي «الخليفة»، والمسلسل الكوري «انتقام إمبراطورة»، المقرر عرضه في 4 نوفمبر (تشرين الثاني)، والموسم الثاني من «صُنِع في كوريا»، فضلاً عن النسخة الحية من فيلم «موانا»، والموسم الثالث والعشرون من المسلسل الطبي «غرايز أناتومي»، ومسلسل «مهمة فيجن» من إنتاج «مارفل».

وتأتي هذه الخطوات مع اتجاه الشركة إلى الجمع بين توسيع مكتبتها العالمية وتطوير تجربة مشاهدة تتناسب مع اهتمامات الجمهور المحلي، مستفيدة من نمو قطاع الترفيه السعودي، وتطوّر الشراكات مع المؤسسات المحلية، وتزايد الطلب على المحتوى الرقمي في المنطقة.

الشركة عملت خلال الأشهر الماضية مع أكثر من 40 موهبة محلية لدبلجة أحد أفلامها باللهجة السعودية


مواقع إخبارية تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لتجاوز أزمة «تراجع الزيارات»

مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
TT

مواقع إخبارية تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لتجاوز أزمة «تراجع الزيارات»

مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)

في ظل استمرار تراجع الزيارات واتجاه مواقع إخبارية للعمل من أجل الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي، تتجدّد التساؤلات بشأن لجوء مواقع إلى الذكاء الاصطناعي من أجل «جلب» الزيارات. وفي حين أكد خبراء استمرار أزمة «زيرو ترافيك»، شدد هؤلاء على «الحاجة لبناء علاقات قوية مع الجمهور واستغلال الذكاء الاصطناعي في بناء العلامة التجارية للمؤسسة الإعلامية».

تقرير حديث نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» رصد تجارب مؤسسات إعلامية للتعامل مع عصر «ما بعد العمل من أجل محركات البحث (SEO)». وذكر التقرير أن «زيارات المواقع الإخبارية من محرّك البحث (غوغل) تراجعت بنسبة 40 في المائة خلال الفترة بين يوليو (تموز) 2025 ويوليو 2026، مما يثير قلق الناشرين إزاء ما يعرف بـ(غوغل زيرو)، أي توقّف محرّك البحث عن إحالة المستخدمين إلى المواقع الإخبارية».

ولفت التقرير أيضاً إلى أنه «على مدى العقدين الماضيين، عملت غرف الأخبار على جعل إنتاجها الصحافي مناسباً للظهور في محرّكات البحث، لكن مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات عبر روبوتات الدردشة بدلاً من الدخول إلى المواقع الإخبارية، مما دفع المؤسسات الإعلامية إلى البحث عن وسائل للحفاظ على بقائهم في عصر الذكاء الاصطناعي».

كذلك، نقل التقرير عن عزرا إيمان، مدير الذكاء الاصطناعي في الإعلام لدى الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأخبار «وان-إيفرا»، قوله إن «منصات الذكاء الاصطناعي تعطي الآن الأولوية لمصادر مختلفة لأنها تستخدم أنظمة مختلفة للبحث واسترجاع المعلومات، وتميل إلى التركيز على عدد محدود من المصادر، مما يجعل من الصعب على المؤسسات الصغيرة اختراق هذا المجال».

الدكتورة ليلى دومة، الباحثة في علوم الإعلام والاتصال، صرحت في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «أزمة (زيرو ترافيك) ليست مجرد أزمة تقنية مرتبطة بتراجع الزيارات، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في منظومة إنتاج المحتوى الإعلامي وتوزيعه واستهلاكه، وفي طبيعة العلاقة بين المؤسسات الصحافية والمنصات الرقمية».

وأردفت أن «الانتقال من محرّكات البحث التقليدية إلى محرّكات الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يطرح إشكالية أساسية هي: كيف يُمكن للمؤسسات الإعلامية الحفاظ على القيمة الاقتصادية لمحتواها في ظل استهلاكه خارج فضاءاتها الرقمية؟». ومن ثم، أوضحت أن «الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي، قد يعزز مرئية المؤسسات الإعلامية ومصداقيتها، لكنه لا يضمن بالضرورة تحويل هذا الظهور إلى زيارات فعلية، لا سيما عندما يحصل المستخدم على المعلومة كاملة دون الحاجة إلى الرجوع إلى المصدر الأصلي».

بالتالي، تعتقد دومة أن «تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة التفكير في الاستراتيجيات الاتصالية والاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، من خلال الاستثمار في المحتوى الأصلي والحصري، وتعزيز العلاقة المباشرة مع الجمهور، وتنويع قنوات التوزيع، إلى جانب تطوير استراتيجيات الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي (GEO) من دون التخلي عن أسس محركات البحث (SEO)».


هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات