التحقيقات لعزل ترمب تهز صورة أميركا

مُلقية بظلالها على ملفات خارجية ساخنة كإيران وكوريا الشمالية

التحقيقات لعزل ترمب تهز صورة أميركا
TT

التحقيقات لعزل ترمب تهز صورة أميركا

التحقيقات لعزل ترمب تهز صورة أميركا

يُتهم الديمقراطيون في الولايات المتحدة بأنهم، منذ اليوم الأول لفوز الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسباق الرئاسة عام 2016، وضعوا نصب أعينهم مهمة إنهاء عهده بأي طريقة ممكنة.
بالطبع اتهام قد يكون له ما يبرّره، لأنه من غير المعهود في تاريخ التداول السياسي للسلطة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي أن تشتعل المواجهة بين الحزبين الخصمين على عهد بالكاد انطلقت عجلته. فالديمقراطيون لم ينتظروا تنصيب ترمب، في 20 يناير (كانون الثاني) عام 2017. لفتح ملف ما عُرِف بـ«التدخل الروسي» في الانتخابات الأميركية، إذ فُتِح عملياً خلال حملة الانتخابات نفسها، مع تصاعد الحديث عن تدخل روسيا لمساعدة ترمب على الفوز على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، وطلب ترمب علناً من موسكو أن تنشر ما لديها من «أوساخ» بحقها، في ملف بريدها الإلكتروني، الذي عاد أخيراً ليكون إحدى أبرز القضايا التي ناقشها ترمب في مكالمته مع الرئيس الأوكراني، أو ما بات يُعرَف بـ«الفضيحة الأوكرانية».
دونالد ترمب الذي خاض واحدة من أغرب المعارك الانتخابية في تاريخ الرئاسة الأميركية، أثار منذ بدء تهجمه، الذي اتخذ طابعاً شخصياً حتى ضد منافسيه الجمهوريين، حفيظة الطبقة السياسية الأميركية بمجملها. وأجبر عشرات، بل ومئات من كبار الساسة والدبلوماسيين والعسكريين والمسؤولين الأميركيين، وبينهم نسبة كبيرة من الجمهوريين، على توقيع عرائض تحذّر من انتخابه رئيساً.
ترمب الذي بقي مهجوساً بانتخابات 2016، كانت عينه ولا تزال على انتخابات 2020، التي بدأ مهرجاناته الانتخابية من أجلها منذ اليوم الأول لتوليه السلطة. وثابر على حشد أنصاره في تجمعات جالت الولايات الأميركية، سواء تلك التي تميل للجمهوريين أو للديمقراطيين.
ومع مباشرة ترمب تنفيذ أجندته السياسية، عبر إعلان مواقفه العدائية من دخول المهاجرين، خصوصاً من أميركا الوسطى، وتوقيعه أمراً رئاسياً لحظر دخول مواطني سبع دول، غالبيتها من المسلمين، إلى الولايات المتحدة، وسياساته الانعزالية، وتشكيكه بجدوى الأحلاف والاتفاقات الدولية، فإنه مهّد عملياً للحديث المبكر عن احتمال عزله في حال نجح مناوئوه الديمقراطيون في استعادة السيطرة على «الكونغرس»، أو على الأقل على مجلس النواب، كما حدث بالفعل بعد الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018.
حظ ترمب العاثر قد يكون خدم معارضيه، عندما أُجبر على إقالة مستشاره الأول للأمن القومي مايكل فلين، بعد 20 يوماً على تعيينه إثر انكشاف كذبه أمام المحققين الفيدراليين في ملف روسيا. وسرعان ما تسارعت بعدها الأحداث، وأدّت إلى تعيين رئيس «إف بي آي» السابق، روبرت مولر، محققاً خاصاً في هذا الملف.
أكثر من سنتين ونصف السنة استغرقها تحقيق مولر. لكن ترمب أفلت من المحاسبة بعدما عجز مولر عن تقديم أدلة راسخة عن تواطؤ مباشر مع روسيا، ما أفقد الديمقراطيين فرصة اعتبروها ذهبية لإنهاء عهده.
وخاض الديمقراطيون مناقشات ومواجهات حادة منذ اليوم الأول لحصولهم على الغالبية في مجلس النواب، عام 2018، وخصوصاً مع رئيسة المجلس، نانسي بيلوسي، للاتفاق على عزل ترمب. وللعلم، اضطرت بيلوسي لخوض مساومات مضنية لضمان تأييد النواب الديمقراطيين لانتخابها رئيسة للمجلس، ولا سيما الشباب ومَن يُطلق عليهم لقب التقدميين، أمثال ألكسندريا أوكاسيو - كورتيز، وإلهان عمر، ورشيدة طليب، التي تعهَّدت في خطاب تسلمها منصبها بعزل ترمب.
بيلوسي لعبت دوراً رئيسياً في وقف الدعوات لعزل الرئيس، خصوصاً أن نتائج تحقيقات مولر كانت لا تزال بعيدة. لكن مع صدور تقريره وإشارته بشكل واضح إلى محاولات ترمب العديدة لعرقلة التحقيق، وإلى دور روسيا، عاد الحديث عن ضرورة البدء بإجراءات العزل للتصاعد بين النواب الديمقراطيين. وخاضت بيلوسي مناقشات صعبة لقلة اقتناعها بوجود أدلة دامغة، وتخوفها من انعكاس ذلك على انتخابات 2020، وسط استطلاعات رأي كثيرة كانت تشير إلى معارضة غالبية الأميركيين عزل الرئيس.

بيلوسي تنحاز للعزل
لكن يوم 25 يوليو (تموز) الماضي، وخلال مكالمة هاتفية لترمب مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، طلب منه مساعدته في فتح تحقيق بحق نائب الرئيس الديمقراطي السابق جوزيف بايدن، لم يعتقد ترمب أن تلك المكالمة قد تكون تحت رقابة «طبيعية» من قبل أمنيين يمنحهم القانون حماية عن الإبلاغ عما يمكن أن يعتبروه مخالفة أمنية أو دستورية. ويوم 23 سبتمبر (أيلول) أعلنت بيلوسي فتح تحقيق رسمي بهدف عزل الرئيس المشتبه بانتهاكه الدستور، عبر السعي للحصول على مساعدة دولة أجنبية لإيذاء خصمه الديمقراطي.
بيلوسي رأت أن «تصرفات رئاسة ترمب كشفت عن الحقائق الشائنة لخيانة الرئيس لقسمه، وخيانته لأمننا القومي، وخيانته لنزاهة انتخاباتنا». وأضافت: «لذلك أعلن اليوم أن مجلس النواب يفتح تحقيقاً رسمياً لعزل الرئيس... فما من أحد فوق القانون».
وفي غضون أيام، ارتفع عدد الأميركيين الذي يؤيدون إدانة ترمب، ليصل إلى 55 في المائة، مقابل 45 في المائة، وفقاً لآخر استطلاع أجرته شبكة «سي بي إس»، وحتى استطلاع شبكة «فوكس» المفضلة لدى ترمب، أظهر أن 52 في المائة من الأميركيين «مرهقون» بسبب ترمب، ويتطلعون إلى رحيله، مقابل 37 في المائة ما زالوا ينظرون بإيجابية إلى عهده.
حاجة ترمب الجامحة للحصول على ما قد يعينه في انتخابات 2020، خصوصاً أمام خصم يمكن أن يشكل له تهديداً حقيقياً مثل بايدن، سواء في أوساط الطبقة السياسية التقليدية، أو لدى كبار المتمولين وجماعة «وول ستريت»، أو في أوساط القاعدة الشعبية البيضاء، أوقعه في خطأ قد يكون مكلفاً جداً له، وأعاد علاقته المتوترة أصلاً مع «مجتمع» الاستخبارات إلى المربع الأول.

ترمب والأجهزة الأمنية
جدير بالذكر أن تحقيقات مولر اعتمدت أصلاً على تقارير الاستخبارات الأميركية التي أجمعت أجهزتها الثلاثة الكبرى، «سي آي إيه» و«إف بي آي» و«إس إن إيه»، على تدخّل روسيا، ووضعت ترمب في دائرة التشكيكين، السياسي والأمني في أهليته كرئيس لأميركا. وحول «الفضيحة الأوكرانية» كتب المُخبِر - الذي قيل إنه أحد ضباط «السي آي إيه» - تقريراً من 9 صفحات، يتهم فيه الرئيس بأنه أساء استخدام صلاحياته بطريقة سافرة، خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأوكراني، ورفعه إلى رئيس وكالات الاستخبارات الوطنية بالوكالة، جوزيف ماغواير، الذي رفعه بدوره في أواخر أغسطس (آب) الماضي إلى وزير العدل ويليام بار كجريمة محتملة، إلا أن بار (وهو جمهوري) خلص إلى أن السلوك لم يكن جرمياً.
حقاً، أظهر نص المكالمة الذي سمح ترمب بنشره يوم الأربعاء في 25 سبتمبر الماضي، أنه طلب بالفعل من زيلينسكي العمل مع المدعي العام الأميركي للتحقيق في سلوك بايدن، وعرض مقابلته في البيت الأبيض، بعدما وعده بإجراء مثل هذا التحقيق. كذلك أظهر النص أنه طلب من الحكومة الأوكرانية التعاون مع محاميه الخاص رودي جولياني ووزير العدل بار في التحقيق بالخادم الإلكتروني الذي قيل إنه موجود في أوكرانيا واخترقته روسيا للحصول على معلومات عن بريد كلينتون الإلكتروني، واللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي. وبحسب النص، قال ترمب: «أود أن أطلب من المدعي العام أن يتصل بك أو بجماعتك وأرغب في أن نصل إلى النهايات»، ويضيف لاحقاً: «هناك الكثير من الحديث عن ابن بايدن (هنتر بايدن)، وأن بايدن أوقف المحاكمة، وأن كثيراً من الناس يرغبون في معرفة ذلك، لذا فإن كل ما يمكنك القيام به مع النائب العام سيكون رائعاً. أعلن بايدن بفخر أنه أوقف النيابة العامة، إذا كان بإمكانك النظر في ذلك، فسيكون الأمر فظيعاً بالنسبة لي».
هنا نشير إلى أن هنتر بايدن عمل في شركة أوكرانية حُقق فيها بتهم الفساد، لكن التحقيقات لم تجد أدلة ضده. وإبان الفترة التي أعقبت الثورة الأوكرانية، وحين كانت أوكرانيا بحاجة إلى مساعدات من الولايات المتحدة وأوروبا ومؤسسات أخرى، طلبت حكومات هذه الدول، ومن بينها إدارة الرئيس باراك أوباما، من الحكومة الأوكرانية إجراء إصلاحات إدارية وسياسية، شملت التخلص من المدعي العام آنذاك المعروف بفساده.
وقام جوزيف بايدن بنقل هذا الموقف لأوكرانيا، وأظهرت التحقيقات القضائية أن بايدن الأب وابنه هنتر لم يرتكبا أي جرم أو انتهاك لأي قانون أوكراني أو أميركي.

أزمة سياسية كبرى
هكذا تحولت القضية إلى أزمة سياسية حقيقية، ليس فقط للرئيس ترمب، بل وللحزب الجمهوري، الذي سيطر الصمت الفعلي على رموزه في الدفاع عن الرئيس، رغم الأصوات الخجولة التي تصدر بين الحين والآخر من أشد مناصريه ولاءً، وعلى رأسهم السيناتور ليندسي غراهام.
حتى دفاع وزير الخارجية مايك بومبيو وانتقاداته الحادة التي صدرت أخيراً ضد لجان التحقيق الثلاث، التي طلبت منه تسليمها وثائق تتعلق بالتحقيق الذي أطلقه مجلس النواب رسمياً، لم ينجح في الحد من تصاعد عدد المؤيدين للمضي في قرار عزل الرئيس. ومع اعتراف بومبيو بأنه كان حاضراً خلال المكالمة الهاتفية، فإنه ضُمّ إلى قائمة المتهمين بمحاولة التستر على الرئيس، التي تشمل أيضاً وزير العدل بار، ومحامي ترمب الشخصي جولياني.
بومبيو شكك في أن تكون صلاحيات اللجان النيابية الثلاث تخوّلها استدعاء دبلوماسيين أو طلب الحصول على وثائق منهم. وكانت لجنة التحقيق استدعت بومبيو لتقديم وثائق مرتبطة بالتواصل مع أوكرانيا، وهي تسعى إلى الاستماع إلى خمسة دبلوماسيين، بينهم سفيرة الولايات المتحدة لدى أوكرانيا، ماريا يوفانوفيتش، بالإضافة إلى كورت فولكر، الموفد الخاص إلى أوكرانيا.
غير أن بومبيو أعلن أن الدبلوماسيين لن يستجيبوا لطلب المثول أمام لجان الخارجية والاستخبارات والرقابة على السلطة التنفيذية، الأسبوع المقبل. وأشار، في رسالة إلى الكونغرس، إلى أن الإدارة جاهزة للجوء إلى القضاء، متهماً اللجان بمحاولة ترهيب والإساءة إلى مهنيين متميّزين في وزارة الخارجية.
وبدوره، اتهم جولياني رؤساء اللجان الثلاث بإطلاق «أحكام مسبقة» في القضية. وقال رداً على استدعائه إنه «يثير تساؤلات كبيرة فيما يتعلّق بشرعيته ودستوريته وقانونيته»، ولمح إلى أنه قد لا يمتثل للاستدعاء. هذا، وتطالب اللجان جولياني، وهو رئيس سابق لبلدية نيويورك، بتقديم وثائق مرتبطة بـ«جهود كلفه بها ترمب لممارسة ضغوط على الرئيس الأوكراني».

ترمب يصعد هجومه
حتى الآن، مواقف الإدارة تشير إلى أنها تعد للمواجهة، ثم إن ترمب وإدارته صعّدوا الهجوم على النائب الديمقراطي آدم شيف، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، الذي يقود التحقيق لعزله، وطالب بتوقيفه. وقال الرئيس في تغريدة على «تويتر» إن على شيف الاستقالة لأنه «لفّق بياناً على لسان رئيس الولايات المتحدة، وقرأه أمام (الكونغرس)». وحذر في تغريدة أخرى من أن ما يجري هو «انقلاب يهدف إلى الاستيلاء على سلطة الشعب الأميركي».
ومن جانبه، حذر شيف كلاً من البيت الأبيض من محاولة المماطلة في التحقيقات، والوزير بومبيو من محاولة التدخل لمنع الشهود من المثول أمام اللجنة، وأكد أن تلك المحاولات ستُعتبر إعاقة لعمل الكونغرس ودليلاً على أن الادعاءات التي وردت في شكوى المُخبِر صحيحة.
والآن، رغم أن حظوظ إقالة ترمب لا تزال ضعيفة، نظراً إلى أن قرار العزل في يد مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون، لكن نجاح الديمقراطيين في إثبات خرقه للدستور والتصويت على عزله، قد يكون كافياً، ليس فقط لخسارته انتخابات 2020، بل وإمكانية خسارة الجمهوريين مجلسي الشيوخ والنواب معاً للانتخابات العامة أيضاً.

صورة أميركا ستهتزّ
في أي حال، ترمب الذي يتهم بإدارة البلاد كشركة خاصة، يعتمد على جهاز إداري غير مكتمل حتى الآن ولا يستطيع مساءلته، فخلال أقل من ثلاث سنوات عين ترمب أربعة مستشارين للأمن القومي، ووزيري دفاع ووزيري خارجية. ومرّت أشهر كثيرة بقيت فيها مناصب بارزة، أمنية وسياسية، شاغرة يديرها وكلاء مؤقتون، كالحال الآن مع منصب مدير الاستخبارات الوطنية.
ودولياً، يعتقد كثيرون من المراقبين أن إخضاع ترمب للمحاكمة، سيزيد من وتيرة «الانسحاب» الأميركي من العالم، ولا سيما من الشرق الأوسط وجنوب آسيا. ومع أن ترمب جاهر بذلك حتى قبل «فضيحة أوكرانيا»، قد تؤدي محاكمته إلى انحسار نفوذ واشنطن المنشغلة بقضاياها الداخلية.
ويتخوف البعض من أن ينعكس ذلك على ملفات ساخنة، منها إيران وكوريا الشمالية، واحتمال لجوء ترمب إلى تسويات سريعة معهما، أو تخليه عن مبادرات سياسية، كالتوسط لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.
أيضاً، يعتقد البعض أن فشل وساطة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعقد لقاء بين ترمب والرئيس الإيراني حسن روحاني في نيويورك، يعود في جانب منه إلى إدراك الأخير المأزق الذي دخله الرئيس الأميركي بعد إطلاق التحقيقات لعزله، وتأجيل طهران تقديم التنازلات مقابل رفع العقوبات عنها.
وأكد روحاني، قبل أيام، أن طهران تدرس مقترحات جدية للعودة إلى المفاوضات، بيد أن الرهان على احتمال أن يعمد ترمب إلى فتح نزاعات خارجية، واستخدام القوة للتغطية على قضية عزله، يدحضه تراجعه عن تهديداته في اللحظة الأخيرة، بسبب معارضته للحرب، وخوفاً من نتائجها على قاعدته الشعبية التي كان وعدها بإنهاء التورط في حروب لا تنتهي.
ولكن يبقى أن الكشف عن مضمون اتصالات «رئيس أقوى دولة في العالم» برئيس أوكرانيا، يشكل سابقة خطيرة تجعل قادة العالم يتخوفون من تكرارها. ويطرح البعض تساؤلات عن مدى قدرة الولايات المتحدة على التصدي للأزمات الطارئة في عالم يمرّ بظروف خطيرة، مع انغماس إدارتها في أزمة داخلية كبرى، ما قد يؤدي إلى إضعاف صورتها وصورة رئيسها المهدد بالمحاكمة.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.