«مسيرة الغضب» لآلاف من أفراد الشرطة الفرنسية في شوارع باريس

ساركوزي وبالادور أمام المحاكم في قضايا تمويل حملات رئاسية

تسمح القوانين الفرنسية للشرطة بالانخراط في نقابات وبحق التظاهر  شرط ألا يكونوا مرتدين ثيابهم الوظيفية الرسمية وهذا ما قاموا به أمس (إ.ب.أ)
تسمح القوانين الفرنسية للشرطة بالانخراط في نقابات وبحق التظاهر شرط ألا يكونوا مرتدين ثيابهم الوظيفية الرسمية وهذا ما قاموا به أمس (إ.ب.أ)
TT

«مسيرة الغضب» لآلاف من أفراد الشرطة الفرنسية في شوارع باريس

تسمح القوانين الفرنسية للشرطة بالانخراط في نقابات وبحق التظاهر  شرط ألا يكونوا مرتدين ثيابهم الوظيفية الرسمية وهذا ما قاموا به أمس (إ.ب.أ)
تسمح القوانين الفرنسية للشرطة بالانخراط في نقابات وبحق التظاهر شرط ألا يكونوا مرتدين ثيابهم الوظيفية الرسمية وهذا ما قاموا به أمس (إ.ب.أ)

أن ينزل المتظاهرون إلى شوارع العاصمة، أكانوا «سترات صفراء» أو حمراء أو من أي لون آخر، فهذا أمر طبيعي، إذ إن التظاهر حق يكفله الدستور الفرنسي. أما أن ينزل رجال الشرطة، وهم المكلفون بتمثيل هيبة الدولة والسهر على أمن وراحة المواطنين، إلى الشوارع، فهذا أمر غير مألوف، رغم أن قوانين الجمهورية الفرنسية تسمح لهم بالانخراط في نقابات، وبحق التظاهر، بشرط ألا يكونوا مرتدين ثيابهم الوظيفية الرسمية.
وأمس، مارس رجال ونساء الشرطة ومنسوبو وزارة الداخلية حقهم الدستوري، ونزلوا بالآلاف إلى شوارع العاصمة، منطلقين من ساحة الباستيل، رمز إطاحة الملكية الفرنسية، في عام 1789، وصولاً إلى ساحة الجمهورية الواقعة في قلب العاصمة. ولم يعلق في ذاكرة الباريسيين مشهد كهذا في السنوات الأخيرة، إذ إن آخر «تعبئة» بوليسية بهذا الحجم تعود لبداية القرن الحالي.
إنها «مسيرة الغضب»، هكذا أراد أفراد الشرطة أن يعكس عنوان مسيرتهم الحالة العامة التي تسيطر على أفراد القوى الأمنية. والحقيقة تقال إنهم منذ بداية عام 2015، أي مع بدء العمليات الإرهابية التي عاشتها فرنسا، لم يلتقطوا أنفاسهم، وكانوا معبّئين بشكل شبه دائم. وتفيد الدراسات الداخلية بأن المئات منهم فقدوا حياتهم العائلية، لا بل إن موجات الانتحار تصاعدت منذ ذلك التاريخ.
وتفيد أرقام وزارة الداخلية بأن 52 شرطياً انتحروا منذ بداية العام الحالي، وهو ما يعادل ضعف عدد العام الماضي والحبل على الجرار. وكان لافتاً في مسيرة أمس أن 52 شرطياً ارتدوا أقنعة بيضاء للتذكير بزملائهم المنتحرين، وتمددوا أرضاً.
ومنذ انطلاقة حركة «السترات الصفراء» الاحتجاجية، وجد أفراد الشرطة أنفسهم في مواجهة مواطنيهم. وما زالت عالقة في أذهان الفرنسيين صور العنف ومعارك الكر والفر وغيوم الدخان الأسود التي خيمت على جادة الشانزليزيه وكثير من المدن الأخرى. كذلك يتذكر الفرنسيون أن المواجهات مع المشاغبين من اليمين واليسار، وأبرزهم مَن يُسمَّون «بلاك بلوك» المندسين بين صفوف المتظاهرين قد أوقعت 2500 جريح، وبعضهم فقد عيناً أو يداً. وشيئاً فشيئاً، تغيرت صورة الشرطي لدى كثير من الفرنسيين؛ فالدرع الواقي والحامي من الإرهاب، تحول إلى مصدر تهديد لا يتردد في إطلاق الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع والقبض بالعشرات على المتظاهرين.
وكل ذلك، نسف القاعدة التي على أساسها انضم كثيرون إلى الشرطة، الأمر الذي ضرب معنوياتهم وقناعاتهم.
خمسة مطالب رفعها المتظاهرون، أمس، تلخص بعناوينها عمق الأزمة التي يعيشونها. ويتمثل المطلب الأول بتحسين ظروف وشروط العمل؛ أكانت مادية، كأوضاع مراكز الشرطة التي تذكر بعضها بنظيراتها في بلدان العالم الثالث، أم ساعات العمل المتراكمة. ويركز المطلب الثاني على الحاجة لـ«سياسة اجتماعية» لمنسوبي وزارة الداخلية، وعلى رأسها أفراد الشرطة. وتجدر الإشارة إلى أن الوزارة المعنية، درءاً لتكاثر حالات الانتحار، عمدت إلى وضع برنامج نفسي - اجتماعي، لكن من الواضح أنه لاقى الفشل، والدليل على ذلك تصاعد حالات الانتحار. وينص المطلب الثالث على دعوة القضاء لاعتماد الحزم والضرب بيد من حديد على المجرمين والمارقين، الأمر الذي من شأنه أن يكمل عمل الأجهزة الأمنية. كذلك يريد أفراد الشرطة المحافظة على نظامهم التقاعدي التفضيلي، بينما تسعى الحكومة إلى توحيد أنظمة التقاعد.
وأخيراً، يريد المتظاهرون من الدولة أن تخصص مزيداً من الأموال، وأن تُعِدّ برنامجاً توجيهياً «طموحاً» بضم عناصر جديدة، وتنفيذ وعدها بتجنيد 10 آلاف شرطي إضافي.
ويشكو أفراد الشرطة من تأخُّر الوزارة في دفع ساعاتهم الإضافية الكثيرة التي تتراكم، أسبوعاً وراء أسبوع. اللافت في حركة أمس نجاح ممثلي النقابات التي ينتمي إليها أفراد الشرطة في توحيد مطالبهم، وتجميع قواهم للنزول إلى الشارع والضغط على الحكومة، وتحديداً على وزير الداخلية، كريستوف كاستانير. ووفق أرقام النقابات، فإن 20 ألف شرطي من جميع الأقسام والمناطق نزلوا إلى الشارع، أمس. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن ديفيد لوبار، أمين عام نقابة مفوضي الشرطة، قوله إن هناك حالة «تململ شاملة وجميع النقابات ترى أن جسم الشرطة يعاني من المرض».
وأضاف المسؤول النقابي أن الإدارة «تعاني من صعوبة إعادة النظر بالأوضاع، وما نقوم به هو أن نقدم المساعدة لأصحاب القرار لإطلاق تفكير عميق يتناول أوضاع أفراد الشرطة»، شاكياً من أنهم يقومون بمهام «تفوق إمكانياتهم»، ومن ضآلة المرصود مالياً للخطة الحكومية الإصلاحية. ورغم وعود كاستانير بشأن النظام التقاعدي، فإن شكوك النقابات لم تتبدد.
ومع وفاة جاك شيراك، رئيس الجمهورية الأسبق، وضع الفرنسيون مشاكلهم وفضائحهم جانباً. لكن بعد مرور 48 ساعة فقط عاد كل ذلك ليطفو مجدداً على سطح الأحداث، وبالإضافة إلى «مسيرة» الشرطة، عادت أسماء مسؤولين سابقين رئيسيين إلى الواجهة من زاوية الفضائح والقضاء، وهما رئيس الجمهورية الأسبق نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء الأسبق أدوار بالادور.
الأول خسر طلب الاستئناف الذي تقدم به إلى المحكمة التمييزية في موضوع تمويل حملته الانتخابية لعام 2012، وبالتالي سيمثل مرة ثانية أمام محكمة الجنح التي يُفترض أن يمثل أمامها مرة أولى في القضية المسماة «قضية الاستماع». ومصدر متاعب ساركوزي التلاعب الذي حصل في تمويل حملته الرئاسية في عام 2012، حيث تخطَّت مصاريفه السقف المسموح به بعشرين مليون يورو. وللتغطية على ذلك قامت شركة علاقات عامة بإصدار فواتير تمويهية لتبرير صرف الأموال. وبذلك، يكون ساركوزي الذي عاد لممارسة مهنته الأولى (المحاماة)، وهو عضو في مجالس إدارية، وحصد كتابه الأخير «شغف»، وفيه يروي سيرته وعلاقته بالسياسة نجاحاً واسعاً. وبمثوله المنتظر أمام محكمة الجنح، يكون ساركوزي ثاني رئيس جمهورية، بعد شيراك، تتم محاكمته.
أما إدوار بالادور (90 عاماً) الذي شغل منصب رئيس حكومة في ولاية شيراك الأولى (1995 - 2002)، فتعود قضيته إلى 25 عاماً خلت. وما يؤخذ عليه وعلى فرنسوا ليوتار (77 عاماً)، وزير دفاعه، في تلك الفترة، استفادتهم من عمولات متأتية عن بيع فرنسا لغواصات إلى باكستان.
ووفق ظنون الاتهام، فإن هذه العمولات هي التي موّلت حملة بالادور الرئاسية عام 1995، وبالنظر لموقعهما الوزاري، فإن بالادور وليوتار سيمثلان أمام محكمة عدل الجمهورية المخولة محاكمة رئيس الوزراء والوزراء. وثمة ضالعون في هذه الفضيحة، وهم من كبار الموظفين وقتها، سيمثلون أمام محكمة الجنح.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».