أن ينزل المتظاهرون إلى شوارع العاصمة، أكانوا «سترات صفراء» أو حمراء أو من أي لون آخر، فهذا أمر طبيعي، إذ إن التظاهر حق يكفله الدستور الفرنسي. أما أن ينزل رجال الشرطة، وهم المكلفون بتمثيل هيبة الدولة والسهر على أمن وراحة المواطنين، إلى الشوارع، فهذا أمر غير مألوف، رغم أن قوانين الجمهورية الفرنسية تسمح لهم بالانخراط في نقابات، وبحق التظاهر، بشرط ألا يكونوا مرتدين ثيابهم الوظيفية الرسمية.
وأمس، مارس رجال ونساء الشرطة ومنسوبو وزارة الداخلية حقهم الدستوري، ونزلوا بالآلاف إلى شوارع العاصمة، منطلقين من ساحة الباستيل، رمز إطاحة الملكية الفرنسية، في عام 1789، وصولاً إلى ساحة الجمهورية الواقعة في قلب العاصمة. ولم يعلق في ذاكرة الباريسيين مشهد كهذا في السنوات الأخيرة، إذ إن آخر «تعبئة» بوليسية بهذا الحجم تعود لبداية القرن الحالي.
إنها «مسيرة الغضب»، هكذا أراد أفراد الشرطة أن يعكس عنوان مسيرتهم الحالة العامة التي تسيطر على أفراد القوى الأمنية. والحقيقة تقال إنهم منذ بداية عام 2015، أي مع بدء العمليات الإرهابية التي عاشتها فرنسا، لم يلتقطوا أنفاسهم، وكانوا معبّئين بشكل شبه دائم. وتفيد الدراسات الداخلية بأن المئات منهم فقدوا حياتهم العائلية، لا بل إن موجات الانتحار تصاعدت منذ ذلك التاريخ.
وتفيد أرقام وزارة الداخلية بأن 52 شرطياً انتحروا منذ بداية العام الحالي، وهو ما يعادل ضعف عدد العام الماضي والحبل على الجرار. وكان لافتاً في مسيرة أمس أن 52 شرطياً ارتدوا أقنعة بيضاء للتذكير بزملائهم المنتحرين، وتمددوا أرضاً.
ومنذ انطلاقة حركة «السترات الصفراء» الاحتجاجية، وجد أفراد الشرطة أنفسهم في مواجهة مواطنيهم. وما زالت عالقة في أذهان الفرنسيين صور العنف ومعارك الكر والفر وغيوم الدخان الأسود التي خيمت على جادة الشانزليزيه وكثير من المدن الأخرى. كذلك يتذكر الفرنسيون أن المواجهات مع المشاغبين من اليمين واليسار، وأبرزهم مَن يُسمَّون «بلاك بلوك» المندسين بين صفوف المتظاهرين قد أوقعت 2500 جريح، وبعضهم فقد عيناً أو يداً. وشيئاً فشيئاً، تغيرت صورة الشرطي لدى كثير من الفرنسيين؛ فالدرع الواقي والحامي من الإرهاب، تحول إلى مصدر تهديد لا يتردد في إطلاق الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع والقبض بالعشرات على المتظاهرين.
وكل ذلك، نسف القاعدة التي على أساسها انضم كثيرون إلى الشرطة، الأمر الذي ضرب معنوياتهم وقناعاتهم.
خمسة مطالب رفعها المتظاهرون، أمس، تلخص بعناوينها عمق الأزمة التي يعيشونها. ويتمثل المطلب الأول بتحسين ظروف وشروط العمل؛ أكانت مادية، كأوضاع مراكز الشرطة التي تذكر بعضها بنظيراتها في بلدان العالم الثالث، أم ساعات العمل المتراكمة. ويركز المطلب الثاني على الحاجة لـ«سياسة اجتماعية» لمنسوبي وزارة الداخلية، وعلى رأسها أفراد الشرطة. وتجدر الإشارة إلى أن الوزارة المعنية، درءاً لتكاثر حالات الانتحار، عمدت إلى وضع برنامج نفسي - اجتماعي، لكن من الواضح أنه لاقى الفشل، والدليل على ذلك تصاعد حالات الانتحار. وينص المطلب الثالث على دعوة القضاء لاعتماد الحزم والضرب بيد من حديد على المجرمين والمارقين، الأمر الذي من شأنه أن يكمل عمل الأجهزة الأمنية. كذلك يريد أفراد الشرطة المحافظة على نظامهم التقاعدي التفضيلي، بينما تسعى الحكومة إلى توحيد أنظمة التقاعد.
وأخيراً، يريد المتظاهرون من الدولة أن تخصص مزيداً من الأموال، وأن تُعِدّ برنامجاً توجيهياً «طموحاً» بضم عناصر جديدة، وتنفيذ وعدها بتجنيد 10 آلاف شرطي إضافي.
ويشكو أفراد الشرطة من تأخُّر الوزارة في دفع ساعاتهم الإضافية الكثيرة التي تتراكم، أسبوعاً وراء أسبوع. اللافت في حركة أمس نجاح ممثلي النقابات التي ينتمي إليها أفراد الشرطة في توحيد مطالبهم، وتجميع قواهم للنزول إلى الشارع والضغط على الحكومة، وتحديداً على وزير الداخلية، كريستوف كاستانير. ووفق أرقام النقابات، فإن 20 ألف شرطي من جميع الأقسام والمناطق نزلوا إلى الشارع، أمس. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن ديفيد لوبار، أمين عام نقابة مفوضي الشرطة، قوله إن هناك حالة «تململ شاملة وجميع النقابات ترى أن جسم الشرطة يعاني من المرض».
وأضاف المسؤول النقابي أن الإدارة «تعاني من صعوبة إعادة النظر بالأوضاع، وما نقوم به هو أن نقدم المساعدة لأصحاب القرار لإطلاق تفكير عميق يتناول أوضاع أفراد الشرطة»، شاكياً من أنهم يقومون بمهام «تفوق إمكانياتهم»، ومن ضآلة المرصود مالياً للخطة الحكومية الإصلاحية. ورغم وعود كاستانير بشأن النظام التقاعدي، فإن شكوك النقابات لم تتبدد.
ومع وفاة جاك شيراك، رئيس الجمهورية الأسبق، وضع الفرنسيون مشاكلهم وفضائحهم جانباً. لكن بعد مرور 48 ساعة فقط عاد كل ذلك ليطفو مجدداً على سطح الأحداث، وبالإضافة إلى «مسيرة» الشرطة، عادت أسماء مسؤولين سابقين رئيسيين إلى الواجهة من زاوية الفضائح والقضاء، وهما رئيس الجمهورية الأسبق نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء الأسبق أدوار بالادور.
الأول خسر طلب الاستئناف الذي تقدم به إلى المحكمة التمييزية في موضوع تمويل حملته الانتخابية لعام 2012، وبالتالي سيمثل مرة ثانية أمام محكمة الجنح التي يُفترض أن يمثل أمامها مرة أولى في القضية المسماة «قضية الاستماع». ومصدر متاعب ساركوزي التلاعب الذي حصل في تمويل حملته الرئاسية في عام 2012، حيث تخطَّت مصاريفه السقف المسموح به بعشرين مليون يورو. وللتغطية على ذلك قامت شركة علاقات عامة بإصدار فواتير تمويهية لتبرير صرف الأموال. وبذلك، يكون ساركوزي الذي عاد لممارسة مهنته الأولى (المحاماة)، وهو عضو في مجالس إدارية، وحصد كتابه الأخير «شغف»، وفيه يروي سيرته وعلاقته بالسياسة نجاحاً واسعاً. وبمثوله المنتظر أمام محكمة الجنح، يكون ساركوزي ثاني رئيس جمهورية، بعد شيراك، تتم محاكمته.
أما إدوار بالادور (90 عاماً) الذي شغل منصب رئيس حكومة في ولاية شيراك الأولى (1995 - 2002)، فتعود قضيته إلى 25 عاماً خلت. وما يؤخذ عليه وعلى فرنسوا ليوتار (77 عاماً)، وزير دفاعه، في تلك الفترة، استفادتهم من عمولات متأتية عن بيع فرنسا لغواصات إلى باكستان.
ووفق ظنون الاتهام، فإن هذه العمولات هي التي موّلت حملة بالادور الرئاسية عام 1995، وبالنظر لموقعهما الوزاري، فإن بالادور وليوتار سيمثلان أمام محكمة عدل الجمهورية المخولة محاكمة رئيس الوزراء والوزراء. وثمة ضالعون في هذه الفضيحة، وهم من كبار الموظفين وقتها، سيمثلون أمام محكمة الجنح.
«مسيرة الغضب» لآلاف من أفراد الشرطة الفرنسية في شوارع باريس
ساركوزي وبالادور أمام المحاكم في قضايا تمويل حملات رئاسية
تسمح القوانين الفرنسية للشرطة بالانخراط في نقابات وبحق التظاهر شرط ألا يكونوا مرتدين ثيابهم الوظيفية الرسمية وهذا ما قاموا به أمس (إ.ب.أ)
«مسيرة الغضب» لآلاف من أفراد الشرطة الفرنسية في شوارع باريس
تسمح القوانين الفرنسية للشرطة بالانخراط في نقابات وبحق التظاهر شرط ألا يكونوا مرتدين ثيابهم الوظيفية الرسمية وهذا ما قاموا به أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



