سيمون أسمر... عاشق صناعة الأضواء ونجم لن يتكرر

«الشرق الأوسط» تحاور المقربين من المخرج اللبناني الراحل

TT

سيمون أسمر... عاشق صناعة الأضواء ونجم لن يتكرر

في 2 يناير (كانون الثاني) من عام 1943، وُلِد الطفل سمعان بطرس الأسمر في بلدة الكنيسة بمنطقة المتن الأعلى. يومها لم يخطر على بال أحد أن الابن الأصغر لورود وبطرس الأسمر سيحمل على كتفيه الساحة الفنية اللبنانية، ويعطيها عمره حتى الرمق الأخير.
وبعيد انتهائه من تخصصه في الدراسات الإلكترونية خضع لدورات خاصة ليتخرّج فيها مهندس صوت. عمل بعدها في «إذاعة لبنان» الرسمية لسنوات قليلة. وفي منتصف الستينات سافر إلى باريس، حيث درس الإخراج التلفزيوني وإدارة إعداد الفنانين. هناك لمعت في ذهنه فكرة جديدة في العالم العربي، ألا وهي إخراج برامج لهواة الغناء. وكانت أول تجربة له عام 1971 ضمن برنامج «كل المدينة تغني» (toute la ville chante) على القناة «9» التابعة لتلفزيون لبنان الرسمي والناطقة بالفرنسية.
عام 1972، بدأت انطلاقته الحقيقية في عالم التلفزيون من خلال برنامج «استوديو الفن» الذي حضّر أول موسم منه لشاشة تلفزيون لبنان. وكان البرنامج يستضيف هواة غناء ورقص شعبي وشرقي وشعر وتقديم تلفزيوني وغيرها من الفئات الفنية، ومن تقديم سونيا بيروتي. من رحم هذا البرنامج وُلِدت كوكبة من الفنانين المعروفين على الساحة اليوم أمثال وليد توفيق وماجدة الرومي وعبد الكريم الشعار ونوال الزغبي ووائل كفوري وراغب علامة وغيرهم.
شكّلت هذه المحطة مفصلاً أساسياً في حياة سيمون أسمر المهنية، بحيث أصبح لقبه «صانع النجوم» ومكتشفها، فكان مخرج برامج تلفزيونية فنية وأخرى ترفيهية كثيرة كرّت سبحتها بعد «ستوديو الفن» كـ«درج الفن»، و«افتح يا سمسم»، و«كأس النجوم»، وغيرها من البرامج التي عرضت ما بين التسعينات والألفية الثانية على شاشة «إل بي سي آي».
رغم أنه عمل تحت الأضواء، وفي صناعة النجوم، فإن الشهرة لم تكن يوماً هدفه. صحيح أنه ذاع صيته بين ليلة وضحاها وصار رجل التلفزيون الأول على الساحتين العربية واللبنانية، والمخرج صاحب الأفكار المتجددة، لكنه كان يفضل أن يبقى خلف الكاميرا بعيداً عن الأضواء. حتى إنه كان مقلّاً في إطلالاته ببرامج تلفزيونية استدعته ليحل ضيفاً عليها، ويكتفي بالقليل منها للظهور.
9 مواسم من برنامج «استوديو الفن» وُلدت على يد المخرج سيمون أسمر، وشكّل نجاح هذا البرنامج الذي أكمل عرضه بعد مغادرته تلفزيون لبنان على شاشة «إل بي سي آي» حتى عام 2000 وقعاً إيجابياً على الساحة العربية. طُلِب منه إنجاز نسخة للتلفزيون المصري في عام 2004، فقدم موسماً واحداً فقط. وفي عام 2011 كان على وشك تقديم النسخة التونسية منه، إلا أن قيام ثورة الربيع العربي وإحراق محمد بوعزيزي نفسه ألغى المشروع من أساسه.
«مرّ والدي بظروف صعبة كثيرة، وواجه خسارات مادية كبيرة، إلا أنها لم تمنعه من إكمال طريقه بعزم»، يقول بشير سيمون أسمر متحدثاً عن والده الذي رحل في 11 سبتمبر (أيلول) الحالي.
ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما دخل السجن على خلفية إفلاسه لم يكن الأمر وليد اللحظة، بل تراكم نكبات مرّ بها، بدءاً من (نهر الفنون)، الذي افتتحه في منطقة عاليه، وتوقف عن العمل إثر اندلاع حرب يوليو (تموز)، مروراً باحتراق المركز الأساسي لهذا المطعم في منطقة نهر الكلب، وصولاً إلى مشروع (استويو الفن) في تونس». ويتابع في سياق حديثه: «أمضى وقتذاك 10 أشهر في السجن على خلفية تحريره شيكات غير قابلة للصرف. وكان في الوقت نفسه يعاني من مشاكل صحية كبيرة في الكلى. إلا أنني لا أتذكره يوما محبطاً أو يائساً، بل على العكس، كان رمزاً للتفاؤل في أحلك الظروف، تزين وجهه دائماً ابتسامة مشرقة تعد بالأمل القريب. فهو كان من اللبنانيين الذين يعملون تحت سقف القانون مؤدياً واجباته إلى آخر حدّ».
صحيح أن الماديات شحّت في تلك الفترة (2013)، وهو معروف بكرمه وحبه للعطاء من دون حدود، إلا أنه بقي متمسكاً بأحلامه حتى الرمق الأخير. «كان يردد دائماً على مسامعنا أن مَن استطاع أن ينجح مرة يستطيع أن ينجح ألف مرة. حتى إنه كان يحضر لتقديم نسخة جديدة من برنامج هواة الغناء (كأس النجوم) على شاشة (إم تي في) اللبنانية.
وبدأ الاستعداد لها، بعد إجراء مشاورات ومحادثات مع رئيس مجلس إدارة التلفزيون المذكور ميشال المر، إلا أن المرض كان أسرع ورحل عن هذه الدنيا قبل أن يحقق مشروعه هذا».
ولكن ما كانت وصية سيمون أسمر الأخيرة لأولاده وزوجته؟ «طلَب منا أن نكمل العمل على تأسيس جمعية خيرية لتكريم الفنانين المبدعين الذين تركوا بصمتهم على الساحة في مختلف الميادين. وأطلق عليها اسم (أوبرا لبنان). واستحصلنا على الرخصة لها، وسجلناها تحت اسمه في الدوائر الرسمية، وسننكبّ على تفعيلها قريباً، كي ينام مرتاحاً وقرير العين في العالم الآخر».
وعن حالته الصحية قبيل وفاته، وفترة صراعه مع المرض يقول بشير الأسمر: «بقي واعياً متيقظاً لكل شاردة وواردة، لم يتأفف أو يتحدث عن أوجاعه، رغم أن المرض كان قد بدأ يأكل جسمه النحيل بأكمله، حتى إنه كان يواسينا بدل أن نخفف نحن عنه».
كان سيمون أسمر «بابا» من نوع آخر. جميع الفنانين الذين اكتشف مواهبهم كانوا بمثابة أولاده يحيطهم برعايته، فيهتم بلباسهم وبإطلالاتهم وبمشكلاتهم الصغيرة والكبيرة. «لقد كان والداً حنوناً بالفعل، وجميع الفنانين كانوا بمثابة أولاده. لا أذكر أنه رفض يوماً طلباً لنا، صحيح أن حضوره إلى المنزل كان قليلاً، بفعل انشغالاته الكثيرة، إلا أنه لم يكن يفوت فرصة للاجتماع بنا، أيام الآحاد خاصة».
كان في داخل سيمون أسمر طفل صغير لا يكبر، يبحث دائماً عن لعبة تلفزيونية جديدة، لم يسبق أن فكر بها أحد غيره. كان له باعه الكبير في تحديث برامج التسلية والترفيه على شاشات التلفزة، حتى إن مشاركته الأخيرة في موسمي «ديو المشاهير» على شاشة «إم تي في» حملت له تجربة أحبها. ويروي محمد السيد، أحد المقربين من الراحل سيمون أسمر، الذي رافقه في عمله على مدى أكثر من 40 عاماً: «كان يصوّر حلقات هذا البرنامج وهو مريض. وأتذكر مرة أنني اتصلتُ به أثناء تصوير إحداها ولم يرد عليّ حتى طالعني بصوت خافت يقول لي إنه متعب، فقد كان يعاني من مرض فشل الكلى، ومخرج البرنامج كميل طانيوس كان يعلم بمعاناته».
ويتهدج صوت رفيق العمر محمد عندما يتذكر حادثة حصلت بينه وبين سيمون أسمر، ويقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «كان بالفعل طفلاً حقيقياً في أعماقه لا يعرف الحقد أو الضغينة، يسامح من دون حدود، عصبيّاً يصرخ بلحظة ويهدأ في لحظات. أذكر مرة في عام 2006 عندما خضع لعملية زرع كلى، وقبل توجهه إلى المستشفى، قال لي: محمد سأجري عملية أريد أن أقول كلمتين، فقد أموت فيها. إذا كنتُ قد أخطأتُ معك سامحني».
سيمون أسمر الذي أسهم في ولادة أكثر من نجم كانت تعزّه الدنيا مرات، وقلة منهم كانت تسأل عنه. «في إحدى الفترات وأثناء وجوده في المستشفى قبيل رحيله سنحت لي الفرصة لأكون وحدي معه للحظات. فأسر لي بعتبه على نجوم لم يزوروه أو يسألوا عنه، ولو باتصال هاتفي».
ويتابع محمد السيد: «ألم يكن من الأفضل لمن قاموا بواجبهم معه عند وفاته، وحضروا جنازته أن يسألوا عنه ويزوروه وهو حي يرزق؟». ويتابع: «قلة قليلة منهم أمثال المايسترو إيلي العليا والمطربتين ماجدة الرومي ونجوى كرم كانوا يتواصلون معه بشكل دائم. أما رئيس مجلس إدارة تلفزيون (إل بي سي آي) بيار الضاهر، فكان الأكثر وفاء له. صحيح أن ظروفاً معينة حصلت بينهما في الماضي، لكن موقف الشيخ بيار من سيمون في الفترة الأخيرة يشهد لها. حتى إنه عندما تُوفي وجاءت الممرضات كي يلففن جثمان أستاذ سيمون، طلب منهن أن يقوم بهذه المهمة بنفسه؛ فهو من لفّ بيديه كفن سيمون أسمر على جسده».
ثاقب النظر وصاحب أذن لا تخطئ، وتوقعات قلما تفشل. أما الحديث عن كرمه وحبّه للعطاء فلا ينتهي؛ فقد كان يحرص على تأمين ما يحتاج إليه أحدهم، حتى لو تطلّب منه الأمر أن يستعير فستاناً من خزانة زوجته كي ترتديه متسابقة في برنامجه ذات إمكانيات مادية محدودة. حتى إن العاملين معه كانوا ينبهرون بسرعة استنتاجاته وتفوقه في عمله إلى أبعد حدود. و«أبو السيم» كما كان يحب أن ينادوه، لا سيما أنه رُزِق بأول أولاده وأطلق عليه اسم «وسيم»، كي لا يفقد اللقب هذا، كان يستطيع أن يقرأ الشخص الذي أمامه منذ اللحظة الأولى لمشاهدته له. وجوسلين أبو فرحات التي عملت مساعدة له لنحو 30 عاماً، وكان يناديها بـ«بنت البيت»، هي أكثر مَن يستطيع أن يتحدث عنه في مجال العمل.
«كان بمثابة موسوعة متنقلة؛ يملك معلومات غنية في أي موضوع. ففي التصوير كما في الإخراج والغناء والرقص وحتى في مجال الطبخ كان شاملاً بمعرفته. كما كان كريماً ومتواضعاً وبسيطاً، لا يحب التبجح وعرض العضلات. أتذكر مرة عندما دخلت المكتب، وكان يُعدّ القهوة وطلبت منه أن أعدها له. نظر إليّ يقول: (يجب أن نكون بسطاء في الحياة). وهي عبارة بقِيَت محفورة في ذاكرتي حتى اليوم».
واكبته جوسلين أبو فرحات في جميع محطاته الناجحة والقاسية، ولم تفارق أفراد عائلته في مشوارهم معه في المرض. «لقد تناولت مؤخراً طعام الغداء في منزله مع أفراد عائلته بعيد رحيله. وكنا جميعاً نشعر بفقدان سيمون على المائدة، نلمح طيفه حيناً، وتطن ضحكته في آذاننا حيناً آخر، ونتخيله يحمل أطباقاً حضَّرها بنفسه». وعن اللحظات الأخيرة التي واكبته فيها تقول: «كان يتألم بصمت الكبار، وأنابيب الأكسيجين موصولة إلى رئتيه. وكان يردد الصلوات باستمرار، فلقد كان يعرف في قرارة نفسه أنه اقترب موعد الرحيل. وكانت زوجته الرائعة ندى، التي لم تتركه يوماً إلى جانبه دائما فيناديها: (مامي)، وهي تبادله بالمثل. إنه بمثابة الأب الذي فقدته باكراً، وفي إحدى المرات أثناء وجوده في غرفة العناية المشددة قبيل وفاته بنحو أسبوع، أدار رأسه نحوي، وقال لي: (أحبك)، وكانت الابتسامة لا تفارقه أبداً حتى وهو في حالة صحية رديئة».
في 20 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل سيقام لسيمون أسمر قداس تأبينيّ بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته، وذلك في كنيسة غزير بالقرب من مكان إقامته. وبعدها ستتم زيارة مدفنه الذي أعده بنفسه قبل فترة. «هو مدفن يليق به ويشبهه مصنوع من الحجر الصخري». وتختم أبو فرحات متأثرة: «هو شخص لن يتكرر برأيي. كان قاسياً وحنوناً في آن، ديناميكياً وشغوفاً بمهنته إلى أبعد حدود».
وبمناسبة الأربعين، تحضّر المؤسسة اللبنانية للإرسال لسيمون أسمر حفلاً تكريمياً تنقله مباشرة على الهواء.
أما الفنانة جورجيت جبارة، صديقته المقربة ورفيقته في برنامج «استوديو الفن» لسنوات طويلة، فتستذكره صديقاً وفياً لم يتوانَ يوماً عن الوقوف على رأيها، والعمل به. «إن العمل معه عميق وشفاف وصادق، فهو مخرج له الفضل على نجوم الساحة الغنائية اليوم. وأرفض أن يُقال عنه: محتكر للمواهب، ويا ليتهم ينظرون إلى الوعاء بنصفه الملآن؛ فلولاه أين كان سيصبح هؤلاء، ومن كان سيعرفهم؟ وفي جميع بلدان العالم هناك إدارة أعمال فنان ومكتب استشاري يتبنى أعماله. وسيمون أسمر كان السباق في نقل هذا الأمر إلى الوطن العربي. ومن بعده كرّت السبحة وصار هناك وجود لشركات إنتاج تعمل على الاحتكار من بابه العريض». وتتابع في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «كان سيمون أسمر واضحاً لا يوارب ولو على حساب سمعته. فكان شجاعاً إلى حد يجعله يكشف جميع أوراقه على الملأ، لأنه يكره الكذب، كما أن الصداقة بالنسبة له لا يمكن أن تهتز. وفي الفترة الأخيرة أثناء مشاركته في برنامج (ديو المشاهير)، كنا نتحدث دائماً كصديقين قديمين وعزيزين لم تستطع الأيام أن تفرقهما يوماً. وأنا أصف كاميرته بريشة الرسام التي كانت تترك أثرها أينما حلّت».


مقالات ذات صلة

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».