سيمون أسمر... عاشق صناعة الأضواء ونجم لن يتكرر

«الشرق الأوسط» تحاور المقربين من المخرج اللبناني الراحل

TT

سيمون أسمر... عاشق صناعة الأضواء ونجم لن يتكرر

في 2 يناير (كانون الثاني) من عام 1943، وُلِد الطفل سمعان بطرس الأسمر في بلدة الكنيسة بمنطقة المتن الأعلى. يومها لم يخطر على بال أحد أن الابن الأصغر لورود وبطرس الأسمر سيحمل على كتفيه الساحة الفنية اللبنانية، ويعطيها عمره حتى الرمق الأخير.
وبعيد انتهائه من تخصصه في الدراسات الإلكترونية خضع لدورات خاصة ليتخرّج فيها مهندس صوت. عمل بعدها في «إذاعة لبنان» الرسمية لسنوات قليلة. وفي منتصف الستينات سافر إلى باريس، حيث درس الإخراج التلفزيوني وإدارة إعداد الفنانين. هناك لمعت في ذهنه فكرة جديدة في العالم العربي، ألا وهي إخراج برامج لهواة الغناء. وكانت أول تجربة له عام 1971 ضمن برنامج «كل المدينة تغني» (toute la ville chante) على القناة «9» التابعة لتلفزيون لبنان الرسمي والناطقة بالفرنسية.
عام 1972، بدأت انطلاقته الحقيقية في عالم التلفزيون من خلال برنامج «استوديو الفن» الذي حضّر أول موسم منه لشاشة تلفزيون لبنان. وكان البرنامج يستضيف هواة غناء ورقص شعبي وشرقي وشعر وتقديم تلفزيوني وغيرها من الفئات الفنية، ومن تقديم سونيا بيروتي. من رحم هذا البرنامج وُلِدت كوكبة من الفنانين المعروفين على الساحة اليوم أمثال وليد توفيق وماجدة الرومي وعبد الكريم الشعار ونوال الزغبي ووائل كفوري وراغب علامة وغيرهم.
شكّلت هذه المحطة مفصلاً أساسياً في حياة سيمون أسمر المهنية، بحيث أصبح لقبه «صانع النجوم» ومكتشفها، فكان مخرج برامج تلفزيونية فنية وأخرى ترفيهية كثيرة كرّت سبحتها بعد «ستوديو الفن» كـ«درج الفن»، و«افتح يا سمسم»، و«كأس النجوم»، وغيرها من البرامج التي عرضت ما بين التسعينات والألفية الثانية على شاشة «إل بي سي آي».
رغم أنه عمل تحت الأضواء، وفي صناعة النجوم، فإن الشهرة لم تكن يوماً هدفه. صحيح أنه ذاع صيته بين ليلة وضحاها وصار رجل التلفزيون الأول على الساحتين العربية واللبنانية، والمخرج صاحب الأفكار المتجددة، لكنه كان يفضل أن يبقى خلف الكاميرا بعيداً عن الأضواء. حتى إنه كان مقلّاً في إطلالاته ببرامج تلفزيونية استدعته ليحل ضيفاً عليها، ويكتفي بالقليل منها للظهور.
9 مواسم من برنامج «استوديو الفن» وُلدت على يد المخرج سيمون أسمر، وشكّل نجاح هذا البرنامج الذي أكمل عرضه بعد مغادرته تلفزيون لبنان على شاشة «إل بي سي آي» حتى عام 2000 وقعاً إيجابياً على الساحة العربية. طُلِب منه إنجاز نسخة للتلفزيون المصري في عام 2004، فقدم موسماً واحداً فقط. وفي عام 2011 كان على وشك تقديم النسخة التونسية منه، إلا أن قيام ثورة الربيع العربي وإحراق محمد بوعزيزي نفسه ألغى المشروع من أساسه.
«مرّ والدي بظروف صعبة كثيرة، وواجه خسارات مادية كبيرة، إلا أنها لم تمنعه من إكمال طريقه بعزم»، يقول بشير سيمون أسمر متحدثاً عن والده الذي رحل في 11 سبتمبر (أيلول) الحالي.
ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما دخل السجن على خلفية إفلاسه لم يكن الأمر وليد اللحظة، بل تراكم نكبات مرّ بها، بدءاً من (نهر الفنون)، الذي افتتحه في منطقة عاليه، وتوقف عن العمل إثر اندلاع حرب يوليو (تموز)، مروراً باحتراق المركز الأساسي لهذا المطعم في منطقة نهر الكلب، وصولاً إلى مشروع (استويو الفن) في تونس». ويتابع في سياق حديثه: «أمضى وقتذاك 10 أشهر في السجن على خلفية تحريره شيكات غير قابلة للصرف. وكان في الوقت نفسه يعاني من مشاكل صحية كبيرة في الكلى. إلا أنني لا أتذكره يوما محبطاً أو يائساً، بل على العكس، كان رمزاً للتفاؤل في أحلك الظروف، تزين وجهه دائماً ابتسامة مشرقة تعد بالأمل القريب. فهو كان من اللبنانيين الذين يعملون تحت سقف القانون مؤدياً واجباته إلى آخر حدّ».
صحيح أن الماديات شحّت في تلك الفترة (2013)، وهو معروف بكرمه وحبه للعطاء من دون حدود، إلا أنه بقي متمسكاً بأحلامه حتى الرمق الأخير. «كان يردد دائماً على مسامعنا أن مَن استطاع أن ينجح مرة يستطيع أن ينجح ألف مرة. حتى إنه كان يحضر لتقديم نسخة جديدة من برنامج هواة الغناء (كأس النجوم) على شاشة (إم تي في) اللبنانية.
وبدأ الاستعداد لها، بعد إجراء مشاورات ومحادثات مع رئيس مجلس إدارة التلفزيون المذكور ميشال المر، إلا أن المرض كان أسرع ورحل عن هذه الدنيا قبل أن يحقق مشروعه هذا».
ولكن ما كانت وصية سيمون أسمر الأخيرة لأولاده وزوجته؟ «طلَب منا أن نكمل العمل على تأسيس جمعية خيرية لتكريم الفنانين المبدعين الذين تركوا بصمتهم على الساحة في مختلف الميادين. وأطلق عليها اسم (أوبرا لبنان). واستحصلنا على الرخصة لها، وسجلناها تحت اسمه في الدوائر الرسمية، وسننكبّ على تفعيلها قريباً، كي ينام مرتاحاً وقرير العين في العالم الآخر».
وعن حالته الصحية قبيل وفاته، وفترة صراعه مع المرض يقول بشير الأسمر: «بقي واعياً متيقظاً لكل شاردة وواردة، لم يتأفف أو يتحدث عن أوجاعه، رغم أن المرض كان قد بدأ يأكل جسمه النحيل بأكمله، حتى إنه كان يواسينا بدل أن نخفف نحن عنه».
كان سيمون أسمر «بابا» من نوع آخر. جميع الفنانين الذين اكتشف مواهبهم كانوا بمثابة أولاده يحيطهم برعايته، فيهتم بلباسهم وبإطلالاتهم وبمشكلاتهم الصغيرة والكبيرة. «لقد كان والداً حنوناً بالفعل، وجميع الفنانين كانوا بمثابة أولاده. لا أذكر أنه رفض يوماً طلباً لنا، صحيح أن حضوره إلى المنزل كان قليلاً، بفعل انشغالاته الكثيرة، إلا أنه لم يكن يفوت فرصة للاجتماع بنا، أيام الآحاد خاصة».
كان في داخل سيمون أسمر طفل صغير لا يكبر، يبحث دائماً عن لعبة تلفزيونية جديدة، لم يسبق أن فكر بها أحد غيره. كان له باعه الكبير في تحديث برامج التسلية والترفيه على شاشات التلفزة، حتى إن مشاركته الأخيرة في موسمي «ديو المشاهير» على شاشة «إم تي في» حملت له تجربة أحبها. ويروي محمد السيد، أحد المقربين من الراحل سيمون أسمر، الذي رافقه في عمله على مدى أكثر من 40 عاماً: «كان يصوّر حلقات هذا البرنامج وهو مريض. وأتذكر مرة أنني اتصلتُ به أثناء تصوير إحداها ولم يرد عليّ حتى طالعني بصوت خافت يقول لي إنه متعب، فقد كان يعاني من مرض فشل الكلى، ومخرج البرنامج كميل طانيوس كان يعلم بمعاناته».
ويتهدج صوت رفيق العمر محمد عندما يتذكر حادثة حصلت بينه وبين سيمون أسمر، ويقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «كان بالفعل طفلاً حقيقياً في أعماقه لا يعرف الحقد أو الضغينة، يسامح من دون حدود، عصبيّاً يصرخ بلحظة ويهدأ في لحظات. أذكر مرة في عام 2006 عندما خضع لعملية زرع كلى، وقبل توجهه إلى المستشفى، قال لي: محمد سأجري عملية أريد أن أقول كلمتين، فقد أموت فيها. إذا كنتُ قد أخطأتُ معك سامحني».
سيمون أسمر الذي أسهم في ولادة أكثر من نجم كانت تعزّه الدنيا مرات، وقلة منهم كانت تسأل عنه. «في إحدى الفترات وأثناء وجوده في المستشفى قبيل رحيله سنحت لي الفرصة لأكون وحدي معه للحظات. فأسر لي بعتبه على نجوم لم يزوروه أو يسألوا عنه، ولو باتصال هاتفي».
ويتابع محمد السيد: «ألم يكن من الأفضل لمن قاموا بواجبهم معه عند وفاته، وحضروا جنازته أن يسألوا عنه ويزوروه وهو حي يرزق؟». ويتابع: «قلة قليلة منهم أمثال المايسترو إيلي العليا والمطربتين ماجدة الرومي ونجوى كرم كانوا يتواصلون معه بشكل دائم. أما رئيس مجلس إدارة تلفزيون (إل بي سي آي) بيار الضاهر، فكان الأكثر وفاء له. صحيح أن ظروفاً معينة حصلت بينهما في الماضي، لكن موقف الشيخ بيار من سيمون في الفترة الأخيرة يشهد لها. حتى إنه عندما تُوفي وجاءت الممرضات كي يلففن جثمان أستاذ سيمون، طلب منهن أن يقوم بهذه المهمة بنفسه؛ فهو من لفّ بيديه كفن سيمون أسمر على جسده».
ثاقب النظر وصاحب أذن لا تخطئ، وتوقعات قلما تفشل. أما الحديث عن كرمه وحبّه للعطاء فلا ينتهي؛ فقد كان يحرص على تأمين ما يحتاج إليه أحدهم، حتى لو تطلّب منه الأمر أن يستعير فستاناً من خزانة زوجته كي ترتديه متسابقة في برنامجه ذات إمكانيات مادية محدودة. حتى إن العاملين معه كانوا ينبهرون بسرعة استنتاجاته وتفوقه في عمله إلى أبعد حدود. و«أبو السيم» كما كان يحب أن ينادوه، لا سيما أنه رُزِق بأول أولاده وأطلق عليه اسم «وسيم»، كي لا يفقد اللقب هذا، كان يستطيع أن يقرأ الشخص الذي أمامه منذ اللحظة الأولى لمشاهدته له. وجوسلين أبو فرحات التي عملت مساعدة له لنحو 30 عاماً، وكان يناديها بـ«بنت البيت»، هي أكثر مَن يستطيع أن يتحدث عنه في مجال العمل.
«كان بمثابة موسوعة متنقلة؛ يملك معلومات غنية في أي موضوع. ففي التصوير كما في الإخراج والغناء والرقص وحتى في مجال الطبخ كان شاملاً بمعرفته. كما كان كريماً ومتواضعاً وبسيطاً، لا يحب التبجح وعرض العضلات. أتذكر مرة عندما دخلت المكتب، وكان يُعدّ القهوة وطلبت منه أن أعدها له. نظر إليّ يقول: (يجب أن نكون بسطاء في الحياة). وهي عبارة بقِيَت محفورة في ذاكرتي حتى اليوم».
واكبته جوسلين أبو فرحات في جميع محطاته الناجحة والقاسية، ولم تفارق أفراد عائلته في مشوارهم معه في المرض. «لقد تناولت مؤخراً طعام الغداء في منزله مع أفراد عائلته بعيد رحيله. وكنا جميعاً نشعر بفقدان سيمون على المائدة، نلمح طيفه حيناً، وتطن ضحكته في آذاننا حيناً آخر، ونتخيله يحمل أطباقاً حضَّرها بنفسه». وعن اللحظات الأخيرة التي واكبته فيها تقول: «كان يتألم بصمت الكبار، وأنابيب الأكسيجين موصولة إلى رئتيه. وكان يردد الصلوات باستمرار، فلقد كان يعرف في قرارة نفسه أنه اقترب موعد الرحيل. وكانت زوجته الرائعة ندى، التي لم تتركه يوماً إلى جانبه دائما فيناديها: (مامي)، وهي تبادله بالمثل. إنه بمثابة الأب الذي فقدته باكراً، وفي إحدى المرات أثناء وجوده في غرفة العناية المشددة قبيل وفاته بنحو أسبوع، أدار رأسه نحوي، وقال لي: (أحبك)، وكانت الابتسامة لا تفارقه أبداً حتى وهو في حالة صحية رديئة».
في 20 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل سيقام لسيمون أسمر قداس تأبينيّ بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته، وذلك في كنيسة غزير بالقرب من مكان إقامته. وبعدها ستتم زيارة مدفنه الذي أعده بنفسه قبل فترة. «هو مدفن يليق به ويشبهه مصنوع من الحجر الصخري». وتختم أبو فرحات متأثرة: «هو شخص لن يتكرر برأيي. كان قاسياً وحنوناً في آن، ديناميكياً وشغوفاً بمهنته إلى أبعد حدود».
وبمناسبة الأربعين، تحضّر المؤسسة اللبنانية للإرسال لسيمون أسمر حفلاً تكريمياً تنقله مباشرة على الهواء.
أما الفنانة جورجيت جبارة، صديقته المقربة ورفيقته في برنامج «استوديو الفن» لسنوات طويلة، فتستذكره صديقاً وفياً لم يتوانَ يوماً عن الوقوف على رأيها، والعمل به. «إن العمل معه عميق وشفاف وصادق، فهو مخرج له الفضل على نجوم الساحة الغنائية اليوم. وأرفض أن يُقال عنه: محتكر للمواهب، ويا ليتهم ينظرون إلى الوعاء بنصفه الملآن؛ فلولاه أين كان سيصبح هؤلاء، ومن كان سيعرفهم؟ وفي جميع بلدان العالم هناك إدارة أعمال فنان ومكتب استشاري يتبنى أعماله. وسيمون أسمر كان السباق في نقل هذا الأمر إلى الوطن العربي. ومن بعده كرّت السبحة وصار هناك وجود لشركات إنتاج تعمل على الاحتكار من بابه العريض». وتتابع في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «كان سيمون أسمر واضحاً لا يوارب ولو على حساب سمعته. فكان شجاعاً إلى حد يجعله يكشف جميع أوراقه على الملأ، لأنه يكره الكذب، كما أن الصداقة بالنسبة له لا يمكن أن تهتز. وفي الفترة الأخيرة أثناء مشاركته في برنامج (ديو المشاهير)، كنا نتحدث دائماً كصديقين قديمين وعزيزين لم تستطع الأيام أن تفرقهما يوماً. وأنا أصف كاميرته بريشة الرسام التي كانت تترك أثرها أينما حلّت».


مقالات ذات صلة

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

الولايات المتحدة​ شعار «مكتب التحقيقات الفيدرالي» على منصة قبل مؤتمر صحافي بالمكتب الميداني في بورتلاند بالولايات المتحدة يوم 16 يناير 2025 (أ.ب)

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إن رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي قاموا بتفتيش منزل صحافية في إطار تحقيق حول وثائق سرية يشمل متعاقداً مع الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريمون توفيق وريما مصطفى ضيفا الحلقة المحذوفة (حساب ريمون على فيسبوك)

مصر: حذف حلقة من برنامج «Blind Date» لـ«عدم ملاءمتها للمجتمع»

أثارت إحدى حلقات برنامج «The Blind Date Show» أزمة في مصر، وذلك عقب نشر البرومو الترويجي لها على موقع «يوتيوب».

داليا ماهر (القاهرة)
شمال افريقيا الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)

«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

أقرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، في جلستها المنعقدة، مساء الجمعة، الحكم الابتدائي القاضي بإدانة الصحفي محمد بوغلاب، مع تأجيل تنفيذ العقاب البدني.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم أرشيفية لصحافي الجزيرة أنس الشريف الذي أقر الجيش الإسرائيلي  بقتله في غارة على غزة أغطس الماضي (أ.ب) play-circle

128 صحافياً قتلوا في أنحاء العالم في 2025

قُتل 128 صحافياً في كل أنحاء العالم في العام 2025، أكثر من نصفهم في الشرق الأوسط، وفقاً لإحصاء نشره الاتحاد الدولي للصحافيين الخميس.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».