الركود يضرب صناعة السيارات في الهند

عمالة ضخمة تفقد وظائفها مع تراجع المبيعات

تواجه صناعة السيارات في الهند حالة من الركود مع انحسار عنيف للمبيعات (رويترز)
تواجه صناعة السيارات في الهند حالة من الركود مع انحسار عنيف للمبيعات (رويترز)
TT

الركود يضرب صناعة السيارات في الهند

تواجه صناعة السيارات في الهند حالة من الركود مع انحسار عنيف للمبيعات (رويترز)
تواجه صناعة السيارات في الهند حالة من الركود مع انحسار عنيف للمبيعات (رويترز)

تسهم صناعة السيارات في الهند، والتي تحتل المركز الرابع عالمياً من حيث الضخامة، في توظيف ما يزيد على 35 مليون شخص، على نحو مباشر وغير مباشر، إضافة إلى أنها تشكل نحو نصف الناتج الصناعي للهند. ومع هذا، تواجه هذه الصناعة اليوم حالة من الركود مع انحسار المبيعات بشدة على نحو مباغت، ما تسبب في خسائر أعداد كبيرة من العاملين بالصناعة لوظائفهم وتقليص الإنتاج عبر قطاع صناعة السيارات بأكمله داخل البلاد.
ويأتي هذا التباطؤ في صناعة السيارات في وقت كانت الهند في طريقها نحو التفوق على اليابان لتصبح ثالث أكبر سوق للسيارات عالمياً، بعد الصين والولايات المتحدة.
وتبعاً لما أعلنته «جمعية مصنعي السيارات الهندية»، يعاني قطاع السيارات بأكمله حالياً أزمة غير مسبوقة، تؤثر سلباً على مبيعات السيارات عبر جميع الفئات. وتشير الأرقام إلى تراجع مبيعات السيارات في الهند بنسبة 18.71 في المائة، ما يشكل التراجع الأكبر منذ نحو 19 عاماً، حسبما أفادت الجمعية.
وبناءً عليه، اضطر قطاع السيارات الهندي إلى تسريح 350.000 عامل، بينهم عاملون في تصنيع الـ«سكوتر» والدراجات البخارية وقطع غيار السيارات والتوكيلات.
أما الضرر الأكبر، فكان من نصيب مخزونات السيارات والتي خسرت 42 مليار دولار من قيمتها في غضون الشهور الـ16 الماضية، ويرى بعض المحللين أن الأسوأ ربما لم يأت بعد.
جدير بالذكر أن صناعة السيارات تضم ثلاثة مراكز رئيسية: غوروغرام في الشمال، وتشيناي في الجنوب؛ حيث تملك شركات بارزة منها «فورد موتورز» و«هيونداي موتوز» مصانع لها، وبونه في الغرب؛ حيث توجد مصانع شركتي «تاتا موتورز» و«فيات». وقد تضررت المراكز الثلاثة جراء الأزمة الأخيرة، وما تزال دائرة الضرر في توسع. في أغسطس (آب)، أعلنت شركات كبرى بمجال صناعة السيارات، منها «ماروتي سوزوكي الهند» و«ماهندرا» و«تاتا موتورز» و«هوندا» وهيونداي»، تراجع مبيعاته بنسب ضخمة، ما عكس أسوأ انحسار في المبيعات بصناعة السيارات في الهند منذ عقود عدة.
من جهتها، أعلنت «ماروتي سوزوكي»، العلامة التجارية الأولى بمجال صناعة السيارات في الهند، عن تراجع مبيعاتها بنسبة 33 في المائة خلال أغسطس، بينما تراجعت مبيعات «تاتا موتورز» بنسبة 49 في المائة. كما انخفضت مبيعات «هيرو موتوكورب» بنسبة 21 في المائة، و«ماهندرا» بنسبة 25 في المائة، و«تويوتا كيرولسكار» بنسبة 21 في المائة.
- تراجع 15 في المائة
من ناحيته، يقدر اتحاد مصنعي قطع غيار السيارات في الهند أن إنتاج السيارات انحسر بنسبة تتراوح بين 15 في المائة و20 في المائة، الأمر الذي أثر سلباً بطبيعة الحال على مصنعي قطع الغيار، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان مليون وظيفة.
وقال مسؤول رفيع في مصنع «ماروتي سوزوكي» في غوروغرام رفض كشف هويته، إن إنتاج السيارات تراجع بمعدل النصف تقريباً منذ يوليو (تموز)، من 60.000 إلى 30.000 سيارة شهرياً. ومع انكماش الطلب، جرى إغلاق خط التجميع الثالث في المصنع، بينما يجري تشغيل الخط الأول لنوبة واحدة فقط. جدير بالذكر أنه في العادة يعتمد مصنع إنتاج السيارات على ثلاثة خطوط تجميع ونوبتي عمل.
في ذات السياق، قال نائب رئيس اتحاد موظفي شركة «بلسونيكا أوتو كومبوننت إنديا»، أجيت سنغ، إن إنتاج الشركة التي تعتبر جهة الإمداد الأولى للإطارات لشركة «ماروتي سوزوكي»، تراجع بنسبة تقارب 30 في المائة خلال الشهور الـ10 الأخيرة.
والواضح أن مركز صناعة السيارات في تشيناي، والذي يطلق عليه «ديترويت آسيا»، يواجه واحدة من أسوأ الأزمات في حياته. يذكر أن تشيناي تتمتع بالقدرة على إنتاج سيارة كل 20 ثانية (ما يعادل ثلاثة سيارات بالدقيقة الواحدة)، ومركبة تجارية كل 90 ثانية، لكن أبرز ثلاثة مصانع لإنتاج السيارات قرب تشيناي ـ «سريبيرومبودور» و«أوراغادام» و«ماريمالاي ناغار» - سرحت الآلاف من العاملين لديها. كما تعرض عاملين للتسريح في «أبولو تايرز» و«جيه كيه تايرز» و«نيسان» و«ياماها»، إضافة لشركات أخرى.
كان من شأن انحسار الاستهلاك، إضافة إلى أزمة نقد داخل النظام المصرفي، ترك مصنعي السيارات في مواجهة أكوام من المركبات غير المبيعة داخل سوق كانت من بين الأسرع نمواً في العالم، ما يرسم ملامح صورة مظلمة لصناعة كانت ذات يوم بمثابة النموذج المضيء لشعار «صنع في الهند».
من ناحية أخرى، عاد بيكرام سنغ، 26 عاماً، إلى قريته في البنجاب بعدما أخطرته شركة «ماروتي سوزوكي» التي كان يعمل بها بضرورة حصوله على إجازة مفتوحة، في أغسطس. كما حصل بانارسي شاه هو الآخر على إجازة طويلة من عمله في «ماهندرا».
عندما التحق سنغ وشاه بالعمل في قطاع السيارات العام 2008، كانت صناعة السيارات حينها تعايش فترة ازدهار طويلة الأمد. وما بين عامي 2000 و2015، تضاعفت الوظائف بمجال تصنيع السيارات من نحو 3 في المائة إلى نحو 7 في المائة، ما وفر فرص عمل لما يقدر بـ800.000 شخص. إلا أنه على ما يبدو وصل هذا الازدهار محطته الأخيرة الآن.
في هذا الصدد، تحدث سليمان علي، أثناء جلوسه بجانب شاحنته الساكنة داخل حقل فسيح في غوروغرام، عن فترة التباطؤ التي شهدتها الصناعة عام 2012، وقال: «حتى تلك الفترة لم تكن بهذا السوء. اعتدت نقل ما بين 2 - 3 حمولات (من السيارات) شهرياً. اليوم، تمر علي فترات لا أجد خلالها عملاً لما يتجاوز 10 أيام.
- عناصر عالمية
من المعتقد أن الانحسار في صناعة السيارات الهندية سيكل اختباراً لعزيمة الشركات الأجنبية المصنعة للسيارات على الاستمرار داخل سوق فتحت الباب أمام الأسماء الأجنبية في تسعينات القرن الماضي. وبينما تحمل السوق الهندية للسيارات إمكانات ضخمة على المدى البعيد، رأت بعض العناصر العالمية الفاعلة بمجال صناعة السيارات أنها لا تستحق مشقة الانتظار.
من بين هؤلاء شركة «جنرال موتورز» التي توقفت عن بيع سياراتها في السوق الهندية العام 2017 وتستغل الهند كقاعدة تصنيع بغرض التصدير. كما أوقفت «فيات كرايسلر أوتوموبايلز» إنتاج «فيات» داخل الهند، وتركز حالياً على إنتاج «جيب».
من جانبها، كانت «نيسان موتور كو». واحدة من الشركات العالمية التي سعت وراء اقتناص جزء من الفطيرة الهندية الدسمة. وأولت الشركة اهتماماً كبيراً للسوق الهندية لدرجة دفعتها لإحياء علامة «داتسون» من جديد كنقطة انطلاق إلى داخل الهند. ومع هذا، جاء أداء مبيعات سيارات «داتسون» أسوأ عن مجمل أداء سوق السيارات الهندية هذا العام، ذلك أنها انخفضت بنسبة 61 في المائة لتستقر عن مستوى مبيعات هزيل بلغ 1.132 سيارة خلال يونيو (حزيران). اليوم، وفي إطار عملية إعادة هيكلة أوسع داخل الشركة اليابانية، تخصص «نيسان» لتسريح 1710 عمال في الهند بحلول نهاية مارس (آذار).
وتعمد شركات أخرى كذلك إلى خفض إنتاجها. مثلاً، أوقفت «تويوتا موتور كورب» إنتاجها من مصنعها في بنغالور لمدة خمسة أيام في أغسطس، بهدف كبح جماح المخزونات المتضخمة. جدير بالذكر أن مبيعات «تويوتا» انخفضت بنسبة 13 في المائة إلى 89.800 مركبة خلال العام المنتهي في أغسطس.
من جهتها، نجحت شركات دخلت السوق الهندية حديثاً، مثل «كيا» من كوريا الجنوبية و«إم جي موتور» من الصين، في استغلال حداثة مشاركتها في السوق. على الطرف المقابل، تعتمد أسماء عالمية كبرى على شركات توكيل محلية.
على سبيل المثال، دخلت «فور موتور كورب» هذا العام في تعاون مع «ماهندرا آند ماهندرا إنك». بهدف العمل معاً على تطوير سيارات رياضية متعددة الأغراض من أجل السوق الهندية، في الوقت الذي كثفت «تويوتا» شراكتها مع «سوزوكي موتور كورب»، سعياً وراء تحقيق اختراق قوي للسوق. يذكر أن «سوزوكي» تمثل المصنع الأكبر للسيارات داخل الهند من خلال حصة السيطرة التي تملكها في «ماروتي سوزوكي».
- أسباب وحلول
لدى النظر إلى الأسباب الكامنة وراء تراجع الطلب على السيارات في الهند، نجد أن بعضها يتعلق بالهند حصرياً، مثل الحملة الصارمة التي شنتها الحكومة ضد الديون الرديئة والشركات المالية غير المصرفية وجهات الإقراض غير الرسمية التي تخدم المقترضين الذين لا يأبهون الإقدام على مخاطر مرتفعة. وتسبب كل ذلك في أزمة سيولة أثرت بدورها على الطلب.
من ناحيته، وأثناء كلمة ألقاها أمام «ذي برنت»، قال شاشانك سريفاستافا، المدير التنفيذي لـ«ماروتي سوزوكي إنديا ليمتد»، إن التباطؤ جاري منذ 12 شهراً، لكن الربع الأخير كان سيئاً بصورة خاصة.
وقال: «التمويل وتباطؤ عجلة الاقتصاد وارتفاع أسعار السيارات بسبب المعايير التنظيمية للانبعاثات الكربونية والسلامة ـ جميعها بعض من الأسباب وراء التباطؤ»، مضيفاً أن هناك ارتفاعاً في تكاليف التأمين وضرائب التسجيل.
وقد ازداد الوضع تفاقماً بسبب الأداء الفاتر للاقتصاد الهندي. يذكر أن النمو الاقتصادي تراجع إلى أدنى معدل له منذ سبع سنوات ليستقر عند 5 في المائة خلال الفترة من أبريل (نيسان) حتى يونيو، حسبما أعلنت الحكومة الشهر الماضي.
وتتزامن المشكلات الهندية مع مشهد دولي مظلم بالفعل جراء التراجع في الصين، واحدة من المحركات العالمية الأخرى الكبرى لمبيعات السيارات. كانت مبيعات السيارات داخل الصين قد انحسرت للشهر الـ13 على التوالي في يوليو، ليستمر تراجع خلال العام حتى هذه اللحظة يبلغ 1 في المائة.
من جانبه، أقر بارميت سنغ سود، المدير الإداري لشركة «كليماكس أوفرسيز برايفت ليمتد»، بأن صناعة السيارات، التي تشكل نحو 50 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي التصنيعي، تراجعت على مدار الشهور الست الماضية بسبب انحسار الطلب.
والآن، يفضل الناس على نحو متزايد استئجار سيارات، بدلاً عن شرائها باعتبار ذلك حل اقتصادي وأكثر راحة لخدمة أغراض التنقل لديهم عن خوض مشقة امتلاك سيارة والاهتمام بصيانتها وتكبد نفقات الوقود.
في الوقت ذاته، ثمة تحول كبير باتجاه السيارات الكهربائية. وقد أرجأ الكثير من العملاء شراء سيارات انتظاراً لطرح سيارات كهربائية بالأسواق في المستقبل القريب، الأمر الذي أثر بطبيعة الحال على مبيعات السيارات التقليدية. كما تشجع الحكومة من جانبها المواطنين على امتلاك سيارات كهربية.
من ناحيته، قال المحلل البارز لدى مؤسسة «ريليانس سيكيوريتيز»، ميتول شاه: «نتوقع استمرار التباطؤ خلال النصف الثاني من السنة المالية 2020».
من جهتها أعلنت الحكومة عن بعض الخطوات لتخفيف الأزمة التي تعانيها صناعة السيارات، لكن تسود حالة من الترقب لمعاينة ما إذا كان الطلب سيتلقى دفعة إيجابية. وأعلنت الحكومة إرجاء تطبيق زيادة على رسوم تسجيل السيارات، مع تعهدها بالعمل على تيسير تدفق الائتمانات المصرفية. إلا أن القائمين على صناعة السيارات ما يزالون يأملون في تخفيض الحكومة للضرائب المفروضة على السلع والخدمات المرتبطة بصناعة السيارات.



تراجع أرباح «وودسايد إنرجي» للطاقة في 2025 نتيجة تراجع أسعار النفط

منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
TT

تراجع أرباح «وودسايد إنرجي» للطاقة في 2025 نتيجة تراجع أسعار النفط

منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)

أعلنت شركة «وودسايد إنرجي غروب» الأسترالية للنفط والغاز الطبيعي، الثلاثاء، انخفاض صافي أرباحها في السنة المالية 2025، بنسبة 24 في المائة، رغم تسجيل الشركة زيادة في الإنتاج، ولكن تراجع أسعار النفط محا أثرها.

ولم تسجل الأرباح قبل حساب الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك -وهي مؤشر رئيسي للأرباح- أي تغيير عن العام السابق، وسط ضعف في الإيرادات التشغيلية.

في الوقت نفسه، رفعت الشركة توزيعات الأرباح للربع الأخير من العام الماضي، في حين خفضت توزيعات الأرباح السنوية.

وفي أستراليا، ارتفع سهم الشركة بنحو 2.8 في المائة، ليصل إلى 27.87 دولار أسترالي.

وعلى مدار العام، انخفض صافي الربح بنسبة 24 في المائة إلى 2.72 مليار دولار، بما يعادل 143 سنتاً للسهم في العام الماضي، مقابل 3.57 مليار دولار، بما يعادل 189 سنتاً للسهم خلال العام السابق.

في الوقت نفسه، بلغت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك خلال العام الماضي 9.277 مليار دولار، مقابل 9.276 مليار دولار في 2024.

وانخفضت الإيرادات التشغيلية بنسبة 1 في المائة، لتصل إلى 12.98 مليار دولار في 2025، مقابل 13.18 مليار دولار في العام السابق. وأشارت الشركة إلى أن الإنتاج القياسي الذي حققته عوَّض انخفاض الأسعار.

وأعلنت «وودسايد» عن وصول إنتاجها خلال العام الماضي إلى 198.8 مليون برميل نفط مكافئ، مقابل 193.9 مليون برميل نفط مكافئ في العام السابق.

وباستثناء تأثير التعديلات الدورية التي تعكس الترتيبات المنظمة لمشروع «ويتستون» للغاز الطبيعي المسال، زاد حجم مبيعات «وود سايد» بنسبة 4 في المائة، ليصل إلى 212.2 مليون برميل نفط مكافئ خلال العام الماضي، مقابل 193.9 مليون برميل في العام السابق.

وفي الوقت نفسه، تراجع متوسط سعر النفط بالنسبة للشركة خلال العام الماضي بنسبة 5 في المائة إلى 60.2 دولار للبرميل، مقابل 63.4 دولار للبرميل في 2024.


أزمة ثقة تلاحق الأسواق الإندونيسية وتزيد قلق المستثمرين

أشخاص يجلسون بالقرب من لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا (رويترز)
أشخاص يجلسون بالقرب من لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا (رويترز)
TT

أزمة ثقة تلاحق الأسواق الإندونيسية وتزيد قلق المستثمرين

أشخاص يجلسون بالقرب من لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا (رويترز)
أشخاص يجلسون بالقرب من لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا (رويترز)

تواجه السلطات في إندونيسيا تحدياً كبيراً بسبب فقدان الثقة المتزايد بأسواقها المالية، فالتدخلات الأخيرة لم تهدّئ الأسواق كما كان متوقعاً، بل زادت قلق المستثمرين بشأن استقرار الاقتصاد.

وبقيت عملة أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، الروبية، قرب أدنى مستوياتها القياسية منذ أن اختار الرئيس برابوو سوبينتو ابن شقيقه نائباً لمحافظ البنك المركزي الشهر الماضي.

ولم ينجح هذا التعيين والوعود بالإصلاح في أعقاب خفض وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني السيادي وانتقادات مزود المؤشرات «إم إس سي آي» بشأن تداول الأسهم في إقناع المستثمرين.

وقد تعافى المؤشر الرئيسي للأسهم من أدنى مستوياته، لكنه انخفض بأكثر من 3 في المائة في عام 2026، ليصبح أسوأ مؤشر أداء في المنطقة.

وكان الطلب في مزاد الديون الحكومية الأسبوع الماضي ضعيفاً، ويشير إلى ما هو على المحك: إذا لم تحصل الحكومة على دعم المستثمرين فسيتعين عليها دفع المزيد لتمويل جدول إنفاق طموح لتعزيز النمو، الذي يضغط بالفعل على مالية الدولة.

وقال المستشار في شركة «أورميت كيلولا نوسانتارا» في جاكرتا، فوزان لوثسا: «السياسة المؤقتة لا تحمي السوق، بل تجعل السوق من المستحيل تسعيرها. أكبر خطر هو نمط من السياسات التفاعلية والمتغيرة باستمرار».

الأسواق لا تطلب سياسات تحفيز النمو

وكان المستثمرون الأجانب متوجسين من برابوو حتى قبل فوزه بالمنصب في عام 2024، بناءً على برنامجه الانتخابي القائم على توسيع الدور الحكومي، بخطط إنفاق تشمل الوجبات المدرسية والإسكان.

وقد عمّق سلوك إدارته تحت ضغط السوق هذا الحذر ليصبح شكاً علنياً، وضغط على العملة التي شهدت انخفاضاً بنحو 7 في المائة منذ انتخابه.

شخص يمر بجانب نافذة زجاجية تعكس لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا (رويترز)

وفي الشهر الماضي، وبعد تحذير «إم إس سي آي» من أن السوق معرضة لتخفيض تصنيفها إلى الأسواق الحدودية، استقال خمسة مسؤولين رفيعي المستوى من البورصة والهيئات التنظيمية في فترة بعد الظهر نفسها.

واقترحت البدائل المؤقتة إصلاحات لتحرير سوق الصرف وقواعد الإفصاح عن ملكية الأسهم لاستعادة ثقة «إم إس سي آي»، وقد لاقت قبولاً جيداً، خصوصاً من المستثمرين المدعومين من الدولة مثل «دانانتارا» وصناديق التقاعد الكبرى.

لكن سرعة وطريقة هذه الوعود -إلى جانب فرض غرامات مفاجئة على عدد قليل من المتهمين بتلاعب الأسهم- زادتا القلق بشأن التغييرات المفاجئة في المستقبل، وما إذا كانت الإصلاحات ستنجح. كما تجاهلت الإدارة بشكل قاطع انتقادات «موديز» بشأن عدم القدرة على التنبؤ، وبدلاً من ذلك ركزت على هدف رفع النمو الاقتصادي السنوي من نحو 5 في المائة إلى 8 في المائة بحلول 2029.

وقال رئيس مركز الاقتصاد الكلي والمالية في معهد تطوير الاقتصاد والمالية في إندونيسيا، محمد رضال تافيكوراهمان: «الأسواق لا تطلب سياسات تحفيز النمو على المدى القصير، ما تحتاج إليه هو القدرة على التنبؤ حتى يمكن حساب المخاطر. الإثباتات على التعافي ليست تصريحات سياسية، بل سجل الأداء: ربعان إلى ثلاثة أرباع بلا مفاجآت تنظيمية».

سوق السندات تحدد الاتجاه

يشكل مستوى العملة وتكلفة الدين السيادي مؤشراً رئيسياً على هذا السجل. كلاهما تحت ضغط، ويمكن أن يتغير بسرعة كبيرة إذا تراجعت الثقة، مع تداعيات مباشرة على تكلفة رأس المال والأداء الاقتصادي.

ويبلغ عائد سند الحكومة الإندونيسية لأجل 10 سنوات 6.458 في المائة، مسجلاً ارتفاعاً بمقدار 34 نقطة أساس هذا العام، في حين تُسجل الروبية 16.825 مقابل الدولار، متخلفة عن نظيراتها، وقد تصل إلى مستويات غير مسبوقة إذا تجاوزت 17.000.

وقال رئيس قسم البحوث في «كوريا إنفسمنت» و«سيكيوريتاس إندونيسيا»، محمد وافي: «إذا باع المستثمرون الأجانب الدين السيادي بشكل مكثف وقفزت العوائد، فستزداد الضغوط على الروبية. سوق الأسهم ما هي إلا مشتقة من الاستقرار الكلي، وإذا أصبحت سوق السندات مضطربة، فسيتعرض سوق الأسهم لضغوط أعمق بالتأكيد».

ولم تقتنع السوق بالأساس المنطقي وراء برنامج برابوو لتقديم وجبات مجانية بقيمة 20 مليار دولار، الذي يُنظر إليه على أنه يخاطر بعقود من السيطرة على العجز، وقلق من قرارات أخرى مثل خفض حصص التعدين أو مصادرة الأراضي وتعليق تصاريح الشركات.

وقالت رئيسة قسم الاقتصاد الكلي العالمي في «معهد أموندي للاستثمار»، أليزيا بيراردي: «ما يهم الأسواق أكثر هو السلوك المرصود: الاتصالات، وإطار السياسات، والإجراءات الملموسة».

وأضافت بيراردي أنه إذا أشارت القيادة إلى سياسات تركز على تمويل المالية العامة، أو تتسامح مع التضخم المرتفع، أو تستخدم البنك المركزي بشكل متكرر لتخفيف العمليات المالية، فإن «التصورات ستتصلب، وارتفاع مخاطر الخصم سيكون حتمياً».

من المؤكد أن ارتفاع العوائد المعتدل لا يشير إلى أزمة وقد يجذب رؤوس الأموال، إلا أن رأس المال الأجنبي يغادر السوق، والمستثمرون يرون أن قرارات الحكومة تزيد المخاطر.

وقال مدير صندوق الدخل الثابت في «مارلبورو»، جيمس آثي: «أشعر أن كل خطوة من هذه الخطوات هي جرح صغير يمكن أن يتراكم ليصبح شيئاً أكبر. ما شهدناه مؤخراً يجعلني أظل متحفظاً لفترة أطول، لأنه من الصعب تسعيره».


«ستاندرد آند بورز»: الدول الأفريقية تتجه نحو المقرضين متعددي الأطراف

شعار وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» يظهر على مكاتبها في الحي المالي بمدينة نيويورك (رويترز)
شعار وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» يظهر على مكاتبها في الحي المالي بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

«ستاندرد آند بورز»: الدول الأفريقية تتجه نحو المقرضين متعددي الأطراف

شعار وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» يظهر على مكاتبها في الحي المالي بمدينة نيويورك (رويترز)
شعار وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» يظهر على مكاتبها في الحي المالي بمدينة نيويورك (رويترز)

قالت سميرة منساه، رئيسة قسم «التصنيفات الوطنية والتحليلات لأفريقيا» في وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات العالمية، يوم الاثنين، إن الحكومات الأفريقية ستعتمد بشكل متنامٍ على المقرضين متعددي الأطراف، وإنها ستواصل تعزيز زخم الإصلاحات خلال عام 2026، رغم استمرار ارتفاع مخاطر أزمة الديون في أنحاء القارة.

وأضافت: «حتى الآن، ووفقاً لـ(صندوق النقد الدولي)، فإن هناك أكثر من 20 دولة تواجه مخاطر عالية لأزمة الديون، أو نقاط ضعف حادة»، وفق «رويترز».

وأشارت منساه إلى أن القدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية تظل أمراً بالغ الأهمية، نظراً إلى أن الاقتراض عبر سندات الـ«يوروبوند» يكون عادةً بالدولار. وقد شهدت إصدارات السندات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أقوى بداية لها على الإطلاق هذا العام، حيث أسهم انخفاض تكاليف الاقتراض في زيادة المبيعات بنحو 6 مليارات دولار من دول مثل بنين وكينيا وساحل العاج، ومن المتوقع المزيد من الإصدارات، بما في ذلك أول إصدار لسندات جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وأفادت وكالة التصنيف الائتماني بأن 7 من الترقيات السيادية في أفريقيا خلال العام الماضي كانت مدفوعة بشكل رئيسي بتحسن آفاق النمو وزخم الإصلاحات، فيما اتخذت «الوكالة» أيضاً إجراءات سلبية عند تدهور مؤشرات الائتمان نتيجة الصدمات والنكسات السياسية.

وفي تقرير صدر الأسبوع الماضي، ذكرت «ستاندرد آند بورز» أن تغييرات التوقعات كانت «تميل قليلاً نحو السلبية»، متأثرة بشكل كبير بالسنغال وموزمبيق ومدغشقر، بينما سجلت جنوب أفريقيا جانباً إيجابياً. وأبرزت منساه نيجيريا بوصفها نموذجاً ناجحاً للإصلاحات.

وحصلت جنوب أفريقيا على تصنيف «بي بي» مع نظرة مستقبلية إيجابية، ونيجيريا على تصنيف «بي-» مع نظرة مستقبلية إيجابية، وموزمبيق على تصنيف «سي سي سي+» مع نظرة مستقبلية سلبية، بينما وُضع تصنيف السنغال «سي سي سي+» تحت «المراقبة الائتمانية»؛ مما يعكس مخاوف من احتمال تعثرها عن السداد.

وقالت منساه: «نيجيريا تتعافى»، رغم استمرار البلاد في مواجهة تكاليف خدمة الدين المرتفعة.

وأضافت أن الدول قد تتجه في المستقبل إلى تغيير أساليب جمع الأموال لتقليل اعتمادها على سوق سندات اليورو المتقلبة.

وتابعت: «تتطلع الدول الأفريقية بشكل متصاعد إلى دعم بنوك التنمية متعددة الأطراف»، مشيرة إلى أن هذه البنوك، ذات التصنيف الائتماني العالي، قادرة على حشد رؤوس الأموال بعوائد أعلى جاذبية، ومن ثم إقراضها الدول الأفريقية.

كما أشارت «الوكالة» إلى إمكانية تعزيز قدرات هذه البنوك متعددة الأطراف. وأوضحت أن التغييرات الأخيرة في معايير تصنيف مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف قد تقلل من كثافة رأس المال المطلوبة للإقراض لبعض الدول ذات التصنيف الائتماني المنخفض التي تتمتع بسجلات سداد قوية، مما يُتيح إمكانية الحصول على قروض سيادية جديدة بقيمة تتراوح بين 600 و800 مليار دولار عالمياً، أو ما بين 90 و120 مليار دولار إضافية لأفريقيا وفق افتراض تناسبي بسيط.

ومع ذلك، فستواصل الحكومات اختبار الأسواق حيثما أمكن. وقدّرت «ستاندرد آند بورز» أن متوسط تكلفة تمويل إصدارات السندات السيادية الأفريقية انخفض بنحو 100 نقطة أساس بين عامي 2024 و2025 ليصل إلى 7.7 في المائة، إلا إن هذا المتوسط المنخفض يُخفي سوقاً انتقائية يواجه فيها بعض المقترضين تكاليف مرتفعة.