الركود يضرب صناعة السيارات في الهند

عمالة ضخمة تفقد وظائفها مع تراجع المبيعات

تواجه صناعة السيارات في الهند حالة من الركود مع انحسار عنيف للمبيعات (رويترز)
تواجه صناعة السيارات في الهند حالة من الركود مع انحسار عنيف للمبيعات (رويترز)
TT

الركود يضرب صناعة السيارات في الهند

تواجه صناعة السيارات في الهند حالة من الركود مع انحسار عنيف للمبيعات (رويترز)
تواجه صناعة السيارات في الهند حالة من الركود مع انحسار عنيف للمبيعات (رويترز)

تسهم صناعة السيارات في الهند، والتي تحتل المركز الرابع عالمياً من حيث الضخامة، في توظيف ما يزيد على 35 مليون شخص، على نحو مباشر وغير مباشر، إضافة إلى أنها تشكل نحو نصف الناتج الصناعي للهند. ومع هذا، تواجه هذه الصناعة اليوم حالة من الركود مع انحسار المبيعات بشدة على نحو مباغت، ما تسبب في خسائر أعداد كبيرة من العاملين بالصناعة لوظائفهم وتقليص الإنتاج عبر قطاع صناعة السيارات بأكمله داخل البلاد.
ويأتي هذا التباطؤ في صناعة السيارات في وقت كانت الهند في طريقها نحو التفوق على اليابان لتصبح ثالث أكبر سوق للسيارات عالمياً، بعد الصين والولايات المتحدة.
وتبعاً لما أعلنته «جمعية مصنعي السيارات الهندية»، يعاني قطاع السيارات بأكمله حالياً أزمة غير مسبوقة، تؤثر سلباً على مبيعات السيارات عبر جميع الفئات. وتشير الأرقام إلى تراجع مبيعات السيارات في الهند بنسبة 18.71 في المائة، ما يشكل التراجع الأكبر منذ نحو 19 عاماً، حسبما أفادت الجمعية.
وبناءً عليه، اضطر قطاع السيارات الهندي إلى تسريح 350.000 عامل، بينهم عاملون في تصنيع الـ«سكوتر» والدراجات البخارية وقطع غيار السيارات والتوكيلات.
أما الضرر الأكبر، فكان من نصيب مخزونات السيارات والتي خسرت 42 مليار دولار من قيمتها في غضون الشهور الـ16 الماضية، ويرى بعض المحللين أن الأسوأ ربما لم يأت بعد.
جدير بالذكر أن صناعة السيارات تضم ثلاثة مراكز رئيسية: غوروغرام في الشمال، وتشيناي في الجنوب؛ حيث تملك شركات بارزة منها «فورد موتورز» و«هيونداي موتوز» مصانع لها، وبونه في الغرب؛ حيث توجد مصانع شركتي «تاتا موتورز» و«فيات». وقد تضررت المراكز الثلاثة جراء الأزمة الأخيرة، وما تزال دائرة الضرر في توسع. في أغسطس (آب)، أعلنت شركات كبرى بمجال صناعة السيارات، منها «ماروتي سوزوكي الهند» و«ماهندرا» و«تاتا موتورز» و«هوندا» وهيونداي»، تراجع مبيعاته بنسب ضخمة، ما عكس أسوأ انحسار في المبيعات بصناعة السيارات في الهند منذ عقود عدة.
من جهتها، أعلنت «ماروتي سوزوكي»، العلامة التجارية الأولى بمجال صناعة السيارات في الهند، عن تراجع مبيعاتها بنسبة 33 في المائة خلال أغسطس، بينما تراجعت مبيعات «تاتا موتورز» بنسبة 49 في المائة. كما انخفضت مبيعات «هيرو موتوكورب» بنسبة 21 في المائة، و«ماهندرا» بنسبة 25 في المائة، و«تويوتا كيرولسكار» بنسبة 21 في المائة.
- تراجع 15 في المائة
من ناحيته، يقدر اتحاد مصنعي قطع غيار السيارات في الهند أن إنتاج السيارات انحسر بنسبة تتراوح بين 15 في المائة و20 في المائة، الأمر الذي أثر سلباً بطبيعة الحال على مصنعي قطع الغيار، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان مليون وظيفة.
وقال مسؤول رفيع في مصنع «ماروتي سوزوكي» في غوروغرام رفض كشف هويته، إن إنتاج السيارات تراجع بمعدل النصف تقريباً منذ يوليو (تموز)، من 60.000 إلى 30.000 سيارة شهرياً. ومع انكماش الطلب، جرى إغلاق خط التجميع الثالث في المصنع، بينما يجري تشغيل الخط الأول لنوبة واحدة فقط. جدير بالذكر أنه في العادة يعتمد مصنع إنتاج السيارات على ثلاثة خطوط تجميع ونوبتي عمل.
في ذات السياق، قال نائب رئيس اتحاد موظفي شركة «بلسونيكا أوتو كومبوننت إنديا»، أجيت سنغ، إن إنتاج الشركة التي تعتبر جهة الإمداد الأولى للإطارات لشركة «ماروتي سوزوكي»، تراجع بنسبة تقارب 30 في المائة خلال الشهور الـ10 الأخيرة.
والواضح أن مركز صناعة السيارات في تشيناي، والذي يطلق عليه «ديترويت آسيا»، يواجه واحدة من أسوأ الأزمات في حياته. يذكر أن تشيناي تتمتع بالقدرة على إنتاج سيارة كل 20 ثانية (ما يعادل ثلاثة سيارات بالدقيقة الواحدة)، ومركبة تجارية كل 90 ثانية، لكن أبرز ثلاثة مصانع لإنتاج السيارات قرب تشيناي ـ «سريبيرومبودور» و«أوراغادام» و«ماريمالاي ناغار» - سرحت الآلاف من العاملين لديها. كما تعرض عاملين للتسريح في «أبولو تايرز» و«جيه كيه تايرز» و«نيسان» و«ياماها»، إضافة لشركات أخرى.
كان من شأن انحسار الاستهلاك، إضافة إلى أزمة نقد داخل النظام المصرفي، ترك مصنعي السيارات في مواجهة أكوام من المركبات غير المبيعة داخل سوق كانت من بين الأسرع نمواً في العالم، ما يرسم ملامح صورة مظلمة لصناعة كانت ذات يوم بمثابة النموذج المضيء لشعار «صنع في الهند».
من ناحية أخرى، عاد بيكرام سنغ، 26 عاماً، إلى قريته في البنجاب بعدما أخطرته شركة «ماروتي سوزوكي» التي كان يعمل بها بضرورة حصوله على إجازة مفتوحة، في أغسطس. كما حصل بانارسي شاه هو الآخر على إجازة طويلة من عمله في «ماهندرا».
عندما التحق سنغ وشاه بالعمل في قطاع السيارات العام 2008، كانت صناعة السيارات حينها تعايش فترة ازدهار طويلة الأمد. وما بين عامي 2000 و2015، تضاعفت الوظائف بمجال تصنيع السيارات من نحو 3 في المائة إلى نحو 7 في المائة، ما وفر فرص عمل لما يقدر بـ800.000 شخص. إلا أنه على ما يبدو وصل هذا الازدهار محطته الأخيرة الآن.
في هذا الصدد، تحدث سليمان علي، أثناء جلوسه بجانب شاحنته الساكنة داخل حقل فسيح في غوروغرام، عن فترة التباطؤ التي شهدتها الصناعة عام 2012، وقال: «حتى تلك الفترة لم تكن بهذا السوء. اعتدت نقل ما بين 2 - 3 حمولات (من السيارات) شهرياً. اليوم، تمر علي فترات لا أجد خلالها عملاً لما يتجاوز 10 أيام.
- عناصر عالمية
من المعتقد أن الانحسار في صناعة السيارات الهندية سيكل اختباراً لعزيمة الشركات الأجنبية المصنعة للسيارات على الاستمرار داخل سوق فتحت الباب أمام الأسماء الأجنبية في تسعينات القرن الماضي. وبينما تحمل السوق الهندية للسيارات إمكانات ضخمة على المدى البعيد، رأت بعض العناصر العالمية الفاعلة بمجال صناعة السيارات أنها لا تستحق مشقة الانتظار.
من بين هؤلاء شركة «جنرال موتورز» التي توقفت عن بيع سياراتها في السوق الهندية العام 2017 وتستغل الهند كقاعدة تصنيع بغرض التصدير. كما أوقفت «فيات كرايسلر أوتوموبايلز» إنتاج «فيات» داخل الهند، وتركز حالياً على إنتاج «جيب».
من جانبها، كانت «نيسان موتور كو». واحدة من الشركات العالمية التي سعت وراء اقتناص جزء من الفطيرة الهندية الدسمة. وأولت الشركة اهتماماً كبيراً للسوق الهندية لدرجة دفعتها لإحياء علامة «داتسون» من جديد كنقطة انطلاق إلى داخل الهند. ومع هذا، جاء أداء مبيعات سيارات «داتسون» أسوأ عن مجمل أداء سوق السيارات الهندية هذا العام، ذلك أنها انخفضت بنسبة 61 في المائة لتستقر عن مستوى مبيعات هزيل بلغ 1.132 سيارة خلال يونيو (حزيران). اليوم، وفي إطار عملية إعادة هيكلة أوسع داخل الشركة اليابانية، تخصص «نيسان» لتسريح 1710 عمال في الهند بحلول نهاية مارس (آذار).
وتعمد شركات أخرى كذلك إلى خفض إنتاجها. مثلاً، أوقفت «تويوتا موتور كورب» إنتاجها من مصنعها في بنغالور لمدة خمسة أيام في أغسطس، بهدف كبح جماح المخزونات المتضخمة. جدير بالذكر أن مبيعات «تويوتا» انخفضت بنسبة 13 في المائة إلى 89.800 مركبة خلال العام المنتهي في أغسطس.
من جهتها، نجحت شركات دخلت السوق الهندية حديثاً، مثل «كيا» من كوريا الجنوبية و«إم جي موتور» من الصين، في استغلال حداثة مشاركتها في السوق. على الطرف المقابل، تعتمد أسماء عالمية كبرى على شركات توكيل محلية.
على سبيل المثال، دخلت «فور موتور كورب» هذا العام في تعاون مع «ماهندرا آند ماهندرا إنك». بهدف العمل معاً على تطوير سيارات رياضية متعددة الأغراض من أجل السوق الهندية، في الوقت الذي كثفت «تويوتا» شراكتها مع «سوزوكي موتور كورب»، سعياً وراء تحقيق اختراق قوي للسوق. يذكر أن «سوزوكي» تمثل المصنع الأكبر للسيارات داخل الهند من خلال حصة السيطرة التي تملكها في «ماروتي سوزوكي».
- أسباب وحلول
لدى النظر إلى الأسباب الكامنة وراء تراجع الطلب على السيارات في الهند، نجد أن بعضها يتعلق بالهند حصرياً، مثل الحملة الصارمة التي شنتها الحكومة ضد الديون الرديئة والشركات المالية غير المصرفية وجهات الإقراض غير الرسمية التي تخدم المقترضين الذين لا يأبهون الإقدام على مخاطر مرتفعة. وتسبب كل ذلك في أزمة سيولة أثرت بدورها على الطلب.
من ناحيته، وأثناء كلمة ألقاها أمام «ذي برنت»، قال شاشانك سريفاستافا، المدير التنفيذي لـ«ماروتي سوزوكي إنديا ليمتد»، إن التباطؤ جاري منذ 12 شهراً، لكن الربع الأخير كان سيئاً بصورة خاصة.
وقال: «التمويل وتباطؤ عجلة الاقتصاد وارتفاع أسعار السيارات بسبب المعايير التنظيمية للانبعاثات الكربونية والسلامة ـ جميعها بعض من الأسباب وراء التباطؤ»، مضيفاً أن هناك ارتفاعاً في تكاليف التأمين وضرائب التسجيل.
وقد ازداد الوضع تفاقماً بسبب الأداء الفاتر للاقتصاد الهندي. يذكر أن النمو الاقتصادي تراجع إلى أدنى معدل له منذ سبع سنوات ليستقر عند 5 في المائة خلال الفترة من أبريل (نيسان) حتى يونيو، حسبما أعلنت الحكومة الشهر الماضي.
وتتزامن المشكلات الهندية مع مشهد دولي مظلم بالفعل جراء التراجع في الصين، واحدة من المحركات العالمية الأخرى الكبرى لمبيعات السيارات. كانت مبيعات السيارات داخل الصين قد انحسرت للشهر الـ13 على التوالي في يوليو، ليستمر تراجع خلال العام حتى هذه اللحظة يبلغ 1 في المائة.
من جانبه، أقر بارميت سنغ سود، المدير الإداري لشركة «كليماكس أوفرسيز برايفت ليمتد»، بأن صناعة السيارات، التي تشكل نحو 50 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي التصنيعي، تراجعت على مدار الشهور الست الماضية بسبب انحسار الطلب.
والآن، يفضل الناس على نحو متزايد استئجار سيارات، بدلاً عن شرائها باعتبار ذلك حل اقتصادي وأكثر راحة لخدمة أغراض التنقل لديهم عن خوض مشقة امتلاك سيارة والاهتمام بصيانتها وتكبد نفقات الوقود.
في الوقت ذاته، ثمة تحول كبير باتجاه السيارات الكهربائية. وقد أرجأ الكثير من العملاء شراء سيارات انتظاراً لطرح سيارات كهربائية بالأسواق في المستقبل القريب، الأمر الذي أثر بطبيعة الحال على مبيعات السيارات التقليدية. كما تشجع الحكومة من جانبها المواطنين على امتلاك سيارات كهربية.
من ناحيته، قال المحلل البارز لدى مؤسسة «ريليانس سيكيوريتيز»، ميتول شاه: «نتوقع استمرار التباطؤ خلال النصف الثاني من السنة المالية 2020».
من جهتها أعلنت الحكومة عن بعض الخطوات لتخفيف الأزمة التي تعانيها صناعة السيارات، لكن تسود حالة من الترقب لمعاينة ما إذا كان الطلب سيتلقى دفعة إيجابية. وأعلنت الحكومة إرجاء تطبيق زيادة على رسوم تسجيل السيارات، مع تعهدها بالعمل على تيسير تدفق الائتمانات المصرفية. إلا أن القائمين على صناعة السيارات ما يزالون يأملون في تخفيض الحكومة للضرائب المفروضة على السلع والخدمات المرتبطة بصناعة السيارات.



العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
TT

العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)

حددت الهيئة العامة للجمارك العراقية، الأحد، نسبة الرسوم على مستلزمات الطاقة الشمسية عند 5 في المائة فقط، وذلك لتشجيع المواطنين على استخدام الطاقة النظيفة.

ويشهد العراق انقطاعات في التيار الكهربائي مع كل موسم صيف، إذ يرتفع الطلب مع درجات الحرارة الملتهبة، وسط تهالك شبكة الكهرباء المحلية.

وقال مدير عام الهيئة، ثامر قاسم، وفقاً لـ«وكالة الأنباء العراقية»: «إنه جرى توجيه كتاب إلى الفريق الوطني لتنفيذ مشروع الأتمتة، بتحديد رمز ونسبة الرسم الجمركي لمستلزمات الطاقة الشمسية والمعدات والألواح».

وأضاف أن «نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل تبلغ جميعها 5 في المائة لكل مادة».


عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء برسوم مؤقتة

سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء برسوم مؤقتة

سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

دخل النظام التجاري العالمي مرحلة من الغليان القانوني والسياسي إثر قرار المحكمة العليا الأميركية الذي قيَّد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب الجمركية، مما أطلق شرارة «ثورة صامتة» في عواصم القرار. هذا القرار، الذي وصف بأنه «نزع سلاح» استراتيجي لواشنطن، دفع الدول الكبرى فوراً إلى إعادة تقييم جدوى صفقات التريليونات التي وقَّعتها تحت ضغط الترهيب؛ إذ بدأ العالم يستشعر لأول مرة أن «عقيدة المقايضة» الجمركية التي انتهجها البيت الأبيض باتت تفتقر إلى السند القانوني القوي.

لقد استند ترمب في «حربه الشاملة» على التجارة العالمية إلى قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977، والمعروف اختصاراً بـ«IEEPA»، وهو تشريع يمنح الرئيس سلطات واسعة في حالات الطوارئ الوطنية. لكن ترمب ذهب بعيداً حين فسر هذا القانون بطريقة تمنحه الحق في فرض رسوم جمركية عقابية مرتفعة جداً «في أي وقت ولأي سبب»، مستخدماً إياه كـ«بازوكا تجارية» لمعاقبة الدول في ملفات لا علاقة لها بالتجارة، مثل الضغط على أوروبا في قضية غرينلاند أو تهديد المكسيك وكندا بسبب ملفات الهجرة.

وبحكم المحكمة الأخير الذي جاء بأغلبية 6 قضاة مقابل 3، فقدت هذه الأداة قانونيتها، حيث رأت المحكمة أن فرض الرسوم سلطة حصرية للكونغرس، مما حرم الرئيس من عنصر «المفاجأة والردع» الذي كان يرهب به الأسواق.

ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك والمدعي العام دي جون ساوير في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

خطة بديلة

ومع ذلك، لم يستسلم البيت الأبيض لهذا الانكسار القضائي؛ ففي غضون ساعات قليلة، أعلن ترمب عن تفعيل «الخطة البديلة» عبر اللجوء إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974. هذه المادة تتيح للرئيس فرض رسوم لمواجهة العجز التجاري الخطير، لكنها تظل أداة «مقصوصة الأجنحة» مقارنة بالقانون السابق، فهي تضع سقفاً للرسوم لا يتجاوز 15 في المائة، وتحدد مدتها بـ 150 يوماً فقط ما لم يتدخل الكونغرس لتمديدها. هذا الالتفاف السريع، الذي بدأ برسم 10 في المائة قبل أن يرفعه ترمب إلى الحد الأقصى (15 في المائة) في أقل من يوم، يعكس إصرار الإدارة على إبقاء الشركاء التجاريين في حالة تأهب دائم، رغم أن الإجراءات الجديدة تتطلب تحقيقات فيدرالية مطولة بموجب المادتين 301 و232، مما يسلب ترمب قدرته على الضرب المفاجئ ويمنح الدول الأخرى «نَفساً» تفاوضياً لم يكن متاحاً من قبل.

كما يملك ترمب سلاح المادة 232 الذي لا يُقهر قضائياً؛ حيث تتيح فرض رسوم باسم «الأمن القومي» (مثل رسوم الـ50 في المائة على الصلب والسيارات)، وهي أداة دائمة وقاسية يصعب الطعن فيها. وكذلك سلاح المادة 301 وهي «سيف العقاب» للممارسات غير العادلة، والتي يخطط ترمب لاستخدامها عبر «تحقيقات نشطة» لشرعنة الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مما يبقي بكين تحت ضغط دائم.

مصير الصفقات الكبرى

تكمن المعضلة الكبرى الآن في مصير الاتفاقيات الإطارية الضخمة التي وقعتها واشنطن مع نحو 20 دولة وقوة اقتصادية، وهي الصفقات التي كانت قائمة في جوهرها على معادلة «الاستثمار مقابل الحماية».

وتتصدر اليابان وكوريا الجنوبية قائمة الدول التي سارعت لإرضاء واشنطن بصفقات «تريليونية» لتأمين استقرار قطاعاتها الصناعية الكبرى. اليابان، التي تعد السيارات وقطع غيارها العمود الفقري لصادراتها، نجحت في خفض الرسوم من 27.5 في المائة إلى 15 في المائة مقابل تعهد تاريخي بضخ 550 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي.

وقد وصف أحد المسؤولين البارزين في «الحزب الليبرالي الديمقراطي» الحاكم في اليابان، الرسوم الجديدة بأنها «فوضى حقيقية»، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ»، عن إيتسونوري أونوديرا، الذي يشغل حالياً منصب رئيس مجموعة بحثية عن الضرائب تابعة للحزب.

واستبعد أونوديرا إمكانية أن تسعى اليابان من أجل إعادة التفاوض على الاتفاقية التجارية، مشيراً إلى أن جوهر المفاوضات التجارية التي جرت العام الماضي، كان خفض الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات، حيث إنها تعدُّ أكبر مصدر للصادرات اليابانية، ومصدراً رئيسياً للوظائف والاستثمارات.

حاويات مكدسة في ميناء لونغ بيتش (أ.ب)

ورغم وصف الوضع الحالي بـ«الفوضى الحقيقية»، فإن الحكومة اليابانية تجد نفسها في موقف حرج؛ فهي لا تزال تخطط للمضي قدماً في استثماراتها، بينما تكتنف الضبابية جولة التمويل القادمة المقرر الإعلان عنها خلال زيارة رئيسة الوزراء لواشنطن في مارس (آذار) المقبل.

أما كوريا الجنوبية، التي التزمت بـ350 مليار دولار كاستثمارات مقابل سقف رسوم 15 في المائة على الصلب والألمنيوم والسيارات، فتعيش حالة من الترقب المشوب بالحذر. فبينما هدَّد ترمب مؤخراً برفع الرسوم إلى 25 في المائة متهماً سيول بالمماطلة في المصادقة البرلمانية على الاتفاق، جاء قرار المحكمة العليا ليمنح المفاوض الكوري «ورقة قوة» غير متوقعة، حيث يرى المحللون في سيول أن الحكم «يُبطل» فعلياً قانونية التهديد بالرسوم المتبادلة، مما يضعف من قدرة ترمب على ممارسة المزيد من الضغوط دون غطاء قانوني صلب.

أما إندونيسيا وماليزيا وكمبوديا والتي وافقت على رسوم بنسبة 19 في المائة مقابل مشتريات ضخمة من السلع الأميركية، فإنها تجد نفسها في وضع غير مواتٍ، مقارنة بمنافسيها الآسيويين.

الهند ترجئ الزيارة

وفي خضم هذه التطورات، قررت الهند إرجاء خططها لإرسال وفد تجاري إلى واشنطن هذا الأسبوع، وفق ما أفاد مصدر في وزارة التجارة الهندية. ويُعد هذا القرار من أوائل ردود الفعل الملموسة بين الدول الآسيوية على هذا القرار.

وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع: «اتُخذ قرار تأجيل الزيارة بعد مناقشات بين مسؤولين من البلدين. ولم يُحدَّد موعد جديد للزيارة».

وكان من المقرر أن يغادر الوفد يوم الأحد لإجراء محادثات لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية تجارية مؤقتة، بعد أن اتفق البلدان على إطار عمل لخفض واشنطن الرسوم الجمركية العقابية بنسبة 25 في المائة على بعض الصادرات الهندية المرتبطة بمشتريات نيودلهي من النفط الروسي.

وكان من المقرر خفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية إلى 18 في المائة، بينما وافقت الهند على شراء سلع أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى خمس سنوات، تشمل إمدادات الطاقة والطائرات وقطع غيارها والمعادن الثمينة والمنتجات التكنولوجية.

متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما يعقد ترمب مؤتمراً صحافياً عقب قرار المحكمة العليا (إ.ب.أ)

إندونيسيا مستعدة لأي نتيجة

وفي الإطار نفسه، أكَّد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، استعداد بلاده للتكيف مع أي تغييرات في السياسات التجارية الأميركية، مشدداً على أن جاكرتا تحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة، وتبقى مستعدة للتعامل مع أي مستجدات.

ونقلت وكالة أنباء «أنتارا» الإندونيسية، عن سوبيانتو قوله للصحافيين في واشنطن العاصمة، إن قرار المحكمة العليا الأخير قضى بعدم أحقية السلطة التنفيذية في فرض رسوم جمركية عالمية واسعة النطاق استناداً إلى «قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية». وأبدى تفاؤله قائلاً: «إننا على استعداد لأي احتمال، ونحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة».

الجبهة الأوروبية

لم تكن القارة العجوز بمنأى عن هذا الزلزال؛ ففي بروكسل، انتقل التوتر من أروقة المكاتب إلى منصات القرار التشريعي. وأعلن بيرند لانغ، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، يوم الأحد، اعتزامه التقدم باقتراح رسمي لتعليق كافة الأعمال التشريعية المتعلقة بالاتفاق التجاري الضخم مع واشنطن.

هذا التحرك جاء رداً مباشراً على ما وصفه بـ«الفوضى الجمركية العارمة» التي أحدثتها إدارة ترمب، معتبراً أن الأساس القانوني الذي بُنيت عليه الاتفاقيات قد انهار تماماً.

وكان من المقرر أن يتم التصويت على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا هذا الأسبوع. وكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اتفقا في ملعب «غولف تيرنبيري» التابع لترمب في اسكوتلندا بيوليو (تموز) الماضي، على اتفاقية لتجنب حرب تجارية، بموجبها يلغي الاتحاد الأوروبي رسوم الاستيراد على العديد من المنتجات الأميركية مقابل فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 15 في المائة على معظم صادرات السلع الأوروبية.

وتحتاج الرسوم الجمركية المخفضة للاتحاد الأوروبي إلى موافقة حكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

وعلَّق البرلمان الأوروبي الشهر الماضي أعماله بشأن الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض تعريفات جمركية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته، لكنه قرَّر لاحقاً طرح الاتفاقية للتصويت في نهاية فبراير (شباط).

ورغم إصرار وزارة الخزانة الأميركية على أن هذه الصفقات ستظل سارية، فإن المحللين يرون أن الدول قد تستعيد بعضاً من نفوذها التساومي، مستغلة الضعف القانوني لموقف ترمب الجديد، وإن كانت تخشى في الوقت ذاته من «انتقام رئاسي» غير متوقع عبر أدوات أخرى.

وتبرز مشكلة أخرى وهي أن القليل جداً من هذه الاتفاقيات قد تمت المصادقة عليه برلمانياً. وبينما كان ترمب يتصرف من جانب واحد، يحتاج المسؤولون في الطرف الآخر إلى موافقة تشريعية. وقد سارعت ماليزيا وإندونيسيا للإشارة إلى أنهما لم تصدِّقا بعد على اتفاقاتهما، حيث أكَّد وزير التجارة الماليزي أن بلاده ستعمل وفقاً لمصالحها الخاصة وتستمر في «تنويع علاقاتها التجارية».


الناتج المحلي لدول الخليج يقفز إلى 2.3 تريليون دولار

واصلت دول «مجلس التعاون الخليجي» تحقيق نمو في الناتج المحلي بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية (العمانية)
واصلت دول «مجلس التعاون الخليجي» تحقيق نمو في الناتج المحلي بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية (العمانية)
TT

الناتج المحلي لدول الخليج يقفز إلى 2.3 تريليون دولار

واصلت دول «مجلس التعاون الخليجي» تحقيق نمو في الناتج المحلي بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية (العمانية)
واصلت دول «مجلس التعاون الخليجي» تحقيق نمو في الناتج المحلي بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية (العمانية)

أظهر تقرير إحصائي خليجي، نشر الأحد، أن اقتصادات دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» حققت نمواً في الناتج المحلي؛ بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية، فقد بلغ الناتج المحلي 2.3 تريليون دولار، مسجلاً المرتبة الـ9 عالميّاً، ونموّاً بنسبة 2.2 في المائة.

وكشف التقرير عن أن دول الخليج العربية حققت خلال عام 2024 قفزات نوعية في مجالات التنافسية والطاقة والتجارة والرقمنة؛ مدفوعة بنمو القطاعات غير النفطية، وتحسن جودة الحياة، وتطور البنية الأساسية الرقمية، وتعاظم الحضور الإقليمي والدولي.

وفي تقرير «مجلس التعاون في أرقام» الصادر عن «المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، جرى التأكيد على استمرار دول المجلس في تحقيق نمو حقيقي بالناتج المحلي؛ «بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية، حيث بلغ الناتج المحلي 2.3 تريليون دولار، مسجلاً المرتبة الـ9 عالميّاً، ونموّاً بنسبة 2.2 في المائة».

وأظهر التقرير تحسنّاً في المؤشرات الاقتصادية العالمية، بما في ذلك القدرة التنافسية، والمرونة، والديناميكية الاقتصادية... وقد جاءت دول مجلس التعاون في المركز الأول عالميّاً في احتياطي النفط بـ511.9 مليار برميل، وفي المرتبة الثالثة عالميّاً في إنتاج الغاز الطبيعي بـ442 مليار متر مكعب، وفي المرتبة الثانية في احتياطي الغاز الطبيعي بـ44.3 مليار متر مكعب.

كما جاءت دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» بالمرتبة الـ10 عالميّاً في إجمالي الصادرات بما قيمته 849.6 مليار دولار، وبالمرتبة الـ11 عالميّاً في الواردات بما قيمته 739.0 مليار دولار، وبالمرتبة الـ10 عالميّاً في التبادل التجاري بتريليون و589.5 مليار دولار، وبالمرتبة الـ6 عالميّاً في فائض الميزان التجاري بـ109.7 مليار دولار.