قوانين الأدب... قوانين الحياة

لا تطور إلا إذا تقلصت المسافة بينهما

طه حسين
طه حسين
TT

قوانين الأدب... قوانين الحياة

طه حسين
طه حسين

في النقد الأدبي بدهياتٌ معروفة وتسمياتٌ معتادة تتعلق بقضايا الطبعِ والصنعة، والنوعِ والجنسِ، وموضوعاتٍ أخرى تتعلق بالأدب وفنونه، وكيفيات إنتاجه، وعمل الموهبة والإلهام فيه، وهي لا تحتاج منا إلى اللجاجة في طرقها وإطالة الوقوف عندها، فهي بمثابة أمور مفروغ منها، كماهية أو كاصطلاح واشتغال.
ومن تلك البدهيات والموضوعات مسألة النظر في القوانين المحركة للأدب التي عفا عليها الدرس النقدي الراهن، بيد أن الحاجة إلى التذكير بها وبغيرها تبدو ماسة، تتطلبها موجبات معينة تطرحها الحياة الأدبية والمجتمعية عامة.
والرجوع إلى قوانين الأدب أمر تقتضيه حياتنا المتسارعة التي كثيراً ما تستلزم التجديد في تلك القوانين أو ابتكار غيرها، لكن هذا التجديد وذاك الابتكار إنما تتحكم فيهما العملية الإبداعية بالانطلاق من داخلها، وليس فرضاً يأتي من خارجها في شكل أوامر يصدرها نقاد ينصِّبون أنفسهم قضاة، ولا فرمانات تسنّها هيئات مهما تنوعت سلطاتها، كما أنها ليست فتاوى تشرعنها منظومات هنا ومحاضن هناك.
وهو ما نبَّه عليه عميد الأدب العربي طه حسين، حين قال: «ولو كان الأدب يتطور بالقوانين، أو يتحقق بمجرد الرغبة فيه، لكنتُ أسرع الناس إلى أن أطلب إلى الثورة إصدار قانون يقضي بهذا التطور وينظمه، كما أخذتْ في تنظيم الاقتصاد وشؤون الحكم، ولكن تأثير القوانين في الأدب بطيء لا يظهر إلا حين تتأثر الحياة كلها بهذه القوانين. فليطلب دعاة التجديد توجيهاً صحيحاً مستقيماً، لا إسراف فيه ولا شطط ولا جموح» (اختصام ونقد، ص 113).
فليس على رأس الأديب سلطة غير سلطة وعيه وقدراته، كما لا تأثير عليه غير تأثير إحساسه الذي هو وحده يتسلطن عليه، إبداعاً وابتداعاً، بلا امتثال أو رضوخ، ويتماس معه طبعاً وتطبعاً، بلا تصنع أو إخضاع.
فالأدب إبداع، وتطور هذا الإبداع مرهون بدواخله ومتبلور في ثناياه، بيد أنه في الآن نفسه يستجيب بشكل اتباعي غير مباشر لتبدلات الحياة، ليكون كيفما الحياة تكون. وبين الاتباع والإبداع مسافة ليست هينة، يتوجب على الأدب أن يقطعها كي يوفق بين ما تقتضيه أنظمته الداخلية من تغيرات خاصة وتبدلات ذاتية، وبين تقلبات الحياة الجوهرية، ظروفاً وأحوالاً وقيماً.
ولشساعة هذه المسافة يغدو التطور في قوانين الأدب بطيئاً تبعاً لبطء تطور قوانينه، مما كان العميد يفكر فيه معانياً راجياً أن يقفز أدبنا ونقدنا قفزات متسارعة تتأتى من داخله، وليس بفرمانات وأوامر فوقية، أو بأماني المفكرين ورغبات النقاد الخيرة.
ومن ثم، لا يتسارع الأدب إلا إذا تقلصت المسافة بينه وبين الحياة، حتى إذا كانت الحياة متسارعة بوتيرة نسبية، وبمعطيات تاريخية مؤثرة عظيمة، سيتطور الأدب تطوراً نوعياً بقفزات واضحة وطفرات جلية. وهو ما حصل في الشعر العربي في صدر الإسلام، فلقد تغيرت قوانينه بشكل نوعي، كتبعة من تبعات التبدل الجوهري الذي شهدته الحياة آنذاك، وما رافقها من تغيير سريع جذري في بنى المجتمع العربي، فكراً وسلوكاً ومظاهر عيش، فبانت على الشعر ملامح الورع والإيمان، وغادرته سمات التحلل والفحش والذم والبداوة والعداوة، وغير ذلك.
وبفعل تطورات الحياة العربية في جوهرها، خلق الأدب لنفسه وعيه الذوقي والجمالي بفعل التلقي العام والخاص، وما بلوره النقاد في فرضيات ونظريات وقواعد. ومن التطورات التي حصلت في قوانين الأدب الداخلية أن نشأت علوم جديدة في اللغة العربية، بعد اختلاط العرب بالأقوام الأخرى عبر الفتوحات، ففشا اللحن على الألسنة، مما أوجد ضرورة ملحة تدفع باتجاه نشأة علم النحو على يد أبي الأسود الدؤلي، بعد مشورة الأمام علي بن أبي طالب، ثم ألف العرب ما يقعد لغتهم، ويضبط إيقاعات شعرهم، خشية ضياع صفائها بالاختلاط والتقادم، فاكتشف الفراهيدي البحور، وراح علماء الشعر ورواته يجمعون الشعر القديم، ويستنبطون منه قواعد اللغة العربية.
وشهدت قوانين الشعر في العصور اللاحقة تغييرات جوهرية، كاستتباع حتمي للتنوع الذي طرأ على الحياة العربية، وما ساد فيها من مظاهر الترف المدني والتنوع في منابع التلاقح الحضاري مع الأمم المجاورة، فتزحزحت بعض قوانين عمود الشعر، ودخلت بنيته اللغوية والأسلوبية الرقة والعصرية، وألغي الطلل، وتولدت استعارات جديدة، وترققت التشبيهات والألفاظ.
وأهم التطورات التي تطرأ على قوانين الأدب تلك المرتبطة بتنوع البيئات الأدبية، ومدى رصانة أو وضاعة بناها التحتية والفوقية. ولو تأملنا أدبنا العربي، قديماً وحديثاً، لوجدنا فيه بيئات أدبية أحدثت أثراً في قوانين الشعر والنثر من الداخل، وعلى مدى العصور التي مرت بها الثقافة العربية والإسلامية.
ولئن كان الأدب في الأساس مبنياً على الاحتمال، تغدو قوانينه وبدهياته أمراً بعيداً كل البعد عن النظر المعياري في التعاطي الدوغماطي معها. ولقد استوعب نقاد الأدب في العصر العباسي وما بعده هذه الاحتمالية، فنظَّروا وقايسوا بروح مرنة انفتاحية، بدءاً من قدامة بن جعفر وعبد القاهر الجرجاني، مروراً بالمرزوقي والقاضي الجرجاني، وصولاً إلى حازم القرطاجني وغيره من الذين تمثلوا قوانين الأدب عارفين أنها تنبع من داخل الأدب، فقيدوا ما طرأ على النثر من أشكال جديدة، وما اكتنف الشعر من ازدهار في بلاغته وبيانه ومعانيه وبديعه، متيقنين من طريقة اشتغاله، فوضعوا رؤاهم وصاغوا نظرياتهم التي تجسد حقيقة الاحتمال في قوانين الأدب.
وفي العصر الحديث، تسارعت وتيرة اللحاق بالمدنية الغربية، وأخذ التلاقح بين أدبنا والآداب العالمية يزداد وضوحاً على يد طه حسين والرعيل الذي معه أو من سبقه.
وتجلى أثر السرد الأوروبي في السرد العربي أكثر منه في الشعر والنقد. صحيح أن سردنا العربي بداية النهضة العربية كان استتباعاً للإرث السردي العربي، متمثلاً بالمقامة والخطابة والحكاية والمسامرات والرسائل والرحلات والمنامات، لكنه سرعان ما تلاحق وتلاقح مع أحد تيارات السرد الغربي الحديث.
وتفاعل النقد العربي مع الغربي تفاعلاً نسبياً، لا سيما بمذاهب الواقعية التقليدية والرمزية والطبيعية، كما نهل من آخر الموجات التجديدية الغربية، ومنها تيار الوعي الذي بدأ في إنجلترا في العقد الثالث من القرن العشرين، ثم ظهر في الأدب الأميركي، وشاع في فرنسا في العقدين الرابع والخامس، ليظهر بعد ذلك في القص العربي، وتحديداً في العراق، بكتابات القصاصين عبد الملك نوري ومحمد روزنامجي وفؤاد التكرلي في أربعينات القرن الماضي.
وصار التحام النقد العربي بالغربي مباشراً، وساهمت الترجمة في توفير ممكنات هذا الالتحام، فضلاً عن نهل أدبائنا ممن أجادوا اللغات الأجنبية مباشرة من آداب الأمم الأخرى.
وطبيعي جداً أن تتبع هذا التغيير في السرد والنقد تغيرات ثقافية وفكرية وأدبية أخرى، تتمثل في الفلسفات والمذاهب والتيارات الفكرية التي كان مسرى تأثيرها في أدبنا في العصر الحديث مسرى النار في الهشيم، حتى صار تأثير التيارات الغربية جلياً، كما هو الحال بالنسبة للفكر التنويري الذي جاء مع الثورة الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر. وكذلك تأثر العرب بالفكر الماركسي وآدابه في النصف الأول من القرن العشرين، بينما ظهر تأثير الفكر الوجودي وأدبه على الفكر العربي وأدبه في النصف الثاني من القرن العشرين.
وأي أدب إنما يتمخض أولاً في تلافيف وعي المبدع خيالاً نابعاً عن واقع أرَّقه أو شغله أو بهره، ليجد نفسه ينتج أدباً هو عبارة عن إلهام راوده، بلا قوانين تحرى الالتزام بها، ولا توصيات أو اشتراطات تطلبت منه النظر إليها مسبقاً، والأخذ بها لاحقاً، وإنما هي مرجعيات استثارها أمر معين، فتحفزت في لا وعيه، فأنتجها بلا تصنع أو تكلفة.
وهو ما حصل في شعرنا العربي المعاصر الذي ثار على قانون العمود، متفاعلاً مع ما في الأمم الغربية من قوانين. وكان من نتائج هذه الثورة تحديث القصيدة التقليدية، فكانت قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر، وما تبعهما من أشكال شعرية مختلفة أخرى.
إنّ الأدب الأصيل هو الذي تنبع قوانينه من داخله، تماماً كالفلسفة والتاريخ واللغة وغيرها، وكذلك النقد لا يطرق الموضوعات ولا يستجلبها من عالم النقد الغربي لأجل المباهاة وإثبات الضلاعة، وإنما هو الحاجة التي تجعل الأدب غاية النقد. وتظل الضرورة والصدفة غير منعزلتين عن الإحساس بالحاجة إلى التطور، موضوعياً أو فنياً. وبهذا يصبح الوعي الفردي هو جملة أشكال تعكس الوجود الاجتماعي، كما يرى دوركايم.
ومن هنا، تغدو مسألة التذكير والمعاودة في طرق ما هو بديهي إبداعياً، والنظر النقدي المتمعن في قوانين أدبنا العربي، من ناحية التباطؤ أو التسارع، أمراً لا مناص منه، بل هو حتمي لكي لا يصير المألوف متحجراً، ولا يغدو المعتاد متصنماً، فتتضبب الدلالات وتتعتم الدوال.
وليس المقصد التذكير بمقولة العميد طه حسين فقط، بل أيضاً الدعوة لاستلهام تلك المقولة وتثويرها.



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».