قوانين الأدب... قوانين الحياة

لا تطور إلا إذا تقلصت المسافة بينهما

طه حسين
طه حسين
TT

قوانين الأدب... قوانين الحياة

طه حسين
طه حسين

في النقد الأدبي بدهياتٌ معروفة وتسمياتٌ معتادة تتعلق بقضايا الطبعِ والصنعة، والنوعِ والجنسِ، وموضوعاتٍ أخرى تتعلق بالأدب وفنونه، وكيفيات إنتاجه، وعمل الموهبة والإلهام فيه، وهي لا تحتاج منا إلى اللجاجة في طرقها وإطالة الوقوف عندها، فهي بمثابة أمور مفروغ منها، كماهية أو كاصطلاح واشتغال.
ومن تلك البدهيات والموضوعات مسألة النظر في القوانين المحركة للأدب التي عفا عليها الدرس النقدي الراهن، بيد أن الحاجة إلى التذكير بها وبغيرها تبدو ماسة، تتطلبها موجبات معينة تطرحها الحياة الأدبية والمجتمعية عامة.
والرجوع إلى قوانين الأدب أمر تقتضيه حياتنا المتسارعة التي كثيراً ما تستلزم التجديد في تلك القوانين أو ابتكار غيرها، لكن هذا التجديد وذاك الابتكار إنما تتحكم فيهما العملية الإبداعية بالانطلاق من داخلها، وليس فرضاً يأتي من خارجها في شكل أوامر يصدرها نقاد ينصِّبون أنفسهم قضاة، ولا فرمانات تسنّها هيئات مهما تنوعت سلطاتها، كما أنها ليست فتاوى تشرعنها منظومات هنا ومحاضن هناك.
وهو ما نبَّه عليه عميد الأدب العربي طه حسين، حين قال: «ولو كان الأدب يتطور بالقوانين، أو يتحقق بمجرد الرغبة فيه، لكنتُ أسرع الناس إلى أن أطلب إلى الثورة إصدار قانون يقضي بهذا التطور وينظمه، كما أخذتْ في تنظيم الاقتصاد وشؤون الحكم، ولكن تأثير القوانين في الأدب بطيء لا يظهر إلا حين تتأثر الحياة كلها بهذه القوانين. فليطلب دعاة التجديد توجيهاً صحيحاً مستقيماً، لا إسراف فيه ولا شطط ولا جموح» (اختصام ونقد، ص 113).
فليس على رأس الأديب سلطة غير سلطة وعيه وقدراته، كما لا تأثير عليه غير تأثير إحساسه الذي هو وحده يتسلطن عليه، إبداعاً وابتداعاً، بلا امتثال أو رضوخ، ويتماس معه طبعاً وتطبعاً، بلا تصنع أو إخضاع.
فالأدب إبداع، وتطور هذا الإبداع مرهون بدواخله ومتبلور في ثناياه، بيد أنه في الآن نفسه يستجيب بشكل اتباعي غير مباشر لتبدلات الحياة، ليكون كيفما الحياة تكون. وبين الاتباع والإبداع مسافة ليست هينة، يتوجب على الأدب أن يقطعها كي يوفق بين ما تقتضيه أنظمته الداخلية من تغيرات خاصة وتبدلات ذاتية، وبين تقلبات الحياة الجوهرية، ظروفاً وأحوالاً وقيماً.
ولشساعة هذه المسافة يغدو التطور في قوانين الأدب بطيئاً تبعاً لبطء تطور قوانينه، مما كان العميد يفكر فيه معانياً راجياً أن يقفز أدبنا ونقدنا قفزات متسارعة تتأتى من داخله، وليس بفرمانات وأوامر فوقية، أو بأماني المفكرين ورغبات النقاد الخيرة.
ومن ثم، لا يتسارع الأدب إلا إذا تقلصت المسافة بينه وبين الحياة، حتى إذا كانت الحياة متسارعة بوتيرة نسبية، وبمعطيات تاريخية مؤثرة عظيمة، سيتطور الأدب تطوراً نوعياً بقفزات واضحة وطفرات جلية. وهو ما حصل في الشعر العربي في صدر الإسلام، فلقد تغيرت قوانينه بشكل نوعي، كتبعة من تبعات التبدل الجوهري الذي شهدته الحياة آنذاك، وما رافقها من تغيير سريع جذري في بنى المجتمع العربي، فكراً وسلوكاً ومظاهر عيش، فبانت على الشعر ملامح الورع والإيمان، وغادرته سمات التحلل والفحش والذم والبداوة والعداوة، وغير ذلك.
وبفعل تطورات الحياة العربية في جوهرها، خلق الأدب لنفسه وعيه الذوقي والجمالي بفعل التلقي العام والخاص، وما بلوره النقاد في فرضيات ونظريات وقواعد. ومن التطورات التي حصلت في قوانين الأدب الداخلية أن نشأت علوم جديدة في اللغة العربية، بعد اختلاط العرب بالأقوام الأخرى عبر الفتوحات، ففشا اللحن على الألسنة، مما أوجد ضرورة ملحة تدفع باتجاه نشأة علم النحو على يد أبي الأسود الدؤلي، بعد مشورة الأمام علي بن أبي طالب، ثم ألف العرب ما يقعد لغتهم، ويضبط إيقاعات شعرهم، خشية ضياع صفائها بالاختلاط والتقادم، فاكتشف الفراهيدي البحور، وراح علماء الشعر ورواته يجمعون الشعر القديم، ويستنبطون منه قواعد اللغة العربية.
وشهدت قوانين الشعر في العصور اللاحقة تغييرات جوهرية، كاستتباع حتمي للتنوع الذي طرأ على الحياة العربية، وما ساد فيها من مظاهر الترف المدني والتنوع في منابع التلاقح الحضاري مع الأمم المجاورة، فتزحزحت بعض قوانين عمود الشعر، ودخلت بنيته اللغوية والأسلوبية الرقة والعصرية، وألغي الطلل، وتولدت استعارات جديدة، وترققت التشبيهات والألفاظ.
وأهم التطورات التي تطرأ على قوانين الأدب تلك المرتبطة بتنوع البيئات الأدبية، ومدى رصانة أو وضاعة بناها التحتية والفوقية. ولو تأملنا أدبنا العربي، قديماً وحديثاً، لوجدنا فيه بيئات أدبية أحدثت أثراً في قوانين الشعر والنثر من الداخل، وعلى مدى العصور التي مرت بها الثقافة العربية والإسلامية.
ولئن كان الأدب في الأساس مبنياً على الاحتمال، تغدو قوانينه وبدهياته أمراً بعيداً كل البعد عن النظر المعياري في التعاطي الدوغماطي معها. ولقد استوعب نقاد الأدب في العصر العباسي وما بعده هذه الاحتمالية، فنظَّروا وقايسوا بروح مرنة انفتاحية، بدءاً من قدامة بن جعفر وعبد القاهر الجرجاني، مروراً بالمرزوقي والقاضي الجرجاني، وصولاً إلى حازم القرطاجني وغيره من الذين تمثلوا قوانين الأدب عارفين أنها تنبع من داخل الأدب، فقيدوا ما طرأ على النثر من أشكال جديدة، وما اكتنف الشعر من ازدهار في بلاغته وبيانه ومعانيه وبديعه، متيقنين من طريقة اشتغاله، فوضعوا رؤاهم وصاغوا نظرياتهم التي تجسد حقيقة الاحتمال في قوانين الأدب.
وفي العصر الحديث، تسارعت وتيرة اللحاق بالمدنية الغربية، وأخذ التلاقح بين أدبنا والآداب العالمية يزداد وضوحاً على يد طه حسين والرعيل الذي معه أو من سبقه.
وتجلى أثر السرد الأوروبي في السرد العربي أكثر منه في الشعر والنقد. صحيح أن سردنا العربي بداية النهضة العربية كان استتباعاً للإرث السردي العربي، متمثلاً بالمقامة والخطابة والحكاية والمسامرات والرسائل والرحلات والمنامات، لكنه سرعان ما تلاحق وتلاقح مع أحد تيارات السرد الغربي الحديث.
وتفاعل النقد العربي مع الغربي تفاعلاً نسبياً، لا سيما بمذاهب الواقعية التقليدية والرمزية والطبيعية، كما نهل من آخر الموجات التجديدية الغربية، ومنها تيار الوعي الذي بدأ في إنجلترا في العقد الثالث من القرن العشرين، ثم ظهر في الأدب الأميركي، وشاع في فرنسا في العقدين الرابع والخامس، ليظهر بعد ذلك في القص العربي، وتحديداً في العراق، بكتابات القصاصين عبد الملك نوري ومحمد روزنامجي وفؤاد التكرلي في أربعينات القرن الماضي.
وصار التحام النقد العربي بالغربي مباشراً، وساهمت الترجمة في توفير ممكنات هذا الالتحام، فضلاً عن نهل أدبائنا ممن أجادوا اللغات الأجنبية مباشرة من آداب الأمم الأخرى.
وطبيعي جداً أن تتبع هذا التغيير في السرد والنقد تغيرات ثقافية وفكرية وأدبية أخرى، تتمثل في الفلسفات والمذاهب والتيارات الفكرية التي كان مسرى تأثيرها في أدبنا في العصر الحديث مسرى النار في الهشيم، حتى صار تأثير التيارات الغربية جلياً، كما هو الحال بالنسبة للفكر التنويري الذي جاء مع الثورة الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر. وكذلك تأثر العرب بالفكر الماركسي وآدابه في النصف الأول من القرن العشرين، بينما ظهر تأثير الفكر الوجودي وأدبه على الفكر العربي وأدبه في النصف الثاني من القرن العشرين.
وأي أدب إنما يتمخض أولاً في تلافيف وعي المبدع خيالاً نابعاً عن واقع أرَّقه أو شغله أو بهره، ليجد نفسه ينتج أدباً هو عبارة عن إلهام راوده، بلا قوانين تحرى الالتزام بها، ولا توصيات أو اشتراطات تطلبت منه النظر إليها مسبقاً، والأخذ بها لاحقاً، وإنما هي مرجعيات استثارها أمر معين، فتحفزت في لا وعيه، فأنتجها بلا تصنع أو تكلفة.
وهو ما حصل في شعرنا العربي المعاصر الذي ثار على قانون العمود، متفاعلاً مع ما في الأمم الغربية من قوانين. وكان من نتائج هذه الثورة تحديث القصيدة التقليدية، فكانت قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر، وما تبعهما من أشكال شعرية مختلفة أخرى.
إنّ الأدب الأصيل هو الذي تنبع قوانينه من داخله، تماماً كالفلسفة والتاريخ واللغة وغيرها، وكذلك النقد لا يطرق الموضوعات ولا يستجلبها من عالم النقد الغربي لأجل المباهاة وإثبات الضلاعة، وإنما هو الحاجة التي تجعل الأدب غاية النقد. وتظل الضرورة والصدفة غير منعزلتين عن الإحساس بالحاجة إلى التطور، موضوعياً أو فنياً. وبهذا يصبح الوعي الفردي هو جملة أشكال تعكس الوجود الاجتماعي، كما يرى دوركايم.
ومن هنا، تغدو مسألة التذكير والمعاودة في طرق ما هو بديهي إبداعياً، والنظر النقدي المتمعن في قوانين أدبنا العربي، من ناحية التباطؤ أو التسارع، أمراً لا مناص منه، بل هو حتمي لكي لا يصير المألوف متحجراً، ولا يغدو المعتاد متصنماً، فتتضبب الدلالات وتتعتم الدوال.
وليس المقصد التذكير بمقولة العميد طه حسين فقط، بل أيضاً الدعوة لاستلهام تلك المقولة وتثويرها.



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».