السعودية: العدوان على منشآت «أرامكو» موجه لإمدادات الطاقة العالمية وتهديد للسلم والأمن الدوليين

مجلس الوزراء برئاسة الملك سلمان يقرّ تعديل نظام السوق المالية

خادم الحرمين الشريفين لدى ترؤسه جلسة مجلس الوزراء (واس)
خادم الحرمين الشريفين لدى ترؤسه جلسة مجلس الوزراء (واس)
TT

السعودية: العدوان على منشآت «أرامكو» موجه لإمدادات الطاقة العالمية وتهديد للسلم والأمن الدوليين

خادم الحرمين الشريفين لدى ترؤسه جلسة مجلس الوزراء (واس)
خادم الحرمين الشريفين لدى ترؤسه جلسة مجلس الوزراء (واس)

جدّد مجلس الوزراء السعودي، التأكيد على أن الهدف من العدوان التخريبي الذي طال منشآت «أرامكو السعودية»، غير المسبوق، الذي يهدد السلم والأمن الدوليين، «موجه بالدرجة الأولى لإمدادات الطاقة العالمية»، وأنه امتداد للأعمال العدوانية السابقة، التي تعرضت لها محطات الضخّ لشركة «أرامكو» باستخدام أسلحة إيرانية، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في إدانة من يقف وراء ذلك، والتصدي بوضوح لهذه الأعمال الهمجية التي تمس عصب الاقتصاد العالمي.
جاء ذلك ضمن جلسة مجلس الوزراء التي عقدت بعد ظهر يوم أمس في قصر السلام بمدينة جدة، برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي أعرب بدوره عن الشكر والتقدير لقادة الدول الشقيقة والصديقة، ومسؤولي الدول، والمنظمات الإقليمية والدولية، وكل من عبر عن الإدانة للاعتداء التخريبي الذي استهدف معملين تابعين لـشركة «أرامكو» في محافظة بقيق وهجرة خريص، مشدداً على قدرة بلاده في «التعامل مع آثار مثل هذه الاعتداءات الجبانة التي لا تستهدف المنشآت الحيوية للمملكة فحسب، إنما تستهدف إمدادات النفط العالمية، وتهدد استقرار الاقتصاد العالمي».
وعقب الجلسة، أوضح تركي الشبانة وزير الإعلام لوكالة الأنباء السعودية، أن المجلس اطّلع على ما عرضه وزير الطاقة عن الآثار الجسيمة التي نتجت عن ذلك الاعتداء التخريبي السافر على معامل «أرامكو السعودية» في بقيق وخريص، والتي أدت حسب التقديرات الأولية إلى توقف كميات من إمدادات الزيت الخام، تقدر بنحو 5.7 مليون برميل، إضافة إلى توقف إنتاج كميات من الغاز المصاحب، تقدر بنحو بليوني قدم مكعبة في اليوم، وانخفاض نحو 50 في المائة من إمدادات غاز الإيثان وسوائل الغاز الطبيعي.
وأكد المجلس أن هذا الاعتداء الجبان على أكبر وأهم معامل معالجة الزيت الخام في العالم، هو «امتداد للاعتداءات المتكررة التي طالت المنشآت الحيوية، وهددت حرية الملاحة البحرية، وأثرت على استقرار نمو الاقتصاد العالمي»، كما أكد المجلس على أن المملكة «ستدافع عن أراضيها ومنشآتها الحيوية، وأنها قادرة على الرد على تلك الأعمال، أياً كان مصدرها، وتهيب بالمجتمع الدولي أن يقوم بإجراءات أكثر صرامة لإيقاف هذه الاعتداءات السافرة التي تهدد المنطقة وأمن الإمدادات البترولية واقتصاد العالم، ومحاسبة وردع كل من يقف خلفها».
كما أطلع الملك سلمان، المجلس، على الاتصال الهاتفي الذي أجراه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، وما تم خلاله من تأكيد إدانة السعودية ورفضها القاطع لما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي عن نية ضمّ أراضٍ من الضفة الغربية المحتلة عام 1967م.
وبيّن الوزير الشبانة أن المجلس جدد إدانة بلاده واستنكارها ورفضها القاطع لإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي عن نيته ضمّ أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة عام 1967م، واعتبار هذا الإجراء «باطلاً جملة وتفصيلاً وتصعيداً بالغ الخطورة بحق الشعب الفلسطيني وانتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي والأعراف والمعاهدات والمواثيق الدولية، يقوض كل الجهود والمبادرات التي قُدمت لإقامة سلام دائم وشامل وعادل في المنطقة»، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية والإنسانية لمواجهة الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.
ورحّب في هذا السياق بالقرار الصادر عن الاجتماع الاستثنائي لمجلس وزراء الخارجية للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، الذي انعقد في جدة بناءً على دعوة السعودية، منوهاً بما اشتمل عليه القرار من تأكيد على مركزية قضية فلسطين والقدس بالنسبة للأمة الإسلامية، ورفض مطلق وإدانة شديدة لإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، وبما تضمنه القرار من خطوات ومواقف للتصدي لهذا الإعلان، كما نوّه بالبيان الصادر عن مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في ختام الدورة العادية الـ152 للمجلس بالقاهرة، وما اشتمل عليه تجاه هذا الإعلان، ودعوة المجتمع الدولي، خاصة مجلس الأمن، إلى تحمل مسؤولياته بالتصدي للتوجهات الإسرائيلية المخالفة للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
من جانب آخر، عدّ مجلس الوزراء إقامة بلاده المسابقات الدولية لحفظ القرآن الكريم وحسن تلاوته وتجويده وتفسيره «حرصاً منها على العناية بكتاب الله وخدمته بما يليق بمكانته»، وهنّأ في هذا الشأن الفائزين في منافسات الدورة الـ41 لمسابقة الملك عبد العزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتجويده وتفسيره، التي رعى حفلها الختامي نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، أمير منطقة مكة المكرمة، ونظمتها وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، وشارك فيها 103 دول من مختلف قارات العالم.
وأكد المجلس أن رعاية الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء، المشرف العام على نادي الإبل، الحفل الختامي لمهرجان ولي العهد للهجن، في نسخته الثانية بالطائف، والذي حظي بمشاركة محلية وعربية ودولية، تجسد الاهتمام الكبير من خادم الحرمين الشريفين وولي عهده بالرياضة بشكل عام، ورياضة الهجن بشكل خاص.
وقد أصدر المجلس عدداً من القرارات؛ حيث قرر بعد الاطلاع على ما رفعه وزير المالية، وبعد النظر في قرار مجلس الشورى رقم 209 - 53 وتاريخ 7 – 11 - 1440ه، الموافقة على اتفاقية بين السعودية وألبانيا لتجنب الازدواج الضريبي ولمنع التهرب الضريبي، في شأن الضرائب على الدخل وعلى رأس المال، وعلى البروتوكول المرافق لها، وقد أعدّ مرسوماً ملكياً بذلك.
وقرّر المجلس تفويض وزير المالية رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للزكاة والدخل، أو من ينيبه، بالتوقيع على مشروع اتفاقية بين الحكومتين السعودية واللبنانية، لتجنب الازدواج الضريبي في شأن الضرائب على الدخل ولمنع التهرب الضريبي، ومن ثم رفع النسخة النهائية الموقعة، لاستكمال الإجراءات النظامية.
وقرر مجلس الوزراء تفويض وزير الإعلام، أو من ينيبه، بالتباحث مع الجانب الأوكراني في شأن مشروع مذكرة تفاهم بين السعودية وأوكرانيا للتعاون في المجال الإعلامي، والتوقيع عليه، ورفع النسخة النهائية الموقعة، لاستكمال الإجراءات النظامية.
وقرر المجلس تفويض رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة، أو من ينيبه، بالتباحث مع الجانب الجيبوتي في شأن مشروع اتفاق تعاون بين السعودية وجيبوتي في مجال الرياضة، والتوقيع عليه، ورفع النسخة النهائية الموقعة، لاستكمال الإجراءات النظامية.
وبعد الاطلاع على ما رفعه وزير التجارة والاستثمار رئيس مجلس إدارة المركز الوطني للتنافسية، قرر المجلس الموافقة على تكليف الدكتورة إيمان بنت هباس المطيري بمهمات الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للتنافسية.
وبعد الاطلاع على ما رفعه وزير التجارة والاستثمار رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة، والنظر في قراري مجلس الشورى رقم 150 - 41 وتاريخ 3 – 9 - 1440هـ، ورقم 194 - 50 وتاريخ 23 – 10 - 1440هـ، قرر المجلس الموافقة على تعديل نظام تطبيق كود البناء السعودي، الصادر بالمرسوم الملكي رقم «م 43» وتاريخ 26 - 4- 1438هـ، وذلك على النحو الموضح تفصيلاً بالقرار.
وقرر المجلس بعد الاطلاع على ما رفعه وزير البيئة والمياه والزراعة رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للحبوب، والاطلاع على التوصية المعدة في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية رقم 36 – 25 – 40 - د وتاريخ 15 – 5 - 1440هـ، الموافقة على استراتيجية المؤسسة العامة للحبوب.
وبعد الاطلاع على ما رفعه رئيس مجلس هيئة السوق المالية، والاطلاع على التوصية المعدة في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية رقم 5 – 47 – 40 - د وتاريخ 10 – 9 - 1440هـ، وبعد النظر في قرار مجلس الشورى رقم 190 - 49 وتاريخ 22 – 10 - 1440هـ، قرر مجلس الوزراء، تعديل نظام السوق المالية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم م - 30 وتاريخ 2 - 6 - 1424هـ بالصيغة المرافقة للقرار، واستمرار عمل لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية ولجنة الاستئناف في منازعات الأوراق المالية بتشكيلهما الحالي إلى حين إعادة تشكيلهما وفقاً للمادة «الثلاثين» المُعدلة من النظام، وقد أعدّ مرسوماً ملكياً بذلك، وقيام هيئة السوق المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي بوضع آلية للتعاون بينهما فيما يتعلق بممارسة أعمال حفظ الأوراق المالية من قبل الجهات الخاضعة لإشراف ورقابة المؤسسة، ووضع آلية للتعاون بينهما في تنفيذ الاختصاصات التنظيمية على أعضاء مراكز إيداع الأوراق المالية وأعضاء مراكز مقاصة الأوراق المالية الخاضعين منهم لإشراف ورقابة المؤسسة.
ووافق مجلس الوزراء على ترقيات للمرتبتين الخامسة عشرة، والرابعة عشرة، كما اطّلع المجلس على عدد من الموضوعات العامة المدرجة على جدول أعماله، من بينها التقريران السنويان لدارة الملك عبد العزيز، والهيئة العامة للغذاء والدواء، عن عام مالي سابق، وقد أحاط المجلس علماً بما جاء فيها، ووجّه حيالها بما رآه.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.