مدير «بي بي سي» العربية: إيجاد طرق جديدة لنقل الأخبار هو التحدي الجديد

كفالة أكد في حوار مع «الشرق الأوسط» حرص القناة على عدم الانحياز.. رغم انتقادات تغطيتها للعدوان على غزة

طارق كفالة
طارق كفالة
TT

مدير «بي بي سي» العربية: إيجاد طرق جديدة لنقل الأخبار هو التحدي الجديد

طارق كفالة
طارق كفالة

يأمل طارق كفالة، مدير «بي بي سي» العربية، أن يغطي في المستقبل خبر اتفاق سلام دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وقال الصحافي الذي يعمل من مكتبه بلندن بعد سنوات ميدانية في السعودية وليبيا والبوسنة وغيرها، ضمنها تجارب وذكريات شتى، كالإصابة بطلق ناري في رام الله واعتقال في مصراتة: «إن القناة تلتزم بعدم الانحياز والمحافظة على التوازن، رغم الانتقادات المستمرة». ونوه بأنه يدير خدمة «بي بي سي» العربية منذ عام 2013، التي يعتمد عليها أكثر من 23 مليون شخصا، تحت هدفين، وهما «بناء خدمة قادرة على مواكبة العصر، وتوفير مادة إعلامية متميزة لا يجدها المستمع أو المشاهد أو حتى القارئ في أي مكان آخر».
وأكد كفالة، الذي يتكئ على أكثر من 20 سنة من الخبرة بمختلف الوسائط الإذاعية والتلفزيونية والإلكترونية، أنه، في ظل نمو الإعلام الإلكتروني «يكمن التحدي في التكيف مع الواقع الجديد، وإيجاد طرق جديدة للتغطية الإخبارية، والوصول للجمهور». ومع أن رغبته الأولى كانت الانغماس في العالم الأكاديمي، لم يندم على الدخول إلى عالم الصحافة البتة. وأضاف أنه في طور «إعداد تقرير لـ(بي بي سي) يتنبأ بتطور الخدمات الإخبارية بعد 5 أعوام، وبعد 20 عاما».
وفي حديث خاص مع «الشرق الأوسط» أطلعنا مدير خدمة «بي بي سي» العربية العريقة التي انطلقت منذ عام 1938 على رسالة عنوانها الموضوعية والشفافية، مع توقعاته السياسية للعالم العربي جراء ما يُسمى بـ«الربيع العربي»، وآرائه الإعلامية، بما فيها الصفات التي ينبغي أن يمتلكها صحافي «بي بي سي»، وفيما يلي نص الحوار الذي يتطرق كفالة من خلاله إلى التحديات التي تواجهها خدمة «بي بي سي» العربية لمواكبة منافسيها الذين ازدادوا في الآونة الأخيرة.
* كيف بدأت حياتك المهنية صحافيا؟ وهل أصبحت عند لحظة معينة على يقين بأنك اخترت الوظيفة المناسبة؟
- كانت رغبتي هي أن أكون أكاديميا، وليس صحافيا. كانت البداية عندما تقدمت لوظيفة «متدرب» كانت معلَنة على موقع «بي بي سي» العربية وحصلت عليها. لم ينتبني الشعور بالندم على الإطلاق، فقد كانت وظيفة ممتعة مليئة بالتحديات والتغيرات المفاجئة
* ما أول قصة صحافية كتبتها أو غطيتها؟ ومتى نُشرت؟
- لا أذكر، فهذا كان أكثر من 20 عاما.
* هل قمت بتغطية قصص من مناطق النزاع؟ وهل ما زالت الذكريات التي عشتها في ذهنك إلى الآن؟
- عملت صحافيا في مناطق كثيرة، منها الأراضي الفلسطينية وإسرائيل والعراق واليمن ومصر وليبيا ولبنان والسعودية والبوسنة. وعندما كنت أصغر سنا، كنت دائما أشعر بالحماس للعمل في مناطق الأزمات. تبقى بعض من الذكريات واضحة بشكل كبير، مثل اليوم الذي ضللت فيه طريقي في الفلوجة، وإصابتي بعيار ناري في رام الله، واعتقالي في مدينة مصراتة الليبية.
* ما القصة التي تأمل أن تكتبها أو تغطيها قريبا؟
- آمل أن يكون بإمكاني تغطية اتفاق السلام الدائم والنهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
* ما الصحف اليومية العربية والأجنبية التي تتابع قراءتها بشكل يومي؟
- أقرأ ملخص جميع الصحف العربية والدولية الرئيسة بشكل يومي، الذي يصل من خلال قسم الأبحاث التابع لـ«بي بي سي»، وصحيفة «إيكونوميست» الأسبوعية هي المفضلة لدى.
* ما المدونة المفضلة بالنسبة لك؟ وما الموقع الإلكتروني المفضل؟
- «الأرابيست».
* من كان قدوتك في الإعلام؟
- 3 محررين كانوا مهمين جدا ومؤثرين بالنسبة لي، وهم: عارف حجاوي، حيث كان يشغل منصب مدير البرامج في قسم «بي بي سي» العربية، وذلك في فترة بدايتي، فقد كانت لمهنيته والتزامه في العمل الصحافي الأثر الكبير في نفسي. وأيضا، لسنوات عدة عملت تحت إدارة الصحافي مارتن بروتون، في قسم الوثائقيات التابع للراديو، حيث كان أفضل ناقد لعملي على الإطلاق، وتعلمت منه الكثير. وأخيرا ستيف هيرمان، الذي كان محررا لموقع «بي بي سي» إلكتروني الناطق بالإنجليزية، في فترة شهدت تغييرات ضخمة، وأنا الآن بصفتي مديرا أحاول الاحتذاء به.
* ما الشخصية الإعلامية، حسب رأيك، الأصلح كمثل أعلى يُحتذى في الإعلام المرئي والمسموع في بلدك؟
- في بريطانيا، ليز دوسيت، وهي من أبرز مراسلي إذاعة وتلفزيون «بي بي سي» الذين أعجب بهم. وفي «نيويورك تايمز»، كنت أتابع باستمرار مقالات الصحافي الراحل أنتوني شديد. وأيضا من بين الصحافيين المتفانين بعملهم الذين أعرفهم، وهو من أكثر الصحافيين شجاعة، شهدي الكاشف، مراسل «بي بي سي» العربية في قطاع غزة.
* من كاتبك المفضل محليا وعالميا؟
- هذا يتغير في كل الأوقات. حاليا، كاتبي المفضل هو خافيير ماريس وتشينوا أشيبي.
* في رأيك، ما أنجح قصة إخبارية قدمتها حتى الآن؟
- الكثير من القصص التي أشعر بالفخر بها، بعضها قمت بكتابتها شخصيا، والبعض الآخر كتب بناء على اقتراحي وتحت إشرافي، فمن الصعب أن أسمي قصة واحدة دون الأخريات.
* هل تعمل حاليا على كتابة كتاب أو مشروع معين؟ وما هو؟
- حاليا، أقوم بإعداد تقرير لـ«بي بي سي»، نحاول من خلاله التنبؤ بتطور الخدمات الإخبارية بعد 5 أعوام وبعد 20 عاما.
* بعد أكثر من 3 سنوات على ما يُسمى بـ«الربيع العربي»، هل أنت محبط بما آلت إليه الأمور في الدول العربية عموما؟ وليبيا على الخصوص؟
- أصبح ما يسمى «الربيع العربي» معقدا بشكل كبير مقارنة بالأيام الأولى، بداية عام 2011. فكل دولة لها مشاكلها الخاصة، وبالتأكيد كل منها ذهب لوجهه معينة. ففي تونس، حصل هناك تطور، وبالتالي هناك أمل في تشكيل حكومة أفضل، وفي تطور الاقتصاد والحياة السياسية، فما جرى تحقيقه هناك هو أمر مثير للإعجاب بكل المقاييس. في مناطق أخرى، جلب عام 2011 الحرب والفوضى من دون أي تطور أو تغيير، فهو مشهد متشابك وتأثيرات عام 2011 لا يمكن رؤيتها أو معرفتها إلى الآن، وليس في أي وقت قريب.
* كيف ترى مستقبل ليبيا؟ هل هناك إمكانية لوحدة وطنية مع التيارات الإسلامية والميليشيات؟ وهل أنت مع التدخل الخارجي؟
- في ليبيا، هناك شعور بالخوف من الأسوأ، ولكن يبقى الأمل موجودا. لا أعرف ما يخبئه المستقبل، ولكن الواضح أن ما يجري الآن ليس من مصلحة أحد، وليس لصالح أحد. لدى الليبيين عقول مستقلة. يحتاج الليبيون إلى المساعدة لتطوير مؤسساتهم وإعادة بناء البنية التحتية. ويبقى التدخل السياسي والعسكري من قبل جهات أجنبية غير مضمون العواقب في أغلب الأحيان.
* اتهمتكم بعض الأطراف بالتحيز إلى الجانب الفلسطيني خلال تغطية النزاع في غزة أخيرا. ما ردكم على ذلك؟
- من خلال تغطيتنا للصراع الذي وقع أخيرا في قطاع غزة، تعرضنا للانتقاد من قبل الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، وهذا غير اعتيادي. عندما نهدف من خلال تغطيتنا أن نحافظ على التوازن، وأن نقوم بشرح التغطية الإخبارية، كثيرون لا يقومون بتغطيتها وشرحها، فعندها قد يؤدي ذلك بالشعور بعدم الرضا من قبل بعض المتابعين. إن أساس العمل الصحافي لدينا هو التوازن والموضوعية اللذان يقومان على مبدأ العدالة، والانفتاح على كل الأصوات وطرح الأسئلة التي نشعر بأن الجمهور يريد إجابات عنها. نحن نعمل للحفاظ على تلك المبادئ من خلال تدريب صحافيينا، وتأسيس ثقافة داعمة للمصداقية والمراقبة لما نقوم ببثه بشكل مكثف.
* ما الدور الذي تلعبه خدمة «بي بي سي» العربية في عالم الإعلام والأخبار؟ وما الذي يميزها عن غيرها من الخدمات الإخبارية العربية؟
- مهمة «بي بي سي» العربية هي تغطية الأخبار، ثم شرحها للمشاهد من دون تحيز لأي جهة، وعجزنا عن القيام بذلك يعني خسارة الجمهور. كما أسلفت، دورنا هو تغطية القصص التي لا يقوم الآخرون بتغطيتها بطريقة جديدة ومبتكرة. لديّ هدفان: الأول، بناء خدمة قادرة على مواكبة العصر وملائمة لاحتياجات الجماهير الجديدة. والثاني، هو توفير مادة إعلامية متميزة لا يجدها المستمع أو المشاهد أو حتى القارئ في أي مكان آخر.
* في ظل خفض الميزانية والتقشف الذي تشهده «بي بي سي» والخدمة العربية بالأخص، كيف ستواكب الخدمة القنوات والصحف الإلكترونية الأخرى؟
- المنافسة تشتد في سوق الإعلام يوما بعد يوم، ونحن نؤمن بأننا نقدم منتجا إعلاميا متميزا تزيد بفضله أعداد جمهورنا كل عام. ولكن هذا لا يضمن بالضرورة نجاحنا. لنتمكن من البقاء والمنافسة، يتوجب علينا استخدام مواردنا المتاحة بشكل أكثر فعالية، وأن نواكب التغيرات في طبيعة العمل الصحافي وتقنياته. نحن نتمتع بقوة كبيرة تنبثق من كوننا جزءا من «بي بي سي».
*ما رأيك في الإعلام الجديد؟ وهل في رأيك سيحل محل الإعلام التقليدي بشكل عام، وبالأخص في «بي بي سي» العربية، علما بأن زوار موقع الخدمة الإلكتروني يتعدون الـ21 مليونا شهريا؟
- أعتقد أن الإعلام الجديد أو الإعلام إلكتروني هو في الوقت الحالي بديل للإعلام التقليدي (التلفزيون - الراديو - الصحف)، وهذا نتاج لتكنولوجيا وسلوكيات جديدة نتج عنه تغيرات في عادات الأشخاص المستهلكين للأخبار، فعلا، حياتنا تتغير، ولكن المهارات التي كانت مهمة لإنتاج الإعلام القديم أو التقليدي هي أيضا مهمة لإنتاج الإعلام الجديد. ويكمن التحدي في التكيف مع الواقع الجديد، وإيجاد طرق جديدة للتغطية الإخبارية، والوصول للجمهور.
* ما الشروط التي يجب توافرها، حسب رأيك، في أي صحافي للعمل معك في منظومة «بي بي سي»؟
- من المهم لصحافي «بي بي سي» أن يترك السياسة جانبا أو في البيت؛ فالصحافي الجيد لدى «بي بي سي» هو القادر على اقتناص القصص التي لا يقوم بها الآخرون واتباع طرق جديدة في بناء القصة المراد تغطيتها.
* هل في رأيك أنه من المهم، على نحو خاص، وجود الصحافي المتخصص بتغطية أخبار معينة، مثل أن يكون لديه إلمام كافٍ بتنظيم «القاعدة» أو أفغانستان أو العراق؟
- التخصص في تغطية الأخبار هو أمر جوهري، فالمراسلون المهتمون بالتغطية الإخبارية بشكل عام لن يتمكنوا من الوصول إلى التفاصيل. في المقابل، فإن المراسلين المتخصصين في مجالات محدودة جدا لن يصلوا لجمهور واسع.
* ما نصيحتك للصحافيين الشباب في بداية حياتهم الإعلامية؟
- إبداء مهارات متنوعة في الكتابة، التصوير، تحرير الفيديو، استخدام التكنولوجيا، وبعدها التفكير بما يمكن فعله ولا يمكن للآخرين القيام به.



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».