ما أسباب النزاع المتجدد بين كوريا الجنوبية واليابان؟

علاقة متدهورة من «الشمس المشرقة» إلى العمل القسري

امرأة تسير أمام علمي اليابان وكوريا الجنوبية في طوكيو - أرشيف (أ.ب)
امرأة تسير أمام علمي اليابان وكوريا الجنوبية في طوكيو - أرشيف (أ.ب)
TT

ما أسباب النزاع المتجدد بين كوريا الجنوبية واليابان؟

امرأة تسير أمام علمي اليابان وكوريا الجنوبية في طوكيو - أرشيف (أ.ب)
امرأة تسير أمام علمي اليابان وكوريا الجنوبية في طوكيو - أرشيف (أ.ب)

جدد علم «الشمس المشرقة» تاريخا من الخلافات بين كوريا الجنوبية واليابان، بعد أن طالبت كوريا الجنوبية اللجنة الأولمبية الدولية بمنع اليابان من وضع علم «الشمس المشرقة» على المنشآت والمواقع التي تستضيف فعاليات دورة الألعاب الأولمبية القادمة (طوكيو 2020).

وقال بارك وانغ وو وزير الثقافة والرياضة والسياحة في كوريا الجنوبية إن شعار الشمس المشرقة «ارتبط بالإمبريالية اليابانية خلال العدوان الياباني المسلح في آسيا» وإنه كان «رمزا سياسيا يذكر الدول الآسيوية ومنها كوريا والصين والكثير من دول جنوب شرقي آسيا بجروح وآلام تاريخية» مثلما يذكر الصليب المعقوف (سفاستيكا) «الأوروبيين بكابوس الحرب العالمية الثانية»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.

ويلقي الاستعمار الياباني لشبه الجزيرة الكورية بين عامي 1910 و1945 بظلاله على العلاقات بين البلدين إضافة إلى اتساع نطاق نزاع في الآونة الأخيرة بشأن قضية عمال السخرة الكوريين ليصل إلى التبادل التجاري والتعاون الأمني بعدما ألغت كوريا الجنوبية اتفاقية لتبادل المعلومات المخابراتية مع اليابان الشهر الماضي، حسب ما ذكرت وكالة «رويترز».

وامتد التوتر بين البلدين ليشمل السفر والثقافة بعدما أعلنت شركة طيران يابانية في الأسبوع الماضي أنها ستعلق بعض الرحلات إلى كوريا الجنوبية.

كما استبعد معرض فني ياباني تمثالا لفنانين كوريين يمثل نساء كوريات أجبرن على العمل في «بيوت الدعارة» التابعة للجيش الياباني خلال الحرب العالمية الثانية ما أثار جدلا بشأن الرقابة.

وتطور الأمر في بداية الشهر الجاري، حين تلقت سفارة كوريا الجنوبية في طوكيو خطابا يهدد باستهداف الكوريين ويحتوي على رصاصة، وقالت وكالة كيودو اليابانية إن محتوى الخطاب كان: «أملك بندقية وسأقوم باصطياد الكوريين» وامتنعت الشرطة عن التعقيب.

وفقا لوكالة «رويترز»، بدأت العلاقات بين سيول وطوكيو في التدهور أواخر العام الماضي، بعد أن أمرت المحكمة العليا في كوريا الجنوبية الشركات اليابانية بدفع تعويضات لبعض ضحايا العمل القسري. ونددت اليابان بالحكم، قائلة إن هذه المسألة تمت تسويتها بموجب معاهدة تطبيع العلاقات عام 1965.

شبح الاستعمار

ظلت العلاقات بين البلدين تسيطر عليها تلك الحقبة الزمنية التي تعود إلى القرن الماضي، بعد أن بدأ الاحتلال العسكري الياباني لشبه الجزيرة الكورية في 29 أغسطس (آب) سنة 1910، بعد توقيع المعاهدة اليابانية – الكورية، والتي تنازل بموجبها الإمبراطور الكوري ينغهي عن كامل صلاحياته، تحولت شبه الجزيرة الكورية إلى مستعمرة يابانية واستمر الاحتلال الياباني طيلة 35 عاما، حتى سقطت الإمبراطورية اليابانية في الحرب العالمية الثانية، واستسلمت لقوات التحالف.

بدأ الجيش الياباني في 1910 باحتلال جزيرة دوكدو، وسميت بجزيرة تاكيشيما، حيث فرض النظام الياباني للكوريين تعليم اللغة اليابانية وبتر الثقافة الكورية، وتحويل المواطنين الكوريين إلى مواطنين يابانيين بالدرجة الثانية.

«نساء المتعة»

خلال الحرب العالمية الثانية، كان الجيش الياباني يستغل مجموعة من النساء جنسيا أثناء الحرب، وتشكّل هذه القضية مصدرا لتوتر العلاقات بين البلدين منذ عقود، ويرى الكوريون الجنوبيون في قصة أولئك النساء رمزا لما مارسته اليابان من استغلال وعنف أثناء استعمارها.

ويقول معظم المؤرخين إن مائتي ألف امرأة، معظمهن من الكوريات، إضافة إلى صينيات وإندونيسيات ومن دول آسيوية أخرى، أُجبرن على العمل لصالح الجيش الياباني، كما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2015، توصلت كوريا الجنوبية واليابان إلى اتفاق «نهائي غير قابل للتغيير» قدّمت فيه اليابان اعتذارها للكوريين، ودفعت تعويضات بقيمة مليار ين (7.5 مليون يورو) لمؤسسة تعنى بمن بقين على قيد الحياة من هؤلاء النساء. لكن هذا الاتفاق المعقود في عهد الرئيسة الكورية الجنوبية المعزولة بارك غوين - هي، أثار انتقادات كثيرة.

وقد تعهد الرئيس الحالي مون جاي إن في حملته الانتخابية بإعادة النظر في الاتفاق، وكلّفت سيول فريقا خاصا بدراسته.

وأصدر الفريق تقريرا جاء فيه: «أنجز الاتفاق من دون مراعاة كافية لرأي الضحايا في مسار المفاوضات».

واعتذرت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية عن الاتفاق، واصفة إياه بأنّه «مؤذ» للضحايا و«لا يعبّر» عن رأيهن. كما نقلت وكالة رويترز.

وأشارت كوريا الجنوبية إلى أنها لا تريد أموالا إضافية من اليابان لمنحها للناجيات، بل إنها تفضل أن تدفع المال بنفسها، في خطوة ينظر لها على أنها مسعى من كوريا الجنوبية لتجنب فكرة أن اليابان قد حلت قضية النساء عبر دفع التعويضات المالية.

تعويضات العمل القسري

في أواخر العام الماضي، أمرت المحكمة العليا في كوريا الجنوبية الشركات اليابانية بدفع تعويضات لبعض ضحايا العمل القسري خلال الحرب العالمية الثانية. ونددت اليابان بالحكم قائلة إن هذه المسألة تمت تسويتها بموجب معاهدة تطبيع العلاقات عام 1965، وحسب ما ذكرت «رويترز».

وكانت الحكومة اليابانية تصر، بدعم من الولايات المتحدة، على أن مسألة التعويضات تمت تسويتها بموجب معاهدة السلام في سان فرانسيسكو أو بمقتضى اتفاقات تطبيع العلاقات مع الصين وكوريا الجنوبية.

ولكن بعض الباحثين القانونيين، بما في ذلك بعض اليابانيين، أكدوا أن التسوية بين الدول لا تمنع الأفراد من السعي للحصول على تعويضات.

وقد أيدت القرارات الأخيرة لمحكمتين في كوريا الجنوبية هذا المبدأ، ففي يوليو (تموز) 2013، أمرت اثنتان من المحاكم العليا الشركات اليابانية الكبرى – «ميتسوبيشي» للصناعات الثقيلة، وشركة «نيبون ستيل وسوميتومو كورب» المعدنية - بتعويض الكوريين الذين أجبروا على العمل في المصانع والمناجم خلال الحرب.

ويعتقد المؤرخون الكوريون أن نحو 1.2 مليون كوري أجبروا على العمل خلال الحرب، وأن نحو 300 شركة يابانية قائمة استغلت هؤلاء العمال.

وفي يوليو (تموز) الماضي، استدعي السفير الكوري الجنوبي لليابان نام جوان - بيو للاجتماع مع وزير الخارجية الياباني تارو كونو بعد انقضاء مهلة حددتها طوكيو لسيول لقبول تحكيم دولة ثالثة في النزاع. وذلك وفقا لما ذكرته «رويترز»

ورفضت كوريا الجنوبية تحكيم دولة ثالثة، وقال كونو إن على سيول أن تتخذ إجراءات سريعة لتصحيح ما قالت اليابان إنه حكم غير صحيح، وتصر اليابان أنها أنهت تلك الأزمة في معاهدة 1965.

معاهدة 1965

وافق الرئيس الكوري الجنوبي بارك تشونغ هي، في عام 1965 على توقيع معاهدة أساسية لإعادة العلاقات الأساسية مع اليابان، وكان الشرط الرئيسي لتلك المعاهدة هو قيام اليابان بالاعتذار عن كافة ممارساتها خلال فترة استعمار كوريا وتقديم التعويضات للمتضررين، وتشير التقارير الإعلامية إلى أن اليابان تصر على أن هذه التسوية كانت لكل المطالب الاقتصادية المترتبة على ممارسات زمن الحرب. وذلك وفقا لما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية.

وكانت المعاهدة مرفوضة بين الكوريين وشهدت البلاد حينها احتجاجات عدة لرفضها، وسمحت الإصلاحات التي طالت النظام السياسي في تسعينات القرن الماضي للمواطنين بالتعبير علنا عن معارضتهم مرة أخرى، وبدأ البعض عام 1992 في الاحتجاج الأسبوعي أمام السفارة اليابانية.

وجرى التوصل إلى اتفاقية عام 2015 اعتذرت بموجبها اليابان ووعدت بدفع مليار ين ياباني لتعويض الضحايا، ومع انتخاب الرئيس الحالي للبلاد في 2017 طالب المواطنون بتعديل الاتفاقية، وهو الأمر الذي ساهم في اتساع الفجوة مجددا بين البلدين.

الخلاف التجاري

وألقى الخلاف الدبلوماسي على طبيعية العلاقات التجارية بين البلدين؛ حيث فرضت اليابان في أوائل يوليو (تموز) الماضي قيودا على صادرات المواد التي تستخدم في صناعة رقائق الكومبيوتر والشاشات على جارتها كوريا الجنوبية، أكبر منتج في العالم لرقائق الكومبيوتر والتي تستورد احتياجاتها من هذه المواد من اليابان.

قال وزير التجارة الكوري الجنوبي يوو ميونج هيي، أمس (الأربعاء)، إن كوريا الجنوبية تريد إحالة النزاع التجاري مع اليابان إلى منظمة التجارة العالمية للنظر فيه، مشيرا إلى أن تلك الإجراءات ذات دوافع سياسية.

وكانت الحكومة اليابانية قد ذكرت عند الكشف عن هذه الإجراءات أن العلاقات بين الدولتين «تضررت بشدة» في الفترة الأخيرة، في إشارة إلى حكم المحكمة العليا الكورية الجنوبية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بشأن تعويضات ضحايا العمل القسري.

ويذكر أنه في عام 2015، أتيحت الفرصة لكوريا الجنوبية واليابان لتغيير معالم القضايا التاريخية بمناسبة الذكرى السنوية الـ70 لتحرير كوريا والذكرى السنوية الـ70 لهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية والذكرى السنوية الـ50 لتطبيع العلاقات بين البلدين، إلا أنهما فشلتا في حل القضايا التاريخية بشكل جوهري، وذلك بحسب وكالة «يونهاب» للأنباء الكورية الجنوبية.

نزاع صخور «ليانكورت»

وحكمت الطبيعية الجغرافية على البلدين في الوقوع في فخ النزاع علي جزر إقليمية مطالبين بالسيادة عليها، وهي ما تعرف بـ«صخور ليانكورت»، وهي مجموعة من الجزر الصغيرة في بحر اليابان، وتساند كوريا الشمالية مطالب جارتها الجنوبية، وإلى الآن لم يتوصل الطرفان لأي حل.

يسمي الكوريون جزر صخور ليانكورت «دوكدو»، بينما اليابان تصر على تسميتها جزر «تاكيشيما»، حسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء.

وتقع هذه الجزر الصغيرة على بعد متساو تقريبا بين البلدين، في منطقة صيد بحري غنية، فضلا عن أنها قد تحتوي على كميات كبيرة من احتياطيات الغاز الطبيعي. وتستقر فيها حامية تابعة لحرس الحدود الكوريين الجنوبيين منذ عام 1954، وذلك وفقا لما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).



ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
TT

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك موجة من التفاعل على منصة «إكس» بعدما لمح، على سبيل المزاح، إلى رغبته في شراء شركة الطيران الأوروبية منخفضة التكلفة «رايان إير»، وتعيين شخص يحمل اسم «رايان» لإدارتها.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك في مركز معارض «بورت دو فرساي» في باريس بفرنسا يوم 16 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التصريحات عقب مناوشة إلكترونية بدأت عندما سخر فريق «رايان إير» على وسائل التواصل الاجتماعي من انقطاع مؤقت في منصة «إكس»، موجّهاً تعليقاً لماسك يتساءل فيه ما إذا كان يحتاج إلى خدمة «واي فاي». وردّ ماسك بطريقة ساخرة، متسائلاً إن كان عليه «شراء رايان إير ووضع شخص اسمه الحقيقي رايان على رأسها».

ولم يكتفِ ماسك بذلك، بل عاد ليسأل الشركة عن تكلفة الاستحواذ عليها، معتبراً أن من «قدرها» أن يملكها شخص يحمل الاسم نفسه. هذا التراشق الساخر سرعان ما استدعى رداً رسمياً من المدير التنفيذي لـ«رايان إير» مايكل أوليري، الذي قال إن ماسك «يعرف عن قوانين ملكية شركات الطيران أقل مما يعرف عن ديناميكا الطيران»، مضيفاً أنه سيتناول الموضوع في مؤتمر صحافي بدبلن، وفق ما نقلته شبكة «يورو نيوز» الإخبارية.

كما أطلقت شركة «رايان إير» تعليقاً ساخراً عبر حسابها الرسمي، معلنة عن عرض خاص على المقاعد تحت عنوان «العظماء الأغبياء»، موجّهة إياه لماسك ولغيره من مستخدمي «إكس».

يُذكر أن أحد مؤسسي هذه الشركة هو رجل الأعمال الآيرلندي توني رايان، الذي لعب دوراً محورياً في إطلاقها خلال ثمانينات القرن الماضي. ورغم وفاته عام 2007، لا تزال عائلته من كبار المساهمين، فيما يتولى أوليري إدارة الشركة منذ سنوات طويلة.

لكن، بعيداً من المزاح، فإن أي محاولة حقيقية من ماسك لشراء «رايان إير» ستصطدم بعقبات قانونية أوروبية. فوفقاً لقوانين الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون شركات الطيران العاملة داخل التكتل مملوكة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة لمواطنين من دول الاتحاد وتحت سيطرتهم الفعلية. وبما أن ماسك أميركي الجنسية، فلن يُسمح له بالاستحواذ على حصة مسيطرة دون تغيير جذري في هيكل الملكية، وهو ما قد يعرّض تراخيص الشركة للخطر.

ورغم كل ذلك، بدا أن ماسك يستمتع بالجدل، إذ حققت هذه السجالات ملايين المشاهدات خلال وقت قصير.


أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».