هدى نجيب محفوظ: أخشى على والدي من النسيان... وأتمنى رد اعتباره

قالت في الذكرى الـ13 لوفاة والدها: والدي ظلم كثيراً في حياته وأثيرت ضده شائعات غير حقيقية

هدى نجيب محفوظ: أخشى على والدي من النسيان... وأتمنى رد اعتباره
TT

هدى نجيب محفوظ: أخشى على والدي من النسيان... وأتمنى رد اعتباره

هدى نجيب محفوظ: أخشى على والدي من النسيان... وأتمنى رد اعتباره

في الذكرى الثالثة عشرة على رحيل الأديب نجيب محفوظ أجرت مجلة «المجلة» حوارا خاصا مع هدى نجلة الأديب العربي الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1988.
وأعربت هدى خلال الحوار عن تخوفها من أن يتعرض تاريخ والدها واسمه للنسيان مع مرور الزمن وتمنت أن يتم تدريس سيرته للتلاميذ في المدارس، أسوة بسير كتاب أجانب يتم تناولهم في مختلف المراحل الدراسية. وقالت هدى إن والدها تعرض لظلم كبير بسبب الشائعات التي ترددت ضده وأن من حاول قتله لم يقرأ له، مشيرة إلى أن هناك كثيراً ممن دخلوا بيته في حياته أساءوا إليه بعد رحيله. وكشفت عن السر الكامن وراء توتر العلاقة بين أسرة نجيب محفوظ والجامعة الأميركية بالقاهرة بعد سنوات طويلة من التعاون المشترك، مؤكدة على وجود دعاوى قضائية بين الطرفين وأنها تفكر بجدية في التعامل مع بديل آخر.
يذكر أن الأديب نجيب محفوظ هو أول مصري وعربي يفوز بجائزة نوبل للآداب وذلك عام 1988 لدوره البارز في إثراء الرواية العربية وبما قدمه من أعمال أدبية مهمة في تاريخ الأدب المصري والعربي منها ثلاثيته الشهيرة: «بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية» بجانب أعمال مثل «اللص والكلاب»، و«الحرافيش»، و«ميرامار»، و«ثرثرة فوق النيل»، و«زقاق المدق»، و«الحب فوق هضبة الهرم». وارتبطت أعماله بالحارة المصرية القديمة. وقد أثارت بعض أعماله جدلاً واسعاً وعلى رأسها «أولاد حارتنا» التي كان قد كتبها بعد توقف عن الكتابة لسبع سنوات، ولكنه تعرض بسببها للهجوم واصطدم بشيوخ الأزهر الذين طالبوا بمنع نشرها، وهو ما تسبب في تأخير نشر الرواية كاملة في كتاب لمدة ثماني سنوات ولم تتم طباعتها في مصر وإنما طبعتها دار الآداب اللبنانية عام 1967 ومنعت من دخول مصر حتى قامت دار الشروق المصرية بنشر الرواية عام 2006. ورغم أن نجيب محفوظ انتهى من هذه الرواية ونشرها على حلقات في جريدة الأهرام المصرية في خمسينات القرن الماضي، فإن الانتقادات التي أثيرت ضده بسببها ظلت مستمرة لآخر يوم في حياته لما ورد فيها من إيحاءات اعتبرها البعض إساءة لرموز دينية.
بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل ارتفعت نبرة العداء له من قبل المتشددين حتى تعرض لمحاولة اغتيال خطيرة وتلقى طعنات بالسكين في رقبته أثرت على يده اليمنى فلم يستطع الكتابة، إلى جانب اضطراره التوقف عن تأدية نشاطه الذي اعتاد عليه لعقود طويلة وهو سيره بين الناس في الشارع لمدة ساعة يومياً.
ويعد نجيب محفوظ أكثر أديب تحولت إبداعاته لأعمال سينمائية وتلفزيونية شارك فيها كبار نجوم الفن عبر مختلف العصور مما ساهم في اتساع مدى شهرته الجماهيرية وعدم اقتصارها على عالم المثقفين والنخبة.
وقد ارتبط اسم نجيب محفوظ بالمقاهي الشعبية في أحياء القاهرة القديمة منذ مولده بحي الجمالية بالقاهرة في 11 ديسمبر (كانون الأول) عام 1911 وحتى رحيله في 30 أغسطس (آب) عام 2006 وهو ما كان دافعاً لتخصيص «تكية أبو الدهب»، وهو مكان أثري في قلب القاهرة الفاطمية القديمة ليكون مقراً لمتحف نجيب محفوظ الذي افتتح مؤخراً.
ورغم وصوله لعمر الرابعة والتسعين لم يتوقف نشاطه الثقافي ولا لقاءاته الإعلامية، وكان عيد ميلاده يمثل مناسبة مهمة واحتفالية كبرى يحرص على حضورها مختلف نجوم الأدب والثقافة.
وبمناسبة حلول الذكرى الثالثة عشرة لرحيله، كان هذا اللقاء مع هدى نجيب محفوظ...
* ما شعورك في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الأب نجيب محفوظ وقد تواكبت مع افتتاح متحفه أخيراً وبعد طول انتظار؟
- طبعاً الله يرحمه هو وأمي وأختي فاتن، ولا شك أن الذكرى هذا العام مختلفة مع إتمام افتتاح متحف والدي، وهو شيء أسعدني كثيراً لأن متحفه خرج أخيراً للنور في حياة فرد من أفراد أسرته. وهو يعطي الأمل رغم بعض الانتقادات والملاحظات على المتحف لكنها أمور يمكن أن تعالج، والمهم أن المتحف أصبح موجوداً ويحتضن مقتنيات والدي.
* أستشعر افتقادك لبعض الرضا عن المتحف! أم أن طول المدة التي استغرقها تأسيسه أفقدك الحماس للمشروع؟
- أنا سعيدة بالمتحف ولكني أتمنى أن يقوم الأستاذ يوسف القعيد، مديره المسؤول عنه، بتحويله إلى مركز ثقافي وألا يقتصر على فكرة المتحف فقط وهذا يأتي في إطار الخطة التي بدأت من أجلها فكرة إقامة هذا المتحف.
* في رأيك هل يتم الاحتفاء بذكرى نجيب محفوظ بالشكل الذي يتناسب وقيمته الأدبية والثقافية؟ أم تشعرين بنوع من التقصير؟
- والله أنا ألاحظ أن مستوى الاهتمام يختلف من عام لعام فأحياناً أستشعر اهتماماً كبيراً به، وفي أعوام أخرى كثيرة كانت تمر ذكراه مرور الكرام وبشكل ضعيف! وأنا لم أتابع هذا العام احتفالات كثيرة ولم تلفت نظري أي فعاليات قوية بخلاف افتتاح المتحف طبعاً.
* ما السبب في رأيك؟
- ليس عندي تفسير!
* هل يساورك الخوف أحياناً من أن يتضاءل الاهتمام مع الوقت بنجيب محفوظ وتتراجع سيرته في الأذهان كما حدث لمبدعين كثيرين؟
- من الممكن أن يحدث ذلك للأسف، طالما أنه لا يوجد شيء يدرس عنه في المدرسة للتلاميذ. فنرى الأدباء الأجانب ما زالوا حاضرين بقوة بيننا رغم انتمائهم لعصور بعيدة، بسبب تدريس أعمالهم في المدارس منذ الصغر فنجد الطلاب يدرسون الأدباء الإنجليز والفرنسيين والألمان وخلافه، ولذلك هم ما زالوا خالدين، ولو لم نفعل ذلك مع نجيب محفوظ وغيره من الأدباء فسوف يتعرض للنسيان مع الوقت لأن كل جيل وله ناسه ومبدعوه، وبالتالي مع الوقت قد يحدث نسيان للسابقين.
* ألم يتم تناوله في أي من مراحل التعليم؟
- أنا أتكلم بشكل عام وهم كانوا قد قالوا إن هناك دراسات عنه في المناهج الدراسية ثم حذفت. وأعتقد أن هناك أساسيات في المدرسة يدرسها الطلاب ومن خلالها يتم التعرف على الشخصيات المهمة ومنهم الأدباء الكبار. وأذكر أنني مثلاً تعلمت في مدرسة أميركية وكنت أدرس شكسبير منذ الصغر وتخرجنا في المدرسة ونحن نعرفه جيداً.
* هل تتمنين أن يحدث ذلك مع والدك نجيب محفوظ؟
- طبعاً وليس هو فقط بل كل المبدعين. لأنه يجب علينا أن نعرف أبناء بلادنا فليس معقولاً أن ندرس الأجانب ونعرف عنهم أكثر مما نعرف عن مبدعينا، وللأسف الشديد لا يوجد أديب مصري تم تدريس أعماله وسيرته سوى الدكتور طه حسين من خلال «الأيام».
* هل تعتقدين أن الأجانب أكثر اهتماماً بنجيب محفوظ من العرب؟
- الحقيقة أن الجامعة الأميركية ظلت لفترة تعمل جيداً ولكن مؤخراً انخفض مستوى عملهم بشكل كبير لدرجة أنه لم يعد هناك أي تعاقد مع آخرين إلا باللغة الإنجليزية فقط تقريباً، وذلك بسبب تقصير الجامعة الأميركية وتركيزهم على النواحي الأكاديمية فقط، وحالياً توجد خلافات بيننا وبين الجامعة.
* هل كانت تلك الخلافات سبباً في عدم حضورك حفل توزيع جائزة نجيب محفوظ السنوية بالجامعة؟
- أنا لم أتعمد أبداً التطرق في الكلام عن هذا الموضوع أو الخوض فيه إعلامياً حتى فوجئت بالمبالغة في التصريحات المنسوبة إلي، وأصبح الأمر زائداً عن الحد. فأنا لم أكن أقصد امتناعي عن الحضور أو الإعلان عن ذلك ولكنها جاءت صدفة حينما سألني أحد الصحافيين ذات يوم قائلاً: «هنقابلك بكرة» - يقصد يوم توزيع جائزة نجيب محفوظ - فقلت له أنا مقاطعة الجامعة الأميركية. وللعلم نحن كأسرة نجيب محفوظ لم نحضر احتفالياتهم إلا مرات قلائل بسبب تجاوزات كبيرة منهم ومشكلات جمة من شأنها التأثير سلبياً على العمل حتى أشعروني أنهم غير مهتمين بهذا الأمر.
* هل تفكرين بالبحث عن بديل أم أن التعاقد لا يسمح؟
- بالفعل هذا الأمر وارد لأن صبري نفد، وقد رفعنا ثلاث دعاوى قضائية ضد الجامعة. وكان شغل الجامعة الأميركية ينقسم لشقين، كناشرين ومترجمين، إضافة إلى كونهم وكلاء لوالدي في حياته وهو ما كان يمنحهم حق الأعمال الدرامية. ولما توفي والدي ترتب على ذلك انتهاء عقد الوكالة تماماً مثل انتهاء توكيل الأشخاص برحيلهم. لكنهم للأسف رغم وفاة والدي ظلوا مستمرين في الوكالة، كما أنهم يتدخلون في منح الحقوق العربية، وهو ليس من شأنهم وليسوا مختصين بذلك، بل إنهم يتصرفون في هذا الأمر الخارج عن اختصاصهم دون أخذ رأيي أو الرجوع إلي، وهو ما يعرضني للحرج والمشاكل مع من أكون قد تعاقدت معهم. وهي ليست مشاكل قانونية فقط وإنما يتسبب تصرفهم ذلك في الإساءة للسمعة. كما أن الوكيل ليس مالكاً للشيء ولكنه يقدم خدمة بمقابل لصاحب الشأن، ولذلك كانت هناك مخالفات كثيرة في هذا الصدد دفعتنا لرفع الدعاوى القضائية ضد الجامعة الأميركية.
* هل تشعرين ببعض المرارة من تغير تعاملات الناس مع أسرة نجيب محفوظ بعد رحيله؟
- الحمد لله لم أشعر بذلك أبداً فهناك المعارف والأصدقاء، وأنا والحمد لله لم أتغير مع أصدقائي المقربين، ولا يهمني أن أخسر شخصاً كان يعرفني فقط من أجل والدي. وأنا سعيدة بأصدقائي وهذا يرجع لاختياراتي لهم فلا يهمني الناس الذين كانوا يتقربون مني لأجل والدي ثم انفضوا من حولي برحيله، فأنا لا أحب مثل هذه العلاقات.
* لكني أقصد تغير أسلوب تعامل المؤسسات كالجامعة الأميركية؟
- للأسف الشديد أغضبت الجامعة الأميركية كثيرين غيرنا، فقد قرأت في صحيفة «أخبار الأدب» فيما معناه أن هناك شكوى للأستاذ بهاء طاهر منهم. وما شعرنا به أنهم يعاملوننا معاملة المستعمر بسبب أسلوب التعالي والمن معنا، رغم أنهم ليس لهم الفضل في حصول والدي على جائزة نوبل، كما أن اللجنة المختصة قد قرأت أعماله مترجمة قبل التعاون مع الجامعة الأميركية بكثير ونحن من نرسل الأعمال إلى الناشرين الكبار. وكنت في الجامعة الأميركية ونحن نعرف تاريخهم جيداً، ولا يصح أن يمنوا علينا كأنهم أصحاب الفضل، لأنهم استفادوا وحصلوا على مقابل كل جهد قاموا به ولم يكن مجاناً، وكانت المصلحة متبادلة ولا مجال للمن علينا الآن. وكانت أختي الراحلة فاتن محقة في انزعاجها من معاملتهم السيئة.
* هل هناك مشروعات أخرى مستقبلية خاصة بالراحل نجيب محفوظ أو ذات صلة به؟
- لا يوجد شيء في الفترة الحالية.
* ألا يوجد حلم يراودك تحقيقه؟
- كما قلت أتمنى أن يتم تدريس نجيب محفوظ في المدارس لكي يتعرفوا عليه، أسوة بالكتاب والأدباء الأجانب، وأتمنى أيضاً توضيح الكثير من الأمور الخاصة به لأنه ظلم كثيراً في حياته وأثيرت ضده شائعات غير حقيقية، ولذلك فالأمر يتطلب تقديم معلومات صحيحة وجادة للتعرف عليه والقراءة عنه جيداً، وفهم أسلوبه والرمز الذي كان يستخدمه. وللأسف من هاجموه لم يعرفوه ومن حاول قتله لم يقرأ له كتاباً، وكل ما يحدث أن كلاماً يتردد وتتوه الحقائق ولا أحد يعلم شيئاً عنها.
* برأيك كيف يتم رد اعتبار نجيب محفوظ؟
- من خلال تدريسه للتلاميذ والتعريف به عبر الأجيال المختلفة كما كنا نحن ندرس الأدباء الكبار بالمدرسة. وأتمنى ألا يقتصر ذلك على والدي فقط بل يمتد لغيره من المبدعين، لأن القارئ في المدرسة سيتعمق في هذه التفاصيل أكثر من القارئ العادي كما أننا لو اقتصرنا على المرحلة الجامعية فقط فستكون المسألة محدودة.
* هل تعتقدين أن السينما ظلمت أعمال نجيب محفوظ في بعض الأحيان؟ أو حصرت أفكاره في إطار غير حقيقي؟
- اشترك والدي في كتابة سيناريوهات أعمال سينمائية، لذلك فهو يدرك جيداً أن السينما تنطوي على جزء تجاري، ومن هذا المنطلق كان يقول: «من أراد الحكم على أعمالي فليقرأها ليحكم علي من الرواية وليس السينما»، وهو الأمر الصحيح لأن هناك تغييرات يتم إدخالها على النص بفعل السيناريو وفقاً لاعتبارات العمل السينمائي، أما الرواية فهي الأصل وهي إنتاج المؤلف الحقيقي.
* ما أهم أعماله السينمائية التي كان يراها قريبة من كتاباته ورواياته الأصلية؟
- لم أسأله لكني أعتقد أن هناك أعمالاً سينمائية كثيرة تمت بشكل سيئ! وأذكر أننا ذات مرة كنا نذاكر في نفس الغرفة التي كان يكتب فيها وقرأ علينا خطاباً من شخص قال له في الخطاب: كيف تتكلم عن المبادئ «يا بتاع العوالم» وضحك والدي!! وطبعاً بدا أن صاحب الخطاب كان متأثراً بأفلام الثلاثية التي منحت مساحة أكبر للراقصات، ولخصوا الثلاثية في كونها تاريخ العوالم في مصر. كما اعتقد البعض من مشاهدة الثلاثية أن نجيب محفوظ ينظر للمرأة نظرة دونية، وهي بالطبع نظرة ظالمة ورأي في غير محله، لأن ما جاء في الفيلم لا يعبر عن كتاباته وهو كان يقول إن من أراد الحكم على أعمالي فعليه أن يحكم من المكتوب.
* هل أبدى اعتراضاً على الثلاثية بعد تقديمها على شاشة السينما؟
- أظن أنه لم يكن لديه اعتراض على مخرج العمل حسن الإمام وكان يحبه.
* هل كان يصحبكم مثلاً لمشاهدة أعماله بالسينما؟
- لا أتذكر! لكنني أذكر أننا كنا نذهب معه إلى السينما لمشاهدة أعمال أجنبية.
* هل كان أباً ديمقراطياً أم أقرب لشخصية سي السيد التي ابتكرها في الثلاثية؟
- أذكر عندما كتب والدي هذه الرواية زعموا أن «سي السيد» هذا هو والده، لكنه قال لي إن فن الرواية لا يعتمد على الواقع كما هو بحذافيره، وإنما يلعب الخيال دوراً كبيراً في اللمسات الفنية المضافة للشخصية المستوحاة، فهو لم يكن يكتب عن حياة أشخاص بعينها ولم يكن سي السيد في بيته، ومن يحكمون على والدي وحياتنا لا هم يعرفونه كأب ولا يعرفوننا، ولم يره أحد في معاملته لنا. وكان حنوناً جداً وكانت والدتي تقول له وهي غاضبة «أنت اللي مدلعهم» لأنه كان يعاملنا بمنتهى اللطف والحنان وكانت لديه رغبة قوية أن يعلمنا الكتابة لنسير على دربه، وليس معقولاً أن يكون بشخصية سي السيد ويريد لبناته أن يكن مثله ويكملن مسيرته.
* وهل تحققت أمنية نجيب محفوظ الأب لبناته؟
- أنا درست الإعلام وتخصصت في العلاقات العامة بالجامعة الأميركية بينما أختي الراحلة فاتن درست إدارة أعمال. وقبل دخولي الجامعة قدمت أيضاً في جامعة القاهرة وقبلت في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية وكان يفضل أن ألتحق بالجامعة المصرية، ولكني قررت في النهاية الدراسة بالجامعة الأميركية، دون أي ضغط علينا لاختيار ما يتناسب مع رغبته وترك لنا الحرية في هذا الأمر.
* ما سر عدم زواج بنات نجيب محفوظ؟
- لا أحب الكلام في هذه الموضوعات الخاصة.
* أحترم وجهة نظرك ورغبتك، لكن سؤالي يثير اهتمام جمهور نجيب محفوظ الحريص على معرفة التفاصيل الحياتية عنه وعن أسرته خاصة أنه شخصية عالمية؟
- والله كل شيء في النهاية هو قسمة ونصيب وكذلك الزواج. ويؤسفني أن أقول إن هناك من تعرضوا لسيرتنا ممن كانوا محيطين بوالدي وأشاعوا ضدنا أموراً ليست حقيقية وأساءت لنا كثيراً بعد أن حاولوا رسم صورة معينة لبناته.
* هل تعرضتم لظلم؟
- كانت مسألة مصالح وهناك من كانوا يحرصون على التقرب إلينا ومعرفة طريقة تفكيرنا ثم ظلمونا! وأستغرب ممن دخلوا بيت نجيب محفوظ في حياته ثم لا يتورعون أن يتكلموا بسوء عن بناته بعد وفاته، ويتكلموا عن أمور لا يعرفونها والأغرب أن يصدق الناس هذه الإساءات دون أن يلوموا من يردد هذه الأقاويل. وللأسف تجدين الناس متجاوبة أكثر للسلبيات.
* هل أفادتك شهرة والدك أم سببت لك أضراراً؟
- لم يكن لي علاقة بشهرة والدي ولا بجائزة نوبل وكنت أعمل بشركة أميركية دون واسطة ولا أي شيء.
* أقصد التأثير النفسي لأنه أحياناً تكون شهرة الأب عبئاً ثقيلاً على الأبناء، فهل استشعرت هذا الأمر يوماً؟
- نحن كأسرة نجيب محفوظ كنا بعيدين عن الأضواء وليست لنا علاقة بشغل والدي وكنا مرتاحين في هذا البعد عن الأضواء، لكن عندما اضطررت للظهور في الإعلام مؤخراً شعرت أنه أمر صعب ولا أحبه، ولذلك تجدين لقاءاتي محدودة جداً وعندما ظهرت على شاشة التلفزيون كنت أشترط أن يكون اللقاء مسجلاً، وليس على الهواء لأني لم أعتد هذه الأمور.
* هل كان الوالد هو من يرفض ظهورك أنت وشقيقتك ووالدتك في الأضواء؟
- لا لقد كان ذلك من اختيارنا نحن.
* هل كان يسمح لكن بمقابلة ضيوفه في البيت؟
- والدي كان له أصدقاؤه الكبار وكنا نراهم بالبيت وأذكر منهم «أونكل» ثروت أباظة ولم تكن هناك مشكلة في مقابلته، أما تلامذته فلم يكونوا يأتون كثيراً ولم نكن نعرفهم ولا نتكلم معهم وغالباً ما كان يلتقي بهم في مكان عام كالمقهى، و«أونكل» ثروت كان في منزلة الأب وكنا نحبه جداً هو وتوفيق الحكيم لأنهما من أعز أصدقائه.
* ما أكثر شيء تفتقدينه بغياب الأب نجيب محفوظ بعد هذه السنوات؟
- أفتقد كل الحاجات الجميلة التي تعلمتها منه فقد كان مثالياً في تعاملاته مع الناس وكنت أتعلم ذلك منه وعندما أصطدم بموقف ما مع أي شخص حاليا أجدني أقارن بين ما يحدث لي في ذلك الموقف وبين كيفية تعامل والدي مع الناس في مواقف مشابهة بطريقة مختلفة، فأشعر بالحزن. لقد كان قدوة طيبة في الأخلاق والتواضع والتسامح في معاملته مع الناس.
* هل كانت له وصية خاصة لكم قبيل رحيله؟
- ليست وصية وإنما كانت أمنيته في الحياة أن نكمل مسيرته أو أن تكون إحدى بنتيه أديبة وقد حاول معنا كثيراً منذ كنا أطفالاً وكان يرغب في تعليمنا الكتابة ونحن في المدرسة لكننا لم نستطع تحقيق هذه الأمنية واخترنا مجالات مختلفة.
* ما الذي تتمنين تحقيقه في ذكرى نجيب محفوظ القادمة؟
- يهمني جداً رد الاعتبار له ولأصدقائه وهو ما استشعرته عندما وجدت مكاناً مخصصاً لمجموعة الحرافيش أصدقاء والدي المقربين في متحفه فقد كان هناك من يريد اختصار الكلام عن حرافيش والدي وقصرها على أشخاص معينين، رغبة في تغييب أصحابه مثلما يحاولون تغييب أسرته، كما أشعر بالراحة الكبيرة كلما استطعت توضيح الصورة وتصحيح بعض الأمور التي تتعلق بوالدي وأسرته.



«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية المعروفة باسم «غايتواي».

وقال جاريد إيزاكمان في بيان أدلى به خلال فعالية استمرت ليوم كامل في مقر وكالة «ناسا» بواشنطن: «تعتزم الوكالة إيقاف مشروع (غايتواي) بشكله الحالي، والتركيز بدلاً من ذلك على البنية التحتية التي تُمكّن من استدامة العمليات على سطح القمر».

وأضاف: «على الرغم من التحديات التي تعترض عمل بعض المعدات الحالية، ستعيد الوكالة توظيف المعدات المناسبة وستستفيد من التزامات الشركاء الدوليين لدعم هذه الأهداف».

وكانت وكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من بين الشركاء في مشروع «غايتواي».

يأتي هذا التغيير الأخير لخطط «ناسا» بعد تعديلات طرأت على برنامج «أرتيميس» الذي يهدف إلى إعادة رواد فضاء أميركيين إلى القمر، والتأسيس لوجود طويل الأمد هناك، تمهيداً لبعثات مستقبلية إلى المريخ.

وكان من المُفترض أن تكون محطة «غايتواي» المدارية القمرية بمثابة نقطة عبور لرواد الفضاء المتجهين إلى القمر، ومنصة للأبحاث.

لم يكن تعليق المبادرة مفاجئاً، إذ انتقدها البعض باعتبارها تهديداً للموارد أو تشتيتاً للانتباه عن طموحات أخرى متعلقة بالمهام إلى القمر.

وقال إيزاكمان إن «ناسا» تخطط حالياً لإنفاق 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة لبناء القاعدة القمرية عبر عشرات المهمات، «بالتعاون مع شركاء تجاريين ودوليين لوضع خطة مدروسة وقابلة للتنفيذ».

وأضاف: «سيكون هناك مسار تدريجي لبناء أول قاعدة دائمة للبشرية خارج كوكب الأرض، وسنأخذ العالم معنا في هذه الرحلة».

«أرتيميس 2»

أعلن إيزاكمان الذي تولى قيادة «ناسا» أواخر العام الماضي، على نحو مفاجئ قبل أقل من شهر، إعادة هيكلة برنامج «أرتيميس» الذي شهد تأجيلات متكررة في السنوات الأخيرة، وذلك بهدف ضمان عودة الأميركيين إلى سطح القمر بحلول عام 2028.

وأوضح إيزاكمان أن هذا الهدف لا يزال قائماً، لكن وكالة الفضاء الأميركية تُجري تعديلات على برنامج رحلاتها ليشمل مهمة تجريبية قبل الهبوط النهائي على سطح القمر، وذلك لتحسين «الخبرة العملية» في عمليات الإطلاق.

جاء هذا التعديل الاستراتيجي بعد تأجيلات متكررة لمهمة «أرتيميس 2» التي كان من المقرر إطلاقها في فبراير (شباط)، ولكنها باتت مرتقبة حالياً في أبريل (نيسان). وتهدف المهمة إلى تحقيق أول تحليق قريب من القمر منذ أكثر من نصف قرن.

خلال ولايته الأولى، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبته في أن تطأ أقدام الأميركيين سطح القمر مجدداً.

وتواصل الصين المضي قدماً في خططها لأول مهمة مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030 على أقصى تقدير.

ويعتمد الجهد الأميركي جزئياً على تقدم شركاء «ناسا» من القطاع الخاص.

وقد تعاقدت «ناسا» مع شركتي الفضاء «سبايس إكس» و«بلو أوريجين»، التابعتين للمليارديرين إيلون ماسك وجيف بيزوس، لتطوير مركبات الهبوط القمرية المستخدمة في برنامج «أرتيميس».


القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر، وأكدت الوزارة في بيان، الثلاثاء، أن المقال المنسوب للمدعو فؤاد الهاشم، الصحافي الكويتي، تضمن إساءات إلى مصر وشعبها والقيم الأخلاقية العربية، إضافة إلى ادعاءات تسيء إلى الجوانب الصحية والسياحية في مصر.

وعدّ البيان «وقوع هذا الشخص في مستنقع البذاءات التي استخدمها تجاه مصر وشعبها أمراً مرفوضاً، وانحطاطاً أخلاقياً قبل أن يكون سقوطاً مهنياً وإعلامياً، وهو تصرف لا يمكن التسامح معه أو الصمت إزاءه».

ووجهت الوزارة التحية للأصوات الكويتية ومن سائر دول الخليج العربية من إعلاميين ومثقفين ومسؤولين ومواطنين شرفاء، سارعوا لإدانة ما اقترفه ذلك الشخص تجاه مصر وشعبها، وعبروا عن المشاعر الوطنية والقومية الطبيعية والمتجذرة لدى الشعبين في مصر والكويت، وما تضمنته مقالاتهم وآراؤهم بما يربط البلدين الشقيقين عبر التاريخ القديم والحديث من روابط اجتماعية وسياسية وثقافية.

وأهاب البيان بالإعلاميين والمواطنين المصريين عدم الوقوع في فخ الخلط بين انحراف هذا الشخص عن كل القيم والأعراف والأخلاقيات، وبين الشعب الكويتي الشقيق المحب لمصر بقيادته ومواطنيه ونخبه الثقافية والإعلامية، والحريص دائماً على العلاقات الطيبة مع مصر وقيادتها وشعبها، وعدم الانسياق وراء الفتنة التي أرادها هذا الشخص المسيء فى هذا التوقيت تحديداً للوقيعة بين الشعبين، فكاتب المقال لا يمثل في نظرنا إلا نفسه، ونربأ بإعلام وشعب الكويت أن يكون معبّراً عنهم».

وقال السفير عزت سعد، المدير التنفيذي للمجلس المصر للشؤون الخارجية، إن «العلاقة بين مصر والكويت لن يؤثر فيها سلباً مثل هذه المقالات، لكن من المناسب الرد وتوضيح علاقتنا بالكويت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكويتي يقدرون دور مصر في بناء الكويت الحديثة ودورها في تحرير الكويت بداية التسعينات، ومن ثم يجب عدم الالتفات لمثل هذا الرجل الذي كتب كلاماً لا يستحق القراءة فضلاً عن الرد عليه».

ولفت سعد إلى أن إصدار بيان والتحرك قانوناً في مثل هذه المواقف أمر يعود لتقديرات وزارة الدولة للإعلام، مضيفاً: «في مناسبات سابقة كان هناك دائماً ذوو نفوس ضعيفة يكتبون مثل هذه الكلمات غير المسؤولة والتي تحتاج إلى دليل ملموس يدعمها، وهي صغائر لا تستحق الاهتمام».

وأعلنت الوزارة عن إجراءات تم اتخاذها تجاه الموضوع بالتنسيق بين وزارتي الخارجية في مصر والكويت، وإحالة الموضوع برمته إلى النائب العام في الكويت الشقيقة لاتخاذ ما يلزم قانوناً إزاءه، كما قام وزير الدولة للإعلام بمصر بالاتصال هاتفياً بوزير الإعلام بدولة الكويت، للتعبير عن الرفض التام لهذا المقال الذي نُشر في إصدار إعلامي كويتي، وهو تصرف غير مقبول، ويسيء للعلاقات الوطيدة بين البلدين، معرباً عن ثقته بأن الجانب الكويتي لن يتهاون إزاء هذا السلوك.

ويرى العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، الدكتور حسن عماد مكاوي، أن «المقال المسيء صدر عن شخص ليس له حيثية، وليس له ثقل في المجتمع الكويتي، فهو شخص بلا جنسية (بدون)، وهو كاتب صحافي غير معروف ومحدود القيمة، ولا يستحق الرد على ما قاله من تفاهات وعبث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقات بين مصر والكويت أكبر من هذا الأمر، ومثل هذه الكتابات سواء صدرت عن شخص كويتي أو شخص مصري يجب ألا يُعتد بها؛ لأنها لا يمكن أن تؤثر في علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية عبر عشرات السنين الماضية».

وفي الوقت نفسه، جدد وزير الدولة للإعلام خلال الاتصال الهاتفي التأكيد على دعم مصر حكومة وشعباً لدولة الكويت الشقيقة في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية غير مبررة. وأكد البيان أنه يتم التنسيق حالياً بين وزارتي الخارجية فى مصر والكويت بشأن ما يمكن اتخاذه من إجراءات قضائية وفق القوانين الكويتية تجاه الشخص المذكور.

وجددت الوزارة عزمها وكل الجهات المصرية المختصة، على إخضاع أي تجاوزات تضر بالمصالح الوطنية، وتسيء للعلاقات مع الدول العربية الشقيقة، للقوانين واللوائح المصرية، وهو الأمر الذي تناشد الجهات المعنية في الدول العربية الشقيقة، القيام به تجاه المتجاوزين في حق مصر وشعبها والساعين إلى الإضرار بعلاقات دولهم الشقيقة معها، وذلك وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها.

ووصفت المتخصصة في الإعلام والدعاية بجامعة القاهرة، الدكتورة سارة فوزي، البيان الصادر عن وزارة الدولة للإعلام في مصر بأنه «متوازن جداً»، وثمنت خطوات الوزارة في سرعة الرد على كل ما يتم نشره دولياً ومحلياً وما يتم تداوله من شائعات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أهم ما يميز البيان التفرقة بين الآراء الفردية، والروابط القوية بين الكويت ومصر وغيرها من دول الخليج خصوصاً في وقت الأزمات والحروب».

ولفتت إلى أن «التحرك القضائي وتصعيد الأمر ضد أي شخص يتجاوز أمر مهم جداً، حتى لا نرى كتّاباً آخرين يحاولون التطاول على مصر»، وأكدت أنه «إلى جانب قوة مصر الناعمة يجب أن يعرف المتجاوزون أن مصر يمكنها أن تضرب بيد من حديد على المسيئين والمتجاوزين حتى لا يتكرر الأمر».

وأشارت سارة إلى حوادث عالمية كثيرة تم التحرك فيها قضائياً من قبل الدول ضد مقالات نشرت في دول أخرى تنال من هيبة الدولة المتضررة، وتسيء لها أو لأحد رموزها أو تطلق اتهامات جزافية ضدها.

وكان المقال المنشور في إحدى الصحف الكويتية قد أثار ضجة كبيرة في مصر، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت ابنة كاتب المقال وهي المخرجة السينمائية فرح الهاشم بياناً ورسالة موجهة للرئيس المصري على صفحتها بموقع «فيسبوك» تنفي فيه علاقتها بما يصدر عن هذا الشخص الذي وصفته بأنه «والدها البيولوجي»، وقالت في منشورها إن علاقتها به منقطعة منذ أعوام طويلة، وأنها تختلف تماماً مع آرائه، مؤكدة محبتها وتقديرها لمصر وشعبها.


مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان، بجانب تطور النسق المعماري عبر عصور مختلفة.

وأعلنت البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين «المجلس الأعلى للآثار» و«كلية الآثار بجامعة القاهرة»، الثلاثاء، عن اكتشاف بقايا مبنى دير أثري يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي، بمنطقة الأديرة المطمورة بوادي النطرون بمحافظة البحيرة، والتي تُعد من أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والأثار المصرية، «يمثل هذا الكشف مرحلة هامة في تطور الحياة الرهبانية المبكرة، حيث يلقي الضوء على التخطيط المعماري للأديرة الأولى في هذه المنطقة ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة».

وتبلغ مساحة المبنى المكتشف نحو 2000 متر مربع، وهو مشيَّد من الطوب اللبن، حيث يصل سُمك الجدران الخارجية إلى متر كامل، بينما يتراوح سُمك الجدران الداخلية ما بين 60 و70 سم، ويتراوح ارتفاعها بين 1.80 و2.20 متر.

ويضم المبنى فناءً مركزياً مكشوفاً يتوسط التخطيط العام، تحيط به مجموعة من الوحدات المعمارية التي تشمل أفنية فرعية تفتح عليها قلالي (حجرات الرهبان) بأشكال ومساحات متنوعة، ما بين المربع والمستطيل. كما تم الكشف عن مجموعة من الملحقات الخدمية في الجزء الغربي من المبنى، تضم مطابخ متكاملة وأفراناً وأماكن لتخزين المؤن.

المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور فنون العمارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي أن الاكتشاف يمثل «إضافة نوعية لفهمنا لبدايات الرهبنة في مصر، والتي انطلقت من أرض مصر لتنتشر في مختلف أنحاء العالم»، وأضاف في إفادة رسمية أن «وادي النطرون يُعد أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في مصر، وهذا الاكتشاف يعزز من مكانته على خريطة السياحة الدينية والثقافية الدولية».

وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف عدد من أماكن الدفن داخل المبنى، تحتوي على بقايا عظام بشرية يُرجح أنها تعود لرهبان الدير، في دلالة على الطابع الجنائزي المرتبط بالحياة الرهبانية في تلك الفترة.

ويرى أستاذ الآثار بجامعة القاهرة الدكتور جمال عبد الرحيم أن «الاكتشاف يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات العلمية حول حياة الرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الآثار المكتشفة ستسهم في تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية واليومية للرهبان، بشكل مغاير وأكثر عمقاً مما ورد في كتب التاريخ، حيث تقدم الحفريات تفاصيل مختلفة عن الروايات التاريخية»، مؤكداً أن «الدير المكتشف يبرز تطوراً كبيراً في العناصر المعمارية الخاصة بالأديرة».

يحتوي على عناصر معمارية فريدة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتضمن الكشف الأثري الجديد تفاصيل معمارية وفنية عدة، حيث تم العثور على عدد من النقوش بالخط القبطي، تتضمن أسماء رهبان أقاموا بالدير، إلى جانب كتابات دينية تتضرع بالرحمة والمغفرة، وهو ما عدته البعثة «يسهم في تأريخ المبنى، وتوثيق الحياة اليومية للرهبان».

ورأى أستاذ الاجتماع بالكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، الدكتور نصيف فهمي أن «اكتشاف الدير الجديد يفتح مجالاً واسعاً لدراسة الحياة الاجتماعية للرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحياة الاجتماعية للرهبان بها تفاصيل غير معروفة للكثيرين، وتوفر الاكتشافات الأثرية معلومات جديدة».

وبحسب وزارة السياحة، أظهرت الدراسات المعمارية استخدام أنظمة تسقيف متنوعة، بمبنى الدير المكتشف، منها الأقبية والقباب المبنية من الطوب اللبن، كما كُسيت الجدران بطبقة من الملاط الأبيض، وزُينت برسومات جدارية تضم عدداً من الصلبان وأشجار النخيل وزخارف نباتية وهندسية متنوعة.

المبنى يعود إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة الدكتور محسن صالح أن «البعثة وضعت خطة متكاملة لتوثيق المبنى المكتشف وصيانته وفقاً لأحدث المعايير العلمية، مع مراعاة طبيعة مواد البناء الطينية وتحقيق مبادئ الاستدامة». بينما أكد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة السياحة الدكتور ضياء زهران، أن المبنى يعد «نموذجاً متكاملاً لمباني الرهبنة المبكرة، حيث يحتفظ بمعظم عناصره المعمارية»، بينما أوضح رئيس البعثة الأثرية الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام، أن هذا الكشف «يمثل دليلاً مادياً هاماً يؤكد الروايات التاريخية حول نشأة الرهبنة في وادي النطرون»، مشيراً إلى أن «المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور العمارة الرهبانية بين القلالي الفردية والأديرة الكبيرة».