هدى نجيب محفوظ: أخشى على والدي من النسيان... وأتمنى رد اعتباره

قالت في الذكرى الـ13 لوفاة والدها: والدي ظلم كثيراً في حياته وأثيرت ضده شائعات غير حقيقية

هدى نجيب محفوظ: أخشى على والدي من النسيان... وأتمنى رد اعتباره
TT

هدى نجيب محفوظ: أخشى على والدي من النسيان... وأتمنى رد اعتباره

هدى نجيب محفوظ: أخشى على والدي من النسيان... وأتمنى رد اعتباره

في الذكرى الثالثة عشرة على رحيل الأديب نجيب محفوظ أجرت مجلة «المجلة» حوارا خاصا مع هدى نجلة الأديب العربي الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1988.
وأعربت هدى خلال الحوار عن تخوفها من أن يتعرض تاريخ والدها واسمه للنسيان مع مرور الزمن وتمنت أن يتم تدريس سيرته للتلاميذ في المدارس، أسوة بسير كتاب أجانب يتم تناولهم في مختلف المراحل الدراسية. وقالت هدى إن والدها تعرض لظلم كبير بسبب الشائعات التي ترددت ضده وأن من حاول قتله لم يقرأ له، مشيرة إلى أن هناك كثيراً ممن دخلوا بيته في حياته أساءوا إليه بعد رحيله. وكشفت عن السر الكامن وراء توتر العلاقة بين أسرة نجيب محفوظ والجامعة الأميركية بالقاهرة بعد سنوات طويلة من التعاون المشترك، مؤكدة على وجود دعاوى قضائية بين الطرفين وأنها تفكر بجدية في التعامل مع بديل آخر.
يذكر أن الأديب نجيب محفوظ هو أول مصري وعربي يفوز بجائزة نوبل للآداب وذلك عام 1988 لدوره البارز في إثراء الرواية العربية وبما قدمه من أعمال أدبية مهمة في تاريخ الأدب المصري والعربي منها ثلاثيته الشهيرة: «بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية» بجانب أعمال مثل «اللص والكلاب»، و«الحرافيش»، و«ميرامار»، و«ثرثرة فوق النيل»، و«زقاق المدق»، و«الحب فوق هضبة الهرم». وارتبطت أعماله بالحارة المصرية القديمة. وقد أثارت بعض أعماله جدلاً واسعاً وعلى رأسها «أولاد حارتنا» التي كان قد كتبها بعد توقف عن الكتابة لسبع سنوات، ولكنه تعرض بسببها للهجوم واصطدم بشيوخ الأزهر الذين طالبوا بمنع نشرها، وهو ما تسبب في تأخير نشر الرواية كاملة في كتاب لمدة ثماني سنوات ولم تتم طباعتها في مصر وإنما طبعتها دار الآداب اللبنانية عام 1967 ومنعت من دخول مصر حتى قامت دار الشروق المصرية بنشر الرواية عام 2006. ورغم أن نجيب محفوظ انتهى من هذه الرواية ونشرها على حلقات في جريدة الأهرام المصرية في خمسينات القرن الماضي، فإن الانتقادات التي أثيرت ضده بسببها ظلت مستمرة لآخر يوم في حياته لما ورد فيها من إيحاءات اعتبرها البعض إساءة لرموز دينية.
بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل ارتفعت نبرة العداء له من قبل المتشددين حتى تعرض لمحاولة اغتيال خطيرة وتلقى طعنات بالسكين في رقبته أثرت على يده اليمنى فلم يستطع الكتابة، إلى جانب اضطراره التوقف عن تأدية نشاطه الذي اعتاد عليه لعقود طويلة وهو سيره بين الناس في الشارع لمدة ساعة يومياً.
ويعد نجيب محفوظ أكثر أديب تحولت إبداعاته لأعمال سينمائية وتلفزيونية شارك فيها كبار نجوم الفن عبر مختلف العصور مما ساهم في اتساع مدى شهرته الجماهيرية وعدم اقتصارها على عالم المثقفين والنخبة.
وقد ارتبط اسم نجيب محفوظ بالمقاهي الشعبية في أحياء القاهرة القديمة منذ مولده بحي الجمالية بالقاهرة في 11 ديسمبر (كانون الأول) عام 1911 وحتى رحيله في 30 أغسطس (آب) عام 2006 وهو ما كان دافعاً لتخصيص «تكية أبو الدهب»، وهو مكان أثري في قلب القاهرة الفاطمية القديمة ليكون مقراً لمتحف نجيب محفوظ الذي افتتح مؤخراً.
ورغم وصوله لعمر الرابعة والتسعين لم يتوقف نشاطه الثقافي ولا لقاءاته الإعلامية، وكان عيد ميلاده يمثل مناسبة مهمة واحتفالية كبرى يحرص على حضورها مختلف نجوم الأدب والثقافة.
وبمناسبة حلول الذكرى الثالثة عشرة لرحيله، كان هذا اللقاء مع هدى نجيب محفوظ...
* ما شعورك في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الأب نجيب محفوظ وقد تواكبت مع افتتاح متحفه أخيراً وبعد طول انتظار؟
- طبعاً الله يرحمه هو وأمي وأختي فاتن، ولا شك أن الذكرى هذا العام مختلفة مع إتمام افتتاح متحف والدي، وهو شيء أسعدني كثيراً لأن متحفه خرج أخيراً للنور في حياة فرد من أفراد أسرته. وهو يعطي الأمل رغم بعض الانتقادات والملاحظات على المتحف لكنها أمور يمكن أن تعالج، والمهم أن المتحف أصبح موجوداً ويحتضن مقتنيات والدي.
* أستشعر افتقادك لبعض الرضا عن المتحف! أم أن طول المدة التي استغرقها تأسيسه أفقدك الحماس للمشروع؟
- أنا سعيدة بالمتحف ولكني أتمنى أن يقوم الأستاذ يوسف القعيد، مديره المسؤول عنه، بتحويله إلى مركز ثقافي وألا يقتصر على فكرة المتحف فقط وهذا يأتي في إطار الخطة التي بدأت من أجلها فكرة إقامة هذا المتحف.
* في رأيك هل يتم الاحتفاء بذكرى نجيب محفوظ بالشكل الذي يتناسب وقيمته الأدبية والثقافية؟ أم تشعرين بنوع من التقصير؟
- والله أنا ألاحظ أن مستوى الاهتمام يختلف من عام لعام فأحياناً أستشعر اهتماماً كبيراً به، وفي أعوام أخرى كثيرة كانت تمر ذكراه مرور الكرام وبشكل ضعيف! وأنا لم أتابع هذا العام احتفالات كثيرة ولم تلفت نظري أي فعاليات قوية بخلاف افتتاح المتحف طبعاً.
* ما السبب في رأيك؟
- ليس عندي تفسير!
* هل يساورك الخوف أحياناً من أن يتضاءل الاهتمام مع الوقت بنجيب محفوظ وتتراجع سيرته في الأذهان كما حدث لمبدعين كثيرين؟
- من الممكن أن يحدث ذلك للأسف، طالما أنه لا يوجد شيء يدرس عنه في المدرسة للتلاميذ. فنرى الأدباء الأجانب ما زالوا حاضرين بقوة بيننا رغم انتمائهم لعصور بعيدة، بسبب تدريس أعمالهم في المدارس منذ الصغر فنجد الطلاب يدرسون الأدباء الإنجليز والفرنسيين والألمان وخلافه، ولذلك هم ما زالوا خالدين، ولو لم نفعل ذلك مع نجيب محفوظ وغيره من الأدباء فسوف يتعرض للنسيان مع الوقت لأن كل جيل وله ناسه ومبدعوه، وبالتالي مع الوقت قد يحدث نسيان للسابقين.
* ألم يتم تناوله في أي من مراحل التعليم؟
- أنا أتكلم بشكل عام وهم كانوا قد قالوا إن هناك دراسات عنه في المناهج الدراسية ثم حذفت. وأعتقد أن هناك أساسيات في المدرسة يدرسها الطلاب ومن خلالها يتم التعرف على الشخصيات المهمة ومنهم الأدباء الكبار. وأذكر أنني مثلاً تعلمت في مدرسة أميركية وكنت أدرس شكسبير منذ الصغر وتخرجنا في المدرسة ونحن نعرفه جيداً.
* هل تتمنين أن يحدث ذلك مع والدك نجيب محفوظ؟
- طبعاً وليس هو فقط بل كل المبدعين. لأنه يجب علينا أن نعرف أبناء بلادنا فليس معقولاً أن ندرس الأجانب ونعرف عنهم أكثر مما نعرف عن مبدعينا، وللأسف الشديد لا يوجد أديب مصري تم تدريس أعماله وسيرته سوى الدكتور طه حسين من خلال «الأيام».
* هل تعتقدين أن الأجانب أكثر اهتماماً بنجيب محفوظ من العرب؟
- الحقيقة أن الجامعة الأميركية ظلت لفترة تعمل جيداً ولكن مؤخراً انخفض مستوى عملهم بشكل كبير لدرجة أنه لم يعد هناك أي تعاقد مع آخرين إلا باللغة الإنجليزية فقط تقريباً، وذلك بسبب تقصير الجامعة الأميركية وتركيزهم على النواحي الأكاديمية فقط، وحالياً توجد خلافات بيننا وبين الجامعة.
* هل كانت تلك الخلافات سبباً في عدم حضورك حفل توزيع جائزة نجيب محفوظ السنوية بالجامعة؟
- أنا لم أتعمد أبداً التطرق في الكلام عن هذا الموضوع أو الخوض فيه إعلامياً حتى فوجئت بالمبالغة في التصريحات المنسوبة إلي، وأصبح الأمر زائداً عن الحد. فأنا لم أكن أقصد امتناعي عن الحضور أو الإعلان عن ذلك ولكنها جاءت صدفة حينما سألني أحد الصحافيين ذات يوم قائلاً: «هنقابلك بكرة» - يقصد يوم توزيع جائزة نجيب محفوظ - فقلت له أنا مقاطعة الجامعة الأميركية. وللعلم نحن كأسرة نجيب محفوظ لم نحضر احتفالياتهم إلا مرات قلائل بسبب تجاوزات كبيرة منهم ومشكلات جمة من شأنها التأثير سلبياً على العمل حتى أشعروني أنهم غير مهتمين بهذا الأمر.
* هل تفكرين بالبحث عن بديل أم أن التعاقد لا يسمح؟
- بالفعل هذا الأمر وارد لأن صبري نفد، وقد رفعنا ثلاث دعاوى قضائية ضد الجامعة. وكان شغل الجامعة الأميركية ينقسم لشقين، كناشرين ومترجمين، إضافة إلى كونهم وكلاء لوالدي في حياته وهو ما كان يمنحهم حق الأعمال الدرامية. ولما توفي والدي ترتب على ذلك انتهاء عقد الوكالة تماماً مثل انتهاء توكيل الأشخاص برحيلهم. لكنهم للأسف رغم وفاة والدي ظلوا مستمرين في الوكالة، كما أنهم يتدخلون في منح الحقوق العربية، وهو ليس من شأنهم وليسوا مختصين بذلك، بل إنهم يتصرفون في هذا الأمر الخارج عن اختصاصهم دون أخذ رأيي أو الرجوع إلي، وهو ما يعرضني للحرج والمشاكل مع من أكون قد تعاقدت معهم. وهي ليست مشاكل قانونية فقط وإنما يتسبب تصرفهم ذلك في الإساءة للسمعة. كما أن الوكيل ليس مالكاً للشيء ولكنه يقدم خدمة بمقابل لصاحب الشأن، ولذلك كانت هناك مخالفات كثيرة في هذا الصدد دفعتنا لرفع الدعاوى القضائية ضد الجامعة الأميركية.
* هل تشعرين ببعض المرارة من تغير تعاملات الناس مع أسرة نجيب محفوظ بعد رحيله؟
- الحمد لله لم أشعر بذلك أبداً فهناك المعارف والأصدقاء، وأنا والحمد لله لم أتغير مع أصدقائي المقربين، ولا يهمني أن أخسر شخصاً كان يعرفني فقط من أجل والدي. وأنا سعيدة بأصدقائي وهذا يرجع لاختياراتي لهم فلا يهمني الناس الذين كانوا يتقربون مني لأجل والدي ثم انفضوا من حولي برحيله، فأنا لا أحب مثل هذه العلاقات.
* لكني أقصد تغير أسلوب تعامل المؤسسات كالجامعة الأميركية؟
- للأسف الشديد أغضبت الجامعة الأميركية كثيرين غيرنا، فقد قرأت في صحيفة «أخبار الأدب» فيما معناه أن هناك شكوى للأستاذ بهاء طاهر منهم. وما شعرنا به أنهم يعاملوننا معاملة المستعمر بسبب أسلوب التعالي والمن معنا، رغم أنهم ليس لهم الفضل في حصول والدي على جائزة نوبل، كما أن اللجنة المختصة قد قرأت أعماله مترجمة قبل التعاون مع الجامعة الأميركية بكثير ونحن من نرسل الأعمال إلى الناشرين الكبار. وكنت في الجامعة الأميركية ونحن نعرف تاريخهم جيداً، ولا يصح أن يمنوا علينا كأنهم أصحاب الفضل، لأنهم استفادوا وحصلوا على مقابل كل جهد قاموا به ولم يكن مجاناً، وكانت المصلحة متبادلة ولا مجال للمن علينا الآن. وكانت أختي الراحلة فاتن محقة في انزعاجها من معاملتهم السيئة.
* هل هناك مشروعات أخرى مستقبلية خاصة بالراحل نجيب محفوظ أو ذات صلة به؟
- لا يوجد شيء في الفترة الحالية.
* ألا يوجد حلم يراودك تحقيقه؟
- كما قلت أتمنى أن يتم تدريس نجيب محفوظ في المدارس لكي يتعرفوا عليه، أسوة بالكتاب والأدباء الأجانب، وأتمنى أيضاً توضيح الكثير من الأمور الخاصة به لأنه ظلم كثيراً في حياته وأثيرت ضده شائعات غير حقيقية، ولذلك فالأمر يتطلب تقديم معلومات صحيحة وجادة للتعرف عليه والقراءة عنه جيداً، وفهم أسلوبه والرمز الذي كان يستخدمه. وللأسف من هاجموه لم يعرفوه ومن حاول قتله لم يقرأ له كتاباً، وكل ما يحدث أن كلاماً يتردد وتتوه الحقائق ولا أحد يعلم شيئاً عنها.
* برأيك كيف يتم رد اعتبار نجيب محفوظ؟
- من خلال تدريسه للتلاميذ والتعريف به عبر الأجيال المختلفة كما كنا نحن ندرس الأدباء الكبار بالمدرسة. وأتمنى ألا يقتصر ذلك على والدي فقط بل يمتد لغيره من المبدعين، لأن القارئ في المدرسة سيتعمق في هذه التفاصيل أكثر من القارئ العادي كما أننا لو اقتصرنا على المرحلة الجامعية فقط فستكون المسألة محدودة.
* هل تعتقدين أن السينما ظلمت أعمال نجيب محفوظ في بعض الأحيان؟ أو حصرت أفكاره في إطار غير حقيقي؟
- اشترك والدي في كتابة سيناريوهات أعمال سينمائية، لذلك فهو يدرك جيداً أن السينما تنطوي على جزء تجاري، ومن هذا المنطلق كان يقول: «من أراد الحكم على أعمالي فليقرأها ليحكم علي من الرواية وليس السينما»، وهو الأمر الصحيح لأن هناك تغييرات يتم إدخالها على النص بفعل السيناريو وفقاً لاعتبارات العمل السينمائي، أما الرواية فهي الأصل وهي إنتاج المؤلف الحقيقي.
* ما أهم أعماله السينمائية التي كان يراها قريبة من كتاباته ورواياته الأصلية؟
- لم أسأله لكني أعتقد أن هناك أعمالاً سينمائية كثيرة تمت بشكل سيئ! وأذكر أننا ذات مرة كنا نذاكر في نفس الغرفة التي كان يكتب فيها وقرأ علينا خطاباً من شخص قال له في الخطاب: كيف تتكلم عن المبادئ «يا بتاع العوالم» وضحك والدي!! وطبعاً بدا أن صاحب الخطاب كان متأثراً بأفلام الثلاثية التي منحت مساحة أكبر للراقصات، ولخصوا الثلاثية في كونها تاريخ العوالم في مصر. كما اعتقد البعض من مشاهدة الثلاثية أن نجيب محفوظ ينظر للمرأة نظرة دونية، وهي بالطبع نظرة ظالمة ورأي في غير محله، لأن ما جاء في الفيلم لا يعبر عن كتاباته وهو كان يقول إن من أراد الحكم على أعمالي فعليه أن يحكم من المكتوب.
* هل أبدى اعتراضاً على الثلاثية بعد تقديمها على شاشة السينما؟
- أظن أنه لم يكن لديه اعتراض على مخرج العمل حسن الإمام وكان يحبه.
* هل كان يصحبكم مثلاً لمشاهدة أعماله بالسينما؟
- لا أتذكر! لكنني أذكر أننا كنا نذهب معه إلى السينما لمشاهدة أعمال أجنبية.
* هل كان أباً ديمقراطياً أم أقرب لشخصية سي السيد التي ابتكرها في الثلاثية؟
- أذكر عندما كتب والدي هذه الرواية زعموا أن «سي السيد» هذا هو والده، لكنه قال لي إن فن الرواية لا يعتمد على الواقع كما هو بحذافيره، وإنما يلعب الخيال دوراً كبيراً في اللمسات الفنية المضافة للشخصية المستوحاة، فهو لم يكن يكتب عن حياة أشخاص بعينها ولم يكن سي السيد في بيته، ومن يحكمون على والدي وحياتنا لا هم يعرفونه كأب ولا يعرفوننا، ولم يره أحد في معاملته لنا. وكان حنوناً جداً وكانت والدتي تقول له وهي غاضبة «أنت اللي مدلعهم» لأنه كان يعاملنا بمنتهى اللطف والحنان وكانت لديه رغبة قوية أن يعلمنا الكتابة لنسير على دربه، وليس معقولاً أن يكون بشخصية سي السيد ويريد لبناته أن يكن مثله ويكملن مسيرته.
* وهل تحققت أمنية نجيب محفوظ الأب لبناته؟
- أنا درست الإعلام وتخصصت في العلاقات العامة بالجامعة الأميركية بينما أختي الراحلة فاتن درست إدارة أعمال. وقبل دخولي الجامعة قدمت أيضاً في جامعة القاهرة وقبلت في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية وكان يفضل أن ألتحق بالجامعة المصرية، ولكني قررت في النهاية الدراسة بالجامعة الأميركية، دون أي ضغط علينا لاختيار ما يتناسب مع رغبته وترك لنا الحرية في هذا الأمر.
* ما سر عدم زواج بنات نجيب محفوظ؟
- لا أحب الكلام في هذه الموضوعات الخاصة.
* أحترم وجهة نظرك ورغبتك، لكن سؤالي يثير اهتمام جمهور نجيب محفوظ الحريص على معرفة التفاصيل الحياتية عنه وعن أسرته خاصة أنه شخصية عالمية؟
- والله كل شيء في النهاية هو قسمة ونصيب وكذلك الزواج. ويؤسفني أن أقول إن هناك من تعرضوا لسيرتنا ممن كانوا محيطين بوالدي وأشاعوا ضدنا أموراً ليست حقيقية وأساءت لنا كثيراً بعد أن حاولوا رسم صورة معينة لبناته.
* هل تعرضتم لظلم؟
- كانت مسألة مصالح وهناك من كانوا يحرصون على التقرب إلينا ومعرفة طريقة تفكيرنا ثم ظلمونا! وأستغرب ممن دخلوا بيت نجيب محفوظ في حياته ثم لا يتورعون أن يتكلموا بسوء عن بناته بعد وفاته، ويتكلموا عن أمور لا يعرفونها والأغرب أن يصدق الناس هذه الإساءات دون أن يلوموا من يردد هذه الأقاويل. وللأسف تجدين الناس متجاوبة أكثر للسلبيات.
* هل أفادتك شهرة والدك أم سببت لك أضراراً؟
- لم يكن لي علاقة بشهرة والدي ولا بجائزة نوبل وكنت أعمل بشركة أميركية دون واسطة ولا أي شيء.
* أقصد التأثير النفسي لأنه أحياناً تكون شهرة الأب عبئاً ثقيلاً على الأبناء، فهل استشعرت هذا الأمر يوماً؟
- نحن كأسرة نجيب محفوظ كنا بعيدين عن الأضواء وليست لنا علاقة بشغل والدي وكنا مرتاحين في هذا البعد عن الأضواء، لكن عندما اضطررت للظهور في الإعلام مؤخراً شعرت أنه أمر صعب ولا أحبه، ولذلك تجدين لقاءاتي محدودة جداً وعندما ظهرت على شاشة التلفزيون كنت أشترط أن يكون اللقاء مسجلاً، وليس على الهواء لأني لم أعتد هذه الأمور.
* هل كان الوالد هو من يرفض ظهورك أنت وشقيقتك ووالدتك في الأضواء؟
- لا لقد كان ذلك من اختيارنا نحن.
* هل كان يسمح لكن بمقابلة ضيوفه في البيت؟
- والدي كان له أصدقاؤه الكبار وكنا نراهم بالبيت وأذكر منهم «أونكل» ثروت أباظة ولم تكن هناك مشكلة في مقابلته، أما تلامذته فلم يكونوا يأتون كثيراً ولم نكن نعرفهم ولا نتكلم معهم وغالباً ما كان يلتقي بهم في مكان عام كالمقهى، و«أونكل» ثروت كان في منزلة الأب وكنا نحبه جداً هو وتوفيق الحكيم لأنهما من أعز أصدقائه.
* ما أكثر شيء تفتقدينه بغياب الأب نجيب محفوظ بعد هذه السنوات؟
- أفتقد كل الحاجات الجميلة التي تعلمتها منه فقد كان مثالياً في تعاملاته مع الناس وكنت أتعلم ذلك منه وعندما أصطدم بموقف ما مع أي شخص حاليا أجدني أقارن بين ما يحدث لي في ذلك الموقف وبين كيفية تعامل والدي مع الناس في مواقف مشابهة بطريقة مختلفة، فأشعر بالحزن. لقد كان قدوة طيبة في الأخلاق والتواضع والتسامح في معاملته مع الناس.
* هل كانت له وصية خاصة لكم قبيل رحيله؟
- ليست وصية وإنما كانت أمنيته في الحياة أن نكمل مسيرته أو أن تكون إحدى بنتيه أديبة وقد حاول معنا كثيراً منذ كنا أطفالاً وكان يرغب في تعليمنا الكتابة ونحن في المدرسة لكننا لم نستطع تحقيق هذه الأمنية واخترنا مجالات مختلفة.
* ما الذي تتمنين تحقيقه في ذكرى نجيب محفوظ القادمة؟
- يهمني جداً رد الاعتبار له ولأصدقائه وهو ما استشعرته عندما وجدت مكاناً مخصصاً لمجموعة الحرافيش أصدقاء والدي المقربين في متحفه فقد كان هناك من يريد اختصار الكلام عن حرافيش والدي وقصرها على أشخاص معينين، رغبة في تغييب أصحابه مثلما يحاولون تغييب أسرته، كما أشعر بالراحة الكبيرة كلما استطعت توضيح الصورة وتصحيح بعض الأمور التي تتعلق بوالدي وأسرته.



في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»