«ميثاق شرف» صحافي في العراق لتقاسم عوائد الإعلان الحكومي بـ«إنصاف»

بدعم ورعاية نقابة الصحافيين العراقيين

أصحاب الصحف وقعوا الميثاق لضمان ديمومتها وتحقيق أرباح أكثر
أصحاب الصحف وقعوا الميثاق لضمان ديمومتها وتحقيق أرباح أكثر
TT

«ميثاق شرف» صحافي في العراق لتقاسم عوائد الإعلان الحكومي بـ«إنصاف»

أصحاب الصحف وقعوا الميثاق لضمان ديمومتها وتحقيق أرباح أكثر
أصحاب الصحف وقعوا الميثاق لضمان ديمومتها وتحقيق أرباح أكثر

يعتقد غالبية أصحاب الصحف الورقية في العراق، أن الإعلان الحكومي، الذي يمثل المصدر الوحيد تقريبا لتمويل الصحف الورقية، لا يوزع بطريقة عادلة بين الجميع، إلى جانب الفساد التي يطال عملية التوزيع تلك، وتاليا، فإن عمل هذه الصحف واستمرارها بات على المحك، خاصة في ظل أزمة تراجع المطبوع الورقي في العراق والعالم.
وغالبا ما يثير ويحتج رؤساء الصحف وملاكها منذ سنوات، على قضية التمويل المتعلقة بالإعلان الحكومي نتيجة اعتمادهم عليه في تسيير شؤونهم المالية، إذ إن القطاع الخاص في العراق، لا يؤمن تقريبا بسياق وثقافة الإعلان والترويج لبضائعه ومنتجاته عبر وسائل الإعلام المختلفة، إلا باستثناءات قليلة جداً، تمثلها ربما شبكات الاتصال الثلاث (زين، كورك، آسياسيل) الكبيرة العاملة في العراق، لذلك لم يبق أمام الصحف الورقية إلا الاعتماد على الإعلان الحكومي الرسمي لتدبير جزء من متطلباتها المالية من أجل ضمان استمرارها في العمل والصدور.
وحيال ما تعد معاناة شبه يومية بالنسبة لقضية تمويل الصحف والسعي لبقائها على قيد الصدور وتلافي إغلاقها، تحرك مطلع الشهر الجاري، رؤساء نحو 20 صحيفة تصدر يومياً في العراق، عدا إقليم كردستان، وبتعاون ودعم نقابة الصحافيين العراقيين ورئيسها مؤيد اللامي إلى وضع ميثاق شرف يضمن عدالة التوزيع للإعلان الحكومي، ومنع التلاعب به من قبل ما بات يطلق عليها «مافيات الفساد الإعلاني» الموجودة على مستوى مكاتب الإعلام في مؤسسات ووزارات الدولة المختلفة، أو على مستوى بعض الصحف النافذة.
«ميثاق الشرف» المؤلف من 15 بنداً، وقّع من قبل رؤساء تحرير الصحف اليومية، خلال اجتماع تداولي، عقد في 5 سبتمبر (أيلول) الجاري، بمقر نقابة الصحافيين العراقيين، وبحضور النقيب مؤيد اللامي.
ونص الميثاق على تجاوز المشكلات المتعلقة بـ«توزيع حصص الإعلان الحكومي وأسعاره ودخول الوسطاء والطفيليين على خط الإعلان، مما يتسبب في ضياع الأموال وحرمان الصحف من كامل الواردات المخصصة للإعلان».
وبحسب الموقعين، فإن الميثاق الذي تضمن 15 بندا، يستهدف «الارتقاء بمستوى الإعلان الرسمي وتحقيق الغايات المرجوة منه وإعادة الإمساك بزمام الأمور ووضع ضوابط نشر الإعلانات الرسمية وشبه الرسمية بما يحقق المنافع المتبادلة لطرفي العقد، وتوفير مبالغ مهمة للصحف تذهب حاليا إلى جيوب الوسطاء بغير حق».
ونصت المادة الأولى من الميثاق على «تحديد قيمة الإعلان الحكومي في الصحف كافة وفي الصفحات الداخلية بمبلغ 750 سبعمائة وخمسين دينارا للسنتمتر المربع».
وألزمت واحدة من مواد الميثاق إدارات الصحف بنشر سعر الإعلان الحكومي بما لا يقل عن مرة واحدة أسبوعيا وفي مكان بارز، كذلك منعت أخرى، منعاً تاماً منح عمولات للموظفين المعينين بتوزيع الإعلانات على الصحف ويعد ذلك شراكة مباشرة بالفساد.
ورداً على ما يتردد من قيام «مافيا» باحتكار الإعلان الحكومي وتوزيعه على بقية الصحف، أكدت المادة الرابعة من الميثاق على أنه «لا يجوز منح تخاويل مفتوحة إلى مندوب الإعلان ولا يحق له تسلم إعلانات جريدة أخرى غير جريدته».
وشددت المادة الخامسة على أن «يكون حجم الحرف للإعلان بما لا يقل عن بنط 11 لمنع التلاعب واستغفال المستفيدين من محتوى الإعلان». كما جوز الميثاق التعامل مع الشركات والمكاتب الإعلانية المسجلة والمجازة على ألا تتجاوز نسبة العمولة من قيمة القائمة 25 في المائة.
وطالبت بعض بنود الميثاق الصحف بـ«تصويب أوضاعها لدى لجنة الاعتمادات في نقابة الصحافيين لضمان شمولها بتوزيع الإعلانات، واحترام مبدأ التنافس المشروع بما لا يؤثر على الصحف الأخرى».
ومن بين البنود المهمة التي وردت في الميثاق هو تأكيده على «قيام نقابة الصحافيين العراقيين بإعلام الأمانة العامة بمنطوق الميثاق وتزويدها بأسماء الصحف المعتمدة في النقابة لغرض تعميمها على الوزارات كافة والدوائر غير المرتبطة».
ويرى رئيس تحرير جريدة «الدستور» والناطق الرسمي باسم نقابة الصحافيين العراقيين باسم الشيخ، أن «الميثاق يهدف أساساً إلى القضاء على الفساد والهدر في الإعلان الحكومي الذي يقدر بنحو 20 مليار دينار عراقي سنوياً».
ويقول الشيخ لـ«الشرق الأوسط» إن «ما تنفقه الدولة على الإعلان كبير جداً، لكنه ونتيجة للفساد لا يوزع بالتساوي على جميع الصحف، ولو حدث ذلك، لتمكنت جميع الصحف من العمل بطريقة مريحة، وسيصل كل جريدة نحو مليار دينار سنوياً، لكننا عمليا لا نحصل اليوم إلا على نحو 150 مليون دينار عراقي، وهذا لا يغطي إلا الجزء اليسير من نفقات الصحيفة اليومية، لذلك تجد أن الصحف تعاني باستمرار».
ويشير الشيخ إلى أن «الموظفين في مكاتب الإعلان الحكومية باتوا يشكلون حلقة الفساد الأكبر، لأنهم يقومون بابتزاز الصحف ولا يمنحون الإعلان إلا للجرائد التي تدفع أعلى العمولات، وهناك أيضا، مافيا فساد داخل بعض الصحف تقوم بالتنسيق مع المكاتب الحكومية لاحتكار الإعلانات وتوزيعها بنسب عمولة عالية إلى بقية الصحف».
وحول قدرة الميثاق على ضبط إيقاع الإعلان الحكومي وتطبيق عملية التوزيع العادل ومنع الفساد، يرى الشيخ أن «ذلك ممكن بكل تأكيد في حال طبقت بنود الميثاق بحذافيره، ثم إن هناك عقوبات رادعة تضمنها الميثاق على أصحاب الصحف من غير الملتزمين، من بينها إلغاء عضوية رئيس التحرير في نقابة الصحافيين وإلغاء اعتماد الصحيفة في النقابة أيضاً».
وحول ما يتردد عن قيام جريدة «الصباح» شبه الرسمية التابعة لـ«شبكة الإعلام العراقية» باحتكار سوق الإعلان الحكومي، يؤكد الشيخ ذلك، ويرى أن «احتكار الصباح مسألة خاطئة جداً، باعتبار أنها تابعة لمؤسسة بث عام ممولة من الدولة، ويجب ألا تنافس الصحف الخاصة على الإعلان الحكومي، لذلك سنقوم بتقديم استفسار إلى المحكمة الاتحادية حول شرعية عمل جريدة الصباح».
ويختم الشيح قائلاً: «مشاكل الإعلان الحكومي كثيرة جداً ونحن بحاجة إلى جهود مضاعفة للفوز في هذه المعركة، هناك مافيا كبيرة تسيطر على هذا المجال مدعومة من صحف وهمية لا تصدر عادة إلا بيوم توزيع الإعلان، مع أن وزارة التخطيط تشترط أن يصل الإعلان إلى جريدة يومية واسعة الانتشار وغير مرتبطة بحزب أو إقليم أو محافظة».
وخلافاً للحماس الذي يبديه أصحاب ورؤساء تحرير الصحف لبنود الميثاق، يشكك الصحافي ومدير تحرير جريدة «العالم» البغدادية مصطفى عبادة بذلك، ويرى أن «العدالة في توزيع الإعلان الحكومي مسألة جيدة، لكن غالبية أصحاب الصحف يدافعون عن مصالحهم فقط وليس عن مصالح الصحافة والصحافيين بوجه عام».
ويقول عبادة في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «أصحاب الصحف، لم يجتمعوا لتوقيع ميثاق شرف، يخص حقوق العاملين في مؤسساتهم الإعلامية، أو الارتقاء بالمنتج الصحافي المحلي، إنما لضمان أرباح أكثر وديمومتها، كما أنهم لم يسارعوا إلى إصدار بيان مشترك، مثلاً، ضد قانون جرائم المعلوماتية الذي ينتظر الإقرار في مجلس النواب، وهو يصادر حرية الرأي والتعبير».
ويلقي عبادة باللائمة على أصحاب الصحف في تراجع مستوياتها وضحالة محتواها، ويقول إنها «عبارة عن كومة من الجرائد بأخبار متشابهة، عناوين مكررة، معلومات مستهلكة، وآراء سطحية، ويغيب عنها بشكل جلي العمل الصحافي الاستقصائي، وذلك بمجمله سبّب عزوفاً لدى القراء الذين صاروا يجدون معلومة ورأياً أكثر عمقاً في مواقع التواصل الاجتماعي».
ويرى عبادة أن «ما تعانيه الصحافة المحلية، لا يمكن تجاوزه قبل تطوير مهارات العاملين في مختلف المؤسسات الإعلامية، وتقديم عمل صحافي حقيقي يستحق القراءة والتفاعل، كذلك إيجاد أساليب تسويقية مناسبة تتماشى ومزاج مختلف فئات المجتمع».
ويشير إلى أن «المؤسسات الأكاديمية في مجال الإعلام والصحافة، لم تعد تنتج لنا خريجين يجيدون صناعة جملة قواعدية (نحوية) صحيحة، وليس خبراً، هذا الهدر في الطاقات البشرية، ربما يشمل أغلب طلبة الجامعات، لكني أجد القائمين على هذه التخصصات يمارسون عملية تجهيل ليس إلا».



«السوشيال ميديا»... سلاح كشف التجاوزات يتحول «جلاداً»

تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)
تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)
TT

«السوشيال ميديا»... سلاح كشف التجاوزات يتحول «جلاداً»

تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)
تظاهرة احتجاجية أمام مقر للشرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية، حيث وقعت عام 2025 "حادثة جورج فلويد". وهو رجل أسود تعرّض لقسوة قاتلة من شرطي ابيض، وثقتها الصور، عند توقيفه... أدت إلى وفاته (رويترز)

تجاوزت «السوشيال ميديا» أخيراً دورها كمنصات للترفيه والتبادل المعرفي لتتحوّل أداةً تتشابك فيها أدوار المواطن ما بين صانع للمحتوى ورقيب و«جلاد» في وقت معين. وجاء هذا التحوّل بعدما غدا الجوّال وسيلةً لـ«تنفيذ رقابة ذاتية» من بعض الأشخاص.

وكذلك، أصبح التوثيق الرقمي للمخالفات والتجاوزات وسيلة كشف غير رسمية، تسبق في كثير من الأحيان التحرّك المؤسسي من الجهات المتخصصة.

ظاهرة التصوير الميداني

وفق مراقبين، فإنه يُمكن بوضوح رصد نمط متصاعد من استخدام التصوير الميداني كسلاح «كشف أو ضغط»، فمثلاً السلطات الأمنية المصرية تكشف يومياً عن ملابسات جرائم مصدرها، بالأساس، مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي حين نجحت مشاهد التصوير هذه في استرداد الحقوق والتدخل العاجل من الأجهزة المصرية، كشفت وقائع أخرى عن الوجه المُظلم لهذه الممارسة عندما «تحول التوثيق في بعض الحالات وسيلةً للتشهير أو تصفية الحسابات».

خبراء يرون أن «الصراع بين فضيلة الكشف وخطر الانفلات يعكس مرحلة انتقالية في بنية المجتمعات». ويتفّق هؤلاء الخبراء على أن «التحدّي الحقيقي ليس في تقييد المبادرات الفردية؛ بل في تحويلها من ممارسات عفوية قد تجنح نحو التشهير، إلى ممارسة مسؤولة تتقاطع مع الأطر القانونية وتلتزم بأخلاقيات المهنة الرقمية».

سلاح ومحطات بث

حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع معهد روتشستر للتكنولوجيا بدبي، أشار في سياق الكلام عن جوهر الأزمة إلى «تحول حسابات الأفراد سلاحاً ومحطات بث مستقلة تفتقر إلى المعايير المهنية».

وقال مصطفى لـ«الشرق الأوسط» إن الحسابات تحوّلت إلى منصات بث؛ لأن أدوات النشر باتت متاحة للجميع، في حين اختفت الوظيفة التي كانت تؤديها غرفة الأخبار، بداية من السؤال قبل النشر، والتحقّق من المصدر، وتقدير الضرر، وموازنة الحق في المعرفة مع كرامة الناس.

وحسب مصطفى، «المشكلة الآن أن حسابات كثيرة تعمل بمنطق السرعة والسبق والانفعال؛ ولذا أصبح مقطع قصير بلا سياق قادراً على بناء حكم اجتماعي كامل خلال دقائق، وقد يتحوّل التوثيق تشهيراً». وأردف من ثم أن «الجمهور لا يرى دائماً الفرق بين النشر والتحقق؛ فالمحتوى المُولد من قِبل المُستخدمين يجب التعامل معه باعتباره مادة غير موثّقة إلى أن يثبت العكس».

من جهة ثانية، يرى متابعون أن المسؤولية تمتد لتتجاوز سلوك الأفراد وتصل إلى جوهر تصميم المنصات الرقمية؛ إذ تضع اعتبارات الربح المادي وجذب المشاهدات في صدارة أولوياتها، متجاوزة الاعتبارات الأخلاقية والمجتمعية.

وهنا يلفت مصطفى إلى أن «الخوارزميات ليست أدوات محايدة»؛ فهي ترتّب المحتوى بناءً على إشارات التفاعل مثل المشاهدات، والتعليقات، والمشاركات... والمحتوى الفاضح ينتج هذه الإشارات بسرعة أكبر من المحتوى الهادئ؛ ولذا يحدث خلل جوهري. وبالتالي، يشير إلى أن «الخوارزميات قد تدفع المجتمع نحو التشهير وتبسيط الوقائع؛ ما يصنع محكمة انفعالية بدلاً من وعي عام».

وقائع عالمية ومحلية

عالمياً، تتعدّد النماذج الدولية التي تعكس الدور المزدوج للتوثيق الرقمي كأداة لإنفاذ القانون وأحياناً كمصدر للضغط. ويظل النموذج الأبرز في قضية جورج فلويد في الولايات المتحدة، عام 2020، التي جعلت العدسة الشعبية محركاً لتغيير المسارات القانونية.

وأفريقياً، قبل أشهر، تسبّب تصوير أحد المارة في كينيا لشرطي يطلق النار على بائع متجوّل في توقيف الضابط وإحالته للتحقيق. وفي تنزانيا، المجاورة لكينيا، أدت تحقيقات الشرطة في جريمة اعتداء جنسي جماعي موثقة بالفيديو عام 2024 إلى ملاحقة المتهمين قانونياً مع إدراج مصوّري المقطع ومروّجيه ضمن دائرة التحقيق.

وبالتوازي، في مصر، تمكنت السلطات خلال الفترة الماضية من توقيف أحد الأشخاص ظهر في مقطع فيديو محاولاً سرقة أسلاك كهربائية من أحد المرافق عقب تداول فيديو وثَّق الواقعة، في حين كشفت وقائع أخرى عن «خطورة الادعاء والتشهير» مثل واقعة إقدام طالبة على تصوير شاب داخل عربة مترو «أنفاق القاهرة»، مدعية «تعاطيه مواد مخدّرة» لتثبت التحقيقات لاحقاً أن الشاب كان يجهّز سيجارة تبغ عادية؛ الأمر الذي دفعه إلى تقديم بلاغ ضد الفتاة بتهمة «التشهير».

الجوّال أصبح وسيلة لتنفيذ رقابة ذاتية من بعض الأشخاص (أرشيفية - رويترز)

«جلاد» ومحكمة شعبية

خبيرة علم النفس الاجتماعي في كندا، ندى قداح، في حوار مع «الشرق الأوسط»، حذَّرت من «ظهور ما يشبه محكمة شعبية رقمية تحوّل الجماهير جلاّداً وتصدر الحكم في عجالة من دون التحقق في صحة الادعاء أو الظن». وهي ترى أن المجتمعات، قبل منصّات التواصل، «كانت تلتزم بمنظومة غير مكتوبة من الضوابط مثل الحياء، والستر، والخوف من إيذاء الآخرين، والإحساس بأن كرامة الإنسان ليست ملكاً لا للشارع ولا للجمهور».

وأضافت قداح: «اليوم، بات الإنسان يعيش داخل اقتصاد جديد تحكمه قيمة الانتباه... ولم تعد بعض الأفعال تُقاس فقط بمعيار الصواب والخطأ، بل بقدرتها على جذب المشاهدات والتفاعل». وأوضحت: «عندما يتحول المرء مجرّد صورة، يصبح من السهل أن نفقد الاتصال بإنسانيته؛ لأن الشاشة تخلق مسافة عاطفية تجعل الآخر أقل حضوراً ككائن له مشاعر، وأكثر حضوراً كمحتوى».

وتابعت: «نحن بتنا في حاجة إلى تربية رقمية تعيد تعريف الحرية... فالحرية ليست أن أستخدم قدرتي بلا حدود، بل أن أمتلك الوعي الكافي لأعرف متى أتوقف احتراماً لكرامة الآخر».

تنظيم العلاقة وتحقيق العدالة

في سياق آخر، حول كيفية تنظيم العلاقة عند استخدام «التوثيق الرقمي». يشدّد الصحافي والمراسل الهولندي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، يوست شيفيرز، على أن «فاعلية التوثيق الرقمي لا تتوقّف عند لحظة الانتشار أو تصدر الترند، بل ترتبط بالمسار المؤسسي والقانوني اللاحق». وأضاف شيفيرز لـ«الشرق الأوسط» أنه يُمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تسهِم في تحقيق العدالة بشرط ضمان سلامة الضحايا وتقديم الإغاثة لهم أولاً. وأكد على «ضرورة تحويل هذه الأدوات وسائلَ للرقابة والمحاسبة الفعلية... إذ لا يكفي نشر صور القبض على المتهمين؛ بل تجب متابعة المسار القضائي بالكامل بدءاً من عرض المتهمين على القضاء، ووصولاً إلى الأحكام الصادرة ودور الدفاع. ذلك أن الشفافية في إجراءات التقاضي هي المعيار الحقيقي لتحويل المحتوى الرقمي أداةً لإنفاذ القانون».

نقطة أخرى تطرق لها المهتمون والخبراء، هي إمكانية انتقال الإنسان بفعل وسائل التواصل من كونه شاهداً على حدث إلى كونه منتجاً لمشهد، ومن متلقٍ للمعلومة إلى مشارك في صناعها ونشرها... وبين هذه المسافة حدث تحول نفسي واجتماعي، حيث تراجع الحاجز الداخلي الذي كان يجعل الإنسان يتوقف قبل أن ينتهك إنساناً آخر.

الحماية القانونية

من الناحية القانونية، يضع استشاري حقوق الإنسان والتشريعات الإعلامية، إيهاب سلام، حداً فاصلاً بين التوثيق والنشر. ويشرح لـ«الشرق الأوسط» أن «التصوير في حد ذاته مُباح للجميع ولا يُعدّ جريمة، ما دام لم يقع ضمن محظورات قانونية، مثل تصوير أماكن محظورة بنص القانون، أو تصوير أشخاص من دون رضاهم؛ لأن ذلك يُمثل انتهاكاً للخصوصية التي يحميها الدستور والقانون... بصرف النظر عمّا إذا كانت هذه الصور مُسيئة أو غير مسيئة، ولكن يُستثنى من ذلك حالات محدّدة، من بينها تصوير جريمة أثناء وقوعها، حيث يعطي القانون الأولوية لتوثيق الجريمة على حق الخصوصية».

ومن ثم، يركّز سلام على أن «النشر هو فعل آخر ولاحق للتصوير، ويُشترَط له قانوناً الحصول على موافقة صاحب الصورة أو المحتوى، والحماية القانونية هنا تتعلّق بحماية واحترام الخصوصية قبل أن تكون مرتبطة بالإساءة». ويستطرد قائلاً إن «نشر أي محتوى يتضمّن تشهيراً أو إساءة إلى شخص بعينه يُعدّ جريمة مُكتملة الأركان، سواءً كانت الوقائع صحيحة أو غير ذلك؛ لأن القانون يَحظُر التشهير ذاته بصرف النظر عن صحة المعلومة».

كذلك، يتطرّق سلام إلى حقيقة أن «القانون يعطي الأولوية لتوثيق الجريمة أثناء وقوعها على حقّ الخصوصية، لكنه لا يبيح النشر للعامة، والإجراء القانوني السليم هو تسليم المادة المصورة للجهات المختصة... وفي حالة الرغبة في النشر بخصوص هذه الحالة يجب التحقّق من صحة المحتوى وإخفاء هوية الأشخاص، مع تجنب تحويله وسيلةً للتشهير أو الإيذاء».

ثم يضيف أن «القوانين في المقابل أباحت، وأكدت على، حق نقد الشخصية العامة والموظف العام والكشف عن التجاوزات، لكنها وضعت شروطاً لاستخدام هذا الحق، من أبرزها أن يكون الفعل محل النقد مرتبطاً بعمله وليس أمراً شخصياً، وأن تكون الوقائع صحيحة ومثبتة، وأن يكون النقد الموجّه يتناسب مع الفعل محل النقد... ولكن رغم ذلك تظل الحياة الخاصة لهم محمية حماية كاملة، ولا يُعتد بذريعة كون الشخص شخصية عامة لتبرير المساس بخصوصيته أو الإساءة إليه».

ثم يلفت الاستشاري سلام إلى أن «الصراع بين فضيلة الكشف وخطر الانفلات يعكس مرحلة انتقالية في بنية المجتمعات، ففي حين يمثل التصوير الشعبي صمام أمان ضد الفساد والتسيب، يظل غياب الضبط التحريري والقانوني مُهدّداً للانفلات الاجتماعي. ومن ثم، لا بد من تعميم إرشادات وتعليمات للمواطنين بطرق وآليات الإبلاغ عن الجرائم ونشرها دون الوقوع في المحظورات القانونية، والتعجيل في سَن التشريعات المتعلقة بحماية الشهود والمُبلّغين لوضع مسار قانوني واضح لطريقة الإبلاغ عن التجاوزات من دون التعدّي على حقوق أخرى محمية قانونياً».

تتعدّد النماذج الدولية التي تعكس الدور المزدوج للتوثيق الرقمي


«أبل» تُحفز ناشرين لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي

شعار "أبل" (رويترز)
شعار "أبل" (رويترز)
TT

«أبل» تُحفز ناشرين لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي

شعار "أبل" (رويترز)
شعار "أبل" (رويترز)

سعياً لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي، تدرس شركة «أبل» دفع أموال لمؤسسات الإعلام مقابل استخدام ما تنشره من محتوى في نسختها الجديدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي من «سيري»، في محاولة لتحفيز الناشرين على دعم خدمة هذا المساعد الصوتي الذكي.

صحيفة «وول ستريت جورنال» أشارت في تقرير نشرته أخيراً إلى أن شركة «أبل» بدأت بالفعل التواصل مع عدد من الناشرين لمناقشة إمكانية استخدام محتواهم الإخباري داخل «سيري»، وأن «أبل» عرضت مبالغ مالية تبدأ من نحو 100 مليون دولار.

يُتوقع أن تطرح «أبل» نسختها الجديدة «سيري» خلال العام الجاري، ومن المفترض ألا تعتمد النسخة الجديدة على معلومات عامة أو قديمة، بل ستحتاج إلى معلومات حديثة تجيب بها عن أسئلة المستخدمين.

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بالإمارات العربية المتحدة، عدَّ، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، اتجاه «أبل» الجديد بمنزلة «جزء من صراع قديم متجدد». وقال إن «معظم منصات التواصل الاجتماعي دخلت في مناقشات مع الناشرين بشأن أحقيتهم في عوائد مالية على المحتوى الذي يتم نشره أو استهلاكه على المنصات».

ثم أردف أنه «نتيجة هذه المناقشات، خضعت بعض منصات التواصل الاجتماعي لاتفاقيات مالية في بعض الدول، وبعد ذلك بدأت المنصات في التضييق على المحتوى الإخباري لتقليل أي فوئد مالية للناشرين... أما بشأن ما تخطط له (أبل) فإن النظرة الأولى العامة تشير إلى مكاسب وعوائد للناشرين».

من جهة ثانية، ذكر كيالي أنه «من الممكن أن تعتمد (أبل) الأسلوب نفسه الذي اعتمدته منصات التواصل الاجتماعي، وتبدأ في التضييق على الناشرين، إضافةً إلى أنه من الممكن ألا ينجح هذا المشروع، بمعنى ألا تكون هناك عوائد مالية تُذكر من (سيري)».

وأشار إلى أن «تعميم فكرة (أبل) يحتاج لفترة قد تتجاوز العام، وذلك بعد نجاح التجربة واختبارها في الولايات المتحدة وأوروبا»، متوقعاً أن «يمتد هذا الموضوع أو تأثيره على الأقل إلى باقي شركات التواصل الاجتماعي».

ومن ثم، أوضح أن «الناشرين يعانون حالياً من استحواذ الذكاء الاصطناعي على معظم عمليات البحث والقراءة، ولا يوجد بشكل عام أي إعادة توجيه للمحتوى الأصلي بعيداً عن إجابات برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي».

وحسب «وول ستريت جورنال»، اقترحت «أبل» نموذجاً لـ«تعويضات متغيرة حسب الاستخدام»، مما يعني أن المؤسسات الإعلامية لن تحصل على مبلغ ثابت مقابل منح «أبل» حق الوصول إلى أرشيفها أو محتواها بالكامل، بل تحصل على أموال كلما استخدم «سيري» محتواها، وهو ما يختلف عن اتفاقيات الترخيص التي وقَّعتها شركات الذكاء الاصطناعي مع المؤسسات الإعلامية خلال السنوات الأخيرة، والتي تقوم غالباً على دفع مبلغ ثابت مقابل الحصول على نطاق واسع من المحتوى.

للعلم، هذا النموذج ليس جديداً على «أبل»، فهو ما تطبقه حالياً في خدمة «أبل نيوز»، حيث يجري احتساب الإيرادات بصورة تتناسب مع نسبة القراءات التي تحققها مواد كل ناشر على «أبل نيوز».

هنا، عدَّ الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، ما تعتزم «أبل» تنفيذه «مصدر دخل جديداً محتملاً، لكنه غير مضمون القيمة». وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «نظام الدفع متغير ومرتبط بالاستخدام الفعلي، وليس ثابتاً، مما يعني أن الناشر قد يحصل على مبلغ صغير جداً إذا لم يستعن (سيري) بمحتواه كثيراً».

وأضاف أن هذا النموذج «قد يخلق توتّراً بين الناشرين، فمَن يوافق على النموذج المتغير قد يشعر بأنه يتنازل عن قيمة أكبر مقارنةً بمن حصل على صفقات ذات مبالغ ثابتة مع شركات أخرى مثل (أوبن إيه آي)».

ثم أشار فتحي إلى أن «الشركات الكبرى مثل (أبل) عادةً ما تبدأ بتجربة المزايا الجديدة داخل الولايات المتحدة قبل تعميمها والانطلاق إلى أوروبا ثم بقية العالم، حسب نجاح المزايا وبعد دراسة المعوقات والتغلب عليها... وهكذا»، متوقعاً أن «تعمد (أبل) إلى تعميم التجربة، لا سيما في الدول التي لديها مكاتب وتمثيل من الشركة».

وتابع أن «هناك تحركاً كبيراً وواسعاً للشركات التكنولوجية الكبرى؛ فهي في طبيعتها تنافسية، وهناك بالفعل نقاش واسع حول كيفية تعويض الناشرين، ولذا أتوقع أن تتجه شركات أخرى مثل (أوبن إيه آي) أو (غوغل) لتبنّي نماذج مشابهة أو مختلفة، خصوصاً إذا أثبت نموذج (أبل) جدواه».

في سياق متصل، تعتزم «أبل» إدخال تغييرات على قواعد عمل متجرها الإلكتروني «آب ستور» بدءاً من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تسمح للمستخدمين في دول الاتحاد الأوروبي بخيارات متعددة لتحميل التطبيقات ودفع ثمنها، وفقاً لبيان مشترك صادر عن الشركة والمفوضية الأوروبية أخيراً.

تأتي هذه التحديثات استجابةً للضغوط التي تعرّضت لها من الاتحاد الأوروبي بشأن تطبيق قواعد مكافحة الاحتكار وحماية المنافسة. وحقاً، في أبريل (نيسان) 2025 فرضت المفوضية الأوروبية غرامة قيمتها 500 مليون يورو (578 مليون دولار) على «أبل» بسبب انتهاك قانون الأسواق الرقمية في الاتحاد الأوروبي.

هذا، ويفرض قانون الأسواق الرقمية الأوروبي التزامات إضافية على شركات التكنولوجيا الأميركية «ألفابت» (مالكة «غوغل») و«أمازون» و«أبل» بهدف ضمان المنافسة العادلة في الأسواق الرقمية.


عمرو الليثي: عصر التلفزيون التقليدي انتهى

د عمرو الليثي، رئيس "اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي" (اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي)
د عمرو الليثي، رئيس "اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي" (اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي)
TT

عمرو الليثي: عصر التلفزيون التقليدي انتهى

د عمرو الليثي، رئيس "اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي" (اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي)
د عمرو الليثي، رئيس "اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي" (اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي)

بعد نصف قرن من تأسيس «اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي»، يرى رئيسه الدكتور عمرو الليثي أن التحدّي لم يعد في استمرار مؤسسة إعلامية تجمع هيئات البث في 57 دولة، إنما في إعادة صياغة دورها بما يتناسب مع التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام. بالنسبة للّيثي، الذي ينتمي في الأساس إلى الإعلام المؤسسي والتلفزيون التقليدي، فإن التحوّل الرقمي لم يعد خياراً؛ بل بات ضرورة للبقاء. وهو يقول في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «عصر التلفزيون التقليدي الذي يفرض محتواه على الجمهور انتهى»، معتبراً أن «مستقبل الصناعة سيكون للمحتوى القادر على الوصول إلى الجمهور أينما كان، وعلى المنصة التي يفضلها».

ملفات عمل عليها «الاتحاد»

يضع الليثي في كلامه عن حصيلة فترة رئاسته لـ«الاتحاد» الاستقرار المالي، والتحوّل الرقمي، والتدريب، وبناء القدرات، وتطوير التبادل الإخباري، في مقدمة الملفات التي عمل عليها «الاتحاد». ويشير إلى نجاحه في استعادة نحو1.77 مليون دولار من مُستحقّات قديمة كان بعضها يُعد «شبه معدوم»، إلى جانب إدارة فوائض مالية تصل إلى 5 ملايين دولار. واليوم يطمح الليثي إلى أن يقود مشروع «الكلاود الإخباري»، المنتظر التوسّع في تشغيله إبّان عام 2027، إلى إنشاء «شبكة إعلامية متكاملة» تستفيد من الانتشار الجغرافي لمؤسسات «الاتحاد»، بحيث تصبح قادرة على تقديم روايتها ومحتواها، بدلاً من الاعتماد الدائم على ما تنتجه الشبكات الدولية عن المنطقة.

عمرو الليثي يشارك في إحدى الفعاليات (اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي)

الاستقرار مالي

عمرو الليثي يؤمن بأن «التحول الأهم هو انتقال الاتحاد من مؤسسة تقليدية إلى منظومة إعلامية أكثر فاعلية وحداثة واستدامة، لها حضور فاعل بين مؤسسات الإعلام في دول منظمة التعاون الإسلامي». ويذكر أن هدفه الأول كان «التطوير المؤسّسي والحوكمة، والاستقرار المالي، والتحول الرقمي، وتطوير التبادل الإخباري، إضافة إلى التدريب وبناء القدرات»، لافتاً في هذا الصدد إلى تأسيسه «أكاديمية الاتحاد».

الواقع أن الطريق لم يكن سهلاً، وكان الوضع المالي لـ«الاتحاد» من أهم التحديات التي واجهت رئيسه، الذي يفصح أن «تحقيق الاستدامة المالية كان رهناً بقدرة الاتحاد على الاستمرار والتطوير»، قبل التطرق إلى «تعامله مع الملف المالي بمنهجية مؤسسية تقوم على ترشيد الإنفاق، وتعظيم الموارد، وتحصيل المستحقات المتأخرة بهدف استحداث قاعدة مالية صلبة تسمح للاتحاد بتنفيذ مشاريعه وتقديم خدماته لمنسوبيه».

بحسب الليثي، مكّنت هذه المنهجية «الاتحاد» من تحصيل نحو 1.77 مليون دولار من ديون وُصفت بأنها «شبه معدومة»، ويضيف رئيس «الاتحاد» موضحاً أنه عندما تولى رئاسة «الاتحاد» كانت هناك مستحقات متراكمة لدى عدد من الأعضاء، وبعضها يعود إلى سنوات طويلة. ويتابع: «لقد ساهم التواصل المباشر المستمر مع المؤسسات الأعضاء، إلى جانب تطوير وتوسيع نطاق الخدمات التي يقدمها الاتحاد، في تحصيل هذه المستحقات... هذا ليس نجاحاً مالياً فقط، بل هو مؤشِّر مرجعي مُهم على استعادة الثقة في اتحاد إعلامي يُعد من الأكبر مهنياً في العالم».

من ثم، ومع تفعيل الإدارة والرقابة والحوكمة لكل أنظمة «الاتحاد» في إطار مؤسسي، تمكّن «الاتحاد»، وفق الليثي، من إدارة فائض مالي يقدر بنحو5 ملايين دولار، وفق أطر مالية واضحة، ما حافظ أولاً على رأس المال، مع تحقيق عائد مناسب يتراوح في المتوسط بين 3.8 و4.2 في المائة.

لن نحارب المنصات

من جهة أخرى، منذ تولّي عمرو الليثي مسؤولياته، شرع في التبادل البرامجي والإخباري وفق «خطة زمنية محكمة»، ما حقّق تدفّقاً مضطرداً للمواد المتبادلة. بيد أنه يؤكد: «لم نصل بعد إلى نهاية الطريق، فطموحنا أكبر من مجرد منصة للتبادل. إننا نطمح إلى بناء شبكة إعلامية متكاملة تستفيد من وجود مؤسسات الاتحاد في 57 دولة بحيث تصبح سرعة تبادل المحتوى وجودته وتنوعه منافساً حقيقياً مع الشبكات العالمية».

في سياق ثانٍ ومهم، يرى الليثي، الذي عمل لسنوات في التلفزيون، إن «عصر التلفزيون التقليدي الذي يفرض محتواه على جمهور يأتي إليه انتهى. فالمحتوى يجب أن يذهب الآن إلى الجمهور أينما كان، وعلى المنصّة التي يفضلها، وبالشكل الذي يوافق عاداته في المشاهدة».

ثم يوضح أن «التحدّي ليس تلفزيوناً في مواجهة وسائل التواصل الاجتماعي؛ إنما محتوى جيد متنوع في مواجهة محتوى تقليدي، وإذا استطاع التلفزيون أن يواكب هذا التحوّل فسيبقى». ويستدرك من ثم، فيقول إن «التلفزيون لا يموت، لكن طريقة مشاهدته هي التي تتغير، والخطأ أن نحاول إجبار الجيل الجديد على استهلاك الإعلام بالطريقة التي استهلكناه بها نحن... الشباب يريد السرعة والتفاعل والمحتوى المختصر والوصول إليه في أي وقت ومن أي مكان، لذلك يجب أن يتحول التلفزيون من مجرد شاشة إلى منتج محتوى متعدد المنصات». وهنا يشدد على أنه «لا ينبغي أن نحارب المنصات، مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(يوتيوب)، بل علينا أن نكون موجودين عليها بمحتوى مهني وجذّاب وموثوق».

الذكاء الاصطناعي فرصة ذهبية

بالتوازي، يرى عمرو الليثي في الذكاء الاصطناعي «فرصة ذهبية للإعلام والصحافة» لو أحسن استخدامه، ولا سيما أنه «يوفّر للصحافي أدوات متطوّرة في البحث والتحليل والترجمة وإدارة البيانات الضخمة وإنتاج المحتوى».

لكن يظل هناك «خط أحمر»، يتمثل بحسب الليثي في «ألا يحل الذكاء الاصطناعي محل المسؤولية المهنية والإنسانية للصحافي»، منوّهاً بـ«اهتمام الاتحاد بأخلاقيات العمل الإعلامي، وإصداره ميثاق الشرف الإعلامي كإطار مهني وأخلاقي يسترشد به الإعلاميون في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وما تفرضه تقنيات الذكاء الاصطناعي من تحديات».

وضمن هذا الإطار، يشدد على أن «الصحافي يحتاج إلى التكنولوجيا واستعادة الثقة والمصداقية معاً، لكن تبقى المصداقية أولاً... إذ ما قيمة أن يمتلك الصحافي أحدث الأدوات إذا فقد الجمهور ثقته فيه؟».

ولأن فلسطين قضية العرب الرئيسة لم يغفلها «الاتحاد»، إذ يقول رئيس «اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي» إن «فلسطين لبّ قضيتنا، وهي رسالة حاضرة بصورة مستمرة في عملنا الإعلامي». ثم يؤكد أن دور «الاتحاد» لا يقتصر على «بيانات التضامن، بل يشمل دعم وصول الرواية الفلسطينية الأصلية إلى المؤسسات الإعلامية في الدول الأعضاء، وتبادل الأخبار والمواد التي توثق ما يجري، وإبراز الانتهاكات التي يتعرّض لها الصحافيون، والدعم من خلال شبكة الاتحاد الواسعة في إيصال صوتهم إلى العالم بأسره».

في الذكاء الاصطناعي فرصة ذهبية للإعلام والصحافة لو أحسن استخدامه

الليثي

فضاء إعلامي مشترك

الليثي، حقاً، يعتز بأنه تمكّن إبان فترة رئاسته لـ«الاتحاد» من «تغيير شكل ومفهوم الاتحاد ليصبح أكثر قوة وتأثيراً وإنسانية، وأكثر قرباً وتلامساً من مؤسساته الأعضاء واحتياجاتها... مرسخاً بذلك ثقافة الإدارة المستدامة المؤسسية وروح الفريق، ليصبح النجاح مسؤولية جماعية، وليس مرتبطاً بشخص». غير أنه بالرغم من هذه النجاحات لا يزال يطمح إلى المزيد، آملاً أن ترتبط فترة ولايته للاتحاد بجعله أكثر قوة وإنسانية وتأثيراً ووجوداً على الخريطة العالمية.

وهنا يشدد الليثي على أن «ما تحقق من إنجاز هو نتاج عمل جماعي ومنظومة متكاملة، وأنا لا أريد أن يُقال إن عمرو الليثي تولى رئاسة الاتحاد لعدة سنوات؛ بل أريد أن يُقال إنه عندما تولّت مصر رئاسة الاتحاد تركت الاتحاد أقوى مما تسلمه».

ويردف الليثي أنه «يقبل أن يُحاسَب بالأرقام، بما تم استرداده من مستحقّات، وبما تحقّق من وفر وفائض مالي، وبعدد الصحافيين الذين أمكن تدريبهم، وبعدد المشاريع التي أطلقت، وبمدى التحول الرقمي الذي تحقق، وبحجم التعاون الحقيقي بين الدول الأعضاء». وهذا، قبل أن يقول: «الإنجاز الأكبر هو أن يتحول الاتحاد بعد 50 سنة من تأسيسه إلى مؤسسة إعلامية حديثة ومؤثّرة، يشعر كل عضو فيها أن الاتحاد يقدم له قيمة حقيقية. مؤسسة مستقرة مالياً، متطورة تكنولوجياً، قوية مهنياً، ولديها جيل جديد قادر على استكمال الطريق».

ختاماً، يتهيأ رئيس «اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول التعاون الإسلامي» لدخول عام 2027 «بخطة مليئة بالمشاريع الكبرى، مثل تشغيل وحدة الكلاود الإخباري، والتوسّع في نشاط الأكاديمية، وتدعيم مزيد من المكاتب الخارجية». ويوضح: «قطعنا شوطاً مهماً، لكن لم نصل لنهاية الطريق. هدفنا أكبر من مجرد منصة تقنية، نريد فضاءً إعلامياً مشتركاً يسمح للدول الأعضاء بتبادل الأخبار والصور والتقارير والمحتوى بسرعة وكفاءة».