الصحافة العسكرية... تعريف بـ«الانتصارات» وتجنيد للشباب

صحيفة أميركية مستمرة في النشر منذ 1861

خضعت معظم الصحف والمجلات العسكرية إلى إشراف عسكري للتأكد من عدم نشر معلومات حساسة أو سرية قد تضر بالمصالح الوطنية
خضعت معظم الصحف والمجلات العسكرية إلى إشراف عسكري للتأكد من عدم نشر معلومات حساسة أو سرية قد تضر بالمصالح الوطنية
TT

الصحافة العسكرية... تعريف بـ«الانتصارات» وتجنيد للشباب

خضعت معظم الصحف والمجلات العسكرية إلى إشراف عسكري للتأكد من عدم نشر معلومات حساسة أو سرية قد تضر بالمصالح الوطنية
خضعت معظم الصحف والمجلات العسكرية إلى إشراف عسكري للتأكد من عدم نشر معلومات حساسة أو سرية قد تضر بالمصالح الوطنية

ربما كان الإعلام العسكري هو أقدم أنواع الاتصال الجماهيري منذ أن سجل المصريون القدماء على جدران المعابد أنباء انتصاراتهم العسكرية التي تضمنت إنجازات خيالية من التغلب على الأعداء وتوسيع رقعة البلاد الجغرافية. وكذلك اعتمد الأشوريون على تسجيل معاركهم على ألواح طينية. واعتمد العرب القدماء على الشعر لتسجيل غزواتهم وانتصاراتهم.
وفي العصر الحديث تحوّل الإعلام العسكري إلى وسائل عصرية للتواصل بين الجنود والتعريف بالإنجازات وتجنيد الشباب. وتوجد حول العالم عشرات المنافذ الإعلامية العسكرية من صحف وراديو وتلفزيون وأدوات تواصل إلكترونية ومواقع تواصل اجتماعي.
من النماذج الأطول عمراً في تاريخ الصحافة العسكرية العالمية صحيفة «ستارز آند سترايبس» (Stars and Stripes) العسكرية الأميركية التي بدأت منذ أيام الحرب الأهلية الأميركية، وبالتحديد يوم 9 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1861، وتستمرّ حتى الآن. ورغم أن وزارة الدفاع الأميركية تشرف على الصحيفة التي تتوجه أساساً إلى الجنود الأميركيين من العاصمة واشنطن، فإن مقالاتها مستقلة. ويضمن الكونغرس الأميركي استقلالها.
وبالإضافة إلى موقعها على الإنترنت، تنشر صحيفة «ستارز آند سترايبس» أربع طبعات ورقية يومياً توزع على القوات الأميركية العاملة في الخارج بين أوروبا والشرق الأوسط واليابان وكوريا الجنوبية، وهي أيضا متاحة للتنزيل في نسخة إلكترونية.
ونشأت الصحيفة في ولاية إيلينويز أثناء الحرب الأهلية الأميركية، وبالتحديد من مدينة بلومفيلد التي يقع فيها الآن متحف ومكتبة الصحيفة. وأثناء الحرب العالمية الأولى، عاودت القوات الأميركية الموجودة في فرنسا نشر الصحيفة مرة أخرى بالاسم نفسه، وذلك بين عامي 1918 و1919، وتكون جهاز تحريرها من الضباط والجنود الذين انطلق بعضهم إلى عالم الصحافة بعد نهاية الحرب، واعتمدت الصحيفة على التحقيقات الميدانية وأخبار الجنود واستعانت بالرسومات بدلاً من الصور، وهو نموذج اعتمدته فيما بعد صحيفة «وول ستريت جورنال».
وانطلق من «ستارز آند سترايبس» رئيس تحريرها هارولد روس الذي أسس بعد ذلك مجلة «نيويوركر». كما اشتهر رسامو الصحيفة في مجالات الرسوم المتحركة والتصميم ونشر الكتب. وخلال فترة الحرب الأولى كانت «ستارز آند سترايبس» تصدر أسبوعياً في ثماني صفحات. ووصلت في ذروتها إلى توزيع نحو 526 ألف نسخة أسبوعياً.
وتطور الأمر بالصحيفة خلال فترة الحرب العالمية الثانية بنشر عشرات الطبعات التي كانت تُوزَّع على مسارح العمليات العسكرية للجنود الأميركيين. وبذل جهاز التحرير جهوداً مضنية لكي تصل الطبعات إلى الجنود في الخطوط الأمامية يومياً بآخر الأخبار وتطور المعارك. كما تم توزيع سلسة من 53 كتاباً عن قصص الجنود أثناء المعارك. وحصل رسام الكاريكاتير في الصحيفة على وسام تقدير وجائزة بوليتزر للتفوق الصحافي بعد نهاية الحرب. وكان أشهر غلاف للصحيفة في يوم الثاني من مايو (أيار) عام 1945 حيث نشر خبر موت الزعيم الألماني النازي هتلر.
وبعد الحرب عاد أعضاء هيئة التحرير إلى أميركا، واشتهر بعضهم في مجالات مختلفة، وكان من بينهم مؤلف كتاب «دستة أشرار»، الذي تحوَّل إلى فيلم سينمائي في عام 1967.
وما زالت «ستارز آند سترايبس» تصدر طبعاتها للجنود الأميركيين حول العالم حتى الآن، ولكن في صيغة مستقلة عن أوامر وزارة الدفاع. كما تصدر المطبوعة نسخة أسبوعية للنشر داخل الولايات المتحدة. وتصدر «ستارز آند سترايبس» في 32 صفحة يومياً في حجم «تابلويد» وعلى موقعها الإلكتروني. وتستخدم الصحيفة محررين مدنيين وجنوداً متقاعدين موجودين في مواقع متعددة حول العالم.
ويصل حجم التوزيع اليومي للصحيفة حالياً نحو مليون نسخة مع ضعف هذا العدد من الزوار لموقعها على الإنترنت، معظمهم من داخل الولايات المتحدة.
ورغم توزيعها الهائل ودخلها الإعلاني واشتراكات القراء، فإن «ستارز آند سترايبس» تتلقى أيضاً دعماً سنوياً من وزارة الدفاع الأميركية.
وهي تنفرد بين الصحف العسكرية في العالم في أنها تعمل على مبدأ حرية التعبير المكفولة دستورياً في أميركا. وتعمل جميع المنافذ الإعلامية العسكرية الأميركية الأخرى بأوامر مباشرة من وزارة الدفاع، ومنها قناة أخبار وزارة الدفاع وراديو القوات المسلحة الأميركية وخدمات التلفزيون العسكري.
وتعمل «ستارز آند سترايبس» حالياً على حفظ أرشيف أعدادها التي صدرت خلال الحرب العالمية الثانية في صورة رقمية.

صحف عسكرية أخرى
هناك كثير من الصحف العسكرية حول العالم؛ بعضها في دول تعتبرها من الأسرار العسكرية ولا تنشر أخباراً عنها خارج نطاق جيوشها.
وفي بريطانيا تصدر مجلة «سولجر» الشهرية، وهي خاصة بالجيش البريطاني. وهي تنشر أخبار الجيش بنكهة دعائية تهدف بها إلى تجنيد المزيد من الشباب للتطوع للخدمة العسكرية، غير الإجبارية في بريطانيا.
وتشرح المجلة هيكلية الجيش البريطاني من القيادة العامة والقواعد الخارجية والقيادة المحلية. وتستخدم المجلة شعار «الجيش يحتاجك» وتوفر كثيراً من خيارات التقدم للخدمة والمواقع المناسبة لكثير من المهارات. ويطرح الجيش للشباب خيار الخدمة حول العالم في دول مثل كندا وكينيا وقبرص وبيليز وجزر جنوب الأطلنطي وألمانيا وجبل طارق والعراق وبروناي وأوكرانيا وأفغانستان.
وهناك نمط آخر من المطبوعات العسكرية التجارية مثل «جينس ديفينس ويكلي» الأسبوعية التي تختص بنشر الموضوعات العسكرية الموثوقة. ويعود اسم المجلة إلى ناشر إنجليزي اسمه جون إف تي جين الذي نشر في عام 1898 بحثاً عن حصر جميع سفن العالم العسكرية.
وتأسست المجلة الأسبوعية في عام 1984 بدلاً من المطبوعة السابقة التي كان اسمها «جينس ديفنس ريفيو» الشهرية.
واشتهرت «جينس ديفنس ويكلي» في عام 1984 بعد نشرها صوراً التقطها قمر صناعي أميركي لقاعدة بحرية سوفياتية في البحر الأسود أثناء بناء حاملة طائرات سوفياتية جديدة من طراز «كييف». وكانت الصور مسرّبة من ضابط مخابرات أميركي اسمه صامويل موريسون، وتم القبض عليه ومحاكمته لتسريب معلومات سرية.
وتصدر «جينس ديفنس ويكلي» من مقاطعة ساري في إنجلترا، ويصل توزيعها إلى نحو 28 ألف نسخة. وهي توفر تفاصيل فنية للأخبار العسكرية العالمية من مصادرها الخاصة. وفي الوقت الذي أعلنت فيه صحف العالم عن إسقاط إيران لطائرة استطلاع أميركية بلا طيار، أشار تقرير «جينس» عن الخبر إلى تفاصيل فنية متعددة منها أن الطائرة كانت من نوع «آر كيو 4 إيه غلوبال هوك» وأنها كانت تطير على ارتفاع 70 كيلومتراً.
أما الصاروخ الذي أسقطها فهو من نوع «سام» الذي تطلق عليه إيران اسم «خورداد 3». وأضافت المجلة أنه لا توجد قواعد صواريخ ثابتة في المنطقة التي انطلق منها «خورداد 3» مما يؤكد الاعتقاد بأنه أُطلِق من منصة متحركة.
وعلى الصعيد العربي كان ظهور أول صحيفة عسكرية في مصر أثناء حملة محمد علي باشا على الشام في عام 1833، بينما نشأت بقية الصحف العسكرية العربية في بدايات القرن العشرين ومنها «مناظر الحرب» في عام 1912 من الجزائر، و«الحرب والسلم» وأصدرها اللبناني نسيب عويضة عام 1914، و«الدفاع العربي» وأصدرها محمد المحيسن في عام 1921.
وخضعت معظم الصحف والمجلات العسكرية العربية إلى إشراف عسكري للتأكد من عدم نشر معلومات حساسة أو سرية قد تضر بالمصالح الوطنية. وفي معظم الأحوال اقتصر التوزيع على الكوادر العسكرية، ولم تخرج إلى مجال التوزيع العام.
وبعد ذلك، صدرت «المجلة العسكرية» من العراق عام 1924، و«الجيش العربي» من الأردن عام 1940، التي تغير اسمها إلى «الوثبة» عام 1951، ثم إلى «وثبة الجيش»، وأخيراً إلى «المجلة العسكرية» في عام 1955. وكانت تصدر كل شهرين.
وصدرت في سوريا عام 1946 مجلة «جيش الشعب» من وزارة الدفاع التي كانت تُوزَّع على الضباط والجنود ولكنها اجتذبت أيضا آلاف القراء المدنيين لنشرها موضوعات علمية وأدبية وطبية واقتصادية. وبلغ توزيع المجلة في أوج انتشارها ما يزيد على 85 ألف نسخة.
وفي السعودية ظهرت مجلة كلية الملك عبد العزيز الحربية في عام 1955، ومن الكويت نشرت مجلة «حماة الوطن» عام 1960، ثم «درع الوطن» في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، وبعد ذلك نشرت مجلة «جند عمان» في سلطنة عمان عام 1974، و«البيرق» في البحرين بالعام نفسه.

نماذج من أخبار أحدث طبعات «ستارز آند سترايبس»
> هذه مختارات من أخبار نُشِرت في الأعداد الأخيرة من صحيفة «ستارز آند سترايبس» العسكرية الأميركية. وهي تتوجه إلى قراء عسكريين أميركيين حول العالم في طبعتها الورقية، وإلى مليوني قارئ داخل أميركا منهم نسبة كبيرة من المدنيين:
> الخبر الرئيسي كان عن توجه فرقاطة أميركية اسمها «بوكسر» إلى منطقة الخليج، لكي تنضم إلى الأسطول الخامس هناك، وهي تحمل عدداً غير معلَن من بحارة المارينز المتخصصين في الهجمات البرمائية، وذلك مع تصاعد التوتر مع إيران.
> إيران تعلن أن طريق الدبلوماسية قد «أُغلِق تماماً» بعد إعلان عقوبات أميركية جديدة موجهة إلى المرشد علي خامنئي.
> منح الجندي الأميركي ديفيد بيلافيا «ميدالية الشرف» عن أعمال بطولية قام بها في عام 2004 بالعراق، وهو أول أميركي على قيد الحياة وسادس جندي يحصل على هذه الميدالية.
> إصابة 18 جندياً في معسكر «فورت براغ» الأميركي بضربة شمس، ودخولهم إلى المستشفى بعد تدريبات قاسية في أجواء حارة.
• نقل 300 طفل محتجَز في معسكر اعتقال للمهاجرين غير الشرعيين يقع في تكساس بعد اكتشاف أنهم يعيشون في ظروف صعبة بلا إمدادات كافية من الطعام والمياه وأدوات النظافة.



تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».