الفيتامينات.. بعضها دخيل والآخر من صنع الجسد

عناصر أساسية كونتها مختلف الفصائل الحية منذ الحقب الأولى للحياة

الفيتامينات.. بعضها دخيل والآخر من صنع الجسد
TT

الفيتامينات.. بعضها دخيل والآخر من صنع الجسد

الفيتامينات.. بعضها دخيل والآخر من صنع الجسد

في عام 1602 كان الأسطول الإسباني يبحر بالمحيط الهادي قرب شواطئ المكسيك، عندما اجتاح مرض قاتل بحارته، «وكانت العوارض الأولى ألم حاد يتغلغل في الجسم كله»، كما كتب أنطونيو دي لا أسينسيون الراهب الذي رافق الحملة، «فقد ظهرت بقع قرمزية اللون لتغطي الجسم كله، لا سيما عند الخصر وما دون، ثم شرعت لثة الأسنان بالتورم إلى درجة بحيث أضحى من الصعب إطباق الفكين والأسنان على بعضها، وأصبح احتساء السوائل الأمر الممكن الوحيد، قبل حصول الموت المفاجئ أثناء الحديث»، كما أضاف.
كان البحارة يشكون من داء الإسقربوط الذي كان في ذلك الحين أمرا مألوفا، وإن كان غامض الأسباب. ولم يكن أحد يدري لماذا كان المرض يصيب البحارة وكيفية علاجه. لكن في حملة عام 1602 هذه، كان أسينسيون شاهدا على ما اعتبره معجزة، فعندما كان البحارة على الشاطئ يدفنون موتاهم، قام أحدهم بالتقاط ثمرة صبير ليأكلها، فبدأ يشعر بتحسن، مما جعل الآخرين يحذون حذوه. و«شرع البحارة بعد ذلك بنقل هذه الثمار إلى سفنهم، لكي يشفوا تماما بعد أسبوعين»، كما كتب الراهب.

* اكتشاف الفيتامينات
وبعد قرنين من الزمن بات واضحا أن مرض الإسقربوط سببه قلة الفواكه والخضار خلال السفر بحرا لفترات طويلة. وفي أواخر عام 1700 شرع الأسطول البريطاني يمون سفنه بملايين الغالونات من عصير الليمون للقضاء على هذا المرض، حتى عام 1928 عندما اكتشف عالم الكيمياء الحيوية الهنغاري ألبرت جيورجي أن العامل الأساسي الذي قضى على الإسقربوط كان الفيتامين «سي».
وكانت اختبارات هذا العالم جزءا من موجة للاختبارات في أوائل القرن العشرين للبحث عن دور الفيتامينات، فقد اكتشف العلماء أن الجسم البشري يتطلب قدرا قليلا من 13 من الجزيئات العضوية، وأن أي نقص منها يؤدي إلى أمراض مختلفة. وهكذا، فإن نقص فيتامين «إيه» A يسبب العمى، ونقص فيتامين «بي 12» B12 يؤدي إلى فقر دم شديد، ونقص فيتامين «دي» D إلى كساح الأطفال وتعقد المفاصل.
واليوم تجري أبحاث واسعة لفهم الفيتامينات، تركز غالبيتها على الكمية المطلوبة منها للبقاء بصحة جيدة. لكن العمل هذا لن يعالج مسألة أساسية، ألا وهي كيف انتهينا إلى كوننا نعتمد في حياتنا على مثل هذه الجزيئات الصغيرة؟

* عناصر أساسية
لقد كشفت الأبحاث الأخيرة عن أجوبة جديدة. فقد ظهر أن الفيتامينات هي من العناصر الأساسية منذ الحقب الأولى التي تعود إلى أربعة ملايين سنة خلت. وكان باستطاعة أشكال الحياة الأولى أن تكون فيتاميناتها بنفسها، بيد أن بعض فصائل الحياة، ومنها نحن البشر، فقدت في مراحل لاحقة هذه القدرة. وأضحت هذه الفصائل تعتمد الواحدة على الأخرى للحصول على الفيتامينات اللازمة، مما وضع أسس تدفق معقد من الجزيئات التي سماها العلماء «حركة مرور الفيتامينات».
إن كل فيتامين يتكون من خلايا حية، سواء من ذاتنا، أو من فصائل حياتية أخرى، ففيتامين «دي» يتكون في جلودنا عندما تضرب أشعة الشمس عناصر تعابر من أسلاف الكولسترول. أما شجرة الليمون فتصنع الفيتامين «سي» من الغلوكوز. وغالبا ما يكون صنع الفيتامين وإنتاجه عملية معقدة، وتتطلب لدى بعض الفصائل 22 بروتينا لتحضير جزيئة واحدة من فيتامين «بي12» مثلا.
وعلى الرغم من أن البروتين نفسه يتكون من آلاف الذرات، فإن الفيتامين لا يتطلب إلا العشرات القليلة منها. لكن على الرغم من حجمها الصغير، فإن الفيتامينات توسع من مدى مرونتها الكيميائية. ويتعاون الفيتامين مع البروتينات لتنفيذ بعض التفاعلات التي لا تستطيع أن تتم بحد ذاتها، ففيتامين «بي1» على سبيل المثال يساعد البروتينات على سحب ثاني أكسيد الكربون من الجزيئات.
وتنفذ الفيتامينات ردود الفعل الكيميائية هذه ليس في أجسامنا فحسب، بل في جميع الكائنات الحية أيضا «مثل البكتيريا، والفطر، والمزروعات، والبشر، فالكل يحتاجها»، كما يقول هارولد هوايت الثالث عالم الكيمياء الحيوية في جامعة دالوير في أميركا.

* إنتاج الفيتامينات
ومع تطور القدرة على تكوين الفيتامينات، باتت بعض الفصائل مؤهلة جدا لكي تصنعها. فالنباتات على سبيل المثال تطورت لكي تصبح مصانع لتحضير فيتامين «سي» مخزنة إياه في أوراقها وثمارها. وربما قام الفيتامين هذا في البداية بحماية النباتات ضد ظروف الإجهاد وفي الأزمات، وهي نفس الوظيفة التي يقوم بها هذا الفيتامين في الفصائل الحية الأخرى، بمن فيها نحن البشر. لكن مع مرور الزمن تقلد الفيتامين هذا مهمات أخرى جديدة في النباتات كالتحكم بنمو الثمار.
وفيما عدا الفيتامينين «دي» و«كيه» K، فإن الإنسان لا يتمكن من تصنيع أي من الفيتامينات التي يحتاجها للبقاء أصحاء، ويبدو أنه في بعض الحالات تمكن أجدادنا من صنعها، لكنهم فقدوا هذه القدرة لاحقا. فأجدادنا قبل 100 مليون سنة لم يتعرضوا إلى داء الإسقربوط على سبيل المثال، لأنهم استطاعوا تحضير فيتامين «سي» في أجسامهم.
وبمقدور الكثير من الفقريات تحضير فيتامين «سي» لأنها تملك المورثات الخاصة بهذا الغرض، مثل الضفادع وحيوان الكنغرو، لكن البشر يعانون من تحور أحد هذه المورثات المعروف بـ«غولو» GULO، مما يحول دون تمكنهم من تحضيره في أجسادهم، كذلك القرود أيضا أقرب الحيوانات إلينا. وقد اكتشف العلماء أن الحيوانات تميل إلى فقدان القدرة على تحضير فيتامين «سي» في أجسامها، بعد حدوث تحول أساسي في وجباتها الغذائية، عندما تتجه إلى تناول غذاء غني به. فقد بدأ أجدادنا على سبيل المثال بتناول الفواكه والخضار التي زودتهم بكميات كبيرة من فيتامين «سي» الذي يحتاجونه، مما جعل أجسامهم تستغني عن تحضيره من ذاتها. وشرع العلماء الآن يكتشفون أن آلاف الفصائل التي فقدت مورثاتها القدرة على تحضير بعض الفيتامينات، لأنها باتت محاطة بوسط غني بها.
كذلك لا يستطيع البشر تحضير فيتامين «بي 12» على سبيل المثال عن طريق أجسادهم، بل يحتاجون إلى أن يستمدوه عن طريق الوجبات الغذائية، وأحد أساليب ذلك هو تناول اللحم البقري الذي يتضمن هذا الفيتامين. لكن البقر بدوره وحيوانات أخرى التي نتناول لحومها لا تصنع أيضا مثل هذا الفيتامين عن طريق خلاياها الذاتية، بل تقوم البكتريا الموجودة في معدها بتصنيعه لها.
كذلك فإن الإنسان موطن خصب لآلاف من أنواع البكتريا التي تقوم بتركيب الفيتامينات بنفسها، والتي تتناول غذاءنا الموجود في معداتنا، فهل يعني ذلك أننا نعتمد عليها لتزويدنا ببعض أنواع الفيتامين؟ الأمر هذا لا يزال من الأمور النظرية، كما يقول ديوي فان سندرن عالم الأحياء الدقيقة في جامعة «كوليدج كورك» في آيرلندا. لكن الدلائل تتزايد بأنه يمكن للبكتريا أن تؤمن قدرا من الفيتامينات التي نحتاجها.

* خدمة «نيويورك تايمز»



كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
TT

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

في عيادة حديثة، قد يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصاً خلال لحظات، ويضع أمام الطبيب احتمالات محسوبة بعناية. لكن المريض، حين يجلس قبالته، لا يحمل أرقاماً مجردة، بل حكاية كاملة: تاريخاً صحياً، وأسلوب حياة، وقلقاً دفيناً، وتفاصيل لا مكان لها في قواعد البيانات. عند هذه النقطة يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدرته الحسابية، أن يفهم الإنسان الفرد؟

على امتداد السنوات الماضية، سجَّل الذكاء الاصطناعي الطبي قفزات لافتة: نماذج تتدرّب على ملايين السجلات، تحلّل الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية أحياناً، وتنتج تنبؤات صحية على مستوى المجتمعات. بدا وكأن الطب يخطو نحو عصر جديد تقوده الخوارزميات. غير أن هذا التقدُّم ذاته فجَّر سؤالاً أعمق: هل التفوّق مع الجماعة يضمن الفهم الحقيقي للإنسان الواحد؟

ذكاء اصطناعي يفكر وإنسان يقرر

ذكاء يفهم الملايين... ويتعثّر أمام الفرد

تعتمد «النماذج العالمية» في الطب الذكي على التعلّم من كتل هائلة من البيانات الصحية، تمتد عبر مؤسسات ودول وسنوات طويلة. وبهذا، تنجح في رصد الأنماط العامة للأمراض، ومسارات تطورها، واستجاباتها العلاجية. غير أن الطب، في جوهره العميق، لا يُمارس أعماله على «المستويات المتوسطة».

القرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوَّل إلى قرار خاطئ إنسانياً

إن الدواء الذي يثبت نجاحه إحصائياً لدى الغالبية قد لا يلائم مريضاً بعينه. والقرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوّل إلى قرار خاطئ إنسانياً. هنا تتجلى المفارقة: الذكاء الاصطناعي يتقن التنبؤ، لكنه يعجز غالباً عن تفسير لماذا يحدث ذلك لهذا الشخص تحديداً.

بحث حديث يضع المرآة أمام الذكاء

في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت على منصة «أركايف» العلمية (arXiv)، وهي مستودع بحثي مفتوح تُنشر فيه الدراسات الأولية قبل تحكيمها النهائي. أعدّ البحث فريق دولي من مختصي الذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية، وناقش بشكل مباشر حدود ما يُعرف بـ«النماذج العالمية» (Foundation Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات لتكوين فهم عام قابل للتطبيق في مجالات متعددة. وتعكس الدراسة، التي لم تصدر بعد في مجلة علمية مُحكَّمة، مساراً بحثياً متقدِّماً في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل صُمّمت هذه النماذج أساساً لفهم الإنسان الفرد، أم لإدارة صحة الجماعات فقط؟

ويشير الباحثون إلى أن النماذج العالمية، رغم قوتها الحسابية واتساع نطاقها، ليست مهيّأة بطبيعتها لاتخاذ قرارات علاجية دقيقة على مستوى الفرد الواحد.

اقتراح تطوير نماذج هجينة

لذلك يقترحون التوجَّه نحو نماذج هجينة، تمزج بين الذكاء الاصطناعي واسع النطاق وتجارب فردية من نوع N-of-1، أي دراسات تُصمَّم خصيصاً لمريض واحد، تُراقَب فيها استجابته للعلاج عبر الزمن بدل مقارنته بمتوسطات جماعية، بما يعيد الاعتبار للمريض بوصفه وحدة القرار الأساسية، لا مجرّد رقم ضمن معادلة إحصائية.

فرد واحد خارج الحساب

المريض ليس نقطة بيانات

هذا النقاش لا يتعلّق بالتقنية وحدها، بل يمسّ جوهر فلسفة الطب. من هو المريض في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو سجلّ رقمي تُحلَّل معطياته؟ أم إنسان يخوض تجربة المرض داخل سياق نفسي واجتماعي وزمني لا يمكن ضغطه في خوارزمية؟

في الطب التقليدي الحديث، لم يكن الطبيب يعالج عضواً منفصلاً، بل كياناً إنسانياً متكاملاً. واليوم، تعيد الخوارزميات طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة رقمية حديثة: هل نفهم الجسد فقط... أم نفهم الإنسان؟

القرار الطبي... من يملك الكلمة الأخيرة؟

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء القرار السريري، يطفو سؤال أخلاقي لا يمكن القفز فوقه: من صاحب القرار؟ الخوارزمية التي تقترح؟ أم الطبيب الذي يتحمّل المسؤولية؟ أم المريض الذي يعيش نتائج هذا القرار؟

وتشير الأبحاث الرصينة اليوم إلى إجابة متوازنة: الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم. يوسّع مساحة الفهم، لكنه لا يمتلك سلطة القرار. فالقرار الطبي ليس معادلة حسابية فحسب، بل لحظة توازن دقيقة بين العلم والخبرة... وقيم الإنسان نفسه.

ذكاء يعرف متى يتراجع

المفارقة أن نضج الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعني مزيداً من الهيمنة، بل قدراً أعلى من التواضع: أن يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف. فالقيمة الحقيقية لهذه النماذج لا تكمن في أن تحلّ محل الطبيب، بل في أن تعينه على الرؤية الأبعد، دون أن تنتزع منه سلطة القرار.

قد يبرع الذكاء الاصطناعي في قراءة صحة الملايين، لكن الطب لا يستعيد إنسانيته إلا حين يتوقّف أمام إنسان واحد، ويُنصت إلى قصته... لا إلى متوسطٍ إحصائي.

وأخيراً، فإن المستقبل الصحي لا يحتاج إلى ذكاءٍ يُفكّر بدل الطبيب، بل إلى ذكاءٍ يعيد إليه صفاء الرؤية، ويترك له - وللمريض - حق الاختيار. وحين يتعلّم الذكاء الاصطناعي الاعتراف بحدوده، يبدأ الطب في استعادة جوهره الأصيل: علمٌ يقوده العقل... ورعايةٌ تحفظ إنسانية الإنسان.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: «الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرّد وسيلة». عندها فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان... لا العكس.


كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.