استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»

كتاب جديد يبحث في خلفيات ودوافع المنضمات للتنظيم الإرهابي

استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»
TT

استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»

استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»

تحت عنوان «استراحة تأمل في عقول الداعشيات»، جاء كتاب أزاده مافيني قوياً ومليئاً بالتحديات، حيث تناولت عبر صفحاته الحياة الداخلية ودوافع النساء اللائي انضممن إلى أو ساندن تنظيم «داعش» الإرهابي، في سرد روائي سلس رائع وسهل الفهم.
يتناول كتاب «استراحة تأمل في عقول الداعشيات» الكثير من المحرمات التي أعاقت النقاش الحاد عن التطرف الأصولي بشكل عام وتنظيم «داعش» بشكل خاص. الكتاب لا يقدم تصحيحاً مضيئاً لفهمنا للجماعة التي أرعبت المسؤولين والشعوب في جميع أنحاء العالم فحسب، بل أيضاً لمفهوم «الحرب الكبرى على الإرهاب» وللسياسات غير الفعالة، وغالباً غير المجدية للحكومات الغربية والشرق أوسطية.
تتبعت مافيني خطى ثلاث عشرة امرأة وفتاة من تونس وبريطانيا وسوريا وألمانيا، حيث ترسم صوراً ثلاثية الأبعاد لعوالمهن ومناطقهن والخيارات المتاحة وغير المتاحة لهن؛ وهو ما جعلني في كل مرة أتوقف لمعرفة ما سيحدث لهن. قد يثير هذا النهج غضب بعض القراء، وبخاصة بعد سنوات من التغطية الإعلامية التي مالت إلى تصوير هؤلاء النساء على أنهن شر فريد من نوعه، أو متطرفات متعطشات للدماء، أو نسوة متلهفات للقاء الجهاديين الرجال.
توقعت مافيني مثل هذه الاعتراضات وتعترف بحالة الرعب وبأهمية المعاناة التي عاشها ضحايا تنظيم «داعش»، مثل الإيزيديات اللائي حاز استعبادهن واغتصابهن تغطية هائلة، وأحياناً متقنة. لكن، بحسب الكاتبة، «ربما أعمانا الغضب الشديد ومنعنا من تقدير الظروف التي أفضت إلى ظهور أنصار تلك الجماعة»، و«لفهم حقيقة تلك الظروف» بحسب مافيني، «يجب علينا النظر إلى الفوارق بين هؤلاء النسوة ببعض التعاطف».
توجه الكاتبة نداءً بعد أن استشعرت معاناة المئات من المنتسبات لـ«داعش» – الحاليات والسابقات – وكذلك أطفالهن في المخيمات وفي مراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وما رأته من محاكمات قصيرة وتجريد من الجنسية والسجن إلى أجل غير مسمى في ظروف بشعة، في حين تلقى الحكومات، بما في ذلك حكومتا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بمشكلات مواطنيها المنضمين إلى «داعش» على كاهل السلطات غير المجهزة في العراق وسوريا.
الملاحظة الأهم لمافيني، وهو الموضوع الذي طفا على السطح مراراً وتكراراً في سردها التفصيلي، هي أن قرارات مجندات «داعش» - وبعضهن من الفتيات الصغيرات – كانت ذات مغزى لهن. في الواقع، لم يكلف أحد نفسه عناء معالجة ذلك في حينه؛ ولذلك يسلط الكتاب الضوء على إخفاق العائلات والمجتمعات والحكومات في الإنصات إلى المخاوف الحقيقية والمشروعة للنساء والفتيات، والمخاوف التي استغلها تنظيم «داعش»، وعدم معالجتها بطرق كان من الممكن أن تكون أفضل من الدعوة لـ«داعش».
وبحسب مافيني، يكمن أحد التحديات في أن مثل هذه المناقشات كان من الممكن أن تفهم على أنها تعاطف مع «داعش». فمن الولايات المتحدة وأوروبا إلى الدول العربية، غالباً ما تساهم شبكات مكافحة الإرهاب في أن تفهم أي سياسة متعلقة بالإسلام على أنها دعم لتنظيم «داعش» أو «القاعدة». والأسوأ من ذلك، في هذا الجو، فإن أي نقاش سياسي بين الشباب المسلم حول القضايا الجيوسياسية أو الاجتماعية الأكثر إلحاحاً من الممكن أن يفهم على أنه موضوع يخص المتشددين.
تبدو مافيني واقعية بشأن الأسباب التي أفضت بنا إلى هنا. فبينما أقامت «داعش» ما يسمى بـ«دولة داعش» وسط صراعات أكبر ذات دوافع سياسية في سوريا والعراق، كتبت مافيني تقول، إن التنظيم استخدم أدوات «فعالة للغاية» لجذب المجندين وإخضاع السكان والقضاء على «المنطقة الرمادية» للتعايش مع المسلمين في الغرب. ومن خلال اللعب على مخاوف العالم من الإسلام، تمكن التنظيم من «بث الزعر من المزاعم الدينية التي سعوا إلى ترويجها».
وهكذا، بحسب مافيني، «بات (داعش)، في الخيال الغربي، ينظر له باعتباره قوة شيطانية أكثر من أي شيء واجهته الحضارة منذ أن شرع الإنسان في تسجيل تاريخ القتال منذ حروب طروادة».
كان ينظر إلى «داعش» على أنه تنظيم فريد بشكل صعب الفهم ويتطلب فئة جديدة من علماء الأرواح وطرد الشياطين، كما تصفهم مافيني، وأنها تتطلب جهداً لفهم ما إذا كانت ممارسات «داعش» مغروسة في الإسلام السائد. لم يكن هناك اهتمام كبير بأصول تلك الجماعة في «السياسات والحروب الأميركية» أو بالتجارب الحية للمسلمين في الغرب وفي أماكن أخرى، أو «للحسابات الباردة» للكثيرين في الغرب بأن الرئيس السوري القمعي العنيف بشار الأسد، كان أفضل من أي بديل ديني محتمل.
وبحسب مافيني، ربما توفر النصوص الإسلامية أدلة حول بعض قادة «داعش» واللاهوتيين، لكنها كانت إلى حد كبير بعيدة عن ممارسات آلاف الجنود والإداريين والمقيمين في الخلافة الذين كانوا يفتقرون في الغالب إلى الخبرة الدينية وكانوا مدفوعين بمزيج متنوع من الدوافع السياسة والإيمانية والاقتصادية والرغبة في الحفاظ على الذات.
للأشخاص المعنيين، هنا الذي تناولت مافيني حكاية كل منهن قصة تدور أحداثها في سياق شيق مما يجعل تحليل الكتاب سهلاً، لكن نقاط انطلاقهن متنوعة. فنور، على سبيل المثال، مراهقة تونسية شعرت بالحنق والاختناق من حكومة علمانية كانت الثورة السلمية مصدر إلهام لها، لكن أملها تبدد بعد أن تلاشت وعود الثورة. أما إيما، فهي شاب ألمانية وحيدة اعتنقت الإسلام لأنها أحبت الجالية المسلمة الدافئة القريبة من أصدقائها الألمان ذوي الأصول التركية. أما لينا، وهي ألمانية من أصول لبنانية، فقد تركت زوجها المسيء ووجدت عزاء في التطرف بعد أن نبذها والدها اللبناني العلماني. أما أسماء، ودعاء، فهما لم يكونا من سكان الرقة المتدينين، لكنهما أجبرتا على العيش في الرقة عندما سيطر «داعش» على مدينتهما.
وهناك الفتيات الثلاث اللاتي قدمن من مدرسة ثانوية شهيرة بمنطقة «بيثنال غرين» بضواحي لندن. فقد كن صديقات شيماء (شميمة) بيغوم، وهرب الأربعة للانضمام إلى «داعش» في سن المراهقة. ظهرت بيغوم، ذات الأصول البنغلادشية، في أحد المعسكرات وجردت من جنسيتها البريطانية بعد أن رفضت الاعتذار. أنجبت شميمة ثلاثة أطفال، أحدهم في المخيم. لكنهم ماتوا جميعاً لنقص الرعاية.
كما تعترف مافيني، قد يكون لدى بعض مصادرها الدوافع للتقليل من عنصر التورط وكونهن ضحايا، والتأكيد على عنصر تعمد المشاركة. ومع ذلك، يتوافق تصورها مع ما تعلمته أنا وزملائي خلال سنوات من إعداد التقارير الصحافية والتجارب تغلغلنا من خلالها في عمق المصادر بحثاً عن إجابات مقنعة لألغاز كبيرة محيرة. ولنصل إلى إجابة، دعونا نتساءل: لماذا كانت تونس التي تعد قصة النجاح النسبية لباقي الثورات العربية، المورد الأول للمتطرفين؟ هنا تشير الكاتبة إلى الإصلاحات الفاشلة والآمال المحطمة للشباب حديثي العهد بالتطرف). لماذا انجذب بعض البريطانيات من الجيل الثاني الناجح أكاديمياً إلى تلك الجماعة، وكيف لم يعلم آباؤهم بذلك ولماذا لم يمنعوهم؟
تشير مافيني هنا إلى نقطة مهمة: إذا كان لدى أولياء الأمور المهاجرين الفقراء وغير الناطقين بالإنجليزية وقت لملاحظة الفتيات اللاتي كن يقضين وقتاً أطول في المساجد، فإن كل ملاحظاتهن كانت تصب في أن ذلك علامة ومؤشر على تمسكهن بالقيم الحميدة والإيمان، لكنها في الحقيقة كانت انعكاساً لحيرة الأطفال بين بيئتهم الحرة في لندن والضغوط العائلية المحافظة. وشأن الأطفال (والفتيات) المعزولين عن مجتمعهم الغربي بدافع من آبائهن، جاء حديثي العهد بالإسلام من دون امتداد أو جذور عائلية أيضاً عرضة للمتطرفين.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«الوطني الليبي» يُشارك في تحرير مقاتلين سابقين بـ«فاغنر» في مالي

شمال افريقيا مقاتلا «فاغنر» السابقان المفرج عنهما (وسائل إعلام ليبية)

«الوطني الليبي» يُشارك في تحرير مقاتلين سابقين بـ«فاغنر» في مالي

أفادت مصادر روسية وليبية متطابقة بأن نجل القائد العام للجيش الوطني الليبي ونائبه الفريق صدام حفتر اضطلع بدور في الإفراج عن اثنين من المقاتلين الروس السابقين

خالد محمود (القاهرة)
أفريقيا شرطيان يحرسان مقراً أمنياً في ولاية كيبي الاثنين (رويترز)

المعارك بين فصائل «داعش» في نيجيريا ترغم عائلاتهم على الفرار

المعارك بين فصائل «داعش» في نيجيريا ترغم عائلاتهم على الفرار... الجيش يصد هجوماً إرهابياً على قاعدة عسكرية متقدمة في بورنو.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا جانب من مباحثات موريتانيا والسنغال التي ناقشت تعزيز أمن الحدود (الجيش الموريتاني)

موريتانيا والسنغال تُجريان محادثات عسكرية لتعزيز أمن الحدود

أجرت موريتانيا والسنغال مباحثات، على مستوى قيادة الجيوش، أمس الخميس، تناولت تعزيز التعاون العسكري والأمني، في ظل تصاعد وتيرة انعدام الأمن بمنطقة الساحل.

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي حمزة عبد الله محمّد الملقب بـ«أبو جهاد المهاجر» القيادي العسكري البارز في تنظيم «داعش» بعد توقيفه (سانا)

سوريا تعلن توقيف قيادي عسكري بارز في «داعش»

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الثلاثاء، إلقاء القبض على قيادي عسكري بارز بتنظيم «داعش»، خلال عملية نفذتها الأجهزة الأمنية بالتعاون مع شركاء دوليين بمحافظة حلب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا عربة عسكرية تستعد لمواكبة قافلة سيارات مدنية شمال شرقي البلاد (أرشيفية- أ.ف.ب)

الجيش النيجيري يعلن مقتل أكثر من 160 إرهابياً

استعرض الجيش حصيلة عملياته العسكرية خلال الفترة ما بين 7 و13 أغسطس، مشيراً إلى القضاء على عشرات الإرهابيين، وتحرير 40 رهينة كانت ضحية الاختطاف.

الشيخ محمد (نواكشوط)

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.