فنان الغرافيتي بادسورا: هناك أمل لشباب فنزويلا

تعكس أعماله الفنية الجماليات والصمود في خضم الانهيار والدمار

فنان الشارع الفنزويلي «بادسورا» يواصل خلق الفن والأمل عبر الرسم المستمر في الأماكن العامة بالعاصمة كراكارس (تصوير: جينيزي غارسيا)
فنان الشارع الفنزويلي «بادسورا» يواصل خلق الفن والأمل عبر الرسم المستمر في الأماكن العامة بالعاصمة كراكارس (تصوير: جينيزي غارسيا)
TT

فنان الغرافيتي بادسورا: هناك أمل لشباب فنزويلا

فنان الشارع الفنزويلي «بادسورا» يواصل خلق الفن والأمل عبر الرسم المستمر في الأماكن العامة بالعاصمة كراكارس (تصوير: جينيزي غارسيا)
فنان الشارع الفنزويلي «بادسورا» يواصل خلق الفن والأمل عبر الرسم المستمر في الأماكن العامة بالعاصمة كراكارس (تصوير: جينيزي غارسيا)

باتت أزمة فنزويلا مادة إخبارية يومية في مختلف غرف الأخبار حول العالم، مع ارتفاع معدل التضخم في هذا البلد الغني بالنفط إلى نسبة مفزعة، لا تقل عن مليون في المائة، مع تزايد تدفقات المهاجرين من أبناء البلد إلى البلدان المجاورة، أو إلى البلدان الأوروبية المختلفة، إذ يعجزون عن تلبية متطلبات الغذاء والدواء الأساسية لأنفسهم ولذويهم في بلدهم مع احتدام وتيرة الصراعات السياسية المزرية هناك.
وبرغم ذلك، وفي خضم الأزمة الراهنة، لا يزال هناك بصيص من أمل وتفاؤل في الأفق. فهناك «فولفانغ سالازار» فنان الشوارع الفنزويلي، المعروف في بلاده باسمه المستعار المختار «بادسورا». وينبئ هذا الاسم المستعار عن تلاعب واضح بالألفاظ بين اللغتين الإنجليزية والإسبانية، إذ يوحي المقطع الأول «باد» بمعنى السيئ في اللغة الإنجليزية، في حين يعني المقطع الثاني «سورا» كلمة قمامة باللغة الإسبانية، في إيحاء من الفنان المحلي أن فنون الشوارع لا تعتبر فناً خالصاً قائماً بذاته لدى بلدان تلك المنطقة. وفي مقابلة أجرتها صحيفة «الشرق الأوسط» مع الفنان الفنزويلي «فولفانغ سالازار» في العاصمة كاراكاس، أوضح الفنان أن لقبه المستعار يشي بحالة التمرد الشائعة في جلّ أرجاء البلاد راهناً، وهو لقب وليد العجز، مع الرغبة المستمرة في الصراخ للعالم من حوله بأن أسلوبه ليس سلة للمهملات، بل هو فن مفروض من طريقة تعليمه لذاته.
ظل فولفانغ يواصل خلق الفن والأمل عبر الرسم المستمر في الأماكن العامة بالعاصمة كاراكارس. وتعكس أعماله الفنية الجماليات، واللطف، والصمود في خضم الانهيار والدمار. وكانت فنزويلا تعد واحدة من أغنى دول العالم، وكان سكانها يستمتعون بحياة طيبة هادئة. أما الآن، فقد تحول بعض من أشهر شوارعها إلى شاهد على القسوة، والعنف، والفقر.
يطالعك كثير من الوجوه ذات الابتسامات الهادئة المترنمة بألحان الموسيقى عند النظر إلى جداريات الفنان «بادسورا». وهو من دون شك انعكاس واضح لشخصية، أو ربما هوية الشعب الفنزويلي. ويمكن اعتبار هذه الأعمال الفنية بمثابة المرآة التي يتسنى للناس تلمس ذكريات الماضي بمجرد النظر إليها.
يقول «بادسورا» عن أعماله: «تحاول التداخلات كافة استهداف توعية الناس بشأن تيمة بعينها. وجذب انتباه وتصورات المارة يستلزم مني السعي الدؤوب لإنشاء تراكيب متنوعة؛ حيث تمتزج فيها مختلف أساليب وأنماط الفنون، مثل الواقعية والانطباعية والتكعيبية، بخلاف المناظر الطبيعية».
ويضيف «بادسورا» قائلا: «رسالتي من أعمالي شديدة الذاتية. فكل الأعمال الفنية تحمل انعكاساً للحياة؛ حيث يعثر كل فرد على رسالته الخاصة، وهو يقرر بنفسه كيفية تلقيها وترجمتها على الواقع الراهن من حوله. أما بالنسبة لي، فإن أعمالي بالغة الحساسية لتيمات الهوية، والقيم، والتنوع، والإعلام، والثقافة، والتجرد. ويتوقف كل شيء فيها على الخطوة التالية التي يتخذها المجتمع وانعكاساتها اللازمة عليه، وذلك من أجل إبلاغ رسالة ذات طابع أكثر استفزازاً من الطابع النقدي التقليدي». تمكن مطالعة أعمال الفنان «بادسورا» الفنية في مختلف أرجاء كاراكاس، وكذلك في بلدان أخرى من قارة أميركا اللاتينية، مثل الإكوادور، والبرازيل، وكولومبيا، فضلاً عن بعض العواصم الأوروبية الرئيسية. ولا تخرج أعماله الفنية عن التصوير الجداري أو الرسم الملون على الحوائط (الغرافيتي) المفعم بطاقة هائلة من التفاؤل. ومن المثير للدهشة أن يسعى هذا الفنان الشاب إلى الإعلان عن جماليات بلاده، بدلاً من الشعور بالشفقة والرثاء لحالها. والفن انعكاس ورؤية لزاوية من المجتمع الفنزويلي، لا تتطلع إليها نشرات الأخبار.
يقول «بادسورا»: «ما من شك أن الطريقة الوحيدة لبناء بلد من البلدان هي مواصلة العمل. وإنني أعيش في كل يوم أفكر في نوع التدخل التالي الذي يعزز من قيمة احترام الذات، والرغبة في الحياة الكريمة في واحدة من أجمل بلاد العالم. إن مسؤولية بناء الدولة على نحوها الأفضل لا تتعلق بالمؤسسات العامة أو الكيانات الخاصة فحسب، وإنما هناك جانب كبير من العبء يقع على عاتق المواطنين، ولكل منهم عمله ومساهمته. وينبغي على العالم مساعدتنا في التواصل بشأن الأمور الجيدة والجميلة في بلادنا، وتنبغي مساعدتنا في تنشيط الثقافة، والاقتصاد، والسعادة، كما ينبغي أن يعلموا حول العالم أن روح الشعب الفنزويلي هي أكبر وأصلب من هذه الأزمة الراهنة».
لكن هل من المتوقع أن تؤثر الأزمة الراهنة على عالم الفن في فنزويلا؟
يجيب «بادسورا» قائلاً: «إن فنون الرسم هي من الأنشطة المكلفة على الدوام. وصارت تكاليف المواد الخام، والطلاء، والألوان المستوردة من الخارج في أغلب الأحيان باهظة للغاية. ولا يعتبر فن الغرافيتي استثناء من ذلك بحال. وحقيقة الأمر أن هناك عدداً معتبراً من فناني الغرافيتي لم يهاجروا البلاد إلى دول أخرى، بل يواصلون الاضطلاع بمسؤولياتهم، إلى جانب الاهتمام بالفنون، وهناك آخرون لم يغادروا البلاد، ولكنهم لم يعودوا يمارسون الفن منذ فترة طويلة. ومع ذلك، يواصل عدد من فناني الشوارع الإسهام بأعمالهم الفنية في البلاد، بالاستعانة بمواردنا الخاصة، أو ببعض الدعم المؤسسي أو الخاص».
يقول لنا الفنان إنه مع استطاعته الحصول على مادة الأكريليك، فإن الأزمة الوطنية الراهنة تؤثر عليه باختفاء الألوان الأخرى التي يحتاج إليه في أعماله الفنية. ويوضح الأمر بقوله: «إن ألوان الرشّ صارت مكلفة للغاية، ولكن هناك مؤسسة حكومية يمكنها توفير بعض الدعم من خلال إحدى البرامج. وبالإضافة إلى ذلك، شرعت بعض الشركات الخاصة والجهات الحكومية في المطالبة بإنتاج مزيد من أعمال الرسم على الجدران، باعتبارها نوعاً من أنواع التواصل مع الشعب». وأخيراً، سألته إن كان يرى هناك أملاً بالنسبة لشباب فنزويلا، فجاءت كلماته مفعمة بالأمل والتفاؤل الصادق. ويعتقد الفنان «فولفانغ سالازار» أو «بادسورا» أن الجانب المضيء من الأزمة الراهنة يكمن في الفرص التي تخلقها لدى الجميع، وأن رسالته التي يخاطب بها الجميع قوية، ومؤثرة، ومبتكرة.



«الأزقة» تفتح دفاترها لكتابة ليالي رمضان بأسلوب جديد

تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)
تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)
TT

«الأزقة» تفتح دفاترها لكتابة ليالي رمضان بأسلوب جديد

تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)
تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)

في مكة المكرمة، لا تمر ليالي رمضان، كما تمر في المدن الأخرى؛ فهنا تتشبث الأحياء بعاداتها، كما تتشبث الجذور بأرضها، وتستعيد الحارات ذاكرتها الجمعية كل عام، وهي تعيد نصب الفرح في الأزقة نفسها التي حفظت أصوات الأجداد.

ورغم تسارع الزمن، وتبدّل أنماط الحياة، تتمسك أحياء مكة بإرثها الرمضاني، لكن بوعي تنظيمي حديث يحوّل المبادرات الشعبية إلى منظومات عمل موسمية متكاملة، يقودها شباب الحارات، وتشارك في صنعها الأسر والنساء والمتطوعون، في مشهد اجتماعي متجدد يتسع ولا ينقطع.

البسطات التي تقدم الوجبات الخفيفة من أحد عوامل جذب الزوار وقاطني الحي (الشرق الأوسط)

فمع إعلان دخول رمضان، تبدأ عدد من حواري المدينة المقدسة حراكها المبكر لإطلاق مواقع الفعاليات، التي يُحدَّد معظمها عادة منذ شهر شعبان، بعد وضع الخطط التشغيلية وتوزيع المهام بين فرق شبابية تعمل بروح تطوعية. ولم يعد الهدف مجرد إقامة تجمع عابر، بل صناعة مساحة اجتماعية جاذبة تستوعب سكان الحي والزوار معاً.

وتكشف المبادرات الشبابية في مكة عن تطور لافت في طريقة تقديم الفعاليات؛ إذ يقول نايف بار إنها انتقلت من نطاق محدود داخل كل حارة إلى منصات مفتوحة تتقاطع فيها الجوانب الترفيهية والإنسانية. ويوضح أن هذه اللقاءات اليومية، التي تمتد لساعات، أصبحت برنامجاً ثابتاً في الحي، مع تنوع الأنشطة بين الألعاب الرياضية والإلكترونية والبرامج الثقافية، بما يعكس قراءة واعية لذائقة المجتمع المحلي.

تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)

المرأة المكية

من أبرز التحولات التي شهدتها هذه الفعاليات، خصوصاً في حي زهرة كدي، الحضور المتنامي للمرأة، التي دخلت المشهد من بوابة المشاركة المنظمة لا الحضور الرمزي، إذ باتت الأركان النسائية جزءاً أصيلاً من خريطة الفعاليات في عدد من الحواري.

وأشار بار، وهو أحد منظمي «ليالي حي زهرة كدي»، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هذا العام شهد مشاركة واسعة من نساء الحي في تنظيم الفعاليات الخاصة بهن، وتقديم برامج وأنشطة ثقافية متنوعة ومسابقات أسرية، إلى جانب مبادرات تطوعية تخدم قاطني الحي وتزيد من وهج الفعاليات.

ولم يأتِ هذا التوسع في المشاركة النسائية منفصلاً عن طبيعة المجتمع المكي، بل منسجماً معه؛ إذ وفّرت الفعاليات مساحات عائلية آمنة ومنظمة شجعت مشاركة النساء والفتيات، وأسهمت في تحويل ليالي الحارات إلى فضاء اجتماعي متكامل تتقاطع فيه أدوار جميع أفراد الأسرة.

تنوع البرامج

عملياً، حدّد منظمو الفعاليات أهدافهم الاجتماعية من خلال باقة واسعة من البرامج، شملت ألعاب البلياردو، والتنس، و«الفرفيرة»، والألعاب الإلكترونية، إلى جانب منافسات الكرة الطائرة وكرة القدم، فضلاً عن أمسيات ثقافية وتوعوية، وهو ما تحرص عليه الحواري المكية، لا سيما في الجانب الإنساني من برامجها.

تشهد عدد من أحياء مكة سباقاً لتنظيم الفعاليات خلال ليالي رمضان (الشرق الأوسط)

كما تبنّت أحياء عدة إقامة السفر الرمضانية اليومية ضمن برامجها الخدمية، فيما فعّلت بعض مراكز الأحياء برامج ومسابقات لإحياء الليالي بأساليب وأنماط مختلفة، في خطوة تعكس وعي المنظمين بطبيعة مكة بوصفها مدينة تستقبل العالم.

خصوصية المكان

لا يمكن قراءة هذا الحراك بمعزل عن خصوصية مكة المكرمة، التي تشهد تدفقاً بشرياً كثيفاً خلال رمضان، ما يمنح هذه المبادرات زخماً مضاعفاً، خصوصاً في الحارات القريبة من المسجد الحرام؛ إذ تستفيد من هذا الحضور المتنوع، لتتحول الفعاليات إلى نقاط التقاء ثقافي واجتماعي.

ويؤكد عدد من المنظمين أن التطوير السنوي للفعاليات أصبح نهجاً ثابتاً يقوم على تقييم التجارب السابقة والبناء عليها، بهدف تلبية تطلعات مختلف الفئات العمرية، من الأطفال إلى كبار السن، مع الحفاظ على روح الحارة التي تمثل جوهر التجربة.

أنشطة وفعاليات تشهدها حواري مكة خلال رمضان (الشرق الأوسط)

العمل الإنساني

رغم اتساع الطابع الترفيهي، يبقى البعد الإنساني العصب الحقيقي لهذه المبادرات؛ إذ حرصت بعض الفعاليات على إدراج برامج نوعية، مثل تخصيص أيام لأيتام الأحياء، وهو أحد البرامج الرئيسية في حي «زهرة كدي»، إلى جانب تنظيم السفر الجماعية المفتوحة. وقد منحت هذه المبادرات الحراك الشبابي قيمة مضافة، ونقلته من إطار الترفيه الموسمي إلى مشروع اجتماعي مستدام.

ومع هذا الزخم، تبدو أحياء مكة في رمضان وكأنها تعيد إنتاج نفسها كل عام؛ ذاكرة قديمة لا تتخلى عن تفاصيلها، وروح شابة تعيد تنظيم المشهد بأدوات معاصرة. وبين تمسّك راسخ بالعادات، وانفتاح محسوب على التطوير، تواصل الحارات المكية كتابة حكايتها الرمضانية الخاصة؛ حكاية تبدأ من الأزقة، لكنها تمتد بثرائها إلى قلب المدينة كلها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


طالب يحلّ لغز «رجال الثلج» في أطراف النظام الشمسي

كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
TT

طالب يحلّ لغز «رجال الثلج» في أطراف النظام الشمسي

كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)

نجح أحد الطلاب في حلّ لغز كوني طال أمدُه يتعلَّق ببعض أكثر الأجسام غرابة في نظامنا الشمسي؛ «رجال الثلج» الجليديين الذين يستوطنون أطرافه البعيدة.

ونقلت «الإندبندنت» عن بحث نشرته دورية «الإخطارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، أنه لطالما تناقش علماء الفلك حول أصول هذه «الثنائيات المتلامسة»؛ وهي أجرام تتكوَّن من كرتين متّصلتين، في شكل يحاكي هيئة «رجل الثلج».

والآن، يزعم باحثون في جامعة ولاية ميشيغان امتلاك أدلة تشير إلى أن عملية بسيطة على نحو مفاجئ يمكن أن تفسّر نشوء هذه الأشكال المميّزة.

توجد أجرام «رجال الثلج» السماوية الغريبة في «حزام كايبر»، وهو امتداد شاسع يقع خلف كوكب نبتون، ويعجّ بالبقايا الجليدية التي يعود تاريخها إلى الحقبة التي تَشكل فيها النظام الشمسي. ويقع هذا النطاق خلف حزام الكويكبات المضطرب الممتدّ بين المريخ والمشتري.

وقد ظلت هذه اللبنات القديمة، المعروفة باسم «الكويكبات الأولية»، على حالها دون أن يمسّها تغيير لمليارات السنوات، ويُصنّف واحد تقريباً من بين كل 10 من هذه الأجرام ضمن فئة «الثنائيات المتلامسة».

ويكمن اللغز المحيّر الذي استعصى على الحلّ في كيفية تشكّل مثل هذه الهياكل الهشَّة، من دون أن تتحطَّم بعنف نتيجة اصطدام بعضها ببعض.

وقد طوَّر جاكسون بارنز، وهو طالب دراسات عليا في الجامعة، أول محاكاة حاسوبية توضح كيف يمكن لهذه الأشكال ذات الفصين أن تنشأ بشكل طبيعي من خلال «الانهيار الجاذبي».

وتُعرف هذه العملية بأنها المسار الذي تتقلَّص من خلاله المادة تحت تأثير جاذبيتها الخاصة، مُتغلّبةً على القوى التي قد تؤدّي بخلاف ذلك إلى تشتّتها.

وكانت النماذج الحاسوبية السابقة تتعامل مع الأجرام المتصادمة وكأنها كتل سائلة تندمج بسرعة لتشكل كرات مفردة، ممّا جعل من المستحيل إعادة محاكاة نشأة «الثنائيات المتلامسة». أما محاكاة بارنز التي استندت إلى مرافق حوسبة عالية الأداء، فقد سمحت للأجرام بالحفاظ على تماسكها واستقرارها برفق ضد بعضها البعض.

وفي حين ذهبت نظريات أخرى إلى أنّ إنتاج هذه الأشكال قد يتطلَّب أحداثاً نادرة أو ظروفاً استثنائية، يرى الباحثون أنّ مثل هذه التفسيرات لا يمكن أن تفسّر وفرتها الظاهرة؛ حيث صرح الدكتور سيث جاكوبسون، الأستاذ المساعد في علوم الأرض والبيئة والمشرف الرئيسي على الدراسة، وأضاف: «إذا كنا نعتقد أن 10 في المائة من الكويكبات الأولية هي ثنائيات متلامسة، فلا يمكن للعملية التي تشكلها أن تكون نادرة؛ إذ إن الانهيار الجاذبي يتوافق تماماً مع ما رصدناه».

يُذكر أنّ الثنائيات المتلامسة شوهدت للمرة الأولى بتفاصيل دقيقة في يناير (كانون الثاني) 2019، عندما حلّقت مركبة «نيو هورايزونز» التابعة لوكالة «ناسا» بالقرب من جرم في «حزام كايبر» سُمّي لاحقاً بـ«أولتيما ثولي». وقد دفعت تلك الصور العلماء إلى إعادة فحص الأجرام البعيدة الأخرى، ليكتشفوا أنّ نحو 10 في المائة من الكويكبات الأولية تشترك في الشكل المميّز عينه.

وفي «حزام كايبر» قليل الكثافة، تنجرف هذه الأجرام دون أن يمسها اضطراب يُذكر، ونادراً ما تصطدم بحطام فضائي آخر.

ففي التاريخ المبكر لمجرّة «درب التبانة»، كانت المجرّة تتكوَّن من قرص من الغاز والغبار؛ ولا تزال بقايا تلك الحقبة قائمة في «حزام كايبر» اليوم، بما في ذلك الكواكب القزمة مثل «بلوتو»، جنباً إلى جنب مع المذنبات والكويكبات الأولية.

تُعد الكويكبات الأولية من بين أولى الأجسام الصلبة التي تشكلت نتيجة تكتل الغبار والمواد التي بحجم الحصى تحت تأثير الجاذبية. وهي تُشبه إلى حدّ كبير كرات الثلج المضغوطة؛ إذ تُمثّل تجمّعات مفكَّكة انبثقت من سحب من الجزيئات متناهية الصغر.

وتُظهر محاكاة بارنز أنه مع دوران إحدى هذه السحب، يمكن أن تنكمش نحو الداخل وتنقسم إلى جسمين منفصلين يبدآن في الدوران بعضهما حول بعض؛ وهي ظاهرة «الكويكبات الثنائية» التي تُرصد بكثرة في «حزام كايبر». ومع الوقت، تتقارب مداراتهما بشكل لولبي حتى يتلامس الزوجان برفق ويندمجان، محتفظين بأشكالهما المستديرة.

ويوضح أنّ السبب وراء بقاء هذه الهياكل التي تبدو هشة لبلايين السنوات يعود ببساطة إلى «عامل المصادفة». ففي مثل هذه المناطق النائية، نادراً ما تحدث اصطدامات. وفي غياب أيّ ارتطام كبير، لا يوجد ما يكفي من القوة لفصل الجسمين عن بعضهما، وهو ما يفسر خلو عدد من الثنائيات المتلامسة من الفوهات الناتجة عن الارتطامات، أو ندرتها الشديدة.

ولطالما ساور العلماء الشك في أنّ الانهيار الجاذبي هو المسؤول عن هذه الظاهرة، لكنهم كانوا يفتقرون حتى الآن إلى نماذج قادرة على اختبار الفكرة بشكل سليم. وفي هذا الصدد، قال بارنز: «أصبحنا قادرين على اختبار هذه الفرضية للمرة الأولى بطريقة علمية رصينة. وهذا هو مبعث الإثارة في هذه الورقة البحثية».

ويعتقد أنّ هذا النموذج قد يساعد الباحثين أيضاً في فهم أنظمة أكثر تعقيداً تضم 3 أجرام أو أكثر؛ إذ يعكف الفريق حالياً على تطوير عمليات محاكاة ترصد تفاصيل عملية الانهيار بدقة أكبر.

ومع انطلاق البعثات الفضائية المستقبلية في أعماق النظام الشمسي الخارجي، يرى الباحثون أنّ شكل «رجل الثلج» المألوف قد يتبيّن أنه أكثر شيوعاً بكثير مما كان يُعتقد في السابق.


80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
TT

80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)

في الصين، يمكن للفوانيس الحمراء أن تكون مرشداً للمسافر نحو الأمان في الأزقة بليالي الشتاء القارسة، أو رمزاً للهيبة والسطوة أمام الردهات الإمبراطورية، أو حتى نداءً يثير الخشوع الديني حين تُعلّق في المعابد.

كما أنها باتت مرادفاً لاحتفالات السنة القمرية الجديدة في أنحاء البلاد، وحلقة وصل تربط صينيي اليوم بثقافة أسلافهم. ووفق «بي بي سي»، فإنّ محاولة تخيُّل عدد الفوانيس التي تُعلَّق في البلاد في أيّ وقت، تُشبه إلى حد بعيد محاولة إحصاء عدد الأشجار في غابات الأمازون.

ومع ذلك، تبرز حقيقة مذهلة تشير إلى أن نحو 80 في المائة من فوانيس البلاد لا تزال تصنّع يدوياً في بلدة صغيرة واحدة بمقاطعة «خبي». وحين تتجوَّل في شوارع بلدة «تونتو» المتربة، ستجد مظاهر صناعة الفوانيس تحاصرك أينما نظرت.

إلقاء نظرة عبر باب مفتوح على فناء أحد المنازل قد يكشف لك عن مجموعة صغيرة من القرويين يجلسون على مقاعد خشبية صغيرة يصنعون الفوانيس، وهم يتبادلون الحديث، في حين تكتظ الشوارع الرئيسية بأكوام من الفوانيس الحمراء المتراصة بعضها فوق بعض.

لا أحد يعرف متى بدأت هذه الحرفة في هذا الجزء من شمال الصين قبل مئات السنوات، لكن إذا وُلدت في «تونتو»، فإنّ هذا يعني أنك منغمس في صناعة الفوانيس منذ نعومة أظفارك. وتقول إحدى السيدات: «عندما ترى أفراد عائلتك يمارسون هذا العمل يومياً، فإنك تتقن السرّ بسرعة»، مضيفةً أنّ «الأطفال هنا يمكنهم تعلُّم الحرفة منذ سنّ العاشرة تقريباً».

ويبدو من المثير للإعجاب أنه في عصر خطوط الإنتاج فائقة التقنية، تمكنت هذه البلدة من إحكام قبضتها على سوق الفوانيس، مستخدمةً تقنيات إنتاج من حقبة زمنية غابرة. وحين سُئل أحد صُنّاع الفوانيس المسنين عن السر، أجاب بأنهم يستطيعون تلبية الطلبات المتنوّعة بسهولة، مهما كان حجمها صغيراً، وبتكلفة أقلّ ممّا توفّره المصانع.

ورغم أنّ الإنتاج الحديث قد يجد في المستقبل وسيلة لمحاكاة ما تنجزه هذه القرية يدوياً، مع تقديم الخيارات المتنوّعة نفسها بأسعار تنافسية، فإنّ ذلك لم يحدث بعد.

وإنما التحدّي الذي يواجه «تونتو» يتمثَّل في أنّ كثيراً من الشباب اليوم لم يعودوا يرضون بحياة تقتصر على صناعة الفوانيس، مفضلين بدلاً من ذلك إغراءات المدينة والفرص التي تتيحها الحياة الحضرية، ممّا قد يعني نقصاً في الأيدي العاملة خلال السنوات المقبلة.

ومع ذلك، تظل «تونتو» حتى اللحظة الراهنة «بلدة الفوانيس» في الصين، ويشعر سكانها بالفخر لارتباط اسم بلدتهم بهذه الحرفة العريقة.