أقنعة الخرافة ما بين العلم والسياسة

أقنعة الخرافة ما بين العلم والسياسة

هشام عبد العزيز يبحث في جذور العلاقات المتشعبة المهمشة
الخميس - 13 محرم 1441 هـ - 12 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14898]
جمال القصاص
هل الخرافة قابلة للتصديق؟ وهل تنتج معرفة جديدة بالعالم، خصوصاً في عالمنا الذي أصبح فيه العقل الافتراضي واقعاً ملموساً بفضل الثورة الهائلة في علوم التكنولوجيا والاتصال التي تسعى لتحرير الوعي الإنساني من سطوة الأوهام والخرافات والأساطير؟ ثم ما معنى أن ينحاز وعينا في جانب منه إلى الخرافة رغم الثورة عليها فلسفياً وعلمياً بوصفها ثمرة الوعي الشقي أو البائد؟ يعي الدكتور هشام عبد العزيز كل ذلك ويفنده في كتابه «فضل الخرافة»، الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية للكتاب، باحثاً في جذور العلاقات الجدلية المتشعبة المهمشة التي تبنيها الخرافة بكل أقنعتها الواضحة والمستترة مع العلم من جهة، ومع السياقات السياسية والاجتماعية والدينية للمجتمع من جهة أخرى.

وفي مقدمته للكتاب الذي يقع في نحو 130 صفحة من القطع الكبير، يمهد المؤلف لموضوعه الأساسي بإشارات موجزة حول تعريف الخرافة في السرد الديني والتاريخي والقصصي بوصفها حديثاً «مستملحاً»، لكن هذه الملاحة تقترن بالكذب، لافتاً إلى أن السارد التراثي العربي ينوّع في الدوال التي تشير إلى الكذب بألفاظ من قبيل: البهتان والترهات والتهاويل، لكنها مع ذلك مشحونة بأحكام قيمة من جانب، وبطاقة إبداعية من جانب آخر، ولا يزال يجري استخدامها بالتبادل مع دال الخرافة حتى عصرنا الحديث.

وفي معرض التفريق بين الأسطورة والخرافة، يستعين الكاتب بموسوعة «الأساطير والفلكلور» لروبرت سيغال، مشيراً إلى أن الأساطير، بحسب الموسوعة، عبارة عن قصص مقدسة تعامل بوصفها حقيقة تفسر المعتقدات الثقافية للماضي الأسطوري البعيد. أما الخرافة، فتكون عن ماضٍ قريبٍ، ربما لا يبعد بضع سنوات، وشخصياتها بسمات محلية أو تاريخية، وربما تؤخذ الخرافات بوصفها حقيقة، وربما بوصفها «قناعة مغلوطة»، لكنها راسخة، بحسب تفسير بعض الباحثين المعاصرين.

ويشير الباحث إلى دور الخيال في الخرافة، بوصفه العصب المحرك لكل فعالياتها، لافتاً إلى أن صراع الديانات والأساطير والمعارف التقليدية مع الخرافة يكمن في محاولتها السيطرة على الخيال. كما أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا سوياً إلا إذا اشتملت نفسه على كل هذه المكونات التي تبدو متعارضة، لكنه تعارض سطحي خادع يغطي تحته تضافراً كبيراً.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى كتاب «الحيوان» للجاحظ، بوصفه أحد المرتكزات الشهيرة في السرد التراثي، وما انطوى عليه من تفسير لطبيعة الحيوانات، وسرد قصص خرافية عنها، لا تخلو من تماس مع التراث الديني وخرافات الأعراب، موضحاً أن الجاحظ بنى منهجه في إيراد مثل هذه السرديات على أن هذا الكلام «ليس فيه جد إلا وفيه خلط من الهزل، وليس فيه كلام صحيح إلا وجنبه خرافة».

ويفسر ذلك بأن الجاحظ يشير هنا إلى علامة من علامات الخرافة، وهي التواطؤ على الكذب، أو بعض الكذب، بين الراوي والمتلقي، فإن ما يقال لم يقع، لكن ما وراءه صدق تام يؤمن به طرفا الرسالة: المرسل والمستقبل.

وفي مناقشته لعلاقة الخرافة بالعلم، يتخذ المؤلف من «فاطمة»، بطلة رواية «قنديل آم هاشم» للكاتب يحيى حقي، مدخلاً لسبر أغوار هذه العلاقة، حيث لم تجدِ وحدها الأدوية والإمكانات العلمية التي تعلمها طبيب العيون في أوروبا في علاجها من العمى الذي أصيبت به فجأة، فيمتثل للحل السحري ابن الخرافة الشعبية الذي مكنه أخيراً من علاجها، بأن وضع إلى جوارها زيت قنديل أم هاشم.

ويتساءل الكاتب: هذا التجاور أو التقاطع بين العلم والخرافة، المبني على علاقة متعارضة أصلاً، هل هو محاولة من طرف لإزاحة الطرف الآخر، أم أنه نتاج طبيعي للعلاقة المركبة التي لا مفر منها، وبهذا التعقيد، مهما تقدم الإنسان معرفياً أو تأخر؟

ويربط الباحث بين مضمون هذه الصراع الروائي وأفكار عباس محمود العقاد في كتابه «نشأة العقيدة الإلهية» الصادر في المكتبة العصرية ببيروت عام 1949، خصوصاً إشارة العقاد اللافتة المهمة إلى أن «كثيراً من الظواهر الموسومة بالخرافية بدأت تدخل مجال البحوث العلمية، وأن الباحثين يتخذون منها شيئاً فشيئاً مواقف من العطف والفهم أقرب من مواقفهم الأولى في مطلع الثورة العلمية على رجال الدين»، مؤكداً أن كلا الكاتبين (حقي والعقاد) قد أعادا الاعتبار لدال الخرافة، ليس بتغليبها على دال العلم، بل بمجاورتها إياه.

ويتعرض المؤلف لأفكار عدد من الفلاسفة والعلماء الغربيين حول هذه العلاقة، خصوصاً أفكار برغسون حول الخرافة الرمزية، ودورها في خلق الغرض. كما يفند رأي فرويد، وتصوره حول إمكانية اعتبار الخرافة والعلم مراحل معرفية، مشيراً إلى ضرورة توخي الحذر في هذا التصور، بل الأوفق برأيه اعتبارهما علامات ثقافية متجاورة، تفيد كل منهما من الأخرى، مشدداً على أن أهمية التفكير الخرافي ليست كما تصور بعض القدامى في العصور الوسطى، من أن الحديث عن جمل يطير أشهى من الحديث عن جمل يسير، بحسب قول المقدسي (المتوفي 380هـ)، بل في فضل الخرافة على العلم؛ لكنه فضل منكور، خصوصاً من أصحاب الدعوات العلمية الصارمة، كما أن الخرافة لا تجد من يدافع عنها.

وفي سياق علم الفلكلور السياسي، يتناول الكتاب العلاقة بين الخرافة والسياسية، بوصف الأولى تشكل رافداً مهماً في تكوين الوعي السياسي للأفراد، خصوصاً في طوره الفطري البديهي المرتبط بالتوقعات، ابنة البصيرة والنبوءة الإنسانية التي تختزن قراءة عفوية لمجريات الوقائع والأحداث السياسية، بدافع من خلاصة الحكمة والتجربة وخبرة الجماعة البشرية في واقع محدد وظروف اجتماعية معينة، لافتاً إلى أن هذا يحدث على نحو بارز في المناطق التي تتجاذبها الثقافة الشعبية من جهة، والسياسية من جهة ثانية، والعلوم المختلفة من جهة ثالثة، ما يمكن أن يخلق منطقة جديدة يصنعها هذا المزج بين هذه الأطراف، تكسر الأوعية التقليدية في الرؤية والتناول والتعاطي مع ما يحدث على أرض الواقع، وهو ما يبدو جلياً مع ظهور الثورات، أو بروز الفعل الثوري كطاقة للتغيير والتحرر، والبحث عن إطار جديد تتعايش فيه هذه العلاقة بحيوية وحرية أوسع.

ويشير الباحث إلى شكل من أشكال التضاد المثمر بين الخرافة المفتوحة بعشوائية المصادفة على براح الكون والوجود، والفعل الثوري والشروط الموضوعية لحركته، متخذاً من الثورة المصرية في 25 يناير (كانون الثاني) 2011 مثلاً على هذا المنحى، حيث يوجد الاثنان (الخرافة والفعل الثوري) في أدبياتها، في سياق من الحركة المتضافرة بين خرافة دولة آيلة للسقوط، وخرافة ثورة فاجأت الجميع، يسندها فعل ثوري ضد سلطة الرمز السياسي الحاكم، وحولت الواقع السياسي والدولة إلى خرافة مستبدة من الظلم والسحر والدجل يجب إسقاطها والثورة عليها، ليتحول الصراع بين الخرافتين إلى صراع على مستقبل أفضل للوطن والإنسان.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة