الإفراج عن باحثة إيرانية ـ فرنسية معتقلة في إيران موضع تجاذب بين باريس وواشنطن

طهران تطالب بإخلاء سبيل مواطن محتجز في فرنسا مقابل إطلاق سراح فريبا عادل خواه

الباحثة الفرنسية من أصل إيراني فريبا عادل خواه (أ.ف.ب)
الباحثة الفرنسية من أصل إيراني فريبا عادل خواه (أ.ف.ب)
TT

الإفراج عن باحثة إيرانية ـ فرنسية معتقلة في إيران موضع تجاذب بين باريس وواشنطن

الباحثة الفرنسية من أصل إيراني فريبا عادل خواه (أ.ف.ب)
الباحثة الفرنسية من أصل إيراني فريبا عادل خواه (أ.ف.ب)

قبل مائة يوم؛ ألقى جهاز المخابرات التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني القبض على الأكاديمية الإيرانية التي تحمل الجنسية الفرنسية أيضاً فريبا عادل خواه في طهران التي تقيم فيها بالتناوب بينها وبين باريس. ورغم الجهود التي تقوم بها الدبلوماسية الفرنسية على أعلى المستويات والدور المحوري الذي يضطلع به الرئيس إيمانويل ماكرون لتخفيف وقع العقوبات الأميركية على إيران، فإن الباحثة في علم الأنثروبولوجيا التي أنجزت دراستها العليا بالحصول على درجة الدكتوراه، ما زالت تقبع في سجن «إيفين» بشمال العاصمة طهران.
ولا أحد من زملاء فريبا عادل خواه؛ أكان في «معهد العلوم السياسية» بباريس حيث تعمل باحثة، أو من المجلات العلمية ودور النشر التي تتعاون معها، يعرف مصيرها بالضبط؛ إذ إنه لم يصدر أي حكم بحقها ولم تمثل أمام محكمة منذ توقيفها.
وكلّ ما صدر عن السلطات القضائية الإيرانية بيان مقتضب في 16 يوليو (تموز) الماضي يفيد بأنها «من بين المشبوهين الذين تم توقيفهم مؤخراً» وبأن الجامعية متهمة بـ«التجسس».
يذكر أن جان فرنسوا بايار، المدير السابق للمعهد البحثي الذي تعمل فريبا عادل خواه لصالحه، أفاد بأن أفراد عائلتها يعيشون في إيران، وبأنه أتيح لبعضهم زيارتها في السجن المذكور.
حتى اليوم؛ فضلت باريس إبقاء هذا الموضوع بعيداً عن الإعلام. ومنذ أقل من شهرين، تناوله الرئيس الفرنسي علناً بعد أن تكاثرت الأصوات التي عبرت عن المخاوف على حياة الباحثة. وقال ماكرون للصحافة يوم 15 يوليو الماضي خلال زيارته إلى صربيا: «إن ما يحدث يثير لدي قلقاً كبيراً، ونحن على علم بما جرى (أي اعتقال فريبا عادل خواه)».
وأضاف ماكرون: «لقد عبرت عن معارضتي (لما حدث) وطلب توضيحات من الرئيس روحاني». لكن الرئيس الفرنسي لم يحصل على «أي توضيح له قيمة». وفي الفترة عينها، وجواباً عن المراجعات المتكررة، أصدرت وزارة الخارجية بياناً جاء فيه أن فرنسا قد «تقدمت بطلبات إلى السلطات الإيرانية للحصول على معلومات حول وضع السيدة عادل خواه وظروف توقيفها، كما طلبت أن تمكن من الحصول على الرعاية القنصلية» التي توفرها الخارجية الفرنسية لكل رعاياها الموقوفين في الخارج. لكن بيان الخارجية يتضمن اعترافاً بأنها «لم تتلقَّ أي ردّ مُرضٍ».
ليس سراً أن الاتصالات بين باريس وطهران متواصلة على أعلى المستويات بين الرئيس ماكرون ونظيره روحاني، كما أن ماكرون أرسل كبير مستشاريه الدبلوماسيين إلى طهران مرتين، واستقبل وزير الخارجية محمد جواد ظريف في «الإليزيه» وفي منتجع بياريتز مرتين أيضاً أواخر أغسطس (آب) الماضي. وبالطبع، كان الملف النووي والوساطة التي يقوم بها ماكرون لتخفيف وقع العقوبات الاقتصادية على طهران وحثها على البقاء داخل الاتفاق النووي، هو الطبق الأساسي للمفاوضات، ولكن يصعب تصور أن الجانب الفرنسي لم يثر موضوع الباحثة الأنثروبولوجية المعروفة في الأوساط العلمية بفضل الكتب التي نشرتها والدراسات القيمة التي ساهمت بها والتي شرحت فيها تحولات المجتمع الإيراني وعلاقات رجال الدين الشيعة ومجتمعاتهم في إيران والعراق وأفغانستان، وهي البلدان التي كانت تزورها دورياً. ومن بين هذه الدراسات كتاب يحمل عنوان: «أن تكون حداثياً في إيران» الذي نشر في عام 1998. والمثير في المسألة أن فريبا عادل خواه البالغة من العمر 60 عاماً، لم تكن من معارضي النظام الإيراني؛ الأمر الذي غالباً ما أثار حفيظة مواطنيها خارج البلاد. ليست فريبا عادل خواه أول باحثة يلقى القبض عليها في إيران وتوجه إليها تهمة التجسس. فقد عرفت المصير نفسه باحثة أخرى مزدوجة الجنسية «إيرانية - فرنسية» اسمها كلوتيلد رايس، اعتقلت خلال الفترة ما بين 1 يوليو 2009 و15 مايو (أيار) من العام الذي يليه. وما يزيد من مخاوف عائلة عادل خواه وزملائها أمران: الأول، حالتها الصحية خصوصا أنها كانت تنوي العودة إلى باريس في 25 يونيو (حزيران) لإجراء فحوصات طبية. والثاني جهلهم التام بالفترة التي سيستمر فيها اعتقالها.
حقيقة الأمر أن ما يثير التساؤلات شبه التزامن بين توقيف الباحثة ومحاولة الاعتداء التي أحبطت على تجمع للمعارضة الإيرانية «مجاهدين خلق» في الشهر نفسه، في ضاحية فيلبانت، الواقعة شمال باريس. وكانت الأجهزة الأمنية الفرنسية قد ألقت القبض على عدة أشخاص سلمت أحدهم إلى بلجيكا للتحقيق معه؛ الأمر الذي أثار حفيظة طهران التي سارعت إلى النفي. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وجهت باريس رسمياً اتهامات لوزارة شؤون الاستعلامات الإيرانية بتدبير الاعتداء الإرهابي على أراضيها، وفرضت عقوبات على شخصيات منها؛ أحدهم سعيد هاشمي مقدم، الذي يشغل منصب مساعد وزير الاستعلامات المكلف قسم العمليات.
هل تحتفظ طهران بفريبا عادل خواه لعلة مبادلة مع إيرانيين معتقلين في فرنسا؟ السؤال مطروح، وثمة من يستدل بالطريقة التي أطلقت بها كلوتيلد رايس، وما تبعها من إطلاق سراح علي وكيلي راد؛ العميل الإيراني الذي اغتال آخر رئيس وزراء في عهد الشاه شاهبور بختيار في عام 1991، ثم إبعاده إلى طهران بعد فترة قصيرة من الإفراج عن رايس، ليرجح أن طهران تسعى لعملية مبادلة بين الجامعية المعتقلة وأحد عملاء طهران في فرنسا.
في تحقيق نشرته صحيفة «لو فيغارو» قبل أسبوع، جاء أن طهران تريد مبادلة عادل خواه بمواطن إيراني اسمه جلال روح الله نجاد، وهو مهندس خبير في الألياف البصرية وقد تم اعتقاله في مطار مدينة نيس بداية شهر فبراير (شباط) الماضي وهو آتٍ من طهران عبر موسكو. ويقبع هذا الرجل في السجن بمدينة لينيس، القريبة من مدينة أيكس أو بروفانس.
وما يزيد من تعقيدات هذه المسألة أن الولايات المتحدة الأميركية تريد من السلطات الفرنسية أن تسلمها إياه لأن القضاء الأميركي يظن أنه ارتكب انتهاكات عدة على علاقة بتصدير أنظمة وأعتدة عبر الإمارات العربية المتحدة، يمكن استخدامها في الصناعات العسكرية؛ ومنها ما هو لمتابعة الطائرات المسيرة. وتضيف الصحيفة أن المهندس الإيراني كان يعمل لصالح «الحرس الثوري». والأهم من ذلك أن القبض على عادل خواه جاء بعد أسبوعين فقط من موافقة القضاء الفرنسي على تسليم روح الله نجاد إلى الجانب الأميركي؛ الأمر الذي أثار حفيظة محاميه واسمه جان إيف لو بورني الذي تقدم بطلب استئناف الحكم. وبما أن التسليم يحتاج إلى موافقة رئيس الحكومة، فإن المسألة دخلت الحيز السياسي وأصبحت ثلاثية الأبعاد. وبالنظر إلى محاولات باريس التوسط بين طهران وواشنطن، فثمة من يرى أن الطرف الأميركي ربما يعمل على «إحراج» باريس التي يعمل رئيسها، من خلال اتصالاته مع روحاني، على ضمان الإفراج عن المواطنة الإيرانية - الفرنسية. وثمة بعد آخر للقضية ويتعلق بعمل القضاء الإيراني وبدور «الحرس الثوري» الذي كان وراء اعتقال عادل خواه.
كيف ستحل خيوط هذه العقدة؟ الجانب الفرنسي يرفض الخوض فيها، لأنه يعدّ أن إبقاءها بعيدة عن التداول أفضل ضمانة للنجاح. لكن الواضح أن الأمور السياسية وغير السياسية اختلط بعضها ببعض، وأن ما سيشهده الملف الإيراني في الأسابيع المقبلة سيحمل مؤشراً ما على المسار الذي ستسلكه هذه القضية.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.