خالد الفرج.. سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين

الشبيلي والعوامي في ندوة بالقطيف عن حياته تستحضر دوره في الاندماج الوطني

جانب من ندوة خالد الفرج
جانب من ندوة خالد الفرج
TT
20

خالد الفرج.. سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين

جانب من ندوة خالد الفرج
جانب من ندوة خالد الفرج

أعادت ندوة أدبية في القطيف، شرقي السعودية، إلى الواجهة سيرة الشاعر خالد الفرج، أحد أهم الشخصيات الأدبية التي أثرت على الحياة الشعرية والثقافية على ساحل الخليج خلال النصف الأول من القرن الماضي.
هذه الندوة أقيمت عشية اليوم الوطني السعودي، وهدفت إلى استجلاء سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين، والتواصل العابر للحواجز والانقسامات، وكانت فترة حياته التي توثقت صلة بالملك المؤسس عبد العزيز، عنوانا لقدرة الإداري المثقف على تعزيز التلاحم وبناء الثقة.
حملت الندوة عنوان: «خالد الفرج: الشاعر والوطن»، وحضرها نخبة من المثقفين السعوديين حضر كثير منهم من الرياض، وبعضهم من الكويت، مع جمهور غفير من المنطقة الشرقية، ونظمها «منتدى الثلاثاء» الذي يديره الكاتب المهندس جعفر الشايب، بالتعاون مع دارة الملك عبد العزيز في الرياض، وشارك في الندوة كل من: الدكتور عبد الرحمن الشبيلي والأديب عدنان العوامي.
ولد الشاعر خالد الفرج، في الكويت، منتصف ربيع الثاني عام 1898، وذكر الباحث الدكتور عبد الرحمن الشبيلي أنه «ينحدر من أصول سعودية تعود إلى البدارين من الدواسر، وقد ولد من أسرة ميسورة الحال، ووالدته هي شيخة بنت ثنيان عبد الرحمن الثنيان من قبيلة الخليفات القطرية، عاش في الهند، فالبحرين، ثم في المنطقة الشرقية السعودية، وأمضى العامين الأخيرين من عمره في بلاد الشام»، وتوفي في أحد مستشفيات لبنان سنة 1954.
وفي ترجمة معجم البابطين لشعراء العربية، يشير إلى أن اسمه الكامل هو: خالد بن محمد بن فرج الصراف الدوسري، وأنه ولد في الكويت وتوفي في لبنان، وقضى حياته العملية متنقلا من الكويت إلى مومباي والبحرين والسعودية (القطيف والأحساء والدمام) وتلقى علومه المبكرة في الكتاب، وعند افتتاح المدرسة المباركية عام 1911 التحق بها، ونشط في الاطلاع على كتب التراث المختلفة، ثم بدأ حياته العملية مدرسا في المباركية، فكاتبًا عند أحد كبار الكويتيين في الهند، وأسس في مومباي المطبعة العمومية التي طبع فيها مجموعة من الكتب كان بعضها على نفقة الملك عبد العزيز، وقد درس اللغة الإنجليزية والهندسة خلال عمله هناك، ثم انتقل إلى البحرين ليصبح مدرسا بمدرسة الهداية الخليفية في البحرين، وعضوا في المجلس البلدي البحريني، ثم صار مسؤولا في بلدية الأحساء ورئيسا لبلدية القطيف.

* شاعر الخليج
* ولذلك، فإن عددا من الأقطار الخليجية والعربية تتنازع انتماء هذا الشاعر إليها، هي الكويت والبحرين والسعودية. وكانت الفترة الذهبية في حياته التي عرفته على الشعراء والأدباء في السعودية والبحرين، خلال تكليفه من قبل الملك عبد العزيز بتولي بلدية القطيف. وعن هذه المرحلة يتحدث المؤرخ الراحل محمد سعيد المُسلم، صاحب كتاب «ساحل الذهب الأسود»، قائلا: «إن خالد الفرج قضى معظم حياته في القطيف، وكان لها الفضل في استقراره النفسي، وقد منحها في المقابل إخلاصه ووفاءه وعصارة أفكاره، واندمج في مجتمعها، وأصبح فردا منهم، وغذى الحركة الأدبية فيها، وترك أثرا كبيرا في تطور الحياة الفكرية، وكان يلتقي الأدباء والمثقفين من أبناء القطيف».
الشاعر والمحقق عدنان العوامي، ناقش في دراسته عن سيرة الشاعر خالد الفرج، ما يثار غالبا بشأن هويته وانتمائه، ففي حين جزم أن الشخصيات الأدبية تنسب لبلد المنشأ غالبا، فقد أعطى تفسيرا اقتصاديا لاجتذاب الشخصيات الأدبية في الخليج، وقال: «قبل ظهور النفط في منطقتنا الشرقية هذه لم تكن الظروف مهيأة لنشوء حركة ثقافية أو صحافية، وإن كان فيها أدباء وعلماء، وشعراء متابعون للحركة الثقافية، وتصلهم الصحف والكتب من الخارج، ومنهم من مارس النشر في صحف تصدر في الخارج كالعراق والبحرين ولبنان، وكان المؤلفون يُضطرون للسفر إلى العراق أو الهند لطباعة مؤلفاتهم». ويضيف: «لكن حين تفجر النفط، واتجهت المنطقة نحو النهوض والازدهار باتساع موارد الرزق فيها، بدأ الناس يتقاطرون عليها من كل حدَب وصوب، فكان فيهم التاجر، والأديب، والشاعر، والمثقف. فانتقل إليها شخصيات أدبية وصحافية، وأخرى مثقفة لم تكن منها في الأصل، لكنها استوطنتها، وشاركت في صنع نهضتها الثقافية والصحافية التي نشهدها اليوم»، وبينهم بالطبع خالد الفرج.
وكان العلامة حمد الجاسر من أقدم من تناول سيرته ومؤلفاته وشعره بالتفصيل؛ إذ رثاه بُعيد وفاته بمقال مطول في مجلة «اليمامة» عام 1954 استعرض فيه أبرز محطات حياته وإنتاجه الفكري، متتبعا هجرة أسرته - ولأسباب غير معروفة - في أواخر القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) من بلدة نزوى في وادي الدواسر لتستقر في بلدة الزبارة في شمالي شبه جزيرة قطر، ثم رحلت إلى عُمان، ومنها اتجهت إلى الكويت، وقد خرج من هذه الأسرة ابنُ عمه الأديب الكويتي المعروف عبد الله محمد الفرج المتوفى في الكويت عام 1902 وهو موسيقي وملحن، وله ديوان شعر بالفصحى والعامية أعده وطبعه خالد الفرج عندما كان في الهند في حدود عام 1338هـ (1919م) ثم أعيد طبعه مرارا.
وكما كان لخالد الفرج دور مهم في ترسيخ الاهتمام بالأدب، فقد اهتم أيضا بالنشر. يقول الدكتور الشبيلي: «بحكم هوايته للطباعة من خلال تجربته السابقة في الهند، بادر الفرج إلى تبني إنشاء أول مطبعة في المنطقة الشرقية (المطبعة السعودية بالدمام) التي سعى إلى تأسيسها بدعم من الملك سعود، وقد سافر إلى ألمانيا من أجل شرائها، وتابع تركيبها خلال إقامته الاستشفائية في سوريا ولبنان في العامين الأخيرين من حياته، لكنه لم يحضر تشغيلها، وقد أتاح تأسيسها للصحف الأهلية الناشئة في المنطقة الشرقية آنذاك أن تطبع محليا».
يقول الشبيلي: «عاش خالد الفرج نحوا من ثمانية وخمسين عاما من التنقل المكاني عبر كل إمارات الخليج تقريبا، ليجد ضالته في التوطن أخيرا في المنطقة الشرقية حيث تكونت أسرته، ووجد من الاستقرار النفسي والمعيشي والوظيفي والأسري ما جعله يتفرغ للفكر والإبداع، مع أنه أقام في الكويت والبحرين والهند والأحساء والقطيف والدمام وتردد عليها، ثم أقام في بلاد الشام قبيل وفاته».
وعن إقامته في القطيف يقول: «كانت إقامته في المنطقة الشرقية الفترة الأكثر خصوبة وحيوية في حياته الفكرية والإدارية، والأطول من الناحية الزمنية؛ قرابة نصف عمره».
أما سفر وتنقلات خالد الفرج، فقال عنه الشبيلي، إنه جسد وحدة المنطقة، وإن أشعاره عبرت عن هموم الأمة، «وكان في زمنه ملء السمع والبصر.. كوّن صداقات، وتبادل المراسلات والقصائد الإخوانية مع عدد من رموز الثقافة في الكويت من أمثال عبد اللطيف النصف، وعبد الرحمن النقيب، ويوسف القناعي، وخالد العدساني، وصقر الشبيب.. وفي البحرين من أمثال قاسم الشيراوي، وعبد الله الزايد، وفي المنطقة الشرقية من أمثال آل الجشي، وآل الخنيزي، والعوامي والخطي، علاوة على زميل دربه هاشم الرفاعي مدير الجمارك».
كلف خالد الفرج من قبل الملك عبد العزيز بإنشاء بلدية القطيف، لكنه وجد هناك بيئة ثقافية وشعرية وعلمية، فتأثر بها وتفاعل معها.
يذكر خالد سعود الزيد أن الفرج استجاب لتشجيع هاشم الرفاعي (الكاتب آنذاك في الديوان السلطاني) للعمل في المملكة، وأن السلطان عبد العزيز (حينها) استقبله أحسن استقبال واختاره مشرفا على بلدية الأحساء ثم القطيف، بينما يُستفاد من سيرة الفرج التي كتبها بنفسه أنه كُلف ببلدية القطيف وكان مؤسسها سنة 1346هـ. يقول الشبيلي: «وبتتبع علاقته بالمجتمع الثقافي في أثناء إقامته، التي قيل إنها امتدت نحو خمسة وعشرين عاما في المنطقة الشرقية، تذكر المراجع أنه قدم من البحرين مع النزوح الجماعي المعروف لعشيرة الدواسر مطلع الأربعينيات من القرن الهجري الماضي (العشرينات الميلادية)».

* تأثيره الثقافي
* الشاعر عدنان العوامي، اهتم في دراسته بتتبع العلاقة الوثيقة التي ربطت خالد الفرج بشخصيات القطيف العلمية والأدبية، والإخوانيات والمساجلات التي ربطت بينه وبينهم، والقصائد التي نظمها في مناسبات متعددة خاصة ما يتعلق بمراسلاته الشعرية مع الشيخ فرج العمران، أو الشيخ ميرزا حسين البريكي، أو نظمه قصائد رثائية في مناسبات وفاة أحد، كرثاء الشيخ منصور الزاير، ورثائه السيد سعيد العوامي، أو تأبينه السيد ماجد العوامي. وفي سنة 1363هـ توفي الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي، الذي عرف بلقب زعيم القطيف، فرثاه خالد الفرج بقصيدة قال فيها:
ابكوا بدمع أو نجيع
شيخا يعز على الجميع
وتصوروا البدر اختفى
في غامض الليل المريع
يضيف العوامي: «نلمس مبلغ تفاعل الفرج بالبيئة الأدبية في القطيف في رثائه كذلك الشاب أحمد البيات، إبن صديقه الشيخ منصور البيات:
اقرأوا، خاشعين، أمَّ الكتاب
ثم ضجوا بالنوح والاكتئاب
واملأوا موضع الخشوع عويلا
في عظيم الأحزان والاكتئاب
الشاعر عدنان العوامي، قال إن «ارتباط خالد الفرج بالقطيف لم يقف عند حده هو، بل كان السبب في ارتباط غيره من الشخصيات بالقطيف ومثقفيها وأدبائها كالشيخ حمد الجاسر، حيث اصطحب الفرج الجاسر إلى مجلس الأديب أحمد بن حسين السنان، وكان بمثابة الصالون الأدبي لمثقفي القطيف، فكان ذلك اللقاء بداية صلة امتدت بين الشيخ الجاسر ومثقفي القطيف حتى وفاته».

* رائد الملاحم
* في الجانب الشعري لخالد الفرج، تحدث الباحث الدكتور عبد الرحمن الشبيلي عن الحياة الشعرية لخالد الفرج، فـ«هو مثقف وشاعر ومؤرخ اشتهر من نظمه ملحمة (أحسن القصص) التي طبعت في القاهرة في 130 صفحة في حدود عام 1929 من تقديم محمد علي الطاهر، ثم راجعها عالم قطر الشيخ عبد الله الأنصاري وطبعت في الدوحة عام 1982، وهي مطولة شعرية غطت العقود الخمسة الأولى من حياة الملك عبد العزيز منذ ولادته سنة 1876، وحتى دخل الحجاز في حكمه سنة 1925.
وأضاف الشبيلي: «والملحمة مقسمة إلى 20 فصلا تشتمل على 800 بيت (..) وقد نظمها وطبعها إبان عهد الملك عبد العزيز عندما كان ملك الحجاز ونجد وملحقاتها».
يضيف الشبيلي: «كما اشتهر من آثاره الشعرية القصيدة البائية (الخبر والعيان في تاريخ نجد) في خمسمائة بيت، نظمها على مرحلتين في عامي 1367 و1368هـ (1947 و1948م) قائلا في مطلعها:
إلى مجدك العلياءُ تُعزى وتنسبُ
وفي ذكرك التاريخُ يُملى ويُكتبُ».
ويرى الشبيلي أن خالد الفرج أبدع في شعر الملاحم، «بل إنه ربما كان الأسبق من بين عدد من الشعراء الذين عرفوا بهذا الفن، أمثال أصحاب الملاحم: محمود شوقي الأيوبي، وبولس سلامة، وفيكتور البستاني، ومحمد عبد الله العوني، وعبد الله العلي الزامل، وأحمد إبراهيم الغزاوي، وحسين سرحان، وخير الدين الزركلي، وعبد الله بالخير، وفؤاد شاكر، ومحمد بن عبد الله العثيمين.. وغيرهم»، ورجح أن «يكون الفرج الأسبق بينهم في هذا النوع من الشعر الملحمي ذي الطابع السردي التاريخي».
ويضيف: «تضمن التراث الفكري لخالد الفرج مجموعةً من الكتب المطبوعة والمقالات التي نشرها في حياته، وبعض مخطوطات لم يتمكن من استكمالها أو من طباعتها قبل وفاته». وقد تولى الباحث عبد الرحمن الشقير تحقيقها ونشرتها مكتبة «العبيكان» عام 1420 هـ (2000م) في مجلد يزيد على 500 صفحة. وبحسب المحقق خالد سعود الزيد، توجد للفرج قصيدة لامية طويلة ثالثة سماها «الملحمة الذهبية» نظمها بمناسبة الذكرى الخمسين لدخول الرياض.

* شاعر عروبي
* تحدث الشبيلي عن عقيدة خالد الفرج الشعرية، فقال إنه عاش بدايات المخاض السياسي في الوطن العربي، «ومن يتابع سيرته يجد أنه تفاعل مع التحولات السياسية التي مرت بتلك الحقبة، كالاحتلال البريطاني للخليج، وقيام الشيوعية، واغتصاب فلسطين، وبروز القومية العربية، والحربين العالميتين، وقضية الجزائر. وغلبت على شعره نبرة التندر أحيانا تجاه بعض التيارات، لكنه لم ينهج في تفكيره منهجا متطرفا..».
ويستحضر الشبيلي ما ذكره حمد الجاسر في هذا الشأن: «خرج في شعره إلى مجال أرحب، فعالج النواحي الاجتماعية العامة للأمة العربية، وتعدى ذلك إلى الإشادة بعظماء العالم الذين خدموا بلادهم، فرثى شاعر العروبة أحمد شوقي، وصديقه أمين الرافعي، ومجد الزعيم الهندي غاندي. وبجانب مديحه للزعماء العرب وجه نقدا لاذعا لآخرين رأى فيهم اعوجاجا، وكانت له خبرة بمسألة إصلاح الحروف العربية وألّف في ذلك».
عن وعد بلفور قال خالد الفرج:
ما وعد بلفور إلا بدء سلسلة
من المظالم في التاريخ كالظـلم
وما فلسطين إلا مثل أندلسٍ
قضى على أهلها بغي وعدوان
وله قصيدة طويلة معروفة باسم «الشرق والغرب» ألقاها بمناسبة احتفاء النادي الأدبي في الكويت به (31 – 8 – 1927) جاء فيها:
الغَرْبُ قد شدّدَ في هَجْمَتِهْ
والشَرْقُ لاهٍ بعدُ في غَفْلَتِهْ
وكُلّمَا جَدَ بأعْمَالِهِ
يَسْتَسْلِمُ الشَرْقُ إلى رَاحَتِهْ
فيجمعُ الغربِي وحْدَاتِهِ
والشرق مقسوم على وحدتِهْ
وذاكَ يبني العِلْمَ في بحثِهِ
وذا يُضيعُ الوقتَ في نظرته
ومنها:
يا قومُ في أحوالنا عِبرَةٌ
فليقم النائم من رقدته
فَمَنْ تَغدّى بأخي ضحوةً
حتما تعشَى بي في ليلتِهْ
وكلنا يُنشِدُ في سِرِهِ
ما قالَهُ الشاعرُ في حِكمتِهْ:
«مَنْ حُلِقتْ لِحْيةُ جارٍ لَهُ
فلْيسكبِ الماءَ على لِحيتِهْ»



مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
TT
20

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة الذي يقع في الجزء الجنوبي الشرقي من إمارة الشارقة، ويمتدّ على مساحة تقارب 5 كيلومترات مربعة. بدأ استكشاف مليحة في عام 1986، وخرجت حملات التنقيب فيه بمجموعة كبيرة من اللقى الأثرية تشهد لتعدديّة مثيرة في الأساليب الفنية المتبّعة، منها مبخرة من الحجر الجيري لا تشبه المجامر الأثرية التي عُثر عليها في المواقع الأثرية الخاصة بالإمارات.

تعود هذه المبخرة إلى الفترة الممتدة من القرن الثاني إلى القرن الأول قبل الميلاد، ويبلغ طولها 30 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وهي مكونة من قاعدة أسطوانية عريضة يعلوها عنق طويل يحمل الإناء المخصص لاحتواء الجمر والبخور وما شابه من الطيوب. تنتصب هذه القاعدة على ثلاثة قوائم مقوّسة بشكل طفيف، وتشكّل نصف فلكة تمتدّ قمّتها أفقياً، مشكّلةً مجسّماً مستطيلاً تحيط به ثلاثة تماثيل أنثوية متجانسة. يعلو هذا العنق حوض أصغر حجماً يتّصل بإناء تحيط به كذلك ثلاث هامات أنثوية. تزيّن هذه المبخرة حلّة لونية صبغت بالأحمر القاني، تتمثّل في سلسلة من العقود الزخرفية. تؤلّف هذه العقود شبكة تتكون تباعاً من دوائر تنعقد أفقياً حول الكتل التي تتكوّن منها المبخرة.

تزيّن القاعدة ستة عقود متناغمة. تحضر الدائرة الأولى على شكل خط رفيع. وتحضر الثانية على شكل شريط تعلوه شبكة من الخطوط العمودية المرصوفة كأسنان المشط. وتحضر الثالثة على شكل شريط تعلوه شبكة من المثلّثات. وتحضر الرابعة على شكل مماثل للثانية، وتعلوها دائرتان متشابهتان، تتكوّن كلٌّ منهما من عقد تزيّنه سلسلة من الخطوط اللولبية. في المقابل، تزيّن العنق حلّة مماثلة انمحت وبقي منها أثر طفيف، ويزيّن الحوض شريط من المثلّثات يعلوه شريط من الخطوط اللولبية، وتزيّن الإناء كما يبدو شبكة من الدوائر المجردة بقي منها طيفها.

تتماثل المجسّمات الأنثوية التي تحيط بعنق قاعدة المبخرة، وتحضر كلّ منها على شكل امرأة جاثية على ركبتيها. يتميّز الرأس بحجمه الكبير قياساً إلى الصدر، وتتكوّن ملامحه من عينين لوزيتين ضخمتين، وأنف عريض ينساب من أعلى الجبين، وثغر صغير يفصل بين شفتيه شقّ بسيط. تعلو هذا الوجه كتلة مقوسة تزيّنها سلسلة من الخصل الناتئة، مع فارق في الوسط الأعلى يرسم تسريحة الشعر. يستقرّ هذا الرأس فوق عنق عريض يعلو صدراً ناتئاً غاب تكوينه تحت رداء عريض. الذراعان مسدولتان وملتصقتان بالصدر، واليدان معقودتان عند حدود الركبتين، والساقان غائبتان وذائبتان في كتلة القاعدة. تتماثل كذلك الهامات التي تحيط بأعلى المبخرة، وتشابه وجوه القامات التي تحيط بقاعدتها إلى حد التطابق.

تزيّن كلًّا من هذه المجسمات الأنثوية الستة حلّةٌ لونية بالأحمر القاني المعتمد في هذه الصياغة، وتتمثّل هذه الحلّة في خطوط تحدّ العينين، وخطوط تنعقد حول العنق، وخطوط ترتسم عمودياً فوق الرداء الذي يكسو الصدر العارم. تتآلف هذه الخيوط مع تلك التي تؤلف الحلة الزخرفية، وتشكّل معها حلّة واحدة متناغمة تسبغ على هذه القطعة طابعاً خاصاً.

خرجت من مواقع الإمارات الأثرية مجموعة من المجامر والمباخر، تقابلها مجموعة أخرى خرجت من مواقع سلطنة عُمان التي شكّلت مع الإمارات في الماضي وحدة جغرافية وثقافية. واتبعت هذه القطع الأنماط والأساليب المحلية التي سادت في نواحي الجزيرة العربية. في هذا الميدان الثري، تخرج مبخرة مليحة الأنثوية بمكوناتها عن هذا السياق، وتبدو فريدة من نوعها. تتبع هذه القطعة الجميلة كما يبدو أسلوباً خاصاً مصدره بلوشستان، أي بلاد البلوش التي تقع في جنوب غربي آسيا، على طرف الهضبة الإيرانية. تمتد هذه البلاد بشكلٍ أساسي في مناطق واسعة تشمل اليوم أقصى الجنوب الشرقي من إيران، والجزء الجنوبي الغربي من باكستان، وفي جزء من جنوب أفغانستان، وهي في الميراث الأدبي بلاد مكران المطلّة على بحر العرب، ذكرها الإصطخري في «المسالك والممالك»، وقال إنها إقليم واسع من أعمال السند، ولسانها الفارسية.

تحتلّ مليحة مكانة خاصة في خريطة مواقع الإمارات الأثرية، وتكمن هذه الخصوصيّة في تعدّديتها الثقافية التي تشهد لها اللقى الأثرية المتنوعة التي خرجت منها منذ انطلاق أعمال المسح المتواصلة فيها في عام 1986. تعكس مجموعة كبيرة من هذه القطع طابع جنوب الجزيرة العربية، وتعكس مجموعة أخرى الأثر الهلنستي الذي بلغ هذه الناحية من شمال شرقي شبه الجزيرة العربية، ونقع على مجموعة مغايرة تحمل طابع بلاد الهند والسند بشكل جليّ، وتعود مبخرة مليحة بمجسماتها الأنثوية إلى هذه المجموعة بشكل لا لبس فيه.

شكّلت الإمارات وسلطنة عُمان في الماضي السحيق قطباً من أقطاب بلاد ماجان التي ورد ذكرها في نقوش بلاد ما بين النهرين الكتابية، وضمّت هذه البلاد مكران. شكّل إقليم عمان الجزء الغربي من مجان، وشكّلت مكران الجزء الشرقي، ومع مرور الزمن اندثرت ماجان، غير أن التواصل بين جزأيها ظلّ حياً على مدى قرون، وشواهده الفنية عديدة في شمال شرقي شبه الجزيرة العربية، وتُعدّ مبخرة مليحة الأنثوية من أجمل هذه الشواهد وأبلغها.