محمد يعقوب: الشعراء ملائكة عند الفوز بالجوائز... وأبالسة عند خسارتهم

«شاعر عكاظ» 2019 قال إن الإبداع في السعودية يركض وحيداً مع انحسار دور النقد

الأمير خالد الفيصل يتّوج الشاعر محمد يعقوب ببردة «شاعر عكاظ»
الأمير خالد الفيصل يتّوج الشاعر محمد يعقوب ببردة «شاعر عكاظ»
TT

محمد يعقوب: الشعراء ملائكة عند الفوز بالجوائز... وأبالسة عند خسارتهم

الأمير خالد الفيصل يتّوج الشاعر محمد يعقوب ببردة «شاعر عكاظ»
الأمير خالد الفيصل يتّوج الشاعر محمد يعقوب ببردة «شاعر عكاظ»

غيّرت مسابقة شاعر سوق عكاظ السعودية حلّتها، ورفعت قيمتها إلى مليون ريال للفائز الأول، ونصف المليون للثاني، وربع المليون للثالث، لكنها أيضاً غيّرت طريقتها؛ أصبحت تعتمد لأول مرة على خوض منافسات بين الشعراء، وتقديم نصوص مكتوبة للمناسبة، مع تركيز على الإلقاء والحضور أمام الكاميرا. وفي تجربتها الأولى، حاز جائزة «شاعر عكاظ» هذا العام الشاعر السعودي محمد إبراهيم يعقوب، تلاه في المركز الثاني الشاعر اليمني عبد الله عبيد، كما حاز الشاعر السعودي شتيوي الغيثي المرتبة الثالثة.
ومحمد يعقوب، مواليد جازان (1972)، اسم معروف في المشهد الأدبي والشعري، ولديه ست مجموعات شعرية: «رهبة الظل» 2001، و«تراتيل العزلة» 2005، و«جمر من مرّوا» 2010، و«الأمر ليس كما تظنّ» 2013، و«ليس يعنيني كثيراً» 2015، و«ماذا لو احترقت بنا الكلمات» 2016.
وحمل النصّ الفائز بجائزة عكاظ عنوان «تراتيل العزلة». وسبق أن فاز بجائزة الثبيتي الشعرية عن ديوانه «ليس يعنيني كثيراً»، كما أحرز لقب «وصيف أمير الشعراء» عام 2008. وهنا حوار معه:
> كيف استقبلت الفوز بجائزة «شاعر عكاظ» 2019؟ لديك مشوار طويل مع الشعر... هل وجدت أن الجائزة تّوجت هذه المسيرة؟
- في الحقيقة، لم أستقبل الفوز، بل خضتُ مع زملائي المترشحين لمرحلة 22 في هذه النسخة من جائزة «شاعر عكاظ» كثيراً من المراحل الصعبة الحاسمة خلال المسابقة.
أما عن اللقب وحلقة التتويج، فتلك قصة أخرى. كان التتويج حلماً مثالياً بكافة المعايير، فأن تُلْقِي على صخرة سوق عكاظ، أهم منصة للشعر العربي طوال تاريخه، بما تحمله من عمقٍ وثراءٍ، يعني الكثير لكل من يقول الشعر العربي الفصيح في كل مكان، وفي كل زمان أيضاً، ثم إن التتويج جاء من رجل الفكر والثقافة الأمير الشاعر خالد الفيصل. هي بالفعل كانت لحظة تتويج لمسيرة شعرية طويلة تجاوزت العشرين عاماً، ويعزّز هذا ويجعله أجمل محبة الناس والاحتفاء الذي وجدته من قلوبٍ هي قصائد على هيئة أصدقاء ومحبين.
> كيف وجدت التغيير في طريقة تأهل الشعراء لجائزة عكاظ هذا العام التي تشابه في جانب منها جائزة «أمير الشعراء»... والتي بالمناسبة حصلتَ فيها على لقب «وصيف» في تلك المسابقة؟
- أظنّ أنه كان من المفترض لهذا أن يحدث منذ زمن، وأن يذهب اللقب للمملكة العربية السعودية في أول مرة لجائزة «شاعر عكاظ» في نسختها الجديدة، هذا يضاف لتجربة الشعر السعودي التي أصبحت تتصدر مشهد الشعر العربي، ليس على مستوى الجوائز ولكن على مستوى الحضور الفنّي والإبداعي، ولأجيالٍ متعاقبة من الأسماء الشعرية اللافتة.
> ماذا ألقى على عاتقك هذا الفوز من المسؤولية؟
- صدقني أنا، مثل غيري من الشعراء المبدعين، وهم كثر، شغوفٌ بالشعر، ممتنٌ له إلى درجة لا تصّدق... الشعر هبة حقيقية من الله.
أجل يبتهج الشاعر حين يجد تتويجاً لعمله الشغوف المتواصل المبهج، عبر جائزة أو دراسة نقدية أو محبة الناس. اللقب كبير، أنا أدرك ذلك تماماً، لكن ما أنا موقن به أني سأظل مديناً للشعر بحياة كاملة، حياة موازية لكل هذا العالم.
> سبق أن فزت في كثير من المسابقات الوطنية والعربية، هل تكتب القصيدة على مقياس المسابقة؟ وهل تقدمها بناء على معرفتك بميول لجنة التحكيم مثلاً أم تقدمها كيفما كانت، وتدع مستواها الفني هو من يحكم؟
- لا أظن أنّ شاعراً حقيقياً يكتب الشعر على مقاسات المسابقات؛ الإبداع سابقٌ للمسابقات والقراءات والدراسات، الإبداع شأنٌ شخصي جداً وروحي أكثر، أما الضوء الذي يسلّط على المبدع وإبداعه فقد يأتي وقد لا يأتي، وفي كثيرٍ من الأحيان لا يعني الإبداع في شيء، وكم من مبدعٍ عاش طوال حياته دون أن يأخذ مكانته التي يستحق، وبعد مماته أضاءت روحه العالم فناً وجمالاً وعرفاناً.
الشعر والنقد
> هناك من المشاركين في مسابقة «شاعر عكاظ» من لم يتأهلوا، وقد وجهوا اتهاماً صريحاً للجنة التحكيم بأنها أبدت رضاً واضحاً عن تجاربهم، ثم فاجأتهم باستبعادهم من المنافسة، ما تعليقك؟
- نحن ملائكة عند الفوز، وسيئون جداً عند الخسارة، أغلبنا كذلك... أنا لا ألوم أحداً، وأتفهّم تصريحات البعض؛ إنها ثورة غضب آنية تذهب مع الوقت، وهذا يحدث في كل مسابقة، خصوصاً في المسابقات العلنية، لأن الخسارة علنية أيضاً، وكل شاعر يدافع عن تجربته الشعرية، ويرى أنها الأكثر استحقاقاً، لكني بصدق أود أن أشير هنا إلى أن أعضاء لجنة التحكيم كانوا قمة في الأناقة والذوق مع كل المشاركين بلا استثناء، وقد تلمسّوا مواطن الجمال في النصوص المقدمة لهم من قبل الشعراء، كل الشعراء.
> لفتني قول عضو لجنة التحكيم الدكتور علي العلاق، بعد اختيار نصّك «تراتيل العزلة»، إنك «تمتلك طاقة شفاهية في الأداء تحسد عليها، ولديك قدرة على استثمار لغة الجسد بشكل ممتاز، بحيث إن قصيدتك تشكل كياناً لفظياً قائماً بذاته، ويوازيها ويعضّدها ويعزز منها هذا الأداء الفاخر الذي تتميز به»، هل كان الأداء سلم الصعود لهذه القصيدة؟
- أؤمن أن محاولة الشعر الكبرى للخلود تكون عبر نصّ مقروءٍ، يبقى النصّ ويذهب الشاعر، وكل النصوص التي خلّدها التاريخ تُقرأ الآن، وستُقرأ غداً، بغضّ النظر عمن كان الشاعر، وكيف كان يلقي قصيدته. لكن في الوقت نفسه، أعتقد أن المسافة بين القصيدة والمتلقي تحتاج مدّ كثيرٍ من الجسور لتصل، ومن أهم تلك الجسور الإلقاء والأداء الذي يساهم في إيصال المعنى بصورة أكثر تماهياً مع المتلقي.
> قامت الناقدة السعودية د. مستورة العرابي قبل شهور قليلة بتقديم أطروحة الدكتوراه حول شعرك، وهذا يقودنا إلى سؤال عن الحالة النقدية في المشهد السعودي، كيف تقيِمها على عموم التجربة الشعرية في المملكة؟ وعلى تجربتك الخاصة؟
- أشكر د. مستورة على اختيارها لتجربتي الشعرية كموضوع لرسالة الدكتوراه التي اشتغلت عليها، وحقيقة كانت رسالة جادة، واقتربت بشكل لافتٍ من عوالم محمد إبراهيم يعقوب الشعرية. وأنا أسعد كثيراً عند قراءة تجاربنا الإبداعية عبر رسائل الماجستير والدكتوراه، أولاً لأن إبداعنا شعراً وسرداً يستحق الدراسة، وثانياً لأن هذه الدراسات قد تتحول إلى كتب مطبوعة، يتمّ من خلالها تصدير مشهدنا الإبداعي إلى قرّاء آخرين في الوطن العربي، وهذا يتراكم بدوره لتشكيل صورة ذهنية عن الإبداع ككل في المملكة العربية السعودية مستقبلاً.
> فيما يخص النقد أيضاً، نلاحظ أن الدراسات النقدية الحرة خارج الدراسات الأكاديمية أصبحت نادرة جداً، مقارنة بفترة الثمانينات، بينما أصبحت الدراسات الأكاديمية للشعر تطغى، وذلك بحثاً عن الشهادات الجامعية... هل ترى أن هذه الظاهرة تفضي إلى تطوير التجارب الشعرية؟
- دعني أكون صادقاً معك هنا، وهذه قناعاتي على الأقل: الإبداع في المملكة العربية السعودية متقدّم على النقد بمراحل، سواءً عبر الإصدارات أو التجارب الفنية أو الحضور العربي، ولكن... ألاحظ في الفترة الأخيرة ظهور بعض الأسماء النقدية التي تعمل بجدية وبصدق وبمحبة لمشهدنا الإبداعي، لا تكتب انطباعات، بل تحاول إعادة قراءة للمدونة الإبداعية في المملكة، وأعتقد أن بوسعنا أن نراهن على جهودٍ من هذا النوع وننتظر.
> يقول الشاعر جاسم الصحيح «إن الشاعر محمد إبراهيم يعقوب استطاع تطوير تجربته إلى درجة يمكن أن نقول عنه إنه الثبيتي الجديد في الشعر السعودي»... هل ترى هذا الكلام مبني على العاطفة التي تجمعكما أم على حقيقة تجربتك الإبداعية أم كلاهما معاً؟
- علاقتي بأخي الغالي الشاعر الكبير جاسم الصحيح تمتد طويلاً إلى عمر القصيدة بيننا، وما يقوله عن تجربتي سآخذه بمحبة تليق بقلب جاسم وأناقة روحه، أما تجربة محمد الثبيتي فهي تجربة خاصة جداً في مدونة الشعر السعودي لن تتكرر، لا من حيث العوامل الخارجية التي شكلت هذا الوعي المتجاوز عند محمد الثبيتي للخروج عن النسق، ولا من حيث البناء الداخلي الذي صنع لنا أساطير في صورة شاعر عربي مختلف اسمه محمد الثبيتي.
> بالمناسبة أنت فزت بجائزة الثبيتي عن ديوانك «ليس يعنيني كثيراً»... كيف هي علاقتك بتجربة محمد الثبيتي؟
- نعم، فاز ديواني «ليس يعنيني كثيراً» بجائزة الثبيتي للإبداع، لكنّ محمد الثبيتي كان يعنيني كثيراً. أعترف أنني جُننت به، وأعترف أنه أنقذ ذائقتي الصعبة جداً بديوانه «التضاريس». تخيّل، بعد مسيرة طويلة لي مع الشعر، أبدأ بكتابة سيرة ذاتية شعرية وإنسانية، ولكن ليست لي، بل لمحمد الثبيتي. وأعترف بأني لم أكن موضوعياً في كتابة سيرة الثبيتي، بل مريداً عاشقاً مؤمناً به، وكأني أكثر من آمن به على الإطلاق. وكان أن جُننت وكتبت كتاباً تحت عنوان «محمد الثبيتي: تجربة شعرية وإنسانية». وقد ترددت كثيراً في نشره، وعرضته على أكثر من اقترب من ملكوت الثبيتي عبر مراحله كلها، أستاذي وصديقي الدكتور سعيد السريحي الذي أومأ لي بالنشر، فنشرت الكتاب عبر نادي مكة الثقافي الأدبي، ممتناً لهم لذلك. والكتاب مدوّنة عشق محمد لمحمد، وشاهد عصر على مرحلة صراع أثرت كثيراً على تشكّل الساحة الثقافية في وطننا، وما زالت ربما.
> لأي سبب تعزو انحسار دور النقد في المشهد الأدبي؟
- في مرحلة الثمانينات التي تحدثنا عنها قبل قليل، كان النقد يتحرك موازياً لحركة الإبداع، بل كان داعماً حقيقياً مخلصاً لها. أذكر على سبيل المثال لا الحصر كتاب «ثقافة الصحراء» للدكتور سعد البازعي، وكتاب «الكتابة خارج الأقواس» للدكتور سعيد السريحي، وغيرها. هذا إلى جانب وجود الشعر أو الإبداع عامة والنقد في أمسيات مشتركة، عبر قراءات شعرية ترافقها قراءات نقدية. أما الآن، فالإبداع يركض وحيداً في الساحة الثقافية، عبر أجيال متلاحقة من الأسماء الإبداعية المهمة عربياً. لمَ انحسر دور النقد؟ وما الأسباب وراء ذلك؟ لا أملك الإجابة، بصدق.
> ما تقييمك للمشهد الشعري العربي والسعودي تحديداً في الآونة الأخيرة؟
- دعني أتحدث عن المشهد الشعري السعودي، ضمن المشهد الشعري العربي، وأنا أشارك عربياً عبر سنوات، كغيري من شعراء المملكة. أقول بثقة إن الشعر السعودي أخذ مكانته المستحقة في كل المظاهرات العربية، عبر أسماء رسّخت حضورها بإبداعها وتجربتها العميقة الممتدة. ما أتمناه الآن حقيقة من وزارة الثقافة أن تستثمر هذه النجاحات التي شقّ فيها الشعراء طريقهم بأنفسهم عبر سنين في رسم صورة حقيقية لوطننا، عبر أسماء تستحق تمثيل الوطن إبداعياً وإنسانياً في أي محفل من محافل الثقافة والإبداع.
> كيف أثرت بيئة جازان المولدة للشعراء في تجربتك الشعرية؟
- تظل جازان ولادة حفية بالفن والأدب والشعر، لن تنضب هذه الأرض التي طلع من ثراها الطيب السنوسي والعقيلي وعلي النعمي وإبراهيم مفتاح وغيرهم، وستهب الوطن أسماء مبدعة كبيرة دائماً.



ارتفعت الحرارة فاشتعل الدماغ... جرائم القتل تزداد صيفاً

TT

ارتفعت الحرارة فاشتعل الدماغ... جرائم القتل تزداد صيفاً

تُجمع الأرقام والدراسات على أنّ جرائم القتل تتضاعف بسبب ارتفاع حرارة الطقس (بكسلز)
تُجمع الأرقام والدراسات على أنّ جرائم القتل تتضاعف بسبب ارتفاع حرارة الطقس (بكسلز)

تحت وطأة شمسٍ حارقة أفقدته البصر، والبصيرة، أطلق «مورسو» النار على الرجل العربي في رواية «الغريب» لألبير كامو. وعندما خضع للاستجواب، ألقى بطل الحكاية باللائمة على الحَرّ الذي جعله يضغط على الزناد، ويُردي الرجل قتيلاً.

على الأرجح فإنّ «مورسو» كان صادقاً، بما أنّ كل الأرقام تؤكد وجود علاقةٍ وثيقةٍ ما بين ارتفاع درجات الحرارة ومعدّل الجريمة. وربما ليس من قَبيل الصدفة أن يكون العالم العربي قد شهد في صيف 2026 ثلاث جرائم مروّعة متلاحقة. في مصر وضمن ما عُرف بـ«مذبحة التجمّع»، قتل الصديقُ صديقَه ثم أكملَ على عائلة الأخير المكوّنة من زوجته وابنتَيه، وذلك لدوافع قيل إنها ماليّة. أما الكرك الأردنية وكركوك العراقية فقد هزّتهما جريمتان ذات طابع عائلي، وذلك خلال شهر يوليو (تموز) الفائت.

شهد العالم العربي هذا الصيف 3 جرائم قتل مروّعة (رويترز)

الحَرّ يضاعف القتل الجماعي

بغَضّ النظر عمّا إذا كان هناك رابطٌ بين تلك الجرائم وحَرّ الصيف، أو لم يكن، فإنّ المؤكّد أنّ حوادث القتل الفردي والجماعي تتزايد كلما ارتفعت درجات الحرارة، من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها. وقد تلاقت مجموعة من الدراسات الأميركية والكورية الجنوبية على نتيجةٍ واحدة تقول إنه عندما ترتفع حرارة الأرض 10 درجات مئوية، يزداد خطر الجرائم العنيفة بنسبة 9 في المائة.

تكثُر الأمثلة الواردة من حول العالم، والمؤكِّدة لتلك النظريّة. ما بين مطلع يونيو (حزيران) و5 يوليو 2023، شهدت الولايات المتحدة الأميركية 86 حادثة إطلاق نار جماعي، وفق قاعدة بيانات «أرشيف العنف المسلّح». أما صيف 2022 فسجّل 278 حادثة من هذا النوع، وشكّلت 86 في المائة من إجماليّ حوادث إطلاق النار الجماعي في الولايات المتحدة التي وقعت في موسم الحَرّ.

تلاقت دراسة أعدّتها جامعة آيوا مع تلك الوقائع، والأرقام، إذ وجدت أنّ جرائم القتل في الولايات المتحدة ترتفع بنسبة 2.6 في المائة خلال أشهر الصيف. من جانبها عملت شرطة لندن ما بين 2012 و2018 على تحليلٍ معمّق في هذا الشأن، لتجدَ في النهاية أنّ الجرائم تزداد بنسبة 15 في المائة خلال أيام الحَرّ.

حوادث إطلاق النار الجماعي تتزايد بشكل لافت خلال فصل الصيف (رويترز)

النساء ضحايا الحَرّ

في طليعة المتأثّرين سلباً بدرجات الحرارة المرتفعة، وأكثر مَن هم عُرضة لارتكاب أعمال عنف بسببها، الأشخاص المحرومون من التبريد والمكيّفات في أوقات القيظ. وقد لفتت مجلّة «لانسيت» الطبية في دراسة نشرتها عام 2021 إلى أنّ هناك رابطاً وثيقاً ما بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدّلات الجريمة في الأحياء الفقيرة، عازيةً ذلك إلى نقص المساحات الخضراء، وتضاؤل إمكانيات الحصول على التكييف. ينسحب ذلك على السجون، حيث تتضاعف أعمال العنف بين السجناء كلما ارتفعت درجات الحرارة.

لا يقتصر الأمر على جرائم القتل، فالحرارة المرتفعة تتسبب في أشكال عنفٍ متعدّدة؛ من المشاجرات، إلى الضرب، مروراً بالاعتداءات الجنسية، وعمليات الاغتصاب، وصولاً إلى حوادث القتل الفردي، والجماعي. أما أولى ضحايا موجات الغضب الصيفيّ فهنّ النساء، وفق تقرير أصدرته منظّمة الأمم المتحدة عام 2025. ويشير التقرير إلى أنّه كلما ارتفعت الحرارة درجة مئويّة واحدة، ازداد خطر العنف المنزلي حول العالم بنسبة 4.7 في المائة.

حماوة الدماغ من حرارة الجسد

يتسبّب ارتفاع درجات الحرارة عن معدّلاتها الموسميّة في شعورٍ دائم بالانزعاج الجسديّ، فتتضاءل معه القدرة على التحمّل الذهني، والعاطفي، ما يؤدّي إلى انفعالاتٍ حادّة، وسلوكيّات عدائيّة مهما كانت الأسباب بسيطة. وغالباً ما يتحوّل الغضب في اتّجاه أي شخصٍ موجود في محيطنا المباشر. أما السبب الفسيولوجي خلف ذلك فهو أنّ الطقس الحار يؤدّي إلى ارتفاع حرارة الجسم، وبالتالي يُضاعف ضربات القلب، ويزيد معدّل ضغط الدم.

هذه الحقيقة مُثبتة علمياً من قِبَل جهاتٍ طبية متعددة. ووفق ما استنتجت «عيادة كليفلاند»، فإنّ الجسم يبذل جهداً أكبر للحفاظ على برودته تحت وطأة درجات الحرارة القصوى، ما قد يسبب إفراز الكورتيزول، أي هرمون التوتّر. وبالتالي فإنّ الحرارة الشديدة تثير مشاعر القلق، والتوتر، والانفعال، كما تتسبّب في صعوبات إدراكية، وتقليص القدرة على النوم. وتشير أرقام الزيارات لقسم الطوارئ في المستشفى إلى أنّ حالات الانتحار، وتعاطي المخدّرات، والعنف المنزلي تشهد ارتفاعاً خلال موجات الحرّ.

الحرارة الشديدة تثير مشاعر القلق والتوتر والانفعال (رويترز)

من جهته، يلفت «مركز جونز هوبكنز الطبي» إلى أنّ الإجهاد البدني الذي يبذله المرء للحفاظ على درجة حرارة داخلية آمنة يؤدّي إلى الجفاف، والتعب، واضطراب النوم. ووفق أبحاث المركز، فإنّ التعرض للحرارة يرفع مستويات هرمونات التوتر، ما يُصعّب تنظيم المشاعر. وتُعيق الليالي الحارة قدرة الجسم على التبريد، ما يُؤثر سلباً على النوم العميق، ويجعل المرء أكثر حساسية، وأقل قدرة على التحمل في اليوم التالي.

وترتبط درجات الحرارة المرتفعة بانخفاض التركيز، وزيادة العصبية، وتقلبات المزاج. وتُفاقم قلة النوم خلال الليالي الحارة هذه الآثار، ما يُصعّب التحلي بالصبر، والتركيز. حتى الجفاف الطفيف قد يُساهم في تشوش الذهن، والإجهاد العاطفي. هذا يجعل ردود الفعل العاطفية أقوى، وأكثر تكراراً خلال الطقس الحار.

حتى الجفاف الطفيف قد يُساهم في تشوش الذهن والإجهاد العاطفي (رويترز)

نصائح للحفاظ على مزاج بارد خلال الحرّ

- الإكثار من شرب المياه، والسوائل الباردة، مع أفضليّة الوصول إلى 3 لترات يومياً.

- استخدام قطعة قماش مبلّلة بمياه باردة، أو كمّادات الثلج، ووضعها على العنق، ومعصم اليد، والكاحلَين.

- محاولة الحصول على قدرٍ كافٍ من النوم.

- تجنّب المكوث في الشمس، والأماكن الحارّة، واستخدام المروحة والتكييف في حال توفّرهما.

- الاستحمام بمياه باردة قدر المستطاع.


رحيل المصور دا سيلفيرا... 40 عاماً خلف عدسة وثّقت ذاكرة السعودية التاريخية

صورة للمصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا نشرها الكاتب زاهر عثمان على منصة «إكس»
صورة للمصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا نشرها الكاتب زاهر عثمان على منصة «إكس»
TT

رحيل المصور دا سيلفيرا... 40 عاماً خلف عدسة وثّقت ذاكرة السعودية التاريخية

صورة للمصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا نشرها الكاتب زاهر عثمان على منصة «إكس»
صورة للمصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا نشرها الكاتب زاهر عثمان على منصة «إكس»

بعد رحلة عطاء طويلة ارتبط خلالها بالسعودية برباط وثيق تجاوز حدود العدسة إلى عشق عميق للمكان وتاريخه، توفي المصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا، تاركاً خلفه أرشيفاً بصرياً ثرياً يروي قصة الأرض والإنسان، ويرصد التحولات الكبرى التي شهدتها المملكة على مدى 4 عقود.

ويُعد الراحل دا سيلفيرا من أبرز المصورين الذين اقترنت مسيرتهم المهنية بالسعودية؛ حيث وثّقت كاميرته معالم المدن والقرى الأثرية، وجسّدت أبعاداً من تاريخ المملكة وتحولاتها الاجتماعية والثقافية، لتبقى أعماله التاريخية شاهداً خالداً على علاقة استثنائية مع بلد أصبح، منذ أن وطئت قدماه أرضه عام 1985، المحور الأساس لمشروعه الفوتوغرافي.

لم يكن يعلم المصور البرازيلي أن زيارته للمرة الأولى للمملكة ستقود إلى عشق المكان وأهله، بعد أن تنقّل على مدى نحو 40 عاماً بين المدن والقرى والصحاري، يراقب التفاصيل ويلتقط بعدسته جمالية المكان؛ من العمارة والتراث إلى الحياة الاجتماعية، ومن ملامح الإنسان إلى آثار التحولات المتسارعة في البلاد، لتُوصَف لقطات عدسته بأنها أعمال بصرية إبداعية.

مشاريع توثيقية

ارتبط اسم دا سيلفيرا بعدد من المشاريع التوثيقية البارزة، من بينها كتب «التوحيد»، و«الموحّد»، و«عبد الله»، و«بدو»، و«الأقصى»، إلى جانب أعمال تناولت مكة والمدينة والحِجر وتاريخ المملكة وملوكها، بالتعاون مع مكتبة الملك عبد العزيز العامة، التي أسهمت في حفظ وإبراز جانب مهم من أرشيفه الفوتوغرافي.

وفي عام 1992، أصدر كتاب «نجد» ليوثّق من خلاله المصور البرازيلي ملامح العمارة التقليدية والتاريخية التي تميزت بها المنطقة. وتجلّت القيمة التاريخية لأعماله في لقطةٍ فريدةٍ لمنزل الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العيينة؛ إذ التقطها قبيل إزالة المبنى، لتحتفظ الصورة بذاكرة مكان غاب عن الوجود وتتحول إلى وثيقة تاريخية قيمة.

ولم يقف طموح المصور دا سيلفيرا عند حدود المكان، بل امتد ليشمل الإنسان؛ فبعد عامين فقط، وتحديداً في عام 1994، أطلق كتاب «بدو» ليتعمق في تفاصيل حياة البادية في الجزيرة العربية، راصداً عاداتهم اليومية وتفاصيل حياتهم في وقت كانت فيه المظاهر التقليدية تتلاشى سريعاً أمام عجلة التحديث والمستقبل.

أما مشروع «عبد العزيز»، فكان بعداً آخر في مسيرته الفوتوغرافية؛ حيث كرّس جهده لتوثيق سيرة الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وملحمة توحيد البلاد، معتمداً على تتبع التاريخ من خلال الجغرافيا والآثار والشواهد الحية على مراحل تأسيس الدولة.

تجربة استثنائية

في مشروعه «هجر»، عاش تجربة استثنائية امتدت لـ22 عاماً قضاها في مدائن صالح والحِجر؛ ولم تكن لقطاته مجرد صور عابرة، بل نتاج بحث عميق، وصبر طويل، ومراقبة دقيقة لتحولات الضوء والتاريخ في المكان. وتُوّج هذا المشوار الطويل بصدور كتابه عام 2013 عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة، ليكون شاهداً حياً يعكس ارتباطه الوثيق والممتد بالمملكة.

ونعى عدد من الكتاب والمدونين، المصور دا سيلفيرا، في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، معبرين عن حزنهم لرحيله؛ إذ قال الكاتب زاهر عثمان: «عرفته منذ بداياته في السعودية، وعملنا معاً على عدة أعمال، من أبرزها سلسلة سير ملوك المملكة المصورة، بدءاً بـ«كتاب الملك عبد العزيز» في مناسبة الذكرى المئوية للمملكة، وقبلها «كتاب نجد»، وانتهاءً بـ«الكتاب المصور عن المدينة المنورة».

وأضاف: «لم نغب عن بعضنا أبداً، والتقينا قريباً وتحدث عن مشروعات طموحة، وتراسلنا منذ أيام... هومبرتو شخصية ساهمت بإبداع في توثيق جوانب من تاريخ المملكة وتراثها، وسيبقى جميله في الذاكرة أبداً».


هاني شاكر «الغائب الحاضر» في «القلعة الغنائي» بمصر

هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)
هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)
TT

هاني شاكر «الغائب الحاضر» في «القلعة الغنائي» بمصر

هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)
هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)

بينما كانت المطربة المصرية ريهام عبد الحكيم تستعد لتقديم فقرتها الغنائية بـ«مهرجان القلعة للموسيقى والغناء»، بقلعة صلاح الدين الأيوبي التاريخية بالقاهرة، وقف أحد جمهور الحفل يتساءل بانفعال واضح: «وأين هاني شاكر؟ كنا دائماً نستمتع به في المهرجان، ولم نر أي تقدير من المهرجان له»، ليحظى كلامه بتصفيق الحضور في تضامن مع موقفه، وأنقذت الموقف ريهام عبد الحكيم قائلة إنه سيتم الاحتفاء به خلال مهرجان الموسيقى العربية.

وكان الفنان الكبير هاني شاكر يحرص على المشاركة بالمهرجان للقاء جمهور ينتظر حفلاته، وقد كانت آخر مشاركة له بالمهرجان قبل عامين خلال الدورة الـ32، حيث قدم حفلاً بقيادة المايسترو مصطفى حلمي، قدم فيه عدداً من أغنياته التي لاقت إعجاب وتصفيق الجمهور، ومن بينها «علي الضحكاية»، «لا بيك ولا بيا»، «مش بعتب عليك»، «كده برضه يا قمر»، «نسيانك صعب أكيد»، وغيرها من الأغنيات التي رددها معه الحضور في حينها.

شاكر كان من أبرز مطربي مهرجان القلعة (حسابه على فيسبوك)

وأعادت الفنانة نادية مصطفى نشر مقطع فيديو لمهرجان القلعة عبر حسابها بـ«فيسبوك»، وعلقت عليه قائلة: «الجملة البسيطة التي ذكرها أحد حضور مهرجان القلعة متسائلاً أين هاني شاكر، حملت بداخلها كثيراً من الوفاء والحنين، وفي الوقت نفسه حملت تكريماً لفنان لم يغب عن جمهوره»، مشيرة إلى أن هذا هو الجمهور الحقيقي الذي لا ينسى من أسعده يوماً.

ولفتت إلى أن «هاني شاكر الفنان والإنسان المحترم الغائب عن الدنيا، لكنه الحاضر بقوة في قلوب الناس، كان أحد الوجوه التي اعتاد جمهور القلعة رؤيتها، وغيابه لا يعني أن مكانه قد غاب عن الذاكرة»، مؤكدة أن هذه الصرخة العفوية من أحد الحاضرين تُعد رسالة بسيطة ولكنها مهمة للمسؤولين عن المهرجان، وأردفت قائلة: «المهرجانات ليست مجرد حفلات فقط، بل إنها عشرة وذكريات ومشاعر تتراكم بين الفنان وجمهوره».

واختتمت نادية التي ارتبطت بصداقة كبيرة مع هاني شاكر وأسرته بقولها: «هناك فنانون يصبح حضورهم جزءاً من وجدان الناس، وعندما يغيبون ينتظر الجمهور ولو كلمة وفاء أو لفتة تقدير تليق بما قدموه»، وأشارت إلى أن هناك ترتيبات خاصة تليق به بمهرجان الموسيقى العربية.

جانب من حضور مهرجان القلعة (وزارة الثقافة المصرية)

وقال المهندس ياسر شعلان رئيس البيت الفني للموسيقى والأوبرا والباليه ومدير مهرجان القلعة لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيتم إهداء حفل افتتاح الدورة المقبلة من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية للفنان الراحل هاني شاكر الذي يعد أحد نجوم المهرجان منذ دوراته الأولى، وكان محسوباً عليه أكثر من حضوره بمهرجان القلعة»، وأضاف شعلان: «سيكون ذلك احتفالاً يليق به بصفته فناناً أثرى بأعماله الوجدان العربي، ولا يجب التطرق لتفاصيله بل نُعدها مفاجأة تسعد روحه وأسرته وجمهوره».

لكن الناقدة ماجدة خير الله، تقول إن «هاني شاكر كان يستحق التكريم والاحتفاء به منذ رحيله، وما كان يجب الانتظار كل هذه المدة، فالتكريم الذي كانت تُعد له وزيرة الثقافة السابقة جيهان زكي توقف باستقالتها من الوزارة، ولم نسمع عنه شيئاً لاحقاً».

وأشارت خير الله إلى أنه بالمنطق الذي يسوقه مدير مهرجان القلعة، فإن الفنان الراحل كان محسوباً على الأوبرا، وكان يشارك في كل مناسباتها، وبالتالي لم يكن يجب تأجيل تكريمه حتى مهرجان الموسيقى العربية الذي يُعقد في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وكان يمكن إقامته في حفل خاص بالأوبرا من دون ارتباط بالمهرجانات والفعاليات.

مطالبات بتكريمه في مهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)

ويؤكد شعلان تقديره لوفاء الجمهور للفنان الرحل، عادّاً أن «البعض يتعجل ويُصدر الأحكام دون أن يتأكد من الأمر، فقد كنا ننوي إقامة حفل تأبين له بعد رحيله لكن أسرته لم تقبل بفكرة (التأبين)، لذلك سوف يتم تكريمه في مهرجان كان يحظى بحضوره الدائم».

ورحل الفنان هاني شاكر الملقب بـ«أمير الغناء العربي» في 3 مايو (أيار) الماضي عن عمر ناهز 72 عاماً بعد تعرضه لوعكة صحية شديدة بدأت في القاهرة وانتهت بوفاته في باريس، تاركاً ألماً بين جمهوره ومحبيه.