واشنطن تفرض عقوبات على النفط الإيراني وترفض «إعفاءات» للخط الائتماني الفرنسي

عرضت مكافآت مالية تصل إلى15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن أنشطة {الحرس}... وترمب يرجّح لقاءً مع روحاني على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة

ملصق خلف المبعوث الأميركي الخاص بإيران يظهر رمز «الحرس الثوري» خلال مؤتمر صحافي في واشنطن أمس
ملصق خلف المبعوث الأميركي الخاص بإيران يظهر رمز «الحرس الثوري» خلال مؤتمر صحافي في واشنطن أمس
TT

واشنطن تفرض عقوبات على النفط الإيراني وترفض «إعفاءات» للخط الائتماني الفرنسي

ملصق خلف المبعوث الأميركي الخاص بإيران يظهر رمز «الحرس الثوري» خلال مؤتمر صحافي في واشنطن أمس
ملصق خلف المبعوث الأميركي الخاص بإيران يظهر رمز «الحرس الثوري» خلال مؤتمر صحافي في واشنطن أمس

في خطوة متقدمة من استراتيجية «أقصى الضغوط»، وتحت شعار «أوقف إرهابي وأنقذ حياة»، أعلن المبعوث الأميركي الخاص بإيران برايان هوك تقديم مكافآت تصل إلى 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تساعد البيت الأبيض على تعطيل ووقف الأنشطة الإيرانية غير المشروعة، معلنا عن فرض عقوبات جديدة على شبكات شحن النفط المرتبطة بـ«الحرس الثوري» واستبعد خلال مؤتمر صحافي بشكل قاطع منح أي إعفاءات أو استثناءات من العقوبات المفروضة على إيران ومنها الخط الائتماني الذي اقترحته فرنسا والذي تقول طهران إنه قد يمهد للامتثال الكامل لصفقة الاتفاق النووي.
واعتبر هوك أن غاية سلسلة العقوبات الأميركية المتتالية التي تستهدف إيران «حرمانها من الحصول على موارد لتمويل الأنشطة الإرهابية المزعزعة للاستقرار وإجبارها على العودة إلى مائدة التفاوض للتوصل إلى اتفاق جديد شامل»، وذهب أبعد من ذلك عندما قال: «لا يمكننا أن نكون أكثر وضوحا أننا ملتزمون بحملة الضغط الأقصى ولا نتطلع إلى منح أي استثناءات أو تنازلات»، مضيفا أنه لم ير اقتراحا فرنسيا ملموسا قبل أن يشير إلى قلق أميركي أوروبي مشترك من «الطموحات النووية الإيرانية ودعم الإرهاب وبرامج الصواريخ الباليستية».
وأبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، احتمالات عالية لعقد لقاء بينه وبين الرئيس الإيراني حسن روحاني، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر الجاري بنيويورك.
ولم يستبعد ترمب خلال تصريحات صحافية بالمكتب البيضاوي، أمس، لقاء نظيره الإيراني، وقال إن «كل شيء ممكن، وإن إيران تريد التفاوض والتوصل إلى اتفاق». وتابع أن إيران «لم تعد نفس الدولة منذ عامين ونصف».
وصرح ترمب بأنه «حينما جاء إلى البيت الأبيض كانت إيران دولة إرهابية والآن لم تعد في قدرتها القيام بذلك»، مضيفاً أن «إيران لديها قدرات ونحن لا نسعى لتغيير النظام وأرى أنهم (الإيرانيون) يريدون استغلال هذه القدرات، وأنا لا أتخيل ما يمكن أن يواجهوه إذا أرادوا السير في الطريق الصعب».
وفي حديثه حول الجهود الدبلوماسية التي يقوم بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قال ترمب: «أنا أقدّر جهود الرئيس ماكرون، لكننا لا نتعامل من خلال دولة أخرى بل نتعامل مباشرةً، وقد كان لينا اجتماعات مجموعة السبعة واتفقنا جميعاً على أنه لا يمكن لإيران امتلاك سلاح نووي».
وشدد ترمب على أن بلاده لن تقوم بتخفيف العقوبات الأميركية على إيران. وقال في إجابته عن سؤال حول تصريحات روحاني ومطالبته برفع العقوبات الأميركية للدخول في مفاوضات: «لن نفعل ذلك».
وأضاف ترمب: «اقتصادهم يواجه خناقاً مالياً ومستويات التضخم عالية وهم (الإيرانيون) في موقف سيئ للغاية ويمكنهم حل هذا الموقف في 24 ساعة، وأعتقد أنهم يريدون حل المشكلة».
وقال هوك في هذا الصدد: «نحن نتفق على الكثير من الأمور والدول الأوروبية تعمل لحماية أمنها القومي ونحن أيضا نسعى لحماية أمننا القومي ونشترك في تقييم المخاطر، لكن لدينا خلافات تكتيكية حول أسلوب الوصول للهدف والرئيس ترمب منفتح على الكثير من البدائل».
وأعرب هوك أيضا عن تمسك ترمب بالتفاوض على «صفقة جديدة مع إيران تشمل وقف الإرهاب وتجارب الصواريخ الباليستية ووقف احتجاز الأميركيين»، مؤكدا أن إيران «لديها تاريخ من عدم الامتثال وعدم المجيء إلى مائدة الحوار من دون ضغوط دبلوماسية وعقوبات اقتصادية»، لافتا إلى أن العقوبات «تخلق المناخ لما يقود إلى المفاوضات». وأضاف: «لم نر جهدا من إيران، وعلى إيران اتخاذ قرار والتصرف كدولة عادية». كما اتهم الإيرانيين برفض الوساطات الدبلوماسية و«منها وساطة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي».
وجدد هوك انتقاداته لـ«الحرس الثوري» بقوله إنه «منظمة إرهابية قامت باستغلال الموارد من نقل النفط الإيراني المهرب لتمويل جماعات تقوم بتصدير العنف والإرهاب. وأوضح أنه خلال الشهور الماضية قام الحرس الثوري الإيراني بتهريب 100 مليون برميل نفط على متن 12 ناقلة نفط إلى سوريا بما قيمته مليار دولار». واعتبر وضع تلك القوات في سوريا «تهديدا لإسرائيل» وقال إن واشنطن «ترى أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها ونساندها بقوة».
وفي توقيت متزامن مع تصريحات هوك، أعلنت الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة على شبكة شحن يسيطر عليها «الحرس الثوري» و«فيلق القدس» بتهم قيام الشبكة بنقل النفط المهرب والمقدر قيمته بمئات الملايين من الدولارات إلى «حزب الله» وإلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد وإلى جهات أخرى. ويقول المسؤولون الأميركيون إن إيران تستخدم عائدات بيع النفط لتمويل جماعات مثل «حزب الله» التي تزعزع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وقال وزير الخزانة الأميركية ستيفن منوشين في بيان إن «تحرك وزارة الخزانة ضد هذه الشبكات النفطية المترامية الأطراف يوضح بوضوح أن الذين يشترون النفط الإيراني يدعمون بشكل مباشر الأذرع الإيرانية المسلحة والإرهابية».
وكانت الولايات المتحدة قد حذرت شركات الشحن وطواقمها من أنهم سيواجهون عقوبات محتملة بتهمة مساعدة فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني على استخدام شبكات الشحن الأخرى للتهرب من العقوبات الأميركية.
وأدرجت الخزانة الأميركية أسماء نحو 16 كيانا وشركة وناقلة نفط وعشرة أشخاص على قائمة العقوبات ومن بين الأسماء المدرجة كل من محمد قصير ومحمد رضا وعلي قصير ومحمد الزال وشمس الله أسدي وهم أعضاء في «حزب الله» اللبناني. وأدرجت أشخاصا من الهند يساعدون في تسهيل شحنات النفط المهرب، ومنهم ظفر أنيس اشتياق وعلي غدير وعلي الزهير محمد، إضافة إلى شركات تتخذ من الهند مقرا لها ومنها شركة بوشرا والشركة الوطنية لاستخراج الألمنيوم ومقرها لبنان ومجموعة مهدي التي تعمل في كل من الهند والإمارات وشركة عمران بيشرو. كما تم إضافة سفن النفط الخام مثل سانت كيتس وسفينة جاسمين النفطية التي تحمل علم إيران وسفن مرتبطة بمجموعة مهدي وبعض ناقلات النفط التي تحمل علم بنما وليبيريا ومنغوليا.
واعتبر المحللون أن هذه الخطوات الأميركية لتحذر مجتمع أعمال النقل البحري حول مخاطر تسهيل العمل مع إيران في الوقت الذي تبحث فيه واشنطن عن طرق جديدة للضغط على إيران. وقال مسؤولون بالخارجية الأميركية إن واشنطن تنوي التركيز على تنفيذ القانون وتقديم حوافز لحث ربان السفن البحرية وأطقم البحارة على التعاون وتقديم معلومات، وفي الوقت نفسه تهدد أيضا بإلغاء تأشيراتهم الأميركية مما يمنعهم من دخول الموانئ الأميركية ما لم يساعدوا الولايات المتحدة في مساعيها.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على وكالة الفضاء الإيرانية يوم الثلاثاء بعد أيام على ظهور صور الأقمار الصناعية لصاروخ فشلت إيران في إطلاقه.
وأعلن وزير الخارجية الأميركية في بيان مساء الثلاثاء أن العقوبات استهدفت وكالة الفضاء واثنتين من المؤسسات البحثية التابعة لها. وقال بومبيو إن «الولايات المتحدة لن تسمح لإيران باستخدام برنامج إطلاق الفضاء كغطاء للمضي قدما في برامج الصواريخ الباليستية، ومحاولة إيران الفاشلة لإطلاق الصاروخ في 29 أغسطس (آب) الماضي تؤكد الحاجة الملحة لمواجهة هذا التهديد». وحذر وزير الخارجية الأميركية المجتمع الدولي من التعاون مع برنامج الفضاء الإيراني بما يسهم في قدرة إيران على تطوير أسلحة نووية.
وأشارت الخارجية الأميركية إلى أن إيران تستخدم هذه المؤسسات البحثية وتقوم باختبارات الفضاء كوسيلة سرية للمضي قدما في برامجها للصواريخ الباليستية. وقالت الخارجية الأميركية إن إيران انتهكت بهذه الاختبارات، قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يمنع إيران من اتخاذ أي إجراءات تتعلق بتجارب للصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس حربية. وأكدت أن تكنولوجيا إطلاق المركبات الفضائية الإيرانية قادرة على العمل لإطلاق الصواريخ الباليستية التي يحتمل أن تحمل أسلحة دمار شامل مثل الرؤوس الحربية النووية.
وغرد الرئيس ترمب يوم الجمعة الماضي بصور بموقع إطلاق الصاروخ الإيراني، نافيا تورط بلاده في هذا الحادث المأساوي، كما اعترفت إيران بوقوع الانفجار في مركز الإمام الخميني للفضاء، وأوضحت أن سبب الانفجار كان نتيجة عطل فني وليس نتيجة عمل من أعمال التخريب.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.