أدونيس يراهن على دور البطل الفرد في تغيير الواقع ويعيد الشعراء إلى «الجمهورية»

لم يكفّ عن خلخلة الثوابت وتقويض المفاهيم والانقلاب على السائد وهو على مشارف التسعين

أدونيس
أدونيس
TT

أدونيس يراهن على دور البطل الفرد في تغيير الواقع ويعيد الشعراء إلى «الجمهورية»

أدونيس
أدونيس

«ويقولون: هذا غموضٌ \ ويقولون غيبٌ \ غيّبي كلماتي \ غيّبي خطواتي \ واجمحي وخذيني \ أيها الشهوة الملَكيّه \ إن رأيتَ على مدخل الجامعه \ نجمة، خذ يديها \ إن رأيتِ على مدخل الجامعه \ كوكباً عانقيه.. \ وكتبْنا على مدخل الجامعه: \ التواريخ تنهارُ، والنار تطغى...».
لم أجد، وأنا أبحث جاهداً عن مفتتح مناسب للكلام عن أدونيس، أفضل من هذا النص الشعري المقتطع من قصيدة له كتبها في منتصف سبعينات القرن الماضي تحت عنوان «أول الاجتياح». والواقع أن هذا الاختيار لا يعود فقط إلى قدرة النص على اختزال الكثير من وجوه التجربة الشعرية الأدونيسية التي تقف دائماً على مفترقات الثنائيات الضدية، حيث يتواجه الوضوح والغموض، الرماد واللهب، الحب والموت، بل لأن في هذا النص بالذات ما يربطني على المستوى الإنساني والإبداعي، ويربط زملاء وزميلات كثراً، بصاحب «أغاني مهيار الدمشقي» الذي تتلمذنا عليه في كلية التربية في الجامعة اللبنانية، قبيل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بقليل. ففي هذا النص ما يعكس ذات الشاعر العميقة والممتدة خارج نفسه والمنقلبة على التراتبية المألوفة للعلاقة بين الأستاذ وطلابه، لتتحول إلى صرخة عاتية في وجه البطالة الفكرية والتصحر الأكاديمي، وإلى دعوة مفتوحة لإقامة الصداقة واقتراف الحب وتحرير الجسد من قيوده. لم يكن اسم أدونيس مجهولاً لدينا، نحن طلاب قسم اللغة العربية وآدابها، حين تم إبلاغنا آنذاك بأنه سيدرّسنا مادة الأدب الحديث. وكنا بالطبع تواقين إلى التعرف عن كثب إلى الشاعر الذي تمكن منذ اللحظة الأولى أن ينقلنا من طور إلى طور، ومن ذائقة إلى ذائقة، ومن زمن إلى زمن. وكانت العلاقة معه لا تقتصر على غرفة الصف، بل تتدرج امتداداتها من كافيتريا الكلية وأروقتها، إلى متابعتنا أنشطته وأمسياته، وإلى جلسات الحوار في مقاهي المدينة المختلفة. كما فتح لنا، نحن طلابه اليافعين والممسوسين بلوثة الكتابة، صفحات مجلة «مواقف» التي كان أسسها بعد توقف مجلة «شعر» عن الصدور لكي تحتضن انطلاقتنا المبكرة على طريق الكتابة الشاقة. وحيث لم يكن سدنة المؤسسات الرسمية المحنطة وحراس هيكل البلادة ليستسيغوا حضور الشاعر الشاهق ومكانته في قلوب طلابه، فقد قرروا الطعن في شرعيته، بدعوى عدم حصوله على شهادة الدكتوراه التي تخوله التدريس في الجامعة؛ الأمر الذي حمله على تحويل كتابه القيم «الثابت والمتحول» إلى أطروحة جامعية استثنائية، مكّنته إثر مناقشتها في الجامعة اليسوعية في بيروت من الحصول على رتبة الشرف العليا.
لم تكن تلك الحادثة منبتّة بالطبع عن السياق الطبيعي لحياة الشاعر ومواقفه الرافضة للتدجين على مستويات السياسة والفكر والنص الإبداعي. وإذا كان أدونيس يرى في شخصية أبيه الراحل النموذج الأسمى الذي رسخ في داخله فكرة الحرية والحرص على رفض التبعية للحاكم، فإن تجربته ومفهومه للشعر كانا منذ بواكيره يجدان تربتهما الملائمة في معتقدات بيئته الدينية الخارجة عن النص الرسمي والتي تجد ظهيرها الأمثل في التصوف والتأويل والتنقيب عن المعنى، بما يدفع النص الشعري إلى حدوده القصوى، ويجعل من جدل الباطن والظاهر الوجه الآخر للجدل المماثل بين المرئي واللامرئي، كما بين الحقيقة والمجاز. وإذا كانت المصادفة قد لعبت دوراً كبيراً في حياة أدونيس، كالدقائق الخمس الفاصلة بين التحاقه بالخدمة العسكرية في بلاده أواخر الأربعينات وبين فراره إلى بيروت، فإن مصادفة أخرى سابقة هي التي جعلت الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي يستمع إلى قصيدته المدحية خلال مهرجان سياسي، ويقرر بالتالي إلحاقه على حساب الدولة بمدرسة اللاييك الفرنسية في طرطوس. وهو ما أتاح له أن يقرأ بشكل مبكر نتاجات بودلير، ورامبو، ونيتشه، ودو نيرفال من جهة، في حين كان من الجهة الأخرى يغوص في أعماق التراث العربي والمشرقي بكل جوانبه ومفارقاته وتناقضاته الضدية؛ مما وفر له الشروط الملائمة لإخراج الشعر من دائرة الانفعال العاطفي والغنائية الرخوة والمهارة الوصفية، وتحويله إلى مشروع رؤيوي يسهم في تقويض المفاهيم والبنى السائدة وإعادة صياغتها من جديد. وإذ رأى صاحب «أوراق في الريح» بأن الشعر في عمقه هو بمثابة إعادة تسمية للأشياء والكائنات، فهو قد بدا متململاً حتى من اسمه بالذات، فاستبدل اسم علي أحمد سعيد باسم جديد هو أدونيس، الذي بدا محلاً للتقاطع الواضح بين أناه العقائدية الجمعية، وهو الذي انتمى للحزب السوري القومي آنذاك، وبين الأنا الفردية التي بتماهيها مع الأصل الأسطوري كانت تعمل بضراوة على استيلاد أسطورتها الموازية من رحم المغامرة الإبداعية والصراع على حافة الموت مع الخنزير الآخر المتمثل بالجهل والظلم والفكر المتخثر والمؤسسات البالية. وإذا كان انضمام أدونيس إلى أسرة مجلة «شعر» التي أسسها يوسف الخال في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي قد عكس توقه الملح إلى البحث عن أفق مغاير للشعرية العربية التقليدية التي تخثرت مع الزمن، فإن تأسيسه مجلة «مواقف» فيما بعد بدا ترجمة ملموسة لمشروعه الفكري الأوسع الذي أراد من خلاله الانتصار للحرية بمستوياتها الثقافية والفكرية والسياسية، وتحديث البنى الفكرية والمعرفية العربية بعد إعمال النقد الجريء في أسسها وثوابتها الراسخة.
على المستوى الشعري بدت التجربة الأدونيسية منذ «قصائد أولى» مختلفة عن سواها، لا من حيث الأدوات الفنية والجمالية فحسب، بل من حيث النظر إلى الشعر بوصفه مساءلة للوجود ومشروعاً لتغيير العالم واستيلاداً للذات من رحم المكابدات الداخلية والصراع مع اللغة. ولعل قصيدة «الفراغ» المنشورة في مجموعة الشاعر الثانية «أوراق في الريح» كانت إعلاناً صريحاً عن عقم الواقع العربي الذي آلت محاولاته النهضوية إلى فشل محقق بفعل فساد التربة الفكرية والاجتماعية الحاضنة لها، وهو ما عبر عنه خليل حاوي لاحقاً عبر قصيدته الأشهر «لعازر 1962»، إلا أن الطبيعة الجدلية للرؤية الأدونيسية كانت تعصمه من اليأس وتدفعه باستمرار إلى المراهنة على عناصر القوة المختزنة في دواخل البشر الرافضين. على أن قراءة معمقة لتجربة أدونيس في مراحلها المختلفة تتيح لنا أن نلاحظ رهانه القوي على دور البطل الفرد في تغيير الواقع الآسن والانشقاق عليه. صحيح أن رهان الشاعر على التغيير قد تمثل تاريخياً عبر حركات وظواهر فكرية وثقافية وسياسية جمعية كالصعاليك والمعتزلة والقرامطة والزنج وغيرهم، إلا أنه في الآن ذاته لم يكف يوماً عن الاحتفاء بالمغامرين الكبار الذين يصرون على الانعطاف باللغة والفكر والعالم نحو مآلات أفضل، حتى لو أدى الأمر ببعضهم إلى النفي والاضطهاد وصولاً إلى الاستشهاد. وإذا كان أدونيس قد وجد في الكثير من رموز التراث المتباعدة أقنعة له ومحوراً لقصائده، كما هو شأن إسماعيل، وعروة بن الورد، وعبد الرحمن الداخل، وبشار بن برد، والحلاج، والسهروردي، وأبي تمام، وأبي نواس، والمتنبي، فهو قد اجترح من عندياته رموزاً لاختراق السائد مثل البهلول والمجنون، أو رموزاً تاريخية معدلة، مثل مهيار الدمشقي الذي «خانه عاشقوه \ والذي يرفض الغمامه \ تاركاً وجهه علامه \ فوق وجه الفصول». وهو إذ ينتقل بصوته الرافض من مجموعة إلى أخرى، يتحول في «المسرح والمرايا» إلى شرارة أخيرة في موقد التاريخ الهامد «سقطتْ مناديل الفضاء بشارة تلد البشاره \ لم يبق إلا عابرٌ شربتْ ملامحه الجسورْ \ هو مرة نجمٌ يشفّ ومرة نجمٌ يغورْ \ لم يبق من تيه الطريق سوى الطريق، سوى الشراره».
ليس ثمة من سبيل إلى السكون أو الاستكانة أو الركون إلى حقيقة ثابتة في شعر أدونيس. الحقيقة الوحيدة الثابتة عنده، وبتأثير من هيرقليطس، هي التحول المستمر والحركة التي لا تهدأ. ومع أن أرض كتابته تراجيدية بامتياز، حيث لم يفلح في ظل غياب الحرية وتعطيل العقل أي مشروع نهضوي، فإن ذلك لم يفض به إلى الاستسلام بل راح، متأثراً بنيتشه وجبران، ينقب عما يختزنه في أحشائه من عصف روحي ومساحات للمغايرة والتجدد. وهو إذ يعلن في «مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف»، المهداة إلى جمال عبد الناصر، «جاء العصف الجميل ولم يأن الخراب الجميل»، يخاطب هذا الأخير بقوله «كنتَ كالآخرين ارفضِ الآخرين \ بدأوا من هناك ابتدئ من هنا \ من أنين الشوارع من ريحها الخانقة \ وابتدئ من هنا \ حول طفل يموت \ حول بيت تهدّم فاستعمرته البيوت».
وفي قصيدة «هذا هو اسمي» يرى بأن اسمه الحقيقي هو «لغم الحضارة»، وأن لا قيمة للاسم إذا لم يحوّله المسمى إلى طاقة سحرية فاعلة ورمز للصيرورة والتحول، حيث «علي لهبٌ \ ساحرٌ مشتعلٌ في كل ماءْ». وهو ما يعيدنا إلى صلب المنظور الأدونيسي للشعر الذي لا يرى في هذا الفن تصريفاً لفائض العاطفة، أو مجرد تفاعل رومانسي مع الوقائع والأحداث، أو حتى انكباب مفرط على تفاصيل لا طائل منها، ولا مشروعاً لتغيير اللغة وإنقاذها من تعنت النحاة فحسب، بل يرى فيه مشروعاً لتغيير العالم ووضْع الحياة عند التخوم الأخيرة للمغامرة والابتكار. ولأن الشعر هو بمثابة تاريخ آخر في قلب التاريخ، لا بل إن أدونيس قد ذهب إلى أبعد من ذلك في ثلاثيته الشهيرة «الكتاب»، التي تماهى من خلالها مع شخصية المتنبي، حيث رأى في الشعر تكريساً لسلطة اللغة بدلاً من لغة السلطة، وتاريخاً آخر يرسم المبدعون المتنورون تضاريسه الخلاقة بمحاذاة التاريخ الرسمي الممهور بالكذب والمضرج بالدم. ولعل هذا الإعلاء الاستثنائي لمعنى الشعر يضع أدونيس على الضفة المقابلة لأفلاطون، الذي أراد أن يطرد الشعراء من جمهوريته بدعوى كونهم متبطلين وهامشيين ومزورين للحقيقة.
على أن أدونيس المنقلب على المفاهيم ونظام القيم والأفكار المعلبة، لم يربط الحداثة بالتأخر الزمني ولم يرها رديفاً للمعاصرة، بل ربطها بالمغايرة والتجديد، حيث لا فرق بين شاعر جاهلي وشاعر معاصر إلا بالفرادة والابتكار، وهو ما أكدته بوضوح المختارات النادرة التي جمعها بنفسه تحت عنوان «ديوان الشعر العربي». وفي تجربته الشخصية لم يربط الحداثة بالشكل وحده، بل بالرؤيا والمقاربة والمشروع، بدليل أنه آلف عبر تجربته المديدة بين قصيدة الشطرين وقصيدتي التفعيلة والنثر. وهو لم ينقلب على الركائز الأولية للغة العرب، ولم يقوّض أسس النحو العربي بحجة تفجير اللغة أو تمجيد الركاكة، كما فعل البعض. لا، بل إن اللغة الأدونيسية هي من زاوية ما لغة «نبوية» حاسمة النبرة ومحْكمة الصياغة تتصادى مع بعض فصول العهد القديم ومع الروح العاتية لكل من نيتشه وجبران. وهي تتصادى، من زاوية عصبها الذكوري المتوتر والمشدود، مع سلالة الشعراء «الفحوليين» من أمثال امرئ القيس، وأبي تمام، والمتنبي، وسعيد عقل، في مقابل سلالة العصب «الأنثوي» ذي المنسوب العاطفي المرتفع والليونة الإيقاعية المترعة بالشجن، كما هو حال أبي فراس الحمداني وبدر شاكر السياب، وصولاً إلى محمود درويش. على أن ذكورية العصب التعبيري عند الشاعر لا علاقة لها على الإطلاق بذكورية القيم والمفاهيم البطريركية والأبوية، بل هي محاورة للأنوثة على القمة الموازية، ومن موقع الشغف والافتتان القصووي. وهو ما تعكسه بوضوح قصيدته الفريدة «تحولات العاشق» التي تؤالف بين النزوع الشبقي الشهواني وبين الالتحام الصوفي بالمرأة المعشوقة.
وإذا كان أدونيس قد استشهد بقولة القديس بالاماس «الجسد قبة الروح»؛ فلأنه كان ينتصر للجسد الشبقي والجمالي، واللغوي تالياً، في مواجهة الجسد الديني والأفلاطوني الذي يراوح بين الدنس والخطيئة والغياب. وهذه المزاوجة بين شبقية الحب وشبقية التعبير، أو ثنائية المرأة اللغة، تتكرر في غير عمل من أعمال الشاعر، وخصوصاً في «مفرد بصيغة الجمع»، حيث نقرأ: «أمحوكِ أيتها الشهوة \ أكتشفكِ \ أسمع للحوض صهيل الأفراس \ أسمع للسرة امتداد السهوب \ ألمس القحف والقلب \ نبض العظم \ وحوحة الشرايين.. \ اتركي لجسدي أن يَثْبت على الورق».



«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.


مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عادت مهنة «البواب - السمسار» إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدَّد طبيبة بالخطف، لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة» عقب شرائها شقة في العقار الذي يعمل به.

وكانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض، في وقت سابق، على حارس عقار في منطقة الهرم بالجيزة، عقب انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تستغيث فيه طبيبة من تعرُّضها للتهديد بالخطف، والسبّ من قِبل البواب، ومنعها من دخول منزلها.

وحسب بيان لوزارة الداخلية، أفادت الطبيبة بأنها اشترت شقة في العقار، وفوجئت بالبواب يطالبها بمبلغ مالي كـ«سمسرة»، إضافة إلى تعدِّيه عليها بالسبِّ.

ولدى مواجهته، اعترف الحارس بارتكاب الواقعة، مستنداً إلى «اتفاقٍ مزعوم» مع الطبيبة على تقاضي عمولة نظير شرائها الشقة، ورفضها السداد.

ولاحقاً، قررت نيابة الهرم في الجيزة، السبت، إخلاء سبيل حارس العقار بضمان مالي قدره 20 ألف جنيه (الدولار يعادل 52.5 جنيه في البنوك المصرية)، على ذمة التحقيقات.

وحسب وسائل إعلام محلية، أقرَّ حارس العقار أمام جهات التحقيق بصحة الواقعة، مبرراً تصرّفه بوجود اتفاق سابق مع المجني عليها لتقاضي عمولة «سمسرة» قدرها 75 ألف جنيه مقابل شرائها الشقة السكنية، مشيراً إلى أن رفضها سداد المبلغ هو ما أثار غضبه. في المقابل، أكدت الطبيبة في أقوالها أنها فوجئت بمطالبته بأموال دون وجه حق، ومنعها من دخول مسكنها عقب رفضها الاستجابة لطلباته.

وأعادت واقعة الطبيبة وحارس العقار مهن «البواب - السمسار - السايس» إلى واجهة الجدل الاجتماعي في مصر؛ إذ يرى البعض أن أصحاب هذه المهن «بسطاء» يستحقون الدعم والمساندة المالية، في حين يرى آخرون أنها تحقق مداخيل مرتفعة دون جهد موازٍ، في حين يشير خبراء إلى أن مهنة «البواب» تحديداً أصبحت تمثل تحوّلاً من مجرد خدمة إلى نفوذ متداخل في تفاصيل حياة السكان.

«البواب والسمسار» مهن تعود إلى واجهة الجدل في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن مهنة «البواب» تُعد من أخطر المهن في مصر من الناحية الاجتماعية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام، تجاوز البواب في مصر حدود مهنته، وتحول إلى صاحب سلطة، مُطَّلع وكاتم أسرار السكان؛ فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في المبنى، ولديه تفاصيل اجتماعية يصعب على غيره معرفتها؛ من العلاقات الأسرية، وحالات الزواج والطلاق، ومن يعيش بمفرده، والضيوف المترددين، ومواعيد خروج السكان وعودتهم، بل وحتى أنماط حياتهم اليومية». ويرى صادق أن هذه المعطيات «تنطوي على خطورة اجتماعية».

كما أشار إلى أن مصدر قوة البواب يكمن في امتلاكه معلومات دقيقة عن السكان، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى استغلال هذه المعرفة في ممارسات ابتزاز غير مباشر، أو التأثير على استقرار السكان، كالتسبب في طرد أحدهم أو عرقلة تجديد عقد إيجاره.

وقد تناولت السينما المصرية هذه الظاهرة في أعمال عدة، أبرزها فيلم «البيه البواب» (1987)، الذي جسَّد فيه الفنان أحمد زكي شخصية «عبد السميع»، القادم من الأقاليم إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، حيث عمل بواباً ثم سمساراً، وتمكن بذكائه من جمع ثروة غيَّرت حياته، لكنه ظل متمسكاً بمهنته، وتزوج من إحدى ساكنات العقار، التي أدّت دورها الفنانة صفية العمري.

ويشير صادق إلى أن هذه المهنة شهدت تطورات ملحوظة منذ عرض الفيلم؛ إذ لم يعد البواب بحاجة إلى العمل سمساراً بشكل منفصل لتحسين دخله، بل أصبحت السمسرة جزءاً من مهامه، إلى جانب راتب شهري يسهم فيه السكان، ومسكن مجاني داخل العقار، فضلاً عن الإكراميات مقابل الخدمات المختلفة.

ويرى صادق أن الجدل المجتمعي حول هذه المهن يرجع إلى طبيعتها الخدمية ذات الدخل غير المحدد، والذي يختلف من شخص إلى آخر، حيث تتحدد جودة الخدمة وفقاً للمقابل المدفوع؛ فكلما زاد ما يدفعه الساكن، زادت الخدمات المقدمة له، سواء من البواب أو السايس أو السمسار.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن مهناً مثل «البواب» و«السمسار» تندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في دخول العاملين بها خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد البواب فقيراً كما كان يُعتقد، بل يمتلك دخلاً مرتفعاً؛ إذ يتمكن كثيرون منهم من شراء أراضٍ ومنازل في مناطقهم الأصلية. وكذلك السايس، رغم طبيعة دخله اليومي المتغير، فإنه يحقق حصيلة جيدة بنهاية اليوم، بينما تُعد مهنة السمسار من أكثر المهن ربحاً، نظراً للعمولات الكبيرة التي يحصل عليها مقارنة بالجهد المبذول».